عرض مشاركة واحدة
الصورة الرمزية ~ عبير الزهور ~
~ عبير الزهور ~
مشرفة ادارية سابقة لها رحيق الورد
قديم 11-12-2012, 11:29 AM
#4
فقه الهجرة الكبرى
﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا

كانت الهجرة خطة محكمة خطَّها الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد كان يمكن أن يدعو اللهَ - عزَّ وجلَّ - فتحمله الرِّيح التي حَمَلتْ سليمانَ - عليه السَّلام - وقد كان يمكن أن تتمَّ الهجرة قبل أن يقوم أحدٌ من مقامه، بل قبل أن يرتدَّ إلى أحدٍ طرْفُه، ولكن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أراد أن يشرع للمسلمين شريعة التدبير والتَّخطيط، والأَخْذ بالأسباب، ومع ذلك فقد تأتي على الأسباب عوارِضُ كثيرة تفتُّ في عضدها، وتُبْطِل أثرَها، وهنا تأتي أهمية التوفيق الإلهي في إنجاح العمل الإنساني.

فانطلقت سفينة الهجرة تَمْخر عباب الصَّحراء، وكان بسم الله مَجْراها ومرساها، منذ أن خرج الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - من بيته، إلى بيت أبي بكرٍ، إلى الغار، إلى الطريق إلى المدينة.

مظاهِرَ حفظ الله تعالى لنبيِّه الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأبي بكر؛ وذلك تقتضيه حكمة التناسب،ففى بداية الاحداث التي تَمَّت لهما بالأخذ بالأسباب، وهنا نتناول الأحْداث التي تَمَّتْ لهما خارجةً عن الأسباب، ولا بُدَّ أن يقترنَ الأمران، فيكون الأوَّل سعْي المرء برهانًا منه على صِدْق نيَّته، ثم يأتي نَصْر الله وتوفيقه من بعد، قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ ﴾ [التوبة: 14]
ولكنه قال: ﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ [التوبة: 14]
وإنِّي أستعين الله تعالى في سَرْد هذين المظهرَيْن مقترنين، مظهر الأخذ بالأسباب مكتفيًا بالإشارة إلى ما سبق ذِكْرُه، ومظْهر التَّوْفيق الإلهي فيما لا يستطيع الأخْذُ بالأسباب الوصولَ إليه.

أوَّل ذلك:

1 - خُرُوج الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - مِنْ بَيْته إلى بيت أبي بكر:

كانتْ حكمةُ اللهِ تعالى تقْتَضي أنْ يكونَ اجتماعُ قريش لِمُحاولة القضاء على الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في نفس اللَّيلة التي أذن له بالْهِجرة فيها؛ وذلك حتَّى تظهر قُدرة الله تعالى في نَصْرِ أوليائه، وكان الأخذ بالأسباب أن يَخْرج الرسول ليلاً، وأن يترك في فراشه عليًّا - رضي الله عنه - نائمًا؛ تعمية على الكفار إذا رأوا غطاءً تَحته جسدٌ نائم، وكان توفيقُ الله وحِفْظه أن يُلْقِي النُّعاس على الكُفَّار، كما ألْقاه مِن بعدُ على المؤمنين، وشتَّان ما بين هذا وذاك، فالذي جعَل النعاس للمؤمنين راحة وأمَنَة، جعَله للكافرين كسلاً وخُمولاً، والذي ثبَّت بالنُّعاس نفوسَ المؤمنين، زلزل به وزعزع نفوسَ الكافرين.
هذه واحدة.

والأخرى أن يخرج الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - من بين أيديهم يتلو آيات القرآن الكريم: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يس: 9].


وهذا يعني أنَّ للقرآن فاعليَّة مادِّية، على خلاف ما يظنُّ بعضُ الناس من كَوْن القرآن كتابًا يشفي الله به الصُّدورَ، وكفى، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾ [الرعد: 31]

قال المفسرون: جواب لو مَحْذوف، وتقدير الكلام: ولو أن قرآنًا يفعل به هذه الأمور لكان هذا القرآن، بل لله الأمر جميعًا، وهذا ليس افتئاتًا على الله في كلامه، وإنَّما هو مقتضى فَهْم التعبير العربي.


والشاهد أنَّ للقرآن أثرًا ماديًّا يحقِّق الله تعالى به ما يريد، وكان من ذلك إلقاءُ النَّوم على الكُفَّار، وهذه النُّقطة تَجْمع المظهرين السابقين: الأخذ بالأسباب وهو التلاوة، والحفظ الإلهي وهو تحقيق الأثر.

وهناك أمر ثالث:

وهو أن يخرج الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيحثو التراب فوق رؤوسهم، وهذا الفعل رمز للهوان والخِزْي الواقع على الكفَّار، وقيمته أن يستشعر الكفَّار هذا الشعور، فيكون أنكى لَهم من مُجرَّد الشعور بالحسرة مِن فوات الأمر عليهم في قتْل الرسول، وذلك أخذ بالأسباب أيضًا، ولا ننسى أن النبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - استخدم التراب كثيرًا آخذًا به سببًا في فعل شيء ما، ومنه رقيته المريض بالتراب: "بِريقَةِ بعضِنا، وتربة أرضِنا، يُشفى سقيمنا"، ومنه رَمْيه التُّراب في وجوه الكُفَّار في معركة حُنَين، وقوله: ((شاهَتِ الوجوه)).

وكذلك في موقف الحصار هذا، رمى وقال كما يرويه عبدالله بن عباس، يقول: لَمَّا حاصر الكفَّارُ بيت الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - "فأقبلت ابنته فاطمة - رضي الله تعالى عنها - تبكي حتَّى دخلت على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأَوْك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجلٌ إلاَّ قد عرف نصيبه من دَمِك، فقال: ((يا بُنَيَّة، أريني وَضوءًا))، فتوضَّأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانُهم في صدورهم، وعُقِرُوا في مَجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يَقُم إليه منهم رجلٌ، فأقبل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التُّراب، فقال: ((شاهت الوجوه))، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاةٌ إلاَّ قُتِل يوم بدر كافرًا"؛ "مسند أحمد"، 2762، حسَّنَه الشيخ الأرنؤوط.

والشاهد من الحديث قوله الأخير: ((فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاة إلاَّ قُتِل يوم بدر كافرًا))؛ وذلك لأنَّ هذا التُّراب كان أخْذًا بالسَّبب، وكان قتْلُهم كفَّارًا يوم بدر هو التحقيق الإلهي له.

كانتْ هذه أحداث البِداية بين الأخْذ بالأسباب والتوفيق الإلهي.

2 - خروج الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأبي بكر إلى الغار:

خرجا مَشْيًا خَمسة أميال، وقد كانت النَّاقتان طوْعَ أمرهما.

ولكن من حكمة الأخْذ بالأسباب أن يقطعا هذه المرحلة مشيًا، ولم يكن أي مشي؛ فقد كانا يَمشيان على أطراف أصابعهما حرصًا على خفاء آثارهما، حتى حفيت قدم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.

يعلِّقُ على ذلك د: إبراهيم علي محمد أحمد في كتابه "في السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحماية":

"وفي ذلك اعتبارات أمنيَّة ظاهرة، فسَيْرُهم على الأقدام يَجْعل أثرهم أقلَّ وضوحًا مِمَّا لو كانا راكِبَيْن، إضافةً إلى أنَّ الرُّكوب على الدوابِّ في مثل هذا الوقت من اللَّيل مُلْفِتللنظر، وربما تنبَّهَت قيادةُ قريش للأمر، فتفسد الخطة، كما أن حركة الرَّواحل في الغالب يصدر عنها صوت، مِمَّا يجعل الرَّكْب عرضة لإثارة فضول قريش فتسأل الرَّكب، أو تستوقفه؛ لتستوضح أمره، بعكس السَّيْر على الأقدام فلا يُحْدِث صوتًا، وبخاصة إذا كان السير على أطراف الأصابع، كما كان يسير الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا السير يزيد من فرص نجاح المهمة".
وكان التوفيق الإلهي بجانبهما؛ إذْ لم يعترض مسيرَهُما أحدٌ، كأنَّ هذا الطريق الطويل كان خاليًا من السَّالكين.


3 - البقاء في الغار أيامًا ثلاثة:

من الطبيعي أن يكونَ الغار نافعًا من الحرِّ والقرِّ، في الاستتار منهما، أما أن يكون نافعًا في الاستتار من الطالبين فإنَّ ذلك بعيد.

لأنَّ الغار لن يعوق جسوم الدَّاخلين فيه من قريش، ولن يردَّ أعين الناظرين في باطنه، غيْرَ أنَّ الأخذ بالأسباب يقتضي التخفِّيَ في مكان خافٍ، ولكن التوفيق الإلهي يَمْنع ما يُعارض السبب؛ إذْ لَمَّا انطلق الكفار على إثْر الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصاحبِه انتهى بِهم علم القِيافة الذي برعوا فيه إلى الغار، وهناك كانت عناية الله تعالى تتجلَّى في أكثرَ مِن مظهر.

وقبل سرْدِ هذه المظاهر يطيب للنُّفوس أن تتلو كلام الله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[التوبة: 40].


يَتَكَلَّم اللهُ تعالى عن نَصْرِه لرسوله الكريم وصاحبه، وهذه الكلمة كبيرة الحجم في ذاتِها إذا قرنت بالموقف الذي تحدَّثَت عنه، ولكنها تصير كبيرةَ المعنى جدًّا إذا كان قائلُها الله ربّ العالمين، إنَّها لَحرْبٌ، وإنه لنصر يتجلَّى فيه كلُّ معاني النصر، هما اثنان أعزلان إلاَّ من سلاح التوكُّل، وخلفهما أُمَّة كبيرة منَ الحاقدين المدجَّجين، وانتهت المطاردة بالرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصاحبه إلى ساحة محدودة هما فيها محصوران، وحدثت المواجَهة.

ولكن كانت ثَمَّ عنايةُ الله تعالى، متمثِّلة في:

كفِّ أذى العقارب عنهما:

كلُّ غار مليءٌ بالعقارب، وهذه طبيعة جبلية، وليس المقام هنا لعرض تصرُّف أبي بكرٍ معها، ولكن هذا مقامُ بيان كيف أنَّ الله تعالى كفَّ الشرَّ عنهما، فلم يَخْرج عليهما عقرب، ولم يُرْوَ من طريق صحيح أنَّ أبا بكر الصدِّيق لدغَتْه عقرب، ثُمَّ برئ لَمَّا تفل عليها الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وإنِّي أظنُّ أنَّ هذه الرحلة كانتْ على درجة من السلامة تامَّة؛ فليس هذا هو موقفَ الابتلاء؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل، وقد ابتُلِي الرَّسول وأبو بكر مِن قَبْل ومِن بَعْد ابتلاءات حياتيَّةً كثيرة، ولكن في هذه الرحلة لَم أقع على ابتلاءٍ حياتِيٍّ عارض، مما يتعرَّض له الناس في يومهم.

كفِّ العيون عن لحظهما:

كلُّ عين صحيحة مِن طبيعتها الإبصار، وتتضاعف هذه القدرة لِمن كان طالبًا، غير أن الله تعالى الذي منع النار طبيعتَها، فصارت بردًا وسلامًا على إبراهيم، منَعَ العيون المُبْصِرة أن تكون بِهما باصرة.

حكى أبو بكر الصديقُ لأنس بن مالك قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا، ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أنَّ أحدهم نظر إلى قدمَيْه أبصرنا تحت قدمَيْه، فقال: ((يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟))؛ (مسلم: 6319).


هذا منتهى الأخْذ بالأسباب: الاختفاء والتوكُّل، وماذا يفعلان بعدُ؟ وكان الله تعالى من ورائهم مُحيطًا.

وإذا كانت القلوبُ بين إصبعَيْن من أصابع الرحمن، فالحواسُّ الإنسانية كذلك، يتحكَّم فيها خالِقُها، فترى ما يُرِيها إيَّاه، وتعمى عما يعميها عنه، وذلك يقع لِفُرادى من الناس إذا كان يستغرقه التفكير، فإنَّه حينئذٍ لا يُبْصِر ولا يسمع، وإذا استغرقه الخوف لا يبصر ولا يسمع، وإذا استغرقَتْه السعادة لا يبصر ولا يسمع، هكذا الإنسان الضعيف، فأين إرادته مِن إرادة الله تعالى؟!

نسْجِ العنكبوت:

روى الإمام أحمد عن هذه القصة: "... فاقتفَوْا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمَرُّوا بالغار، فرأَوْا على بابه نسْجَ العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا أحدٌ لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثَ ليالٍ".

روى ابن كثير هذه الحكاية بإسناد قال عنه: "وهذا إسناد حسن، وهو مِن أجود ما رُوي في قصَّة نسج العنكبوت على فم الغار؛ وذلك من حماية الله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم"؛ ("السيرة النبوية" لابن كثير، 2/ 239).

ولنا في قضيَّة نسج العنكبوت - إذا صحَّت - وقْفَة:

فالله تعالى جعل هذا الأمر معجزة وسببًا من الأسباب؛ لأنَّه لم يعجزهم بِها لتكون معجزة فقط، يعلم من تحدَّث معه أنَّها معجزة، وإنَّما ضلَّلهم الله تعالى بها، فهي سببٌ لإبعادِ فِكْرهم، وإن كانت معجزة في نظر الرسول وأبي بكر؛ لكونِها حدثَتْ من أجْلِهما، وأظهرت منظرًا عتيقًا وإن كانت قد حدثت في سرعة.

وهذا أعمق في دلالة الاستهزاء بالكُفَّار من أن يردَّهم الله تعالى بِمُعجزة يظهر لهم أنَّها معجزة؛ لأنَّ ذلك يعطيهم شأنًا عظيمًا، سيقولون في أنفسهم: لولا قُدْرة الله التي أعجزَتْنا، لَكُنَّا فعلنا وفعلنا، إنَّما هم أحقر من ذلك، فجعل الله العنكبوت في نظرهم أمرًا عاديًّا استهزاءً بِهم.

وكلُّ ما مضى من الحفظ هو من جنود الله تعالى التي ذكَرَها في آية التوبة، يعملون بأمر الله تعالى، إمَّا ملائكة السَّماء يَكُفُّون الأذى والعيونَ عن الرسول وصاحبه، وإما كائنات الأرض: العنكبوت.

4 - في الطريق نحو المدينة:
سلك بِهما عبدالله بن أريقط بعد السَّير جنوبًا إلى الغرب ناحية الساحل، ثم إلى الشمال نَحْو المدينة في طريقٍ غير مَسْلوك.

هذا هو الأخذ بالأسباب، غير أنَّ عوارض تَحْدث، وثَمَّة تلفى العناية الإلهيَّة، فبينما هما يسيران إذْ تبعهما طالبٌ ذو حظٍّ عظيم، إنه "سُراقة بن مالك"، وقد رأى سوادهما من بعيدٍ أحدُ الناس فذهب فأخبَرَ بِهما القوم، وقال: ما أظنُّهما إلا محمدًا وصاحبه، فعمَّى سراقةُ على القوم، وضعَّف هذا الظنَّ؛ ليكون أوَّلَ نائلٍ لَهما، فيفوز بالجائزة، فلما فترت هِمَّة القوم عنهما ألْهبت هِمَّته هو، ورَكِب ظهر فرسه فطار خلفهما، وكان من أمهر الرُّماة، ولكن..


يقول أبو بكر: "... واتَّبَعَنا سراقةُ بن مالك، فقلت: أُتِينَا يا رسول الله، فقال: ((لا تَحْزن؛ إنَّ الله معنا))، فدعا عليه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فارتطمَتْ به فرَسُه إلى بطنها - أُرَى: "في جلد من الأرض" شكَّ زهيْر - فقال: إنِّي أراكما قد دعوْتُما عليَّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردَّ عنكما الطلب، فدعا له النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فنجا، فجعل لا يلقَى أحدًا إلاَّ قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدًا إلا ردَّه، قال: ووفَّى لنا"؛ (البخاري: 3419).

قال ابن القيِّم: "وكان أوَّلَ النهار جاهدًا عليهما، وآخِرَه حارسًا لهما"؛ (زاد المعاد: 3/ 45).

فسبحان الله في عجيب هدايته! وفي عجيب حفظه!

هكذا كان أخْذُ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالأسباب، وهكذا كان التَّوفيق الإلهي لِهذا الأخذ، ومَجْموع الأمرين هو مقام كبير في الإسلام، يسمَّى "مقام التوكُّل".