الرحلة

مجتمع رجيم عــــام الإسلاميات
*بنت الإسلام*
اخر تحديث

الرحلة

الرحلة

y86fd19e1qt7.gif بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين
align="left">جمادى الآخرة 1428 هـ
n7whdf_alre7la.gif من خطب الحسناء لم يغلها المهر، وأنت – تالله – طالب لنعيم الدنيا والآخرة، فلا تكل ولا تمل، فدونك رياحين الجنة، "من سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له طريقاً إلي الجنة" يقول ابن الجوزي: "تأملت عجباً، وهو أن الشيءَ النفيسَ خطيرٌ يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله، فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار، وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة ولا أقدر، لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس...." 1هـ.
ولذلك قال ابن القيم - رحمه الله تعالى –: "وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع، وصدق الطلب، وصحة النية"
فالمكارم منوطة بالمكارم، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، ولا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد.
قال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير: "لا ينال العلم براحة الجسم. وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة"
ويقول الشافعي – رحمه الله تعالى -: "حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار منه، والصبر على كل عارض دون طلبه وإخلاص النية لله تعالى في إدراكه نصا واستنباطا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه"
حبيبي في الله..
اعلم؛ أن علوم الإسلام العظيمة لم تدون على ضفاف الأنهار وتحت ظلال الأشجار والأثمار، وإنما دوّنت باللحم والدم وظمإ الهواجر، وسهر الليالي على السراج الذي لا يكاد يضيء نفسه، وفي ظل العري والجوع وبيع الثياب وانقطاع النفقة في بلد الاغتراب، والرحلة المتواصلة المتلاحقة والمشاق الناصبة المتعانقة، والصبر على أهوال الأسفار، وملاقاة الخطوب والأخطار، والتيه في البيد، والغرق في البحار، و فقد الكتب العزيزة الغالية والأسفار، وحلول الأمراض والأسقام، مع البعد عن الأهل والزوجة والأولاد والدار، ومع فرقة الأقارب والأحباب والأصحاب، وفقد الاستقرار، فما أثر كل ذلك في أمانة علم أهلها، وما نقص من متانة دينهم، وما وهن من قوة شكيمتهم، وما أخضعتهم الطائفة الخانقة مع قوتها إلى قبول الذل والهوان.
علو همة السلف في الرحلة في طلب العلم
ومن تمثل سير سلفنا الصالح ونظر في معاناتهم في طلب العلم هانت عليه كل شدة، واحتقر نفسه أمامهم، فقد كابدوا من الصعاب ما يفوق التخيل، وتركوا البلاد والأولاد، وهجروا اللذات والشهوات وجابوا مشارق الأرض ومغاربها، سعياً وراء حديث واحد أو لقاء شيخ أو معرفة مسألة، وأنت - اليوم – تجزع من قراءة ساعة، وتتكاسل عن سبر صفحات قليلة، وتتوافر لك سبل المعرفة فما تمد لها يداً، فحالك –تالله – حال عجيبة، فانظر إلى هؤلاء الأفذاذ كيف طلبوا العلم؟ عساك تنتفع بذلك.
قيل للإمام أحمد: رجل يطلب العلم؛ يلزم رجلاً عنده علم كثير أو يرحل؟
قال: "يرحل يكتب عن علماء الأمصار، فيشام الناس ويتعلم منهم". وقيل له مرة: أيرحل الرجل في طلب العلم؟
فقال: "بلى والله شديداً، لقد كان علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النجعي،- وهما من أهل الكوفة بالعراق – يبلغهما الحديث عن عمر، فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه – إلى المدينة النورة – فيسمعانه منه".
قال ابن خلدون في المقدمة: "إن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم، والسبب في ذلك: أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل، تارة: علما وتعليما ولقاء. وتارة: محاكاة وتلقينا بالمباشرة. إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاماً وأقوى رسوخاً، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها وتفتحها. والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مختلطة على المتعلم، حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم، ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين، فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها، ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصيل، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات، ويصحح معارفه، ويميزها عن سواها، مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم، وهذا لمن يسر الله عليه العلم والهداية.
فالرحلة لابد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال، بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال، {وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[البقرة 213]
إخوتاه..
شأن الرحلة قديم تليد، بداية من رحلة نبي الله موسى الكليم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم -. وقد قصّ الله خبر رحلته في القرآن الكريم مع عبده الخضر، وما كان في رحلته من العوائق والغرائب، فبقيت الرحلة سنة نبوية وشعار طلبة العلم إلى يوم الدين.
وهؤلاء صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم منهم من قطع مئات الأميال ليلقاه ويتثبت من صدق نبوته، ومنهم من سافر إليه من البلاد البعيدة ليسأله عن مسألة وقعت له.
فهذا عقبة بن الحارث سافر من مكة إلى المدينة ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسأله عن مسألة رضاع وقعت له.
فعن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟ !"ففارقها عقبة، ونكحت زوجاً غيره
وهذا جابر بن عبد الله رضي الله عنه رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد.
روى البخاري في "الأدب المفرد": أن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فابتعت بعيراً، فشددت إليه رحلي شهراً، حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابراً بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد لله؟!! فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني، قلت: حديث بلغني لم أسمعه خشيت أن أموت أو تموت، فذكر الحديث.

ومن نوادر الرحلات:
ما صنعه هذا الإمام العظيم الحافظ أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد الأندلسي – رحمه الله –(ت 276 هـ)، فقد نقل بعض العلماء من كتاب حفيده قوله: سمعت أبي يقول: رحل أبي من مكة إلى بغداد، وكان رجلا بغيته ملاقاة أحمد بن حنبل قال: "فلما قربت بلغتني المحنة، وأنه ممنوع، فاغتممت غما شديداً، فاحتللت بغداد، واكتربت بيتا في فندق، ثم أتيت الجامع، وأنا أريد أن أجلس إلى الناس، فدفعت إلى حلقة نبيلة، فإذا برجل يتكلم في الرجال، فقيل لي: هذا يحيى بن معين، ففرجت لي فرجة، فقمت إليه فقلت: يا أبا زكريا – رحمك الله – رجل غريب، ناءٍ عن وطنه، أردت السؤال، فلا تستخفني .
فقال:قل. فسألت عن بعض من لقيته، فبعضا زكى، وبعضا جرح، فسألته عن هشام بن عمار، فقال لي: أبو الوليد صاحب صلاة دمشقي ثقة وفوق الثقة، ولو كان تحت ردائه كبر أو متقلدا كبرا ما ضره شيء لخيره وفضله.
فصاح أصحاب الحلقة: يكفيك - رحمك الله - غيرك له سؤال. فقلت وأنا واقف على قدم: اكشف عن رجل واحد؛ أحمد بن حنبل، فنظر إلي كالمتعجب، فقال لي: ومثلنا نحن يكشف عن أحمد، ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم.
فخرجت أستدل على منزل أحمد بن حنبل، فدللت عليه، فقرعت بابه، فخرج إلي، فقلت يا أبا عبد الله:رجل غريب، نائي الدار، هذا أول دخولي هذا البلد وأنا طالب حديث، ومقيد سنة، ولم تكن رحلتي إلا إليك.
فقال: ادخل الأسطوان – يعني به: الممر إلى داخل الدار – ولا تقع عليك عين. فدخلت فقال لي: وأين موضعك؟! قلت: المغرب الأقصى.
فقال لي: إفريقية؟ قلت: أبعد من إفريقية. أجوز من بلدي البحر إلى إفريقية. بلدي الأندلس.
قال: إن موضعك لبعيد وما كان شيء أحب إلي من أن أحسن عون مثلك على مطلبه، غير أني في حيني هذا ممتحن بما لعله قد بلغك. فقلت: بلى، قد بلغني وأنا قريب من بلدك مقبل نحوك. فقلت له: يا أبا عبد الله، هذا أول دخولي، وأنا مجهول العين عندكم، فإن أذنت لي أن آتي كل يوم في زي السؤال، فأقول عند الباب ما يقولونه، فتخرج إلي هذا الموضع، فلو لم تحدثني في كل يوم إلا بحديث واحد لكان لي فيه كفاية.
فقال لي: نعم، على شرط أن لا تظهر في الحلق، ولا عند المحدثين فقلت: لك شرطك. فكنت آخذ عصا بيدي، وألف رأسي بخرقة مدنسة، وأجعل كاغدي – أي ورقي – ودواتي في كمي ثم آتي بابه، فأصيح: الأجر رحمك الله – والسؤال هناك كذلك – فيخرج إلي ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة والأكثر، فالتزمت ذلك حتى مات الممتحن له، وولي بعده من كان على مذهب السنة فظهر أحمد، وعلت إمامته، وكانت تضرب إليه آباط الإبل، فكان يعرف لي حق صبري، فكنت إذا أتيت حلقته فسح لي، ويقص على أصحاب الحديث قصتي معه، فكان يناولني الحديث مناولة، ويقرؤه علي، وأقرؤه عليه".
فهذا خبر من أعجب ما تقرأ، فهذا العالم الأندلسي رحل من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق على قدميه ليلقى الإمام أحمد، فلما وجده محبوساً ممنوعاً عن الناس تلطف وتحيل حتى لقيه، فأخذ العلم عنه، وحفظ له الإمام أحمد صبره في الطلب وقربه منه.
ومن أخبار الرحالة المشائين للطلب:
ما ذكره أصحاب التراجم والسير عن فحل ضرغام إمام همام أعني: أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت 277 هــ) – يقول: "أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته، وأما ما سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحر من قرب مدينة سلا – وذلك في المغرب الأقصى – إلى مصر ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي علي شيء من حديث أبي اليمان فسمعته، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيا. هذا سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة، أجول سبع سنين، وخرجت المرة الثانية، وكان سني في هذه الرحلة سبعاً وأربعين سنة".
فانظر لحال ذلك الرجل العجيب، كم قطع من المسافات مشياً علي الأقدام وانظر لحال خروجه في سن السابعة والأربعين، لتعلم أن العلم لا يتوقف على سن، بل العلم يطلب من المهد إلى اللحد.
ومثيله هذا الحافظ الجوال ابن منذه (ت 395 هـ)؛ بدأ الرحلة في طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، ورجع و هو ابن خمس وستين سنة، ولما عاد إلى وطنه تزوج – وهو ابن خمس وستين سنة !! – ورزق الأولاد وحدث بالكثير .
وقد قال – رحمه الله – طفت الشرق والغرب مرتين.
رحلة الأهوال:
واسمع عن أبي حاتم الرازي هذا الخبر العجيب، وانظر إلى أشد ما لاقيتَ من نصب في تحصيل، وقارن بين حالك هذه وحال أولئك؛ لتعرف لماذا حازوا إلى الآن قصب السبق مع كثرة الإمكانيات التي أتيحت لنا دونهم.
قال – رحمه الله -: "لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار وركبنا البحر، وكنا ثلاثة أنفس: أبو زهير المروزي شيخ و آخر نيسابوري، فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا من الزاد وبقيت بقية، فخرجنا إلى البر، فجعلنا أياما على البر، حتى فني ما كان معنا من الزاد والماء، فمشينا يوماً وليلة، لم يأكل أحد منا شيئاً ولا شربنا، واليوم الثاني كمثل، واليوم الثالث كمثل. كل يوم نمشي إلى الليل، فإذا جاء المساء صلينا وألقينا بأنفسنا، حيث كنا وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء.
فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، فسقط الشيخ مغشياً عليه فجئنا نحركه، وهو لا يعقل فتركناه، ومشينا أنا وصاحبي النيسابوري قدر فرسخ أو فرسخين، فضعفت وسقطت مغشياً علي، ومضى صاحبي وتركني، فلم يزل هو يمشي إذ أبصر من بعيد قوماً قد قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى صلى الله عليه وسلم، فلما عاينهم لوّح بثوبه إليهم، فجاؤوا ومعهم الماء في إداوة فسقوه، وأخذوا بيده فقال لهم: رفيقين لي قد ألقيا بنفسيهما مغشياً عليهما، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني فقلت: اسقني. فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئاً يسيراً، وأخذ بيدي، فقلت: ورائي الشيخ ملقى. قال: قد ذهب إلى ذاك جماعة فأخذ بيدي، وأنا أمشي أجر رجلي ويسقينا شيئاً بعد شيء، حتى إذا بلغت إلى عند سفينتهم، أتوا بالرفيق الثالث الشيخ، وأحسن إلينا أهل السفينة، فبقينا أياما حتى رجعت إلينا أنفسنا، ثم كتبوا كتاباً إلى مدينة يقال لها: "راية" إلى واليهم، وزودونا من الكعك والسويق والماء، فلم نزل نمشي حتى نفذ ما كان معنا من الماء والسويق والكعك، فجعلنا نمشي جياعاً عطاشا على شط البحر، حتي وقعنا على سلحفاة، وقد رمى بها البحر مثل الترس، فعمدنا إلى حجر كبير، فضربنا على ظهر السلحفاة فانفلق، وإذا فيها مثل صفرة البيض، و ذلك الأصفر جعلنا نتحساه، حتى سكن الجوع والعطش.
ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة "الراية"، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم، فأنزلنا في داره، وأحسن إلينا، وكان يقدم إلينا ذلك اليقطين مع الخبز أياماً. فقال واحد منا بالفارسية: "ألا تدعو باللحم المشؤوم"، وجعل يسمع صاحب الدار. فقال: أنا أحسن الفارسية فإن جدتي كانت هروية، فأتانا بعد ذلك باللحم، ثم خرجنا من هناك وزودنا إلى أن بلغنا مصر" 1 هـ
أيها المتفقه..
يا لها من رحلة الأهوال !! فمتى تنفض عنك تنكب الأطفال؟ متى تشهر سيفك وتنزل حلبة النزال؟ لماذا لا تلحق بركب هؤلاء الرجال؟ ياهذا، أما ينفك عنك زمان الأحلام والآمال؟ ! وأقول: الرجال تقول: كيف ونحن في.. !! وأقول: بعون ذي الجلال.
إشارات من واقعنا وواقع سلفنا:
ولابد وقد مر الحديث بخبر "الرحلة" عند سلفنا من إشارات نقف عندها لتستفيد منها – أيها المتفقه – ومن ذلك:
1- أن تُبصر كم من الأوقات والأعمار قضاها هؤلاء في طلب العلم بعيدين عن الأهل والولد والزوجة والبلد، متفرغين للطلب، وقارن هذا الحال وصنيع المتعالمين في هذا الزمان ممن ينتسبون إلى العلم، وجل اهتمامهم التصدر والعلو، فلا ينبت لهم زرع نافع. فمن لا يعاني ذل التعلم، ويقضي الأعوام في غاية بذره فلن يحصد، ومن هنا كره كثير من السلف التصنيف قبل الأربعين، بل لم يفتوا إلا في سن متأخرة حفظا للعلم من أن ينتهك حرمته من ليس له بأهل .
2- مدى تحملهم للصعاب من فقر وشظف عيش وصعوبة وسائل السفر، وانظر لتقاعس أبناء عصرنا عن الارتحال -ولو بالسيارات التي عادت الآن أسوأ سبل السفر في ظل وجود الطائرات بأنواعها المختلفة- لتدرك علو هممهم في الصبر والتحمل، وتعلم غلاء العلم لديهم وعلى قلوبهم، إذ ركبوا في تحصيله الصعب والذلول، وقطعوا البراري والقفار، وامتطوا من أجله المخاطر والبحار، ولقوا ما لقوا من الشدائد والأهوال ما الله به عليم، وحسبك من ذلك قصة الإمام أبي حاتم التي مر ذكرها عليك.
3- صقل تلك المعاناة لنفوسهم، فعز العلم عندهم، ورعوه حق رعايته، ولذلك خرجوا أئمة أخباراً في كل علم من العلوم، ولم يجد الزمان بأمثالهم لمّا لم يستن الناس بسننهم.
انظر لحال طلبة العلم في عصرنا ممن يدرسون دراسة أكاديمية أومن دونهم، يقول عبد الفتاح أبوغدة في كتابه"صفحات من صبر العلماء":
"فوازن – رعاك الله – بين الدراسة التي أثمرتها هذه الرحلات التي عركت الطلاب الراحلين عركا طويلا، وبين دراسة طلاب جامعاتنا اليوم ! يدرسون فيها أربع سنوات، وأغلبهم يدرسون دراسة صحفية فردية، لا حضور ولا سماع، ولا مناقشة ولا اقتناع، ولا تطاعم في الأخلاق ولا تأسي، ولا تصحيح لأخطائهم ولا تصويب، ولا تشذيب لمسالكهم، ويتسقطون المباحث المظنونة السؤال من مقرراتهم – المختصرة –، ثم يسعون إلى تلخيص تلك المقررات، ثم يسعون إلى إسقاط البحوث غير الهامة من المقروءات، بتلطفهم وتملقهم لبعض الأساتذة فيجدون ما يسرهم وإن كان يضرهم، وبذلك يفرحون.
وبعد ذلك يتعالون بضخامة الألقاب، مع فراغ الوطاب، ويوسعون الدعاوي العريضة، ويجهلون العلماء الأصلاء بآرائهم الهشة البتراء، وينصرون الأقوال الشاذة لتجانسها مع عملهم وفهمهم، ويناهضون القواعد المستقرة والأصول الراسخة المتوارثة، ولم يقعدوا مقاعد العلم والعلماء، ولم يتذوقوا بصارة التحصيل عند القدماء ! ولكنهم عند أنفسهم أعلم من السابقين !!
ويشهد المراقب للحال العلمية اليوم: كثرة متزايدة في الجامعيين والجامعات، وفقراً متزايداً في العلم وأهله، وضحالة في الفهم والمعرفة، ونقصاً كبيراً مشهوداً في العمل بالعلم، وهذه مصيبة من أدهى المصائب ! والله المرجو أن يلهم المنوط بهم أمور التعليم في البلاد الإسلامية أن يتصبروا بالأمر، ويتداركوا هذا الخطر قبل تأصله وإزمانه، واستفحال آثاره.
يقول: ولا أتحدث طويلا عن المبتعثين والراحلين اليوم من شبابنا إلى بلاد الغرب والشرق من بلاد الكفار والأعداء للإسلام وأهله، فإن الناجي من براثن مكايدهم الخفية والظاهرة في العقيدة والخلق والتفكير السلوك قليل، وكم من أبنائنا وشبابنا من وقع في حبائلهم، وذهب في سبيلهم ورضيهم قادة وسادة، ونزع – بالتالي – من ديار الإسلام إليهم، وتوطن بلادهم مسكنا وداراً، واختارهم على أهلية أهلاً وجاراً، وهو يظن بنفسه أنه يحسن صنعاً.
نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الكفر بعد الإيمان.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله والحمد لله رب العالمين




المصدر: مجتمع رجيم


hgvpgm hgv[gm

سنبلة الخير .
اخر تحديث
جزاك الله خير الجزاء
انتقاء مميز
سلمت يمنياك
لاحرمتِ الاجر
مامت توتا
اخر تحديث
جزاكِ الله خيرا وبارك فيكِ

* أم أحمد *
اخر تحديث
|| (أفنان) l|
اخر تحديث
أختي الحبيبة
جزاكـ الله خيرالجزاء ونفع بكـ الإسلام والمسـلـمـيـن
وجـعــل عـمـلـكـ فـي مـيـزان حسناتكـ
وجمعنا بكـ في الفردوس الأعلى
اللهم آمين
*بنت الإسلام*
اخر تحديث
شكرا لمروركم

التالي

نداااااااااااااااااااء

السابق

لماذا اتوب؟!

كلمات ذات علاقة
الرجلة