وأنى لهم التناوش

وأنى لهم التناوش وأنى لهم التناوش وأنى لهم التناوش

مجتمع رجيم / القرآن الكريم وعلومه
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
وأنى لهم التناوش

وأنى لهم التناوش
وأنى لهم التناوش
وأنى لهم التناوش

التناوش 7674.gif

وأنى لهم التناوش
د - خالد النجار

قال تعالى:
﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ
[سبأ: 51 - 54].


ولو رأيتَ يا محمد هؤلاء المكذِّبين، حين يَعتريهم الفزَعُ من رؤية العذاب المَهول يوم القيامة، إذًا لرأيتَ شيئًا يَعجِز القول عن وصفه، فهم لا يستطيعون الهرَب والنجاة، ولا مَهربَ لهم ولا ملجَأ (فوت)، بل يُؤخذون من أول وَهْلة (رأسًا) من الموقف إلى النار. ﴿ فَزِعُوا ﴾: خافوا عند الموت أو عند البعث، ﴿ فلا فَوْتَ ﴾: فلا مَهرب، ولا نَجاة من العذاب، ﴿ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾: موقف الحساب.

وحين يرون العذاب يقولون: آمنَّا بالحق - (بالله وملائكته وكُتبه ورُسله، وبالبعث) - ولكن أنَّى لهم ذلك؟!
وكيف لهم الإيمان بسهولة من مكان بعيدٍ - وهو الدنيا - التي انقضى وقتها، وأصبَحت بعيدة عنهم؟ لأن الإيمان والعمل يجب أن يكونا في الدار الدنيا، أما الآخرة، فليست دارًا لقَبول التكاليف؛ إنما هي دارُ الجزاء.


﴿ التناوُش ﴾: التناول السهل لشيء قريبٍ، وهو هنا تناوُل الإيمان والتوبة، ﴿ من مكان بعيدٍ ﴾: من الآخرة.

وكيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق حينما كانوا في الدنيا، وكذَّبوا الرُّسل؟ وكانوا يرجمون بالظنون - ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ ﴾- التي لا عِلْم لهم، فيُخطئون الهدف، وكانوا يفعلون ذلك من مكان بعيد، فيتكلمون في الرسول كلامًا لا مستندَ لهم فيه، فيقولون: ساحر وكاهن ومجنون، ويكذبون بالبعث والنشور، ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ ﴾: يرجمون بالظنون[1].

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾؛ أي: لرأيت أمرًا قطعيًّا، يقول تعالى لرسوله: ولو ترى إذ فزِع المشركون في ساحات فصل القضاء يوم القيامة، فزِعوا من شدَّة الهوْل والخوف، وقد أُخِذوا من مكان قريب، وأُلْقُوا في جهنَّم، لرأيتَ أمرًا فظيعًا في غاية الفظاعة، وقوله: ﴿ فلا فَوْتَ ﴾ لهم: لا يَفُوتون الله تعالى، ولا يَهرُبون من قَبضته.

وقوله تعالى: ﴿ وقالوا آمَنَّا به ﴾؛ أي: قالوا بعدما بُعثوا وفزِعوا من هَوْل القيامة، قالوا: آمنَّا به؛ أي: بالله وكتابه، ولقائه ورسوله، قال تعالى: ﴿ وأنَّى لهم التَّناوُش ﴾؛ أي: التناول للإيمان ﴿ من مكان بعيدٍ ﴾؛ إذ هم في الآخرة، والإيمان كان في الدنيا، فكيف يتناولونه بهذه السهولة، ويُقبَل منهم ويَنجون من العذاب؟!

هذا بعيد جدًّا، ولن يكون أبدًا، ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾؛ أي: لا سيما وأنهم قد عُرِض عليهم الإِيمان وهم قادرون عليه فرفَضوه، فكيف يُمَكَّنون منه الآن؟!

وقوله: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾؛ أي: وها هم اليوم في الدنيا يَقذفون بالغيب محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بقواصم الظهر؛ مرَّة يقولون: كاذب، ومرة: ساحر، ومرة: شاعر، وأخرى: مجنون، وكل هذا رجمٌ بالغيب لا شُبهة لهم فيه، ولا أدنى رِيبة تدعوهم إليه.

وأخيرًا قال تعالى: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ وهو الإيمان الموجِب للنجاة، ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ ﴾؛ أي: أشباههم وأنصارهم من أهل الكفر والتكذيب، لَمَّا جاءهم العذاب، قالوا: آمَنَّا، ولَم يَنفعهم إيمانهم، وأُهلِكوا، فأُلقُوا في الجحيم، وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾؛ أي: مشركو قريش وكفَّارها، أخبر تعالى أنهم كانوا في الدنيا في شكٍّ من توحيدنا، ونبيِّنا، ولقائنا، ﴿ مُريب ﴾؛ أي: مُوقِع لهم في الريب والاضطراب، فلم يُؤمنوا، فماتوا على الكفر والشِّرك، وهذا جزاء مَن يموت على الشرك والكفر[2].

قال ابن عاشور:
والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - تَسليةً له، أو لكلِّ مخاطبٍ، وحُذِف جواب (لَوْ) للتهويل، والتقدير: لرأيتَ أمرًا فظيعًا.

ومفعول ﴿ تَرَى ﴾ يجوز أن يكون محذوفًا؛ أي: لو تراهم، أو ترى عذابَهم، ويكون ﴿ إِذْ فَزِعُوا ﴾ ظرفًا لـ﴿ تَرَى ﴾، ويجوز أن يكون ﴿ إِذْ ﴾ هو المفعول به، وهو مجرد عن الظرفية؛ أي: لو ترى ذلك الزمان؛ أي: ترى ما يشتمل عليه.

والفزَع: الخوف المفاجئ

وهذا الفزع عند البعث يُشعر بأنهم كانوا غير مُهَيِّئين لهذا الوقت أسبابَ النجاة من هَوْله.

والأخذ: حقيقته التناوُل، وهو هنا مجاز في الغلبة والتمكُّن بهم؛ كقوله تعالى: ﴿ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً ﴾ [الحاقة: 10]، والمعنى: أُمسِكوا وقُبِض عليهم لِمُلاقاة ما أُعِدَّ لهم من العقاب، وجملة ﴿ فَلا فَوْتَ ﴾ مُعترضة بين المتعاطفات، والفوت: التفلُّت والخلاص من العقاب.

وفي "الكشاف": "ولو، وإذ، والأفعال التي هي فزِعوا، وأخذوا، وحِيل بينهم، كلها للمُضي، والمراد بها الاستقبال؛ لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما كان ووُجِد لتحقُّقه"؛ ا.هـ، ويَزداد عليها فعل ﴿ وَقَالُوا ﴾.

والمكان القريب: المحشر؛ أي: أُخِذوا منه إلى النار، فاستغنى بذكر ﴿ مِن ﴾ الابتدائية عن ذكر الغاية؛ لأن كل مبدأ له غاية، ومعنى قريب المكان أنه قريب إلى جهنَّم؛ بحيث لا يجدون مُهلة لتأخير العذاب.

وعطف ﴿ وَقَالُوا ﴾ على ﴿ أُخِذُوا ﴾؛ أي: يقولون حينئذٍ: آمنَّا به.

وضمير ﴿ بِهِ ﴾ للوعيد، أو ليوم البعث، أو للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو القرآن، إذا كان الضمير محكيًّا من كلامهم؛ لأن جميع ما يَصِح معادًا للضمير، مشاهد لهم وللملائكة، فأجمعوا فيما يُراد الإيمان به؛ لأنهم ضاق عليهم الوقت، فاستعجَلوه بما يَحسبونه مُنَجِّيًا لهم من العذاب، وإن كان الضمير من الحكاية، فهو عائد إلى الحق من قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ﴾ [سبأ: 48]؛ لأن الحق يتضمَّن ذلك كله.

ثم استطرَد الكلام بمناسبة قولهم: ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ إلى إضاعتهم وقت الإيمان بجملة: ﴿ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ ﴾ إلى آخرها.

و﴿ أَنَّى ﴾ استفهام عن المكان، وهو مستعمل في الإنكار.

و﴿ التَّنَاوُشُ ﴾: قرأه الجمهور بواو مضمومة بعد الألف، وهو التناول السهل أو الخفيف، وأكثر وروده في شرْب الإبل شربًا خفيفًا من الحوض ونحوه.

وجملة: ﴿ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾: مركب تمثيلي يفيد تشبيه حالهم، إذ فرَّطوا في أسباب النجاة وقت المُكْنَة منها، حين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ويُحرِّضهم ويُحذِّرهم، وقد عمَّرهم الله ما يتذكَّر فيه مَن تذكَّر، ثم جاؤوا يطلبون النجاة بعد فَوات وقتها بحالهم - كحال مَن يريد تناوُشها وهو في مكان بعيد عن مراده الذي يجب تناوُلُه.


وهذا التمثيل قابلٌ لتفريق أجزائه بأن يُشبه السعي بما يَحصل بسرعة بالتناوُش، ويُشبه فوات المطلوب بالمكان البعيد كالحوض.

وجملة ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ في موضع الحال؛ أي: كيف يقولون: آمنَّا به، في وقت الفوات، والحال أنهم كفروا به من قبلُ في وقت التمكُّن؟ فهو كقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ [القلم: 43].

و﴿ يَقْذِفُونَ ﴾ عطف على ﴿ كَفَرُوا ﴾، فهي حال ثانية، والتقدير: وكانوا يَقذِفون بالغيب، واختيار صيغة المضارع لحكاية الحالة؛ كقوله تعالى: ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ﴾ [هود: 38].

والقذف: الرمي باليد من بُعدٍ، وهو هنا مستعار للقول بدون تروٍّ ولا دليلٍ؛ أي: يتكلمون فيما غاب عن القياس من أمور الآخرة، بما لا عِلْم لهم به؛ إذ أحالوا البعث والجزاء، وقالوا لشُركائهم: هم شفعاؤنا عند الله.

ولك أن تجعل ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ تمثيلاً مثل ما في قوله: ﴿ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾، شُبِّهوا بحال من يَقذِف شيئًا وهو غائب عنه لا يراه، فهو لا يُصيبه ألبتَّة.

وحذف مفعول ﴿ يَقْذِفُونَ ﴾؛ لدلالة فِعل ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ عليه؛ أي: يقذفون أشياءَ من الكفر يَرمون بها جزافًا.

والغيب: المغيب، والباء للملابسة، والمجرور بها في موضع الحال من ضمير ﴿ يَقْذِفُونَ ﴾؛ أي: يقذفون وهم غائبون عن المقذوف من مكان بعيدٍ.

و﴿ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ هنا مستعمل في حقيقته؛ يعني: من الدنيا، وهي مكان بعيد عن الآخرة؛ للاستغناء عن استعارته لِما لا يشاهد منه بقوله: ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ كما علِمت، فتعيَّن للحقيقة؛ لأنها الأصل، وبذلك فليس بين لفظ ﴿ بَعِيدٍ ﴾ المذكور هنا والذي في قوله: ﴿ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾، ما يُشبه الإيطاء لاختلاف الكلمتين بالمجاز والحقيقة.

﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾.

عطف على الجمل الفعلية نظائر هذه، وهي جمل ﴿ فَزِعُوا ﴾، ﴿ وَأُخِذُوا ﴾، ﴿ وَقَالُوا ﴾ [سبأ: 51 - 52]؛ أي: وحال زَجُّهم في النار بينهم وبين ما يأمُلونه من النجاة بقولهم: ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾، وما يَشتهونه هو النجاة من العذاب، أو عودتهم إلى الدنيا، فقد حُكِي عنهم في آيات أخرى أنهم تمنَّوه: ﴿ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنعام:27]، ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ [فاطر: 37].

والتشبيه في قوله: ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ تشبيه للحيلولة بحيلولة أخرى، وهي الحيلولة بين بعض الأُمم وبين الإمهال حين حلَّ بهم عذاب الدنيا مثل فرعون وقومه؛ إذ قال: ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 90]، وكذلك قوم نوح حين رأوا الطوفان، وما من أُمةٍ حلَّ بها عذاب، إلا وتمنَّت الإيمان حينئذٍ، فلم يَنفعهم إلا قوم يونس.

والأشياع: المشابهون في النِّحلة وإن كانوا سالفين، وأصل المشايعة المتابعة في العمل والحِلْف ونحوه، ثم أُطلِقت هنا على مطلق المماثلة على سبيل المجاز المرسل بقرينة قوله: ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾؛ أي: كما فُعِل بأمثالهم في الدنيا من قبلُ، وأما يوم الحشر، فإنما يُحال بينهم وبين ما يَشتهون وكذلك أشياعهم في وقت واحدٍ.

وفائدة هذا التشبيه: تذكير الأحياء منهم - وهم مشركو أهل مكة - بما حلَّ بالأُمم من قبلهم؛ ليُوقنوا أن سُنة الله واحدة، وأنهم لا تَنفعهم أصنامُهم التي زعَموها شفعاءَ عند الله.

وجملة: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ مسوقة لتعليل الجمل التي قبلها، وفُعِل بهم جميع ما سمِعت؛ لأنهم كانوا في حياتهم في شكٍّ من ذلك اليوم، وما وُصِف لهم من أهواله، وإنما جُعِلت حالتهم شكًّا؛ لأنهم كانوا في بعض الأمور شاكِّين، وفي بعضها موقنين، ألا ترى قوله تعالى: ﴿ قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ [الجاثية: 32]؟

وإذا كان الشك مُفضيًا إلى تلك العقوبة، فاليقين أَوْلَى بذلك، ومآلُ الشك واليقين بالانتفاء واحد؛ إذ ترتَّب عليهما عدم الإيمان به وعدمُ النظر في دليله.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، ناشئًا عن سؤال يُثيره قوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾، كأن سائلاً سأل: هل كانوا طامعين في حصول ما تمنَّوه؟ فأُجيب بأنهم كانوا يتمنَّون ذلك، ويشكون في استجابته، فلمَّا حِيل بينهم وبينه، غشِيهم اليأس، واليأس بعد الشك أوقعُ في الحزن من اليأس المتأصِّل.

والمريب: المُوقِع في الريب، والريب: الشك، فوصفُ الشك به وصفٌ له بما هو مُشتق من مادته؛ لإفادة المبالغة؛ كقولهم: شعر شاعر، وليل أليل، أو ليل داجٍ، ومحاولة غير هذا تعسُّف[3].

قوم غفَلوا عن تحقيق الإيمان، وتربيته بصُحبة أهل الإيقان، حتى إذا كُشِف بعد الموت عن مقامهم القصير، ومكانهم البعيد، قالوا: آمنَّا وتيقَّنَّا، وأنَّى لهم التناوُش من مكان بعيدٍ؟!

وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير، وصرَفوا في الشهوات والحظوظ عُمرهم القصير، وتوغَّلوا في أشغال الدنيا وزخارفها، فذهلوا عن الجد والتشمير، فإذا انقضَت عنهم أيام الدنيا، حِيلَ بينهم وبين ما يشتهون، من اغتنام الأوقات، وتعمير الساعات؛ لنيْل المراتب والدرجات، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع، ويُطلب الرجوع فلا يُسْمَع.

قال القشيري:
إذا تابوا وقد أُغْلِقَت الأبواب، ونَدِمُوا وقد تقطَّعت بهم الأسباب، فليس إلا الحسرات مع الندم، ولات حين ندامةٍ! كذلك مَن استهان بتفاصيل فترته، ولم يَسْتَفِقْ من غَفْلَتِه، يتجاوز عنه مرة، ويُعْفَ عنه كَرَّة، فإذا استمكَن في القسوة، وتجاوَز في سوء الأدب حدَّ القلة، وزاد على مقدار الكثرة، يحصُل لهم من الحق رَدٌّ، ويستقبلهم حجاب البُعد، فعند ذلك لا يُسمع لهم دعاء، ولا يُرْحَم لهم بكاء، كما قيل وأنشد:
فخَلِّ سبيلَ العينِ بعْدَك للبُكَا التناوش 7675.gif
فليس لأيامِ الصفاءِ رجوعُ[4] التناوش 7675.gif



[1] أيسر التفاسير؛ أسعد حومد (1/ 3538).

[2] أيسر التفاسير؛ للجزائري (3/ 331).

[3] التحرير والتنوير (22/ 103).

[4] تفسير ابن عجيبة، البحر المديد (5/ 157).



وأنى لهم التناوش
وأنى لهم التناوش
وأنى لهم التناوش



أمواج رجيم
موضوع مميز
بارك الله فيك
تقبلي تقييمي
قره العين
جزاك الله خير
وبارك فيكِ
جعله الله فى ميزان حسناتكِ..

ناثرة المسك
جزاكِ الله خيرا عبورة
ونفع بكِ
وأسكنك الفردوس الأعلى
طرح هام وقيم لتفسير هذه الآية
جعلها الله في ميزان حسناتك
دكتورة سامية
أختي الغالية
جزاكِ الله كل خير على موضوعك الهام
لا أراكِ الله ظلمه
ولا حلت بصدركِ غمه
ولا طلبتِ شيئاً إلا أتمه
بارك الله فيكِ أختي الفاضلة
وصلِ اللهُ على سيِّدِنا مُحمَّد وَعلى آلِهِ وصَحْبه وَسلّم

دمـتِ
برعـاية الله وحفـظه
سنبلة الخير .
احسنتِ الانتقاء احسن الله اليك وبارك فيك


اللهم نقنا من الذنوب كما ينقا الثوب الابيض من الدنس واحفظنا ياااارب

شكرا لهذا الطرح الايماني القيم

وفقك الله وحفظك من كل مكروه
الصفحات 1 2 

التالي

تربوية القرآن

السابق

وعظ القلوب بكلام علام القلوب

كلمات ذات علاقة
مهم , التناوش , ومنى