الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس

الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس

الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس
الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس
الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس


13526.gif


الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس


فأوصيكم ـ عباد الله ـ
ونفسي بتقوى الله - عز وجل -، فاتقوه ـ رحمكم الله ـ على الدوام، واغتبطوا بما هداكم للإسلام، وازدلِفوا إليه باتِّباع سيّد الأنام، ويا بُشرى لكم عند ذلك بصلاح الأحوال وزكاء القلوب والأعمال وحصول السعادة والفلاح في الحال والمآل.

أيها المسلمون: في خضمّ تنامي اللغَط والتلاسن الكلامي ووَسط زخمٍ هائلٍ مغرضٍ من التحامل الإعلامي وكيلِ الاتهامات جُزافاً وتعالي أصواتِ النّشاز بضجيجٍ مُسِفٍّ محموم وفحيح مستعرٍ مسموم عبر حملاتٍ مغرضة وهجماتٍ موتورة، أخرجت المكنونَ وأظهرت المدفون، ضدَّ الإسلام ورسول الإسلام وأهل الإسلام، في ظلّ هذه الأجواء القائمة يدرك الواعي اللبيب ويوقن الحصيفُ الأريب أن الأمةَ بل العالمَ بأسره بحاجةٍ ماسَّة إلى التعرّف على محاسن هذا الدين الفريدة، والتفهُّم لمزاياه وخصائصه الحميدة، تثبيتاً لأفئدة أهل الإيمان، وإحقاقًا للحق، وتصدِّيًا لهذه الحملات الشّرسة بالحُجج القاطعة والبراهين الساطعة، إسهاماً في التواصل الحضاري وتحقيقِ الأمن والاستقرار العالمي، لتسعدَ الإنسانية قاطبةً بحياة أفضل، وتستشرف آفاقَ مستقبل أمثل،( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ) [الأحزاب: 4].
معاشر المسلمين، أرأيتم إلى الشجرة الباسقة عميقةِ الجذور ذاتِ العروق المتعدِّدة والأغصان المتكاثرة، لا تقوى على زعزعتها الرياحُ العاتية والأعاصير الهوجاء، وهي مع ذلك دانيةُ القطوف، دائمةُ الأُكُل والظّلّ، حلوةُ الثمار، نضيدة الطلع، طيِّبة الجنى، إنها ـ يا عباد الله ـ مثلُ الإسلام في محاسنه الجمَّة ومزاياه القمّة، ( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) [إبراهيم: 25]، يقول ابن القيم - رحمه الله -: "والإخلاص والتوحيد شجرةٌ في القلب، فروعها الأعمال، وثمرها طيبُ الحياة في الدنيا والنعيمُ المقيم في الآخرة"[1].

[1] الفوائد (ص164).

إخوة العقيدة: وأول ما يستوقف المتأمّلَ في محاسن هذا الدين ذلك الأصلُ المكين والأساس المتين في دوحة الإسلام الفيحاء وروضته الغناء، إنها العقيدة السمحة، عقيدةُ الصفاء والنقاء التي تسمو أن تكونَ مجرّدَ فلسفاتٍ كلامية ونظرياتٍ جدليّة وتعقيدات منطقية، إنها عقيدة تصلُ العالمَ كلَّه بالله الواحدِ الأحد الصمد الذي لا شريك له ولا معبودَ بحقٍّ سواه، هو الأوّل بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، لا يفني ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]
برهانُها النقلُ الصحيح والعقل الصريح، تتمشّى مع الطباع السليمة والفطر المستقيمة.


لقد جمعت العقيدةُ الإسلامية خلاصةَ الشرائع السماوية وجملةَ الرسالات الإلهية، ( شَرَعَ لَكُم مّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ )[الشورى: 13]
وحوت في أصولها ومبادئها ما يتواءَم وحاجةَ الإنسانية ويتواكب ومصلحةَ البشرية في كلّ زمان ومكان، وما يحقِّق مصالحَ العباد في المعاش والمعاد.

جاءت بالإيمان بجميع رسلِ الله عليهم صلوات الله وسلامه،( قُولُواْ ءامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْراهِيمَ وَإِسْمَـاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136]، وجمعت الرسالاتِ كلَّها في رسالة محمد، أخرج الشيخان من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنةَ على ما كان من العمل )).


الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6320
خلاصة حكم المحدث: صحيح


فأيُّ عقيدةٍ أحقُّ وأحكم وأرحب وأقوم من هذه العقيدة التي تسلِّم الإنسانيةَ كلَّها إلى مصير واحد وإله واحد ورسالة خاتمة؟!
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَـابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) [آل عمران: 64]، ولذا فإنَّ من كان نيِّرَ البصيرةِ مستقيمَ الفكر والنظر منصفَ الرؤى أدرك أنّه الحقّ واليقين لما فيه من جميل المحاسن وجليل الفضائل.


إخوة الإيمان: ومنهلٌ آخرُ عذب تظهر فيه محاسنُ دنينا بجلاء، ذلكم هو ما اشتمل عليه من عبادات سامية، تطهّر النفوس، وتزكّي القلوب، وتهذّب السلوك، (إِنَّ الصَّلَواةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَرِ )[العنكبوت: 45]
( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا) [التوبة: 103]، وغير ذلك من العبادات، وهي مع ذلك في مقدور المكلَّف وحسب طاقته، لذلك يؤدّيها أهلُ الإيمان بنيةٍ خالصة وعزيمة صادقة، وتتشوّف إليها نفوسُهم حفيَّةً بها مشتاقةً إليها.


معاشرَ الأحبة: ولم يقف الأمرُ في محاسن هذا الدين عند هذا الحدّ، بل تعدّاه إلى ميدان الحياة العملية، إذ هو ليس في عزلةٍ عن معترك الحياة وعن صور التعامل فيها بين بني البشر، بل هو الموجِّه لها بما يدفع إلى الغايات النبيلة والمقاصد الكريمة. وهذا يؤكّد أن الإسلام في محاسنه نظامٌ كامل يشمل الدينَ والدنيا معاً، في تناسقٍ بديع وبناء محكَم، نظَّم ما يقع بين الناس من ضروب تبادل المنافع وصورِ التعامل من بيعٍ وشراء وإجارة وغيرها من العقود، وحثّ على العمل وشجّع عليه، وجعله ضرباً من ضروب العبادة يُؤجر صاحبها عليه، فيا لله أيُّ نظامٍ في محاسنه وفضائله أعظم من هذا؟!
( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50].

معشر الإخوة الفضلاء: وثمةَ جانبٌ مهمّ تجلّت فيه محاسنُ ديننا بأبهى صورها وأسمى معانيها، ذلكم هو الجانب الأخلاقي، فقد ربَّى الإسلام أتباعَه على خير السجايا وأحسن وأكرم الخصال وأنبل الشمائل والخلال، حيث ينشُد الإسلامُ إقامةَ المجتمع المسلم المتماسك، والكيانَ العالمي الشامخ الذي تُرفرف على جنباته راياتُ المحبّة والوئام وأعلامُ المودّة والإيثار والسلام، وتربِط بين أبنائه وشائج الحبّ المتبادَل وأواصرُ الودّ المشترك والتعاون المشاع، يرسِّخ مبادئَ الحق والعدل والمساواة،( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَـاكُمْ )[الحجرات: 12]، وينهى عن الظلم والتسلّط والبغي والعدوان والفساد في الأرض:( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـاحِهَا) [الأعراف: 56]، كفل حقوقَ الإنسان بجدارة، وضمن له الحرية الشرعية، وصانه عن الانفلات والحياة البهيمية، وقصد إلى حفظ دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءادَمَ وَحَمَلْنَـاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَـاهُمْ مّنَ الطَّيّبَـاتِ وَفَضَّلْنَـاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70].

وهكذا ـ عباد الله ـ في مجال القضايا الاجتماعية أو ما يُعرف بالأحوال الشخصية، وقضايا المرأة والأسرة، وقل مثلَ ذلك في الحدود والجنايات، بل تعدّى ذلك إلى الجماد والحيوان والبيئة والنبات، حيث تبرز في ذلك كلِّه محاسنُ هذا الدين، ورعايته للمصالح، ودرؤه للمفاسد، والتزامُه بالقيم والفضائل، وردعُه للشرور والرذائل،( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَـافاً كَثِيراً ) [النساء: 82].
أمة الإسلام: ومِشعلٌ أخير أَلِقٌ لألاء، يُشعّ النورَ والضياء في بيان محاسن هذا الدين، ذلكم هو ما اشتمل عليه من مقاصدَ عظمى وقواعدَ كبرى، كان لها أثر بالغ في شموله وعمومه وخلوده وصلاحيته لكلّ زمان ومكان، فمن كبريات قواعده اليُسر ورفعُ الحرج،( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78]، وذلك أوضح سماتٍ شريعتنا الغراء، بل وجهُها المشرق الذي يتألّق بهاءً وجمالاً وعظمة وجلالاً، في اعتدالٍ وتوسّط يعبّر عن ميزة فريدة تجمَع المحاسنَ والفضائل جمّةً، (وَكَذالِكَ جَعَلْنَـاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]، فلا غلوّ ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، وكلا المسلكين طارئ على المنهج الشرعيّ الصحيح المتميِّز بالتوسّط والاعتدال، يقول ابن القيم - رحمه الله -: "فكلّ مسألةٍ خرجت عن العدل إلى الجَور وعن الرحمة إلى ضدِّها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، فالشريعة عدلُ الله بين عباده، ورحمتُه بين خلقه، وظلّه في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله...إلى قوله - رحمه الله -: وهي العصمة للناس وقوامُ العالم وقُطب الصلاح والسعادة في الدنيا والآخرة"[3].
[3] إعلام الين (3/3).

وفي الجملة ـ

يا عباد الله ـ فدين الإسلام يحوي خيرَي الدنيا والآخرة ونعيمَ العاجلة والآجلة، فما من خيرٍ وفضيلة إلا حثّ عليها، وما من شرّ ورذيلة وفسادٍ وجريمة إلا حذّر منها، فمن تمسّك به عاش سعيداً ومات حميداً، ومن أعرض عنه عاش عصيًّا ومات شقيا.


تلك ـ يا رعاكم الله ـ إضاءةٌ من محاسن هذا الدين الغامرة، وشُعاعة من إشعاعاتِه الفياضة المتدفّقة، تُقدَّم للعالم اليومَ في وقتٍ هو أحوج ما يكون إليها، وللإنسانية الحائرة في منعطفٍ تأريخيّ خطير ومرحلة من أشدّ مراحل تأريخها المعاصر، لعلها تُسهم في تفتُّح الأبصار والبصائر إلى هذا الدين القويم الذي نوقن أنه صمامُ الأمان ومركب النجاة للحيارى والتائهين الذين يتخبَّطون في دياجير الشكّ والظلمات ودهاليز النُّظم والشعارات، وما يحمل الغيورَ على التذكير بهذا الموضوع إلا حبُّ الخير للإنسانية جميعاً، فلقد منّ الله علينا فهدانا لهذا الدين، وتذَوّقنا حلاوةَ محاسنه، ونرى أنَّ من العقوق للإنسانية الحيرَى والتقصيرِ في الدعوة إلى الحقّ أن لا ندلّ من ضلّ الطريق إليه، (لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيّنَةٍ) [الأنفال: 42].

وبعد:
فيا أيها الناس، هذا هو ديننا، وهذا ما يتميّز به إسلامنا، فلماذا الحملات عليه؟
وإلى متى الهجوم عليه؟
ولمصلحة من يستمرّ التطاول عليه؟

بيدَ أنَّ ثمَّة ملحظاً مهمّاً، ينبغي على المنصفين العقلاء الشرفاء الحكماء أن يتبصَّروه، وهو أن تقصيرَ بعض المسلمين في الالتزام بهذه المحاسن والفضائل ليس عيباً في الإسلام نفسه، فمن المسلَّمات أن خطأ أيِّ شخصٍ في تطبيق نظامٍ ما ليس عيباً في النظام نفسه، فخطأ القاضي مثلاً ليس قدحاً في الشرع ذاته، وتجاوزُ الطبيب ليس عيباً في مهنة الطب، وهكذا دواليك، وليس يُعاب الدين من جهل مسلمٍ.
وإذا قامت الحجةُ واتَّضحت المحجة فقد حصل الإعذار، وليس يفيد الأعمى قوّةُ الأنوار،( فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [فاطر: 8].
وما علينا إذا سلكنا الرّشادا *** أصدوداً لقينا أو عناداً
(وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ )[النور: 40].
فاللهَ الله ـ عباد الله ـ في التمسّك بدينكم والثباتِ عليه، لا سيما في عصر الفتن وغربة الإسلام، وفي زمن التحدِّيات الجسام والأخطار العظام، وحذارِ من استفزازات المرجفين وإثارات حملات الموتورين، (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ) [الروم: 60].
ألا فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا من أنفسكم صوَراً مشرقة ومرايا صادقة تعكس محاسنَ هذا الدين وجمالياته، وتُترجم للعالَم بصورةٍ عملية مزايا هذا الدين وإشراقاتِه وفضائلَه وأخلاقياته، والدعوة موجّهةٌ إلى علماء الشريعة ورجال الدعوة والإصلاح ووسائل الإعلام لإبراز هذه المحاسن وترجمتها إلى واقعٍ عملي وسلوك تطبيقي، وهذا خير علاج وأنجع دواء تتصدّى الأمة من خلاله لمواجهة الحملات المغرضة ضدّ دينها وعقيدتها وبلادها، َ(يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَـافِرُونَ)[التوبة: 32].
بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه رؤوف رحيم.






الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومنَّ علينا ببعثة سيد الأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله بدرُ التمام، ومِسك الختام، صلى الله عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنّ خيرَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة.
عباد الله، الإمامُ القدوة والحجّة والأسوة في تطبيق هذه المحاسن والدعوةٍ إلى هذه الفضائل هو الشخصيةُ الفذَّة التي تتضاءل أمامها شخصياتُ التأريخ، هو إمامُنا وقدوتنا سيدُ ولد آدم أجمعين، أفضل البشرية، وخير البريّة، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه من الله أزكى صلاة وأفضل تحيّة، أرسله الله رحمةً للعالمين، وبعثه مولاه ليتمّم مكارم الأخلاق بآبائنا هو وأمهاتنا وأنفسنا وأزواجنا وذريّاتنا وأموالنا والناس أجمعين.
وحسبنا الله ونعم الوكيل على كل منتقصٍ لرسالته أو متطاول على شخصيته.


يا أمة محمد - عليه الصلاة والسلام -، إنّ مما يملأ القلوبَ أسًى وكمداً أن يصلَ الأمر مداه ويبلغَ السيل زُباه في شنّ الحملات المغرضة على المقام المحمّدي والجناب المصطفوي، فيوصَف رسول الرحمة والهدى بأوصافٍ بشعة وألقاب بذيئة عبرَ رسوم ساخرة ومقالات ماكرة وقنوات فاجرة، دعيّة موتورة، مأزورة غير مأجورة، في تحدٍّ لمشاعر مليار ونصف مليار من المسلمين.

أيُّ عين يجمل بها أن تُبقيَ دمعةً في مآقيها وهي ترى شخصيةَ قرّتِها - عليه الصلاة والسلام - يُنال منها ويُتطاول عليها؟!

ولله درّ خبيب - رضي الله عنه - القائل: (ما أحبّ أن يُشاك محمد بشوكة تضرّه في جسده)[1].
[1] روي هذا عن زيد بن الدَّثِنة عندما أراد كفار قريش قتله كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (2/56)، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/172).


إن أتباعَ رسول الإسلام والسلام ليستنكرون أشدَّ الاستنكار هذا الإسفافَ والاستخفاف الذي يُعدّ نتيجةً لتراكماتٍ هائلة من النزعات العنصرية البغيضة، والذي يحمل في طيّاته من الأبعاد والأهداف ما يحرّض الشعوبَ ضدّ الإسلام، وينفّرها من حضارته المشرقة ورسالته المتألقة ذاتِ القيم والفضائل الراسخة، وما يبرّر أعمالَ الحقد والكراهية ونظراتِ التمييز والتفرقة ضدَّ المسلمين في وقتٍ تُعلى فيه قضايا الحوار الحضاري العالمي.

إن تكرارَ هذه الإساءات المتعمَّدَة التي يثيرها بين الفينة والأخرى كلّ دعِيٍّ مأفون وزنيم موتور من بعض متطرّفي الملل لتأجيج الصراع ضدّ مبادئ الإسلام الحضارية وتعاليمه السمحة، ولتأليب الرأي العامّ العالميّ ضدَّ أهل الإسلام، وتكريس الصورة النبطية السلبية عنهم، إن من شأن ذلك أن يحوّل علاقاتِ الشعوب من التعايش والتفاهم إلى الصراع والتصادُم، مما يجرُّ الويلاتِ للإنسانية والشقاءَ للبشرية، فأين الإنصاف والمصداقية؟! وأين الحيدة والموضوعية؟!
(قُلْ يَـا أَهْلَ الْكِتَـابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ) [المائدة: 77].

اسمعوا إلى شهادات بعض مُنصفيهم، يقول بعضهم: "ولسنا نجد في التأريخ كله معلِّما كمحمد، ولقد ظلَّ الإسلامُ بقيادة محمد، وأتباعِه يتزعّم العالمَ كلَّه في القوَّة والنظام وجميل الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم والتسامح الديني والآداب والبحث العلمي... " إلى آخر كلامه، ويقول آخر: "إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنه رغم أمِّيته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بمنهجٍ سنكون نحن أسعدَ ما نكون لو وصلنا إليه بعد كذا وكذا سنة"، والفضل ما شهدت به الأعداء.

فأين هؤلاء المتخرّصون المتهوّكون بزعم عن المنصفين بدعم؟! ألا فليعلم هؤلاء أن التطاولَ على شخصية محمد تطاولٌ على إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام -، بل على مقام مرسِلهم - سبحانه -، - تعالى -الله عما يقولون علواً كبيرا.

ومع أنَّ هذه التخرّصاتِ والتُّرَّهات لن تنال من مقام النبوة ولن تحطّ من شرف الرسالة، بل لا تزيدها ـ
والله ـ
إلا رفعةً وإشراقاً، إلا أنَّ الواجبَ على أتباع سيد الأنام - عليه الصلاة والسلام - التصدّي الواعي لهذه الحملات المشبوهة، من خِلال منهجيّة مدروسة وآليّة مؤسسيّة مرسومة، تعتمد الحوارَ العلمي الراقي والمنهجَ الموضوعي الناضج والأسلوب الحكيم الواعي، لنشر المعلوماتِ الصحيحة عن الإسلام وشخصية رسوله، واستثمار الترجمة ووسائل الإعلام وقنواته الفضائية وشبكاته المعلوماتية، وحشد طاقات الأمة أفرادًا ومجتمعاتٍ ومؤسَّسات للتنسيق والتصدّي لهذه الحملات بالتأصيل الأمثل والأسلوب الأفضل، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].

ألا وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على الحبيب رسول الله، نبيِّكم محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال - تعالى -قولاً كريما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين.


الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس
الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس
الإعلام بمحاسن الإسلام .. للشيخ السديس
قره العين
الحمد لله على نعمة الاسلام وجُل محاسنه العظيمه .

جـــــــــــــــــزاكِ الباري خيراً ووفقكِ لكل مايحبه ويرضاه
إنتقاء طيب
موضوع رائع وهادف وتذكرة طيبة
خصوصاً في مثل هذا الزمن الذى كثر فيه
الهجمات على الاسلام والمسلمين
فالجميع لهُ دور والاعلام لهُ الدور الاكبر.
حفظكِ الله وزادكِ من واسع علمه وفضله..~

♥♥..fafy..♥♥
تسلمي حبيبتي

أمواج رجيم
صفاء العمر
تسلم يديك
وبارك الله فيك
جزاك الله خير

التالي

حاجة البشرية للإسلام .. للشيخ السديس

السابق

كيف تكون المحبة إذاً .. للشيخ عبد الرحمن السديس

كلمات ذات علاقة
للشيخ , السديس , الإسلام , الإعلام , بمحاسن