تمام المنة من كتاب احكام الصلاة

مجتمع رجيم / عــــام الإسلاميات
كتبت : ~ عبير الزهور ~
-
تمام المنة من كتاب احكام الصلاة
تمام المنة من كتاب احكام الصلاة
تمام المنة من كتاب احكام الصلاة

PIC-197-1352305837.g

تمام المنة من كتاب احكام الصلاة


الشيخ عادل يوسف العزازي



معنى الصلاة:

الصلاة لغة: الدُّعاء، قال - تعالى -: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 103].



وشرعًا: التعبُّد لله - تعالى - بأقوالٍ وأفعالٍ معلومة، مُفتتَحَة بالتكبير، مُختتَمَة بالتسليم.



حُكْمها:

الصلاة واجبةٌ بالكتاب والسنَّة والإجماع، والأدلَّة على ذلك كثيرةٌ، أذكر منها:

أولاً: من (الكتاب): قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].



ثانيًا: من (السنة): عن ابن عمرَ - رضي الله عنهما - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((بُنِيَ الإسلامُ على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصِيامِ رمضان، وحَجِّ البيت لمَن استطاع إليه سبيلاً))[1].



ثالثًا: (الإجماع): فقدْ أجمعتِ الأمَّةُ على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة، ووجوبُها مِن المعلوم من الدِّين بالضرورة.



منزلتها:

الصلاة مِن آكَد فرائض الإسلام، فهي تَلي الشهادتين؛ لذا لَمَّا أرْسَل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - معاذًا إلى اليمن قال له: ((فلْيَكُن أوَّلَ ما تدعوهم إليه: شهادةُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فإنْ هم أجابوك لذلك، فأَعْلِمْهم أنَّ الله افترَض عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم والليلة... الحديث))[2].



وعلى هذا، فمَن أنكر وجوبَها كان كافرًا مرتدًّا، وهذا لا خلافَ فيه بين أهلِ العِلم، وإنَّما وقَع الخلافُ فيمَن ترَكها تكاسلاً، وهذا المتكاسِل إما أن يترُكَها تمامًا لا يُصلي أبدًا حتى يموت، وإمَّا أن يُصلِّي أحيانًا ويتركها أحيانًا، فالأوَّل يشمله حديث: ((العَهْدُ الذي بيننا وبينهُمُ الصلاة، فمَن تَرَكها فقدْ كفَر))[3]، ويشمله كذلك قولُ عبدالله بن شقيق: "كان أصحابُ محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يَرَوْن شيئًا من الأعمالِ تَرْكُه كفرٌ إلا الصلاة"[4].



وأما الثاني الذي يترُك أحيانًا ويُصلي أحيانًا، فلا يكون كافِرًا؛ لأنَّه ليس تاركًا بالكلية، بل هو لم يحافظْ عليها، فهو تحتَ الوعيد وإنْ لم يُحكَم عليه بالكُفْر[5].



قلت: ويَشْمله حديثُ عبادة بن الصامت الآتي.



PIC-913-1352305837.g



عدد الصلوات المفروضة:

الصحيحُ الذي ذهَب إليه جمهورُ العلماء أنَّ الصلوات المفروضات خمس، وذهَب الحنفيةُ إلى وجوبِ الوتر أيضًا، والصحيحُ ما ذهَب إليه الجمهورُ؛ فعن أنس بن مالك، عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنهما - في حديثِ الإسراء، وفيه قولُ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فَرَض الله على أُمَّتي خمسين صَلاة)) - فذكَر الحديث إلى أنْ قال -: ((فرجعتُ إلى ربي، فقال: هي خمسٌ وهي خمسون، ما يُبدَّل القولُ لدي))[6].



عن أبي مُحَيْريز عن المُخْدَجِي قال: جاء رجلٌ إلى عُبادةَ بن الصامت - رضي الله عنه - فقال: يا أبا الوليد، إنِّي سمعتُ أبا محمَّدٍ الأنصاريَّ يقول: الوتر واجبٌ، فقال عُبادة: كذَب أبو محمد؛ سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((خمسُ صلواتٍ افترضهنَّ الله على عِباده، فمَن جاء بهنَّ لم ينتقِصْ منهنَّ شيئًا؛ استخفافًا بحقِّهنَّ، فإنَّ الله جاعلٌ له يوم القيامة عَهْدًا أن يُدخِلَه الجنة، ومَن جاء بِهنَّ قدِ انتقصَ مِنهنَّ شيئًا؛ استخفافًا بحقِّهنَّ، لم يكُنْ له عندَ الله عهدٌ: إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاءَ غَفَر له))[7]، وعن طلحةَ بن عُبَيدالله - رضي الله عنه - أنَّ أعرابيًّا أتَى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسولَ الله، ماذا افترَض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: ((خمس صلواتٍ))، قال: فهل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا؛ إلاَّ أن تَطوَّع...)) الحديث[8].


PIC-913-1352305837.g




فضيلة الصلاة والترغيب في أدائها:

قال - تعالى -: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: 18].



عن أبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((أرأيتُم لو أنَّ نَهرًا ببابِ أحدِكم يَغتسِلُ منه كلَّ يومٍ خمسَ مَرَّات؛ هل يَبْقَى مِن دَرنِهِ شيءٌ؟)) قالوا: لا يَبقَى من درنه شيء، قال: ((فذَلِك مَثَلُ الصلوات الخمس، يَمْحُو الله بهنَّ الخطايا))[9]، ومعنى (( الدَّرَن)): الوسَخ.



وعن أبي هُريرَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الصَّلواتُ الخمس، والجُمُعة إلى الجُمُعة كفَّارةٌ لِمَا بينهنَّ ما لم تُغْشَ الكبائِر))[10].



وعن عمرو بن مُرَّة الجُهَني - رضي الله عنه - قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ إنْ شهدتُ أن لا إله إلا الله وأنَّكَ رسولُ الله، وصليتُ الصلواتِ الخمس، وأديتُ الزكاة، وصُمتُ رمضان وقمتُه، فمِمَّن أنا؟ قال: ((مِن الصِّدِّيقين والشهداء))[11].



وعن عبدِالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أنَّ رجلاً أتى رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسأله عن أفضلِ الأعمال؟ فقال: ((الصَّلاة))، قال: ثُمَّ مَهْ؟ قال: ((الصلاة))، قال: ثم مَهْ؟ قال: ((ثُمَّ الصلاة))، قال: ثم مهْ؟ قال: ((ثُمَّ الجِهاد في سبيلِ الله))[12].



وعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - خرَج في الشتاء والوَرَق يتهافت، فقال: ((يا أبا ذر))، قلت: لبيكَ يا رسولَ الله، قال: ((إنَّ العبدَ المسلِمَ ليُصلِّي الصلاةَ يريد بها وجهَ الله، فتهافَتُ عنه ذنوبه كما يَتهافتُ هذا الورَقُ عن هذه الشَّجرة))[13].



وعن عُثمانَ بن عفَّان - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((ما مِن امرئٍ مسلِم تحضُرُه صلاةٌ مكتوبة، فيُحسِن وُضوءَها وخشوعَها ورُكوعها، إلاَّ كانتْ كفَّارةً لما قَبْلها مِن الذُّنوب ما لم تُؤتَ كبيرة، وذلك الدَّهْرَ كلَّه))[14].



وعن عبدِالله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه ذَكَر الصلاةَ يومًا، فقال: ((مَن حافَظَ عليها كانتْ له نُورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامة، ومَن لَمْ يُحافِظْ عليها لم يكن له برهانٌ ولا نورٌ ولا نجاة، وكان يومَ القيامة مع قارون وهامان وفرعونَ وأُبيِّ بن خَلَف))[15].

PIC-913-1352305837.g

والأحاديثُ في فضْل الصلاةِ كثيرة، وفيما ذكرْناه كفايةٌ لمن وفَّقه الله وأعانَه.



على مَن تَجِب الصلاة:

تجِب الصلاةُ على المسلِم العاقِل البالِغ، ويُشترط في حقِّ المرأة الطهارةُ مِن الحيض والنفاس.



فأمَّا (الكافر) فلا تصحُّ منه الصلاة، سواء كان كافرًا أصليًّا أو مرتدًّا[16]؛ لأنه ليس من أهلِ العبادة، وقد تقدَّم في حديثِ معاذ - رضي الله عنه - عندما أرْسله رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى اليمن، قال له: ((فلْيكُنْ أولَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أجابوك لذلك، فأَعْلِمْهم أنَّ الله افترَض عليهم خمسَ صلوات...)) الحديث.



وأما (المجنون والصبي فلا يجبُ عليهما الصلاةُ؛ لِمَا ثبَت في الحديث عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة: عن المجنونِ حتى يُفِيق، وعن الصَّبيِّ حتى يحتلِمَ، وعن النائمِ حتى يستيقظَ))[17].



وأمَّا (الحائض والنُّفَساء)، فلِمَا ثبَت في الحديثِ قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أليسَ إذا حاضَتْ لم تُصلِّ ولم تَصُمْ؟))[18].

PIC-913-1352305837.g

تنبيهات وملاحظات:

(1) يُؤمَر الصبيُّ بالصلاة وهو ابنُ سَبْع سِنين، ويُضرَب عليها وهو ابنُ عشر؛ لِما ثبت في الحديث عن عمرِو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مُروا أولادَكم بالصلاةِ إذا بَلَغوا سبْعًا، واضْربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا، وفرِّقوا بينهم في المضاجِع))[19].



(2) إذا بلَغ الصبيُّ، أو أسْلَم الكافر، أو طهُرتِ الحائض والنفساء قبلَ خروج الوقتِ بمقدار رَكْعة، فإنَّه يجب عليهم أداءَ هذه الصلاة؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أَدْرَك رَكعةً مِن الصلاةِ، فقدْ أدْرَك الصلاةَ))[20].



وذهَب بعضُ أهل العِلم إلى أنَّه لو أدْرَك مقدارَ تكبيرةِ الإحرام لزمتْه هذه الصلاة، والراجِح ما تقدَّم؛ لظاهِرِ الحديث.

PIC-913-1352305837.g

(3) لا يُؤمَر الكافِرُ إذا أسْلم بقضاءِ ما فاتَه قبلَ إسلامه؛ لأنَّ الإسلامَ يَجُبُّ - أي يَمْحو ويهدم - ما قبْلَه؛ ولأنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يأمرْ أحدًا ممَّن أسلم بقضاءِ الصلوات، وفي صحيحِ مسلمٍ مِن حديث عبدالله بن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: قُلْنا: يا رسولَ الله، أنُؤاخذ بما عمِلْنا في الجاهلية؟
قال: ((مَن أحْسَن في الإسلام لم يُؤاخَذْ بما عَمِل في الجاهلية، ومَن أساء في الإسلامِ أُخِذ بالأوَّل والآخِر))[21].




(4) قال ابن تيمية - رحمه الله -: "اعلم أنَّ الصلاة تَنهَى عن الفحشاء والمنكر، كما ذكر الله - تعالى - في كتابه، والعبدُ إذا لم تنهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر دلَّ ذلك على تضييعِه لحقوقها، وأمَّا حديث: ((مَن لم تنهَهُ صلاتُه عن الفحشاءِ والمُنكر، لم يَزدَدْ مِن الله إلا بُعدًا))، فهو حديثٌ لا يصح، والصلاةُ لا تَزيد صاحبَها بُعدًا، بل الذي يُصلِّي أفضلَ مِن الذي لا يُصلِّي وأقربُ إلى الله منه، وإنْ كان فاسقًا"[22].

PIC-913-1352305837.g

[1] البخاري (8)، ومسلم (16)، والترمذي (2609)، والنسائي (8/ 107).

[2] البخاري (1458)، ومسلم (19)، وأبو داود (1584)، والترمذي (625)، والنسائي (5/ 2)، وابن ماجه (1783).

[3] صحيح: رواه الترمذي (2621)، وابن ماجه (1079).

[4] صحيح: الترمذي (2622)، والحاكم (1/ 48).

[5] انظر "مجموع الفتاوى" (22/ 48-49).

[6] البخاري (349)، ومسلم (163).

[7] صحيح: رواه أبو داود (425)، والنسائي (1/ 230)، وابن ماجه (1401)، وهذا لفظُ ابن ماجه.

[8] البخاري (46)، ومسلم (11)، وأبو داود (391)، والنسائي (1/ 226).

[9] البخاري (528)، ومسلم (667)، واللفظ له، والترمذي (2868)، والنسائي (1/ 230).

[10] مسلم (233)، والترمذي (214)، وابن ماجه (1086).

[11] رواه ابن خزيمة (2212)، وابن حبان (3438)، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب" (361).

[12] حسن: رواه أحمد (2/ 172)، وابن حبان (1722).

[13] رواه أحمد (5/ 179) بإسنادٍ حسَن، وحسَّنه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب" (384).

[14] مسلم (228)، وأحمد (5/ 260)، وابن حبان (1044).

[15] صحيح: رواه أحمد (2/ 169)، والدارمي (2721)، والطحاوي (4/ 229)، وابن حبان (1467)، واللفظ له.

[16] "الكافر الأصلي" هو الذي لم يُدخُلْ في الإسلام بعدُ، وأما "المرتدُّ" فهو الذي أسْلم ثم كَفَر.

[17] صحيح: رواه أبو داود (4399)، والترمذي (1423)، وفي الباب عن عائشة نحوه رواه أبو داود (4398)، والنسائي (6/ 156)، وابن ماجه (2041).

[18] البخاري (304)، ومسلم (79).

[19] حسن صحيح: رواه أبو داود (495)، وله شاهد من حديث عبدالملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده رواه أبو داود (494)، والترمذي (407).

[20] البخاري (580)، ومسلم (607)، وأبو داود (1121)، والترمذي (524)، والنسائي (1/ 274)، وابن ماجه (1122).

[21] البخاري (6921)، ومسلم (120)، وابن ماجه (4242)، وأحمد (1/ 409).

[22] مجموع الفتاوى (22/ 6).



تمام المنة من كتاب احكام الصلاة
تمام المنة من كتاب احكام الصلاة
تمام المنة من كتاب احكام الصلاة
كتبت : ~ عبير الزهور ~
-

مواقيت الصلاة
المواقيت:

جمع (ميقات): وهو القَدْر المحدود للفِعْل من الزمان؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].

وفيما يلي بعضُ الأحاديث التي حَدَّدت مواقيتَ الصلاة، ثم نُبيِّن بعدَ ذلك تفاصيلَ كلِّ وقت وما يَتعلَّق به على حِدَة:

عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما -: "أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - جاءَه جبريل - عليه السلام - فقال له: قُمْ فصَلِّهْ، فصلَّى الظهرَ حين زالتِ الشمس، ثم جاءَه العصرَ فقال: قمْ فصَلِّهْ، فصلَّى العصْر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه، ثم جاءَه المغرِبَ، فقال: قُمْ فصَلِّه، فصلَّى المغربَ حين وجبَتِ الشمس، ثم جاءَه العشاءَ فقال: قُمْ فصَلِّه، فصلَّى العشاءَ حين غابَ الشَّفَق، ثم جاءَه الفجرَ حين برَقَ الفَجْر، أو قال: سطَع الفجْر.

ثم جاءَه من الغدِ للظُّهْر، فقال: قُمْ فصَلِّهْ، فصلَّى الظهرَ حين صار ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه، ثم جاءَه العصرَ، فقال: قمْ فصَلِّه، فصلَّى العصر حين صارَ ظِلُّ كلِّ شيء مِثْلَيْه، ثم جاءَه المغرب وقتًا واحدًا لم يَزُلْ عنه، ثم جاءَه العشاءَ حين ذهَب نِصفُ الليل، أو قال: ثُلُث الليل فصَلَّى العشاء، ثم جاءَه حين أسْفَر جدًّا، فقال: قُمْ فصَلِّهْ، فصلَّى الفجر، ثم قال: ما بيْن هذَيْن الوقتَيْن وقت"[1].

وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((وَقْتُ الظهرِ إذا زالتِ الشمس وكان ظِلُّ الرَّجُلِ كطُوله ما لم يَحضُرِ العصر، ووقتُ العصر ما لم تَصفرَّ الشمس، ووقتُ صلاة المغرِب ما لم يَغِبِ الشَّفَق، ووقتُ صلاة الفجْر ما لم تَطلُع الشمس، فإذا طلعتِ الشمس فأمْسِك عنِ الصلاة؛ فإنَّها تطلُع بيْن قَرْنَي شيطان))[2].



تنبيهات:
(1) الحديث الأول: يُسمَّى حديثَ إمامة جبريل، وكانتْ إمامة جبريل بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في اليومِ الذي يَلِي ليلةَ الإسراء، وأوَّل صلاة أُدِّيتْ صلاةُ الظُّهْر على المشهور.

(2) قال ابن عبدالبر - رحمه الله -: "قال جماعةٌ مِن أهل العلم: إنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يكن عليه صلاةٌ مفروضة قبلَ الإسراء، إلا ما كان أُمِر به من صلاةِ الليل على نحوٍ مِن قيام رمضان، مِن غير توقيتٍ ولا تحديدِ رَكَعَات معلومات، ولا لوقت محصور، وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقوم أدْنَى مِن ثُلُثَي الليل ونِصْفه وثُلُثه، وقام معه المسلمون نحوًا مِن حَوْلٍ، حتى شقَّ عليهم ذلك، فأنزل الله التوبةَ عليهم والتخفيفَ في ذلك ونسَخَه وحَطَّه؛ فضلاً منه ورحمة، فلم يبقَ في الصلاة فريضةٌ إلا الخَمْس"[3].



وقت صلاة الظهر
مِن الأحاديثِ المتقدِّمة يتبيَّن أنَّ أوَّلَ وقتِ الظُّهْر إذا زالتِ الشمس، ومعنى (زوال الشمس): مَيْلها عن كَبِد السماء[4]، وآخِر وقْتها: إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه - أي مضافًا إليه الظل الذي يكون عندَ الزوال، وهذا الظلُّ يختلف بحسبِ اختلاف البلاد[5].

الإبراد بصلاةِ الظهر في شدة الحر:
يُستحَبُّ التعجيلُ بإتيان الصلاةِ في أوَّل وقْتها؛ لأنَّ ذلك من المسارعة إلى أمْر الله، وفي حديثِ ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - أنَّه سأل النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: ((الصَّلاةُ على وقْتِها))[6]، وفي روايةٍ عندَ ابن حبَّان: ((الصَّلاةُ في أوَّل وقتِها))[7].

وعن جابرِ بنِ سَمُرة - رضي الله عنه -: "كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُصلِّي الظهرَ إذا دحَضَتِ الشمس"[8]؛ أي: (زالت).

لكن في شِدَّة الحرِّ يُشْرَع (الإبراد) بصلاةِ الظهر؛ فعن أبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا اشتدَّ الحرُّ، فأَبْرِدوا بالصلاة؛ فإنَّ شِدَّة الحرِّ مِن فيْح جهنَّم))[9].

والمقصود بالإبراد: تأخيرُ الصلاة في شِدَّة الحرِّ إلى وقتِ الإبراد؛ وهو الوقتُ الذي يتبيَّن فيه انكسارُ شدَّة الحر، وأن يَصير للتلُول فَيْءٌ وظِل يَمشُون فيه، وجمهورُ العلماء على أنّ هذا الأمر للاستحباب، ويرى بعضُهم الوجوبَ[10].

ويُستفاد مِن الحديث: أنَّه لا يُشرَع الإبرادُ في البَرْد، وكذلك إذا لم يشتدَّ الحرُّ.

ويُقدَّر هذا الوقت إلى أن يكونَ ظِلُّ كلِّ شيء مِثلَه؛ وذلك لما ثبت في صحيحِ البخاري عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: كنَّا مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سفَر، فأراد المؤذِّن أن يُؤذِّن، فقال له: ((أبْرِدْ))، ثم أراد أن يُؤذِّن، فقال له: ((أَبْرِدْ)) حتى ساوى الظلُّ التلولَ، فقال: النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((إنَّ شِدَّة الحرِّ مِن فَيْح جهنَّمَ))[11].

وهذا يدلُّ على أنَّ الإبرادَ يكون إلى قُرْبِ وقت العصر.

قال الشيخُ ابن عثيمين - رحمه الله -: "وهذا يحصُلُ لمَن يُصلِّي جماعة، ولمن يُصلِّي وحدَه، ويدخُل في ذلك النِّساء، فإنَّه يُسَنُّ لهنَّ الإبرادُ في صلاةِ الظهر في شدَّة الحر"[12]، وقد استدلَّ - رحمه الله - لذلك بعمومِ الخطاب ((أبْرِدوا))، ولأنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يُعلِّلِ الإبرادَ في الحديث إلا بقوله: ((فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ من فَيْح جهنَّمَ))، والله أعلم.



وقت صلاة العصر
وقتُ صلاةِ العصر يبدأ عندما يكون ظِلُّ الشيءِ مثلَه، وأمَّا وقتُ انتهائِه، فقد ورَد في ذلك أحاديث:

الأول: حديثُ جبريل المتقدِّم، وفيه أنَّه صلَّى العصرَ في اليوم الثاني عندما صار ((ظِلُّ الشيءِ مِثْلَيه))، وقال بعدَ ذلك: ((الوقتُ ما بيْن هذَيْن الوقتَيْن)).

الثاني: حديثُ عبدالله بن عمرٍو المتقدِّم، وفيه قولُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ووقتُ صلاةِ العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمْسُ)).

الثالث: حديثُ أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن أدْرَك ركعةً مِن العصر قبل أن تَغرُبَ الشمسُ، فقد أدْرَك العصر))[13].

ففي الحديثِ الأوَّل جعَل آخِره أن يَصير ظلُّ كلِّ شيء مِثْليه، وفي الحديثِ الثاني جعَلَه إلى وقتِ الاصفرار، وفي الثالث اعتبَرَه حتى مغيبِ الشمس.

ووجْهُ الجَمْعِ بين هذه الروايات: ما ذَهَب إليه العلماءُ مِن تقسيم وقتِ العصر إلى خمسة أوقات: فضيلة، واختيار، وجواز بلا كَراهة، وجواز مَع الكراهة، ووقت عُذْر.

قال النوويُّ - رحمه الله - نقلاً عن أصحابِ الشافعي: "فأمَّا وقتُ الفضيلة فأوَّل وقتِها، ووقتُ الاختيار يمتدُّ إلى أن يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَيْه، ووقتُ الجواز إلى الاصْفِرار، ووقتُ الجواز مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب، ووقتُ العُذر وهو وقتُ الظهر في حقِّ مَن يَجْمع بين الظهر والعصر لسَفَر أو مطَر، ويكون العصر في هذه الأوقاتِ الخمسة أداءً، فإنْ فاتتْ بغروب الشمسِ فهي قَضاء"[14].

قلتُ: ومما يدلُّ على كراهةِ تأخيرها إلى ما بعدَ الاصفرار: ما رواه مسلمٌ عن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((تِلْك صلاةُ المنافِق؛ يجْلِس يُراقِب الشمسَ، حتى إذا كانتْ بين قرْنَي الشيطان، قام فَنَقَرَها أربعًا لا يَذْكُر الله إلا قليلاً))[15].

استحباب تعجيلها ولو مع الغَيْم:
عن أنس - رضي الله عنه - قال: "كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُصلِّي العصرَ والشمسُ مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهبُ إلى العوالي فيأتيهم والشمسُ مرتفعة"[16].

و(العوالي) أماكِن في أطرافِ المدينة.

قال الشوكانيُّ - رحمه الله -: "والحديثُ دليلٌ على استحبابِ المبادرة بصلاةِ العصر أوَّلَ وقتِها؛ لأنَّه لا يمكن أن يذهَب الذاهب بعدَ صلاةِ العصر مِيلَيْن وثلاثة والشمس لم تتغيَّر بصُفرة ونحوها، إلا إذا صلَّى العصر حين صار ظِلُّ كلِّ شيء مِثلَه"[17].

ومما يدلُّ على استحبابِ المبادرة في اليوم الغَيْم ما ثبَت عن أبي المَلِيح - رضي الله عنه - قال: كنَّا مع بُرَيدةَ في غزوة في يوم ذي غَيْم فقال: بَكِّروا بصلاةِ العصر، فإنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن ترَك صلاةَ العصر فقدْ حَبِط عملُه))[18].

تنبيه: اختلفتْ أقوالُ العلماءِ في تحديدِ الصلاة الوُسْطَى، وأرْجَحها أنَّها صلاةُ العصر، فقد صرَّحتْ بذلك الأحاديثُ، منها:

(1) عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال يومَ الأحزاب: ((ملأَ الله قبورَهم وبُيوتَهم نارًا، كما شغَلُونا عن الصلاةِ الوُسْطَى حتى غابتِ الشمس)) - وفي رواية -: ((شَغَلونا عن الصلاةِ الوُسْطى؛ صلاةِ العَصْر))[19].

(2) عنِ ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: حَبَس المشرِكون رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن صلاةِ العصر حتى احمرَّتِ الشمس أو اصفرَّت، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((شَغَلونا عن الصلاةِ الوُسْطَى؛ صلاةِ العصر، ملأَ اللهُ قُبورَهم نارًا، أو حشَا الله أجوافَهم وقبورَهم نارًا))[20]




وقت صلاة المغرب يبدأ أولُ وقتِ صلاةِ المغرِب إذا غابتِ الشمس، وآخِرُ وقتِها إلى مغيب الشَّفَق الأحمر - على أرجحِ الأقوال - وذلك لحديثِ عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((وقْتُ صلاةِ المغرب إذا غابتِ الشمس، ما لم يَغِبِ الشفق))[21]؛ رواه مسلم.

وأمَّا ما تقدَّم في حديثِ جبريل أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى المغرِب في اليومين في وقتٍ واحد حين غرَبتِ الشَّمْس. قال النوويُّ - رحمه الله -: "فهو يدلُّ على استحبابِ التعجيل بصلاةِ المغرِب"[22].

قلت: وقد وردَتِ الأحاديثُ مُصرِّحةً باستحباب تعجيلها، فمِن ذلك:
(1) عن رافِع بن خَدِيج - رضي الله عنه - قال: "كُنَّا نُصلِّي مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - المغرِبَ فينصرف أحدُنا، وإنَّه لَيُبصرُ مواقِعَ نَبْلِه"[23].

(2) عن عطيةَ بنِ عامر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا تَزال أُمَّتي بخير - أو على الفِطرة - ما لم يُؤخِّروا المغربَ حتى تَشتبِكَ النُّجوم))[24].




وقت صلاة العشاء يبدأ وقتُ العشاء مِن غروب الشَّفَق الأحمر كما تقدَّم في حديث إمامة جبريل، وأمَّا آخِر وقتِها فاختلَف أهلُ العلم في ذلك:

فذهب بعضُهم إلى أنه: يمتدُّ إلى نِصف الليل؛ لما تَقدَّم من حديث إمامة جبريل.

وذهَب فريقٌ آخرُ إلى أنَّه: ممتدٌّ إلى صلاةِ الفجر؛ لحديثِ أبي قتادة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أمَا إنَّه ليس في النوم تفريط، إنَّما التفريطُ على مَن لم يُصلِّ الصلاةَ حتى يجيءَ وقتُ الصلاةِ الأخرى))[25].

والصواب - والله أعلم - ما ذَهبَ إليه الفريقُ الأول مِن أهل العلم أنَّ وقتَ العشاء ينتهي بنِصْف الليل، وأمَّا الحديث الماضي فهو مخصوصٌ بالصلواتِ المتَّصلةِ أوقاتُها، وهي الظهر والعصْر، والمغرب والعشاء، ويخرُج مِن ذلك الفجْر، فلا يتَّصل بوقتٍ قبلَه ولا بعدَه.

وأقوى ما استدلَّ به هؤلاء قولُ الله - تعالى -: ﴿ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ [الإسراء: 78]، فذَكَر الأوقاتَ المتَّصلة، وهي مِن دُلوكِ الشمس إلى غَسَق الليل؛ أي: مِن مُنتَصف النهار (وهو أوَّل وقتِ الظهر) إلى مُنتَصف الليل (وهو آخِر وقتِ العِشاء)، ثم ذَكَر الفجْر منفصلاً؛ لعدمِ اتصاله بهذه الأوقاتِ لا قَبْله ولا بَعْدَه.

وهذا ما اختارَه الشيخُ ابنُ عثيمين - رحمه الله[26].

استحباب تأخيرها إلى ثلث الليل:
الأفْضَل أن تُؤخَّر صلاةُ العشاء إلى ثُلُث اللَّيْل؛ فعن جابر بن سَمُرة - رضي الله عنه - قال: "كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُؤخِّر العِشاءَ الآخِرة"[27].

وعن أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - عنِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لولا أن أشُقَّ على أمَّتي، لأمرتُهم بالسواك مع الوضوء، ولأخرتُ العشاء إلى ثُلُث اللَّيْل أو شَطَر الليل))[28].

وعن عائشةَ - رضي الله عنها - قالتْ: "كانوا يُصلُّون العَتمة فيما بيْن أن يَغيبَ الشَّفَق إلى ثُلُث اللَّيْل الأوَّل"[29].

فدلَّ ذلك على استحبابِ تأخير العِشاء، لكن بشَرْط مراعاة الجماعة، فلا ينفرد عنِ الجماعة إذا صلَّوْها في أوَّل الوقت؛ لعدمِ فوات الجماعة، ولعدمِ إضاعة الجماعات.

كراهية النوم قبلَ العِشاء والسَّمَر بعدها:
عن أبي بَرْزةَ الأَسْلَمي - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - "كان يَستحِبُّ أن يُؤخِّر العِشاءَ التي يدْعونها العَتَمة، وكان يَكْره النومَ قبْلَها والحديثَ بعدَها"[30].

في هذا الحديثِ ما يدلُّ على كراهيةِ النوم قبلَ العِشاء.

قال الترمذيُّ - رحمه الله -: "وقدْ كَرِه أكثرُ أهلِ العِلم النومَ قبل صلاةِ العشاء، ورخَّص في ذلك بعضُهم"[31].

وقال ابنُ العربي - رحمه الله -: "إنَّ ذلك جائزٌ لمَن عَلِم من نفسه اليقظةَ قبل خروج الوقْت بعادة، أو يكون معه مَن يُوقِظه، والعِلَّة في الكراهة قبلها لئلاَّ يذهبَ النومُ بصاحبه ويستغرقه فتفوته، أو يفوته فضلُ وقتِها المستحب، أو يترخَّص في ذلك الناسُ فيناموا عن إقامةِ جماعتها"[32].

قلتُ: وأمَّا إذا غلبتْه عيناه وهو في المسجِد ينتظر الصلاةَ، فليس مِن هذا الباب المنهيِّ عنه؛ لحديث عائشةَ - رضي الله عنها -: "أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أعْتَمَ بالعِشاء، حتى ناداه عمرُ: نام النِّساءُ والصِّبيان"[33].

قال ابنُ سيِّد الناس - رحمه الله -: "ولا أرى هذا مِن هذا الباب، ولا نُعاسَهم في المسجدِ وهم في انتظارِ الصلاة مِن النوم المنهي عنه، وإنَّما هو مِن السِّنَة التي هي مَبادِئ النَّوم"[34].

وأمَّا السَّمَر بعدَ العشاء، فإنَّه مكروه إلا لضرورة؛ لِمَا ثبَت عن ابنِ مسعود - رضي الله عنه -: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا سَمَر بعدَ الصلاة - يعني: العِشاء الآخِرَة - إلا لأحدِ رَجُلين؛ مُصلٍّ أو مُسافِر))[35].

ولمَا ثبَت عن عمر - رضي الله عنه - قال: "كانَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَسْمَر عندَ أبي بكر الليلةَ في الأمر مِن أمورِ المسلمين وأنا معه"[36].

وعلى هذا، فيجوز السَّمَرُ إذَا كانتِ الفائدة دِينيَّة، أو للمسافِر، أو السَّمَر مع أهلِه؛ لما ثبَت عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: رقدتُ في بيت ميمونةَ ليلةَ كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عندها؛ لأنظُرَ كيف صلاةُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالليل، قال: فتَحدَّثَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع أهلِه ساعةً، ثم رَقَد[37].

قال النوويُّ - رحمه الله -: "واتَّفق العلماءُ على كراهةِ الحديث بعدَها إلا ما كان في خيْر"[38].

وقال الشوكانيُّ - رحمه الله -: "وعِلَّة الكراهةِ ما يُؤدِّي إليه السَّهَر من مخافةِ غَلَبة النومِ آخِر اللَّيْل عنِ القيامِ لصلاة الصبح في جماعة، أو الإتيان بها في وقتِ الفضيلة والاختيار، أو القيام للوردِ مِن صلاةٍ أو قراءةٍ في حقِّ مَن عادته ذلك، ولا أقلَّ لِمَن أمِن ذلك مِن الكسل بالنهار عمَّا يجب مِن الحقوق فيه والطاعات"[39].



وقت صلاة الصبح مِن الأحاديثِ السابقة يتبيَّن أنَّ وقْتَ الصبح يبدأ مِن طلوع الفجر الصادق، ويمتدُّ حتى طلوعِ الشمس.

ما جاء في التغليس بصلاةِ الصبح والإسفار بها:
ومعنى (الغلس) بقايا الظلام، و(الإسفار) ضَوْء النَّهار.

وقد وردتِ الأحاديثُ بالتغليس بصلاةِ الصُّبْح، وأخرى بالإسفارِ بها.

فأما التغليس: فعَنْ عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: ((كُنَّ نساء المؤمنات يَشْهَدْنَ مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - الفجرَ متلفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثم ينقلبْنَ إلى بيوتهنَّ حين يقضينَ الصلاة لا يعرفُهنَّ أحدٌ من الغَلَس))[40]، ومعنى ((المِرْط)) الأكسية، والمقصود مُغطيات لا يعرفُهنَّ أحد.

وأما الإسفار: فعن رافعِ بن خَديج - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أسْفِروا بالفَجْر، فإنَّه أعظمُ للأَجْر))[41].

ولا تَعارُضَ بين الحديثين، فيُجْمَع بينهما بأنَّ بداية الصلاة تكون بغلَس، وينتهي منها وقتَ الإسفار، ويمكن أن يُقال: يجوز التغليس، ويجوز الإسفار، وإنْ كان التغليس أفضلَ؛ لمَا ثبَت في الحديثِ عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى صلاةَ الصبح مرَّة بغَلَس، ثم صلَّى مرَّةً أخرى فأسْفَر بها، ثم كانتْ صلاتُه بعدَ ذلك التغليس حتى مات، لم يَعُدْ إلى أن يُسفِر[42].

قال الشوكاني - رحمه الله -: "والحديثُ يدلُّ على استحبابِ التغليس، وأنَّه أفضلُ مِن الإسفار، ولولا ذلك لمَا لازَمه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتى مات"[43].




تنبيهات وملاحظات:


(1) يُكرَه تغليبُ اسم (العَتَمة) على صلاةِ العِشاء، وإنْ كان يجوز ذلك أحيانًا بشَرْط ألا يُغلَّب.

فعن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما - قال: سمعتُ رسولَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((لا تَغلبنَّكم الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم، ألاَ وإنَّها العِشاء، وهُم يُعْتِمون بالإبِل))[44].

ومعنى ((يُعتِمون بالإبل)): يَحْلِبون الناقة في هذه الساعة المتأخِّرة؛ ولذلك قال بعضُ العلماء: إنَّ العِلَّة في النهي تنزيهُ العِبادة الشرعيَّة المحبوبة عن أيِّ أمرٍ دُنيوي.

وأمَّا الدليلُ على جوازِ تسميتها (العتمة) أحيانًا، فعن أبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لو يَعْلَم الناسُ ما في النِّداء والصَّفِّ الأوَّل، ثم لم يَجِدوا إلاَّ أن يَسْتَهِموا عليه، لاسْتَهموا عليه، ولو يَعلمون ما في التهجيرِ لاستبقوا إليه، ولو يَعلمون ما في العَتَمة والصُّبح، لأَتَوْهما ولو حبوًا))[45]، والمقصود بـ((النداء)): الأذان، ومعنى ((اسْتَهموا))؛ أي: اقْتَرعوا، و((التَّهْجير)): صلاة الظُّهر، و((الحَبْو)) أن يَمشي على يديه ورُكْبتيه، أو يَمشي على اسْتِه.

قال الحافظ - رحمه الله -: "ولا بُعد في أنَّ ذلك كان جائِزًا - أي: التسمية بالعَتَمة - فلمَّا كثُر إطلاقُهم له نُهوا عنه؛ لئلاَّ تَغْلب السُّنَّة الجاهلية على السُّنن الإسلامية، ومع ذلك فلا يَحرُم ذلك، بدليلِ أنَّ الصحابة الذين رَوَوا النهي استعْمَلوا التسميةَ المذكورة"[46].

(2) مَن أدرك ركعةً قبل خروج الوقْت، فقدْ أدرك الصلاةَ لوقْتِها، وعلى مَن أدرك ذلك أن يُتِمَّ الصلاة أداءً؛ وذلك لمَا ثبَت في الحديثِ عن أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن أدرك ركعةً مِن الصلاة، فقدْ أدرَك الصلاة))[47].

ويُفهَم مِن الحديث أنَّه إذا أدرك أقلَّ مِن ركعة كامِلة لا يكون مدركًا للصلاة، وفي كِلا الحالين يكون آثمًا للتأخير.

قال ابنُ قُدامةَ - رحمه الله -: "فإنْ أخَّرها بحيث لم يبْقَ من الوقت ما يتَّسع لجميعِ الصلاة أثِم؛ لأنَّ الركعةَ الأخيرة مِن جُمْلة الصلاة، فلا يجوز تأخيرُها عن الوقتِ كالأُولى"[48].

(3) اعلم أنَّه لا يجوز أن تُؤخَّر الصلاة إلى آخِرِ وقتها، فعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تِلك صلاةُ المنافِق؛ يجْلس يرقُب الشمسَ حتى إذا كانتْ بيْن قرْني شيطان، قام فنَقَرها أربعًا لا يَذْكُر الله فيها إلا قليلاً))[49].

وقد أمَر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعدمِ تأخيرها مع الأمراءِ إذا أخَّروها عن وقتِها، فعن أبي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قال: قال لي رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كيف أنتَ إذا كانتْ عليك أمراءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها؟ أو يُميتون الصلاةَ عن وقتها؟))، قال: قلتُ: فما تأمُرُني؟ قال: ((صلِّ الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتَها معهم فصَلِّ، فإنَّها لك نافِلَة))[50]، ولكن أيُّهما تُحْسَبُ الفريضة: هل التي صلاَّها وحْدَه، أم التي صلاَّها مع الأئمَّة؟!

الصحيح مِن أقوال أهل العِلم أنَّ الصلاة التي صلاَّها أولاً هي الفريضة، والثانية هي النافِلة؛ لقوله في الحديثِ السابق: ((فإنَّها لك نافِلَةٌ))، ولغيره مِنَ الأحاديث.

(4) إذا طَهُرتِ الحائض، أو عقَل المجنون، أو أفاق المُغمَى عليه، أو احتَلَم الصبي، أو أسلَم الكافر قبلَ خروج وقتِ الصلاة بركعةٍ، فإنَّه يجب عليه صلاةُ هذا الوقت.

وأمَّا إذا كان ذلك دون الرَّكْعة، فالصحيحُ أنه لا تجب عليه أداء هذه الصلاة.

(5) مَن زال عقلُه بإغماء حتى خرَج الوقتُ - أي: أُغمي عليه قبلَ الوقتِ واستمرَّ به حتى خرَج الوقتُ - لا يجب قضاءُ تلك الصلاة، وهو مذهبُ الأئمَّة الثلاثة، ومذهَب الإمام أحمد وجوبُ القضاء، والراجح الرأيُ الأول[51].

(6) إذا طَرَأ عذر بعدَ دخولِ وقتِ الصلاة من حيْض أو جنون أو إغماء، ونحو ذلك، ففيه أقوالٌ لأهل العِلم:

الأول: إذا أدْرَك ركعةً ثم طرأ المانِع وجَبَ عليه القضاء.

الثاني: أنَّه لا يجب عليه القضاءُ إلا إذا أدْرك وقتًا يَسَع لأدائها فلم يُؤدِّها حتى طرَأ المانع، وهو مذهَبُ الشافعية.

الثالث: لا يَلْزمه القضاء إلا إذا بقِي من وقتِ الصلاة بمقدار فِعْل الصلاة؛ لأنَّ تأخيرَه لم يكن عن تفريطٍ ولا تعدٍّ، ولم ينقل إلينا أنَّ المرأة إذا حاضتْ في أثناء الوقت أُلْزِمت بقضاءِ الصلاة، والأصل براءةُ الذِّمَّة، وهذا اختيار ابن تيمية [52]، وهو قولُ مالك وزُفَر.

قال ابن عثيمين - رحمه الله -: "وهذا تعليلٌ قوي جدًّا... فإنْ قضاها احتياطًا، فهو على خيرٍ، وإنْ لم يقضها فليس بآثم"[53].

(7) إنَّ أخَّر الصلاة عن أوَّل وقتِها بنِيّة فِعْلها - أي: قبل خُروج الوقت - فمات قبل فِعْلها، لم يكن عاصيًا؛ لأنَّه فعَل ما يجوز له فِعْلُه، والوقت ليس مِن فِعْله فلا يأثَم به؛ قاله في "المغني"[54].

(8) قال ابن قدامة - رحمه الله -: "ومَن صلَّى قبل الوقْتِ لم تَجُزْ صلاته في قولِ أكثر أهلِ العِلم، سواء فعَلَه عمدًا أو خطأ، كلَّ الصلاة أو بعضَها"[55].

(9) لا يجوز للإنسانِ أن يُصلِّي الفَرْض إلا إذا تيقَّن أو غلَب على ظنِّه دخولُ الوقت، وأمَّا لو شكَّ في دخوله فلا يُصلِّي، وإنما يَعرِف دخولَ الوقت باجتهاده - إنْ كان له معرفة بذلك - أو بَخبَرِ مَن يَثِق بقوله، سواء كان رجلاً أو امرأة.

(10) إذا عَلِم باجتهاد منه أنَّ وقت الصلاة قد حان فصلَّى، ثم تبيَّن له أنه خطأ، فعليه إعادةُ الصلاة، وتكون صلاتُه التي صلاَّها نفلاً.

(11) لا يَكْفي الاعتماد بدُخول وقتِ الصلاة مجرَّدُ سماع صوْت الأذان مِن مِذياع، حتى يتيقَّن أنه أذان البلد المُقيم فيه؛ لأنَّه ربما كان الأذان منقولاً من بلدٍ آخر، أو كان الأذانُ صادرًا مِن تسجيل، أو نحو ذلك.



[1] صحيح: رواه الترمذي (150)، والنسائي (1/ 251)، وأحمد (3/ 330، 351).

[2]
مسلم (612)، وأبو داود (396)، والنسائي (1/260)

[3] نقلاً مِن "نيل الأوطار" (1/ 383).

[4] وذلك أنَّ الشمس إذا طلعَتْ صار للشخص ظلٌّ جِهةَ المغرب، ثم لا يزال هذا الظلُّ ينقص كلَّما ارتفعتِ الشمس حتى يتوقَّف الظل - وعندئذٍ تكون الشمسُ في كبد السماء - ثم يبدأ الظلُّ في الزيادة مِن الجهة الأُخرى، فإذا بدأ في هذه الزِّيادة كان هذا وقتَ الزوال.

[5] ففي بلاد المناطِق الاستوائية تكون الشمسُ عموديةً تمامًا فوقَ الشخص، فلا يكون هناك زيادةٌ عندَ الاستواء، بل يكون الظِّلُّ أسفلَ الشخص، وفي بلادٍ أخرى حيث تكون هناك زاوية ميْل للشمس، يكون هناك ظِلٌّ للشخْص -نحو شِبر أو أكثر أو أقلّ - عندَ الاستواء، فهذه الزيادة تُحسَب عند آخر الوقت، فيكون آخِر وقت الظهر: أن يكون الظلُّ مِثلَ الشخص مضافًا إليه هذه الزِّيادة.

[6] البخاري (527)، ومسلم (85)، والترمذي (173)، والنسائي (1/ 292).

[7] صحيح: رواه ابن خزيمة (327)، وابن حبان (1475).

[8] مسلم (618)، وأبو داود (403)، وابن ماجه (673)، وأحمد (5/ 106).

[9] البخاري (533)، ومسلم (615)، وأبو داود (402)، والترمذي (157)، والنسائي (1/ 248)، وابن ماجه (678).

[10] انظر فتح الباري (2/ 16).

[11] البخاري (629)، ومسلم (616)، وأبو داود (401)، والترمذي (158)، واللفظ للبخاري.

[12] "الشرح الممتع" (2/ 99)، وهو المشهورُ عن الإمامِ أحمد - كما قال الحافظ في "الفتح" بعدَ أن نقَل الخِلافَ (2/ 16).

[13] البخاري (579)، ومسلم (608)، وأبو داود (412)، والترمذي (186)، والنسائي (1/ 257).

[14] نقلاً من "نيل الأوطار" (1/ 288)، وانظر "مجموع النووي" (3/ 27).

[15] مسلم (622)، وأبو داود (413)، والترمذي (160)، والنسائي (1/ 254)، وأحمد (3/ 102).

[16] البخاري (550)، ومسلم (621)، وأبو داود (404)، والنسائي (1/ 251- 252).

[17] "نيل الأوطار" (2/ 391- 392).

[18] البخاري (553)، والنسائي (1/ 236)، وابن ماجه (694)، وأحمد (5/ 345، 357).

[19] البخاري (2931)، (4111)، (4533)، ومسلم (627)، وأبو داود (409)، والترمذي (2984)، والنسائي (1/ 336)، وابن ماجه (684).

[20] مسلم (628)، والترمذي (179)، وابن ماجه (686)، وأحمد (1/ 403).

[21] مسلم (612)، وأبو داود (396)، والنسائي (1/ 260).

[22] نقلاً من "نيل الأوطار" (1/ 388)، وانظر "المجموع" (3/ 31).

[23] البخاري (559)، ومسلم (637)، وأبو داود (416)، وابن ماجه (687).

[24] صحيح: رواه أبو داود (418)، وأحمد (4/ 174)، والبيهقي (1/ 370).

[25] مسلم (681)، وأبو داود (441)، والترمذي (177)، والنسائي (1/ 194).

[26] "الشرح الممتع" (2/ 109).

[27] مسلم (643)، والنسائي (1/ 266)، وأحمد (5/ 89).

[28] صحيح: رواه أحمد (2/ 250)، وابن ماجه (691)، وعبدالرزاق (2106)، وابن حبان (1531)، وروى الترمذي (167) الفقرة الأخيرة وهي محل الشاهد، وصححه الشيخ الألباني في "الإرواء" (2/ 197).

[29] البخاري (864)، والنسائي (1/ 267).

[30] البخاري (599)، ومسلم (647).

[31] سنن الترمذي (1/ 314).

[32] نقلاً من نيل الأوطار (1/ 416).

[33] البخاري (566)، (569)، ومسلم (638)، والنسائي (1/ 239).

[34] نقلاً من "نيل الأوطار" (1/ 416).

[35] رواه أحمد (1/ 379)، والطيالسي ()، والبيهقي (1/ 452)، وانظر "صحيح الجامع" (7275)، وضعَّفَه الحافظ في "الفتح" (1/ 213).

[36] رواه الترمذي (169)، وابن حبان (2034)، وأحمد (1/ 34)، وقال الترمذي: حديث حسن، وله شاهدٌ مِن رواية كميل بن زياد عن علي؛ أخرجه الحاكم (3/ 317)، وصحَّحه ووافقه الذهبي، وانظر "السلسلة الصحيحة" (2781).

[37] البخاري (4569)، (7452)، ومسلم (673)، وأبو داود (1364) نحوه.

[38] "شرح صحيح مسلم" للنووي (5/ 146).

[39] "نيل الأوطار" (1/ 417).

[40] البخاري (578)، ومسلم (645)، وأبو داود (423)، والترمذي (153)، والنسائي (1/ 371)، وابن ماجه (669).

[41] صحيح: رواه أبو داود (424)، وابن ماجه (672)، والترمذي (154)، والنسائي (1/ 272)، وقال الترمذي: حسن صحيح، واللفظ له.

[42] حسن: رواه أبو داود (394)، وابن خزيمة (352)، وابن حبان (1449).

[43] "نيل الأوطار" (1/ 421).

[44] مسلم (644)، وأبو داود (4984)، وابن ماجه (704)، والنسائي (1/ 270).

[45] البخاري (615)، ومسلم (437)، والترمذي (225)، والنسائي (1/ 269).

[46] "فتح الباري" (2/ 48).

[47] البخاري (580)، ومسلم (607)، وأبو داود (1121)، والترمذي (524)، النسائي (1/ 274)، وابن ماجه (1122).

[48] "المغني" (1/ 395).

[49] صحيح: وقد تقدَّم تخريجه (ص163).

[50] مسلم (648)، وأبو داود (431)، والترمذي (176)، والنسائي (2/ 75).

[51] انظر "الشرح الممتع" (2/ 16).

[52] "الاختيارات الفقهية" (ص: 66).

[53] "الشرح الممتع" (2/ 127- 128)

[54] انظر في ذلك "الاختيارات الفقهية" (ص: 67).

[55] المغني (1/ 395).





كتبت : ~ عبير الزهور ~
-

حُكم الصلاة إذا نام عنها أو نَسِيَها



عن أنسِ بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن نسِيَ صلاةً، فلْيُصلِّها إذا ذكرَها، لا كَفَّارة لها إلا ذلك))[1]، وفي رِواية لمسلم: ((إذا رقَد أحدُكم عن الصلاةِ أو غفَل عنها، فلْيُصلِّها إذا ذكَرَها؛ فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يقول: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]))[2].

دلَّتْ هذه الأحاديثُ وغيرها على وجوبِ أداء الصلاةِ إذا فاتتْ بنومٍ أو نِسيان، وأنه يجب ذلك على الفَور، وسواء أكان ذلك في وقتِ نهْي أو غيره، وأنَّه إذا أدَّاها مباشرةً وقعَتْ أداءً لا قضاءً، ولا إثمَ عليه؛ لأنَّه غير مفرِّط.




تنبيهات:


1- اعلم أنه ((ليس في النَّومِ تَفْريط))، لكنَّه إنْ تعمَّد النوم متسببًا به لترْك الصلاة أو تأخيرها، فلا شكَّ في عِصيانه، وكذلك مَن نام بعدَ أنْ ضاق الوقتُ لأداء الصلاة.

2- يَنبغي للمكلّف أن يُراعي الأسبابَ التي تُعينه على اليَقظة للصلاة؛ فعن أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين قَفَل مِن غزوةِ خَيْبر سارَ ليلة، حتى إذا أدركه الكَرَى عرَّس، وقال لبلال: ((اكْلأْ لنا الليل))، فصلَّى بلالٌ ما قُدِّر له، ونام رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابُه، فلمَّا تقارَب الفجر استندَ بلالٌ إلى راحلته مواجِه الفجْر، فغلبتْ بلالاً عيناه وهو مستندٌ إلى راحلته، فلم يستيقظْ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا بلالٌ ولا أحدٌ مِن أصحابه حتى ضربتْهم الشمس، فكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوَّلَهم استيقاظًا، ففَزِع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((أيْ بلال!))، فقال بلال: أخَذ بنفْسي الذي أخذ - بأبي وأنت وأمِّي يا رسولَ الله - بنفْسِك، وقال: ((اقتادوا))، فاقتادوا رواحلَهم شيئًا، ثم توضَّأ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأَمَر بلالاً فأقام الصلاة، فصلَّى بهم الصبح، فلمَّا قضَى الصلاة، قال: ((مَن نَسِي الصلاة، فلْيُصلِّها إذا ذَكَرها، فإنَّ الله قال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]))[3].

ومعنى ((الكَرَى)) النُّعاس، و((التَّعْريس)): نُزول المسافرين آخِرَ الليل للنومِ والاستراحة، ومعنى ((اكْلأْ)): احفظْ واحْرُس.

نرى في هذا الحديث أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمَر بلالاً أن يكلأَ الليل - أي: يحرُس الليل - ليوقظَهم للصلاة، فأين هذا ممَّن يَسْمُر ليلَه فيما لا فائدةَ فيه، ولم يحتطْ لنفسه بمَن يُوقِظه؟!

3- مَن فاتتْه الصلاةُ لنوم أو نِسيان فقام لأدائِها، فإنَّه يُشرَع له أن يؤذِّن للصلاة، ويُصلِّي السنن الراتِبة كما يُصلِّيها للوقت، ويُقيم الصلاة.

4- إذا فاتتْه أكثرُ مِن صلاة لنوم أو نسيان، فإنَّه يقضيها مرتَّبة كما يُصلِّيها للوقت، ويُقيم لكلِّ صلاة، وإن كانوا جماعةً صلَّوْها جماعة، وما كان مِن الصلاة الجهرية صلاَّها جهريةً، حتى لو كان في وقتِ السِّريَّة، وكذلك السرية يُسِرُّ بها حتى لو كان في وقت الجهرية، ففي بعضِ ألفاظ حديث أبي هُرَيرَة المتقدِّم: ((فصَنَع كما يَصْنَع كلَّ يوم)).

وعن أبي سَعيد الخُدْري - رضي الله عنه - قال: "حُبِسْنا يوم الخندق عنِ الصلاة حتى كان بعدَ المغرِب بهوي مِن الليل كُفِينا عن القِتال، وذلك قول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ [الأحزاب: 25]، قال: فدَعا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بلالاً فأقام الظهر، فصلاَّها فأحْسَن صلاتَها كما كان يُصلِّيها في وقتها، ثم أمرَه فأقام العصرَ، فصلاَّها فأحسن صلاتَها كما كان يُصلِّيها في وقتها، ثم أمرَه فأقام المغربَ، فصلاَّها كذلك، قال: وذلك قبل أن يُنزِل اللهُ - عزَّ وجلَّ - في صلاةِ الخوف: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: 239]"[4].

5- فإذا فاتتْه صلاةٌ فدخَل المسجدَ فأُقيمت الصلاة الأُخرى، فإنَّه يُصلِّي مع الإمام الصلاة التي أُقيمتْ؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا أُقِيمتِ الصلاة فلا صَلاةَ إلا المكتوبة))[5]، وفي لفظ: ((إذا أُقيمتِ الصلاة فلا صَلاةَ إلا التي أُقِيمت))[6]، وهذا اللفظ - وإنْ كان في طريقِه مقال - إلا أنَّه المفهومُ مِن اللفظ الأوَّل، فإنَّه على عمومه: ألاَّ يُصلِّي العبد نافلةً أو فريضةً إلا التي أُقيم مِن أجلها، والله أعلم، ثم بعد ذلك يُصلِّي الفائتة، ولا يجب عليه إعادةُ الصلاة الأولى التي صلاَّها مع الإمامِ طلبًا للترتيبِ؛ إذ لا دليلَ على ذلك.





قال ابنُ تيميَّة - رحمه الله -:


"وهو قولُ ابن عبَّاس، وقول الشافعيِّ، والقول الآخَر في مذهب أحمد"، ثم صحَّح - رحمه الله - هذا القول قائلاً: "فإنَّ الله لم يُوجِبْ على العبد أن يُصلِّي الصلاةَ مرَّتين إذا اتَّقى الله ما استطاعَ"[7].

وكذلك لو تَضايق الوقتُ بحيث إنَّه لو صلَّى الفائتةَ خرَج وقتُ الحاضِرة.

فالراجِح: أنَّه يُصلِّي الحاضرةَ أولاً، وكذلك الحُكم لو خاف فواتَ صلاةِ الجُمُعة، والله أعلم[8].

وأما إنْ تذكَّر الفائتةَ أثناءَ الخُطْبة، فعليه أن يُصلِّيها، ولو أدَّى ذلك إلى عدمِ سماعِ الخُطبة، شريطةَ ألا تفوتَه صلاةُ الجُمُعة.

6- ما تقدَّم مِن هذه الأحكام والتنبيهات هي في حقِّ النائم والناسي؛ إذ لا تفريطَ عليهما، وأمَّا المتعمِّد لترْك الصلاة، فقد تنازَع العلماءُ في وجوبِ قضاء هذه الصلوات؟!

فذهب فريقٌ منهم بعدمِ القضاء، بل تلزمه التوبة، ولا تصحُّ منه الصلاة؛ لأنَّ الله - تعالى - يقول: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]، فكما لا تصحُّ منه قبلَ الوقت، كذلك لا تصحُّ منه بعده.

قال ابن تيمية - رحمه الله -:
"وتاركُ الصلاةِ عمدًا لا يُشرَع له قضاؤُها ولا تصحُّ منه، بل يُكثِر من التطوُّع، وكذا الصوم، وليس في الأدلَّة ما يُخالِف هذا، بل يُوافِقه"[9].

واحتجَّ الآخَرون الذين أوْجَبوا القضاءَ بقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فدَيْن الله أحقُّ بالقضاء))[10]، قالوا: والصلاةُ دِين لا يسقط إلاَّ بأدائه.

قال الشوكانيُّ - رحمه الله -: "إذا عرفتَ هذا، علمتَ أنَّ المقام مِن المضايق"[11].

ورجَّح الشيخ ابن عثيمين القولَ بعدم القضاء[12].

7- قال ابن تيميَّة - رحمه الله -: "والمسافِر العادِم للماءِ إذا عَلِم أنه يَجِد الماء بعدَ الوقت، فلا يجوز له التأخيرُ إلى ما بعدَ الوقت، بل يُصلِّي بالتيمم في الوقت بلا نِزاع، وكذلك العاجِز عن الرُّكوع والسجود والقراءة إذا عَلِم أنه يمكنه أن يُصلِّي بعد الوقت بإتمام الركوع والسجود والقراءة، كان الواجبُ أن يُصلِّي في الوقت بحسبِ إمكانه"[13].

قلت: كراكبِ الطائرة أو القِطار، لا يتمكَّن مِن صلاته قيامًا، صلَّى حسبَ حاله بالانحناء.

ومن ذلك أيضًا: مَن لم يجد إلا ثوبًا نجِسًا، صلَّى فيه ولا إعادةَ عليه، أو كان عليه نجاسةٌ لا يستطيع إزالتَها قبلَ الوقت، وكذا الحائض والجُنُب إذا لم يستطعِ الحصولَ على الماء قبْلَ خروج الوقتِ، تيمَّم وصلَّى.

لكنْ إنِ استيقظ آخِرَ الوقت - والماء موجود - وهو يعلَم أنَّه إنِ اغتسلَ طلعَتِ الشمس، فالصحيحُ أنَّه يغتسل ويُصلِّي ولو طلعتِ الشمس، وهذا مذهبُ الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، واختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله[14] - لكن يُلاحَظ أنه لا ينشغل بشيءٍ إلا بالاغتسالِ والصلاة، فإنِ انشغل بشيءٍ آخَر أثِم.

8- إنْ نسِي صلاةً ولم يعرفْ عينَها، فعلى أقوال:
الأول: عليه أن يَقضي خمسَ صلوات.

الثاني: يَقْضي صلاةً ثُنائية، وصلاةً ثُلاثيَّة، وصلاة رُباعيَّة على اعتبار أنه يَنوي فرْض الوقت، ومعلوم أنَّ الرباعية فرْض لثلاثة أوقات، فإنْ كانتِ المنسية ظُهرًا أو عصرًا أو عِشاءً، كانتْ تلك الصلاةُ الرُّباعيَّة فَرْضَها، وتكون الثنائية للصُّبح، والثلاثية للمغرِب، والله أعلم.

9- قال ابن تيمية - رحمه الله -: "إذا ذَكَر أنَّ عليه فائتةً وهو في الخُطْبة يسمع الخطيبَ أو لاَ يَسْمعه، فله أنْ يقضيَها في ذلك الوقت، إذا أمْكَنه القضاء وإدراك الجُمُعة، بل ذلك واجبٌ عليه عندَ جمهور العلماء"[15].

قلت: وأمَّا إذا تذكَّر وخشِي فواتَ صلاة الجُمُعة، فالصحيح أنَّه يبدأ بالجُمُعة، ثم الفائِتة؛ (راجع رقم: 5).

10- قال ابن تيمية - رحمه الله -: "ومَن أخَّرَها - أي: الصلاة - لصناعة، أو صَيْد، أو خِدمة أستاذ، أو غير ذلك حتى تغيبَ الشمس - يعني: صلاة النهار - وجبتْ عقوبتُه، بل يجب قتلُه عندَ جمهور العلماء بعدَ أن يُستتاب"[16].




[1]
البخاري (597)، ومسلم (684)، وأبو داود (442)، والترمذي (178)، والنسائي (1/ 293)، وابن ماجه (695).

[2] وهي الرواية الآتية.

[3] مسلم (680)، وأبو داود (435)، والترمذي (3163)، والنسائي (2/ 296)، وابن ماجه (697).

[4] صحيح: رواه النسائي (2/ 17)، وأحمد (3/ 49)، وابن خزيمة (1703)، واللفظ له

[5] مسلم (710)، وأبو داود (1266)، والترمذي (421)، وابن ماجه (1151)، والنسائي (2/ 116).

[6] حسن: وهو بهذا اللفظ عند أحمد (2/ 352)، والطبراني في الأوسط (8/ 286)، والطحاوي في معاني الآثار (1/ 372).

[7] مجموع الفتاوى (22/ 106)، وقد نقَل - رحمه الله - القولَ الآخَر أنَّه يُعيد، وعزاه لابن عمرَ - رضي الله عنهما - وهو مذهَب مالك، وأبي حَنيفة، وأحمد في المشهور عنه.

[8] انظر "الشرح الممتع" (139/ 142)، وانظر الملاحظة رقم (9).

[9] "الاختيارات الفقهية"(ص: 16)، وقد عزوتُ في الطبعة الأولى في هذا الموضِع نحوَ هذا لابن تيمية أيضًا، لكنِّي حاولتُ الرجوعَ إلى مصدره، فلم أصلْ إليه ذهولاً عنه، فحذفتُه هنا.

[10] البخاري (1953)، ومسلم (1148).

[11] نيل الأوطار (2/ 3).

[12] انظر "الشرح الممتع" (2/ 135).

[13] "الاختيارات الفقهية" (ص: 64).

[14] مختصر الفتاوى المصرية (ص43).

[15] "مجموع الفتاوى" (22/ 107).

[16] المصدر السابق (22/ 38).





كتبت : صفاء العمر
-
بارك الله فيك وبجهودك
موضوع هادف
جزاك الله خير
كتبت : ~ عبير الزهور ~
-


أحكام الأذان

معنى الأذان:
الأذان لغة: الإعلام.
وشرعًا: الإعلام بوقتِ الصلاة بألفاظٍ مخصوصة، أو يُقال: التعبُّد لله بالإعلام بوقتِ الصلاة، بألفاظ مخصوصة.

فضيلة الأذان والمؤذنين:
1- عن أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لو يَعْلمُ الناسُ ما في النِّداء والصفِّ الأول ثم لم يَجدوا إلا أنْ يستهموا عليه، لاستَهموا، ولو يعلمون ما في التهجيرِ، لاستَبَقُوا إليه، ولو يَعلمون ما في العَتَمةِ والصُّبح، لأَتَوْهُما ولو حَبوًا))[1].

2- عن عبدِالله بن عبدالرحمن بن أبي صَعْصَعة عن أبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - قال له: "إنِّي أراك تُحبُّ الغنمَ والبادية، فإذا كُنتَ في باديتك أو غنمك فأذنتَ للصلاة، فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإنَّه لا يسمع مدَى صوتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إنس إلا شَهِد له يومَ القيامة، قال أبو سعيد: سمعتُه من رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم"[2]، زاد في رواية ابن خزيمة: ((ولا يَسْمَع صوتَه شَجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنس)).

3- عن البَراءِ بن عازب - رضي الله عنه - أنَّ نبيَّ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله وملائكتَه يُصلُّون على الصفِّ المقدَّم، والمؤذِّن يُغفَر له مدَى صوتِه، ويُصدِّقه مَن سمعه مِن رطب ويابس، وله أجْرُ مَن صلى معه))[3].

4- عن أبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الإمامُ ضامِنٌ، والمؤذِّن مُؤتَمن، اللهمَّ أرْشدِ الأئمَّة، واغفرْ للمؤذِّنين))[4].
((الضمان)): الكفالة والحِفظ والرِّعاية، و((المؤتَمن)): الأمين على مواقيتِ الصلاة.

5- عن معاوية - رضي الله عنه -: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((المؤذِّنون أطولُ الناس أعناقًا يومَ القِيامة))[5].

6- عن أنسِ بن مالك - رضي الله عنه - قال: سَمِع النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلاً وهو في مسيرٍ له يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال نبيُّ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((على الفِطْرة)) فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال نبيُّ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خرَج مِنَ النار))، فاستبقَ القوم إلى الرجلِ، فإذا راعي غنَمٍ حضرتْه الصلاةُ، فقام يؤذِّن[6].

7- عن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن أذَّن اثنتي عشرة سَنَة وجبَتْ له الجنة، وكُتِب له بتأذينه في كلِّ يوم ستُّون حَسَنة، وبكلِّ إقامة ثلاثون حَسَنة))[7].

8- عن أبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا نُودِي بالصلاةِ، أدْبَر الشيطانُ وله ضُراطٌ؛ حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضِي الأذان أقْبَل، فإذا ثُوِّب أدْبَر، فإذا قُضِي التثويب أقْبَل، حتى يخطرَ بين المرء ونفسِه، يقول: اذكُرْ كذا، اذكُرْ كذا، لِمَا لم يكن يذكُر من قَبلُ، حتى يظلَّ الرجل ما يَدري كم صلَّى))[8].

بدء مشروعية الأذان:
شُرِع الأذان في السَّنة الأولى من الهِجرة، وكان سبب ذلك: أنَّهم كانوا يَتحيَّنون للصلاة؛ أي: يُقدِّرون وقتَها ليأتوا إليها، فتَكلَّموا في ذلك على النحوِ الآتي في الأحاديث:
عن ابنِ عُمرَ - رضي الله عنهما - قال: كان المسلِمون حين قَدِموا المدينةَ يَجتمعون فيَتحيَّنون الصلواتِ، وليس يُنادِي بها أحدٌ، فتكلَّموا يومًا في ذلك، فقال بعضُهم: اتِّخذوا ناقوسًا مِثل ناقوسِ النَّصارى، وقال بعضُهم: قَرْنًا مِثْل قرن اليهود، فقال عمر: أوَلاَ تَبعثون رجلاً يُنادِي بالصلاة، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا بلالُ، قُمْ فنادِ بالصلاة))[9].

وعن عبدِالله بن زيدِ بن عبدِربِّه - رضي الله عنه - قال: "لَمَّا أمَر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالناقوسِ ليَضرِبَ به الناسُ في الجَمْع للصلاة - وفي رواية: وهو كارهٌ؛ لموافقته للنصارَى - طاف بي وأنا نائمٌ رجل يحمل ناقوسًا في يدِه، فقلت له: يا عبدَ الله، أتبيع الناقوس؟ قال: ماذا تَصْنَع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خيرٌ مِن ذلك؟ فقلتُ له: بلى، قال: تقول: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، اللهُ أكبر اللهُ أكبر، أشهدُ أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، اللهُ أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.

ثم استأخَرَ غيرَ بعيد، ثم قال: تقول إذا أُقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، قد قامتِ الصلاة، اللهُ أكبر اللهُ أكبر، لا إله إلا الله.

فلمَّا أصبحتُ أتيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخبرتُه بما رأيتُ، فقال: ((إنَّها لرؤيا حق إنْ شاء الله، فقُمْ مع بلال فأَلْقِ عليه ما رأيتَ، فليُؤذِّن به؛ فإنَّه أنْدَى صوتًا منك))، قال: فقمتُ مع بلالٍ، فجعلت ألقيه عليه، ويُؤذِّن به، قال: فسَمِع بذلك عمرُ، وهو في بيته فخرَج يجرُّ رِداءَه، يقول: والذي بعثَك بالحقِّ لقدْ رأيتُ مثل الذي أُرِيَ، قال: فقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فلله الحمد))"[10].




حُكم الأذان:
ذَهَب بعضُ العلماء إلى أنَّ الأذان سُنَّة مؤكَّدة، وذهَب آخرون إلى وجوبِه، وذهب فريقٌ ثالث إلى أنه فَرْض كفاية، وهو الراجِح، وهذا ما رجَّحه شيخُ الإسلام ابن تيمية[11]، واعتبر النِّزاعَ لفظيًّا؛ لأنَّ الذين يقولون بأنَّه سُنَّة، منهم مَن يقول: إذا اتَّفق أهلُ بلدٍ على ترْكه قُوتلوا، ومن الأدلَّة على الوجوب:
1- طول الملازمة للأذان مِن أوَّل الهِجرة إلى وفاةِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يثبت أنَّه ترَكه مرَّةً ما.

2- قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمالكِ بن الحُوَيرثِ: ((إذا حضرتِ الصلاةُ، فليُؤذِّن لكم أحدُكم))[12]، وفيه دليلٌ على وجوبه؛ لأنَّه أمرَهم بذلك، والأمر يُفيد الوجوبَ، وفيه دليلٌ على كونه فرضَ كفاية لكلِّ صلاة مِن الصلوات الخمْس المفروضة، وفيه أنَّه لو أذَّن قبلَ الوقت أنَّ ذلك لا يُجزئ، وعليه الإعادة إذا دخَل الوقت.

3- حديث أنس - رضي الله عنه -: ((أُمِر بلالٌ أن يَشْفَع الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامة))[13]، وفيه الأمرُ به وهو يُفيد الوجوبَ - كما تقدَّم.

4- حديث أنس - رضي الله عنه - عندَ البخاري: "أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان إذا غزَا بنا قومًا لم يكن يغْزو بنا حتى يُصبِحَ وينظر، فإنْ سمِع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمعْ أذانًا أغارَ عليهم))[14].

قال ابنُ عبدالبر - رحمه الله -: "ولا أعلمُ خِلافًا في وجوب الأذان جملةً على أهل المِصر؛ لأنَّ الأذان هو العلاَمةُ الدالَّة المفرِّقة بين دارِ الإسلام ودارِ الكُفْر"[15].

وقال ابنُ تيمية - رحمه الله -: "وأمَّا مَن زعم أنه سُنَّة لا إثْمَ على تاركيه، فهذا القولُ خطأ"[16].



أذان المسافرين:
يُشرَع في حقِّ المسافرين الأذانُ، كما هو في حقِّ المقيمين؛ وذلك لحديث مالك بن الحُوَيرِث المتقدِّم؛ لأنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمرَهم بالأذان وكانوا مُسافِرين[17].



صفة الأذان:
ورَدَتْ ألفاظُ الأذان بكيفيَّات مختلِفة، وكلُّها صحيحة، فبأيَّةِ صِيغة أذَّن أجْزأه:
الأولى: تربيعُ التكبيرِ الأوَّل، وتَثنية باقِي ألفاظ الأذان، وهذا واردٌ في حديث عبدالله بن زيد المتقدِّم[18].

الثانية: تَربيعُ التكبير الأوَّل، وتثنية باقِي ألفاظِه، مع ترجيع الشهادتين، وذلك بأنْ يقول المؤذِّن الشهادتين أولاً بصوت منخفِض، ثم يَقولهما بعدَ ذلك بصوت مرتفِع، والدليلُ على ذلك حديثُ أبي مَحْذورة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - علَّمه هذا الأذان: ((الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله - ثم يعود فيقول -: أشهد أن لا إله إلا الله (مرَّتين)، أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله (مرَّتين)، حيَّ على الصلاة (مرَّتين)، حيَّ على الفلاح (مرَّتين)، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))[19]؛ أي: إنَّه كرَّرَ الشهادتين، وهذا معنى الترجيع.

الثالثة: تثنيةُ التكبير وتثنيةُ باقي ألفاظِه، مع ترجيعِ الشهادتين؛ لحديثِ أبي مَحْذورة السابق مِن رواية مسلِم[20].

قال الصنعاني - رحمه الله -: "فذَهب الأكثرُ إلى العمل بالتربيع؛ لشُهرةِ روايته، ولأنَّها زيادةُ عدْل، فهي مقبولة"[21].




التثويب في أذان الفَجْر الأوَّل:
المشروع للفجْر أذانان: الأوَّل منهما قبلَ دخولِ الوقت، والثاني هو الأذان للإعلام بدُخولِ الوقت ولدعاءِ السامعين لحضورِ الصلاة؛ فعن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ بلالاً يُؤذِّن بليل، فكُلُوا واشْرَبوا حتى يُنادي ابنُ أمِّ مكتوم، وكان رجلاً أعْمَى لا يُنادي حتى يُقال له: أصْبحْتَ أصْبَحْتَ))[22].

ويُشرع في الأذان الأوَّل ((التثويب))، وهو أن يقول المؤذِّن بعد قوله: حيَّ على الفلاح: ((الصلاةُ خيرٌ مِن النوم))؛ ولذلك ثبَت في حديثِ ابن عمرَ - رضي الله عنهما - قال: ((كان الأذانُ الأوَّل بعدَ الفلاح: الصلاةُ خيرٌ مِن النوم - مرتين))[23].

كما ثبَت في إحدى رِوايات حديث أبي مَحْذورة - رضي الله عنه -: ((وإذا أذَّنتَ بالأوَّل مِن الصبح، فقل: الصلاة خيرٌ مِن النوم، الصلاة خيرٌ مِن النوم))[24].




صفة الإقامة:
كما أنَّ للأذان صفاتٍ مختلفةً، فكذلك الإقامة، وهي على النحوِ الآتي:
أولاً: تربيع التكبير الأوَّل، وتثنية جميعِ كلماتها، ما عدَا الكلمةَ الأخيرةَ؛ لحديث أبي محذورة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - علَّمه الإقامةَ سبعَ عشْرةَ كلمةً: ((الله أكبر (أربعًا)، أشهد أن لا إله إلا الله (مرَّتين)، أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله (مرتين): حيَّ على الصلاة (مرَّتين) حيَّ على الفلاَّح (مرَّتين)، قد قامتِ الصلاة (مرَّتين)، اللهُ أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))[25].

ثانيًا: أن تكونَ الإقامة وترًا عدَا قوله: قد قامتِ الصلاةُ، فيُثنَّى، وعدا التكبير في أوَّله وآخِره؛ وذلك لحديثِ أنس - رضي الله عنه -: ((أُمِر بلال أن يَشْفَع الأذان ويُوتِر الإقامة - وفي رواية: إلا الإقامة))[26]، ولحديث عبدِالله بن زيد - رضي الله عنه - المتقدِّم في الرؤيا في إقامةِ الصلاة[27].

وعن ابنِ عُمرَ - رضي الله عنهما - قال: إنَّما كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مرَّتين مرتين، والإقامة مرَّةً مرةً، غير أنَّه يقول: ((قد قامتِ الصلاة)) مرتين[28].

وقد ذَهَب مالكٌ إلى هذه الكيفية، لكنه جعَل الإقامة أيضًا مفردة، تقال مُرَّةً واحدة (قدْ قامتِ الصلاة)، لكن هذه الصورة غيرُ ثابتة.

قال ابنُ القيم - رحمه الله -: "لم يصحَّ عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إفرادُ كلمة ((قد قامتِ الصلاة)) ألبتة"[29].




أحكام وآداب تتعلق بالمؤذن:
1- إخلاص النية:
يَنبغي للمؤذِّن أن يُحسِنَ النِّية في أذانه، وذلك بأن يحتسبَ أذانه، ولا يتخذ عليه أجْرًا؛ فعن عثمان بن أبي العاص قال: قلتُ: يا رسولَ الله، اجْعلني إمامَ قومي، قال: ((أنتَ إمامُهم، واقتدِ بأضعفهم، واتَّخِذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانِه أجْرًا))[30].

قال الشيخُ ابن عثيمين - رحمه الله -: "وأمَّا الجعالة: بأن قال: مَن أذَّن في هذا المسجدِ، فله كذا وكذا، بدون عقْد وإلزام، فهذه جائزة؛ لأنَّه لا إلزام فيها، فهي كالمكافأةِ لمَن أذَّن، ولا بأسَ بالمكافأة لمَن أذَّن"[31]، وقال: "لا يَحرُم أن يُعطَى المؤذِّن والمقيم عطاء مِن بيت المال، وهو ما يُعرَف في وقتنا بالرَّاتب؛ لأنَّ بيتَ المال إنَّما وُضِع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة مِن مصالح المسلمين"[32].

2- أن يكون مسلمًا عاقلاً ذَكرًا:
قال ابن قُدامةَ - رحمه الله -: "لا يصحُّ الأذان إلا مِن مسلِمٍ عاقل ذَكَر"[33]، وعلى هذا فلا يصحُّ الأذان من مُسجِّل (مذياع). كما هو الحالُ في بعضِ الدول، يكتفون بوضعِ مُسجِّل يسمعون مِن خلاله الأذانَ دون أن يُؤذِّن بالمسجد مُؤذِّن.

قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: "وفي إجزاءِ الأذانِ مِن الفاسِق رِوايتان، أقواها عدمُه؛ لمخالفتِه لأمرِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم"[34].

3- يشترط معرفته بالوقت:
ويصحُّ أذان الأعْمى؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ بلالاً يُؤذِّن بليل، فكُلُوا واشْرَبوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتوم)) قال ابن عمر: وكان رجلاً أعْمَى لا يؤذِّن حتى يُقال له: أصبحْتَ أصبحتَ[35].

ولذا؛ فيَنبغي أن يكون معه مُبْصِرٌ يُعْلِمه بدخولِ الوقت.

قال البخاريُّ - رحمه الله -: "باب أذان الأعمى إذا كان له مَن يُخبره".

هل يصح أذان الصبي المميِّز[36]؟
يرَى بعضُ العلماء صحَّةَ أذانه؛ لأنَّ الأذان ذِكْر لا يَحتاج إلى بلوغ، ومنعه آخرون؛ لأنَّه لا يُعتمد عليه ولا يُوثَق بقوله، وقال بعضُهم: إذا كان معه غيرُه فلا بأسَ، وإن لم يكن معه غيرُه، فلا يُعتمد عليه.

قال ابنُ تيمية - رحمه الله -: "والأشبهُ أنَّ الأذان الذي يُسْقِط الفرْضَ عن أهلِ القرية، ويعتمد في وقتِ الصلاة والصيام - لا يجوز أنْ يُباشِرَه هو قولاً واحدًا، ولا يسقط الفرض، ولا يُعتَدُّ به في مواقيتِ الصلاة، وأمَّا الأذان الذي يكون سُنَّة مؤكَّدة في مِثل المساجد التي في المصر، ونحو ذلك، فهذا فيه رِوايتان، والصحيح جوازُه"[37].

ويُستفاد من ذلك أنَّه إذا كثُرتِ المساجد، وأذَّن المؤذِّنون البالغون فيها، وأذَّن صبيانٌ مميِّزون في بعضها - أنَّ أذانهم صحيح.

4- يُستحبُّ للمؤذن أن يكون صَيِّتًا[38] حسَنَ الصوت:
لأنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - اختار أبا محذورة للأذان؛ لأنَّه كان صَيِّتًا، وتقدَّم في حديثِ عبدالله بن زيد - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال له: ((ألْقِه على بلال؛ فإنَّه أنْدَى منك صوتًا)).

5- رفْع الصوت بالأذان:
ولو كان منفردًا في الصحراء؛ لمَا تقدَّم عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صَعْصَعة: أنَّ أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال له: "إنِّي أراك تحبُّ الغنمَ والبادية، فإذا كنتَ في غنمكَ أو باديتِكَ، فارفعْ صوتك بالنداء، فإنَّه لا يَسمع مدَى صوتِ المؤذن جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ، إلا شَهِد له يومَ القيامة)) الحديث[39].

وقال عمرُ بن عبدالعزيز - رحمه الله -: أذِّن أذانًا سَمْحًا، وإلا فاعتزلْ[40]، وسبب قوله ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة: أنَّ مؤذنًا أذن فطرب في أذانه.

قلت: وعلى ذلك ما يَفْعَله كثيرٌ من المؤذِّنين مما يُسمُّونه (الأذان السلطاني)، وما فيه من التطريبِ واللَّحْن، ليس مِن السُّنَّة في شيء، بل هو مِن البِدع المُنكَرة.

6- أن يلتفتَ برأسه وعُنقه يمينًا وشِمالاً في الحَيعلتَين:
قال ابنُ خزيمة - رحمه الله -: باب انحراف المؤذِّن عندَ قوله: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، بفَمِه لا ببدنِه كلِّه.

فعن أبي جُحيفة: أنَّه رأى بلالاً يؤذِّن فجعلتُ أتتبَّع فاه، هَا هُنا وها هنا يقول يمينًا وشمالاً: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح[41] - زاد ابن خزيمة: ويحرف رأسَه يمينًا وشمالاً، وعندَ الترمذي: يُؤذِّن ويدور، وعندَ أبي داود: ولم يَسْتدِرْ[42].

ولذلك اختلَف العلماءُ: هل المقصود الاستدارة بالرأسِ فقط، أم الاستدارة بالجسَدِ كلِّه، والظاهر إدارةُ الرأس فقط، كما هو في روايةِ ابن خزيمة السابِقة.

قال الحافظُ - رحمه الله -: "ويُمكن الجمعُ بأنَّ مَن أثبت الاستدارةَ عَنَى استدارةَ الرأس، ومَن نفاها عنَى استدارةَ الجسد كلِّه"[43].

قلت: هذا على فرض ثبوت روايةِ أبي داود في نفْي الاستدارة، لكنَّها روايةٌ ضعيفة، وعليه فيُرجَّح القولُ بالاستدارة.

كما اختلفوا: هل يستديرُ في الحيعلتين الأُوليين مرَّةً، وفي الثانيتين مرة؛ أي يقول: ((حيَّ على الصلاة)) (مرتين)، جهة اليمين، ثم ((حي على الفلاح)) (مرَّتين) جِهة الشمال، أو يقول: ((حي على الصلاة)) جِهة اليمين مرَّةً وجِهة الشمال مرَّة، ثم ((حي على الفلاح)) جِهة اليمين مرَّة وجِهة الشمال أخرى؟ أو يقول: ((حي على الصلاة)) ويلتفت يمينًا وشِمالاً أثناءَ ترديدها، ثم يقولها مرَّةً ثانية كذلك، ثم يقول: ((حي على الفلاح)) كذلك، ثم يُكرِّرها كذلك؟

قلت: والأرجح في ذلك الصِّفةُ الأخيرة؛ لمَا ورد في إحدى رِوايات ابن خزيمة: "فجَعَل يقول في أذانِه هكذا - ويحرف رأسَه، يمينًا وشمالاً بحيِّ على الفلاح"[44]، فتكون هذه الصِّفةُ أرجحَ الصِّفات؛ لورودها في الخبر، وذلك بأن يحرف رأسَه يمينًا وشمالاً في كلِّ واحِدة.

7- يُستحبُّ وضْع أصبعيه في أُذنيه:
لأنَّه ورَد في إحدى رواياتِ الحديث السابق: "رأيتُ بلالاً يؤذِّن ويدور، وأتتبَّع فاه ها هنا وها هنا أُصبعاه في أُذنيه"[45].

قال العلماء: وفي ذلك فائدتان:
إحداهما: أنه قد يكون أرْفَعَ لصوته.
ثانيهما: أنَّه علامة للمؤذِّن؛ ليعرفَ مَن رآه على بُعْد، أو كان به صَمَم أنَّه يؤذِّن.

8- أن يستقبل القِبلة:
قال ابنُ المنذر - رحمه الله -: "وأجْمَعوا على أنَّ من السُّنة أن يستقبلَ القِبلة بالأذان؛ وذلك أنَّ مؤذِّني رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كانوا يُؤذِّنون مُستقبِلي القِبْلة"[46]، ومن ذلك ما رواه السَّرَّاج في ((مسنده))، عن مُجَمِّع بن يحيى، قال: "كنتُ مع أبي أُمامةَ بن سهل، وهو مستقبل المؤذِّن، فكبَّر المؤذنُ وهو مستقبل القِبلة"؛ وإسناده صحيح.

فإنْ أخلَّ باستقبال القبلة، كُرِه له ذلك، وصَحَّ أذانُه.

9- حكم الطهارة أثناء الأذان:
يُستحبُّ أن يكونَ المؤذِّن على طهارةٍ كاملة من الحَدَث والجَنَابة، لكنَّه إن أذَّن على غيرِ طهارة، فأذانُه صحيح؛ لأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يَذكُر اللهَ على كلِّ أحيانه[47].

10- يستحب أن يؤذن قائمًا:
قال ابن المنذر - رحمه الله -: "أجْمَع كلُّ مَن أحفظ عنه مِن أهل العلم أنَّ السُّنة أن يؤذِّن قائمًا، وانفرد أبو ثور، فقال: يؤذِّن جالسًا مِن غير عِلَّة"[48]، وفي حديثِ أبي قتادة أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لبلال: ((قُمْ فأذن))، وكان مؤذِّنو رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُؤذِّنون قِيامًا.

فإنْ كان له عُذرٌ، فلا بأسَ أن يُؤذِّن قاعدًا [49]، فإن لم يكن له عُذرٌ، كُرِه له ذلك، وصحَّ أذانُه.

ويجوز للمسافرِ الأذانُ راكبًا، وقد ثبَت أنَّ ابن عمر كان يُؤذِّن على البعيرِ، فينـزل فيُقيم[50].

11- يُستحبُّ أن يؤذِّن على مكان مرتفِع:
وذلك لما رواه أبو داود عن امرأةٍ من بَني النجَّار، قالت: "كان بيتي من أطولِ بيت حولَ المسجد، وكان بلالٌ يؤذِّن عليه الفجْر، فيأتي بسَحَر، فيَجلس على البيتِ ينظر إلى الفجْر، فإذا رآه تمطَّى، ثم قال: اللهمَّ إني أحْمدك، وأستعينك على قريش أن يُقيموا دِينك، قالت: ثم يُؤذِّن"[51].

قال الشيخُ ابنُ عثيمين - رحمه الله -: "ولا فرْقَ بين أن يكون العلوُّ بذات المؤذِّن، أو بصوت المؤذِّن كما هو الموجودُ الآن بمكبِّرات الصوت"[52].



الكلام أثناء الأذان:
يجوز للمؤذِّن أن يتكلَّم أثناءَ الأذان، خاصَّة إذا كان الكلام مشروعًا، كردِّ السلام وتشميتِ العاطس؛ لأنَّه لم يمنع مِن ذلك قرآنٌ ولا سُنَّة، وقد ثبَت عن سليمان بن صُرَد صاحبِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه كان يُؤذِّن للعَسْكر، فكان يأمر غلامَه في أذانه بالحاجة[53]، وإلى هذا ذهبَ ابنُ حزم[54]، وقال ابن قدامة في "المغني": "ورخَّص فيه الحسن وعطاء، وقتادة وسليمان بن صُرَد"[55].

قال أبو داود - رحمه الله -: قلتُ لأحمد: الرجل يتكلَّم في أذانه؟ قال: نعم، فِقيل: يَتكلَّم في الإقامة؟
قال: لا.


قلت: يُحمَل قوله بمَنْع الكلام في الإقامة؛ لأنَّه يُستحبُّ فيها الإسراع، وأمَّا مِن حيُث الجواز، فإنَّه جائزٌ الكلامُ فيها.

قال ابن حزم - رحمه الله -: "ثم الكلام المباح كلُّه جائزٌ في نفْسِ الأذان والإقامة"[56].



أذان المرأة:
ليس على النِّساء أذانٌ ولا إقامة؛ لأنهنَّ غيرُ مخاطَبات بالجماعة ولا بالأذان، لكن إن أذنَّ وأقمْنَ، فلا بأسَ - أي: في حضور نساء فقط - وبهذا قال الشافعيُّ، وعن أحمد: إنْ فعلْنَ فلا بأس، وإن لم يفعلْنَ فجائز، وعن عائشةَ - رضي الله عنها - أنَّها كانتْ تُؤذِّن وتُقيم - أي: لجماعة النِّساء - وتؤمُّ النِّساء، وتقِفَ وسطَهنَّ؛ رواه البيهقي[57].

وممَّا ينبغي التنبيهُ عليه: أنَّها إذا أذَّنت فيكون صوتُها بحيث تسمع مَن معها من النساء فقط، لا يتعدَّى ذلك فيسمعه الرِّجال.




ترتيب الأذان:
لا يصحُّ الأذانُ والإقامة إلا مُرتَّبًا؛ لأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عَلَّم الأذانَ لأبي محذورة مُرتَّبًا؛ قال ابن حزم - رحمه الله -: "لا يجوزُ تَنكيسُ الأذان ولا الإقامة، ولا تقديمُ مؤخَّر على ما قَبْله، فمَن فعَل ذلك، فلم يُؤذِّن ولا أقام، ولا صلَّى بأذان وإقامة"[58].

وكذلك لا يصحُّ إلا بألفاظِه الواردة، فإنْ كان في لسانه لُثْغَة، جاز أذانُه، وإنْ كان الأفضل أن يُؤذِّن المحسِنُ للألفاظ، ولا يصحُّ إلا متواليًا، فإن فصَل بعضَه بزمنٍ طويل لم يُجزِئْ، لكن إن حصَل له عُذرٌ مِن عطاس ونحوه، فإنَّه يَبني على ما سبَق.



الفصل بين الأذان والإقامة:
ويُستحبُّ أن يفصلَ بين الأذان والإقامة بقَدْر أن يفرغَ الإنسان من طعامِه وشرابه، وقضاء حاجته، وصلاةِ ركعتَين على الأقلِّ في كلِّ الصلوات؛ وذلك للأدلة الآتية:
1- عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لبلال: ((اجعلْ بين أذانِك وإقامتك قدرَ ما يفرغ الآكِلُ مِن أكْلِه، والشارب مِن شُرْبه، والمعتصِرُ إذا دخَل لقضاءِ حاجتِه))[59].

2- قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بيْن كلِّ أذانين صلاة))[60]، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة.

3- ما ثبَت من حديثِ أنس - رضي الله عنه - وغيرِه: ((كان أصحابُ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا أذَّن المؤذِّن، ابتدروا السواري وصلَّوْا ركعتَيْن))[61].

والمقصود مِن ذلك تمكُّن الناسِ مِن إدراك الصلاة.

قال ابن بَطَّال: لا حَدَّ لذلك غير تمكُّن دخولِ الوقت، واجتماع المصلِّين.




الأذان للفائتةِ عن نومٍ أو نِسيان:
عن أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - في خبَر نومِهم عن الصلاةِ، قال: فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تحوَّلوا عن مكانِكم الذي أصابتْكم فيه الغَفْلة))، قال: ((فأمَر بلالاً فأذَّن وأقام الصلاة))[62].

قال الشوكاني - رحمه الله -: "استدلَّ به على مشروعيةِ الأذان والإقامة في الصلاة المقضية"[63].

قلت: وثبَت نحوُه يوم الخندق، وأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمر بلالاً فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ثم أقام فصلَّى المغرِب... الحديث، وقد تقدَّم في باب مواقيتِ الصلاة[64].

قال ابنُ عثيمين - رحمه الله -: "ولكن إذا كان الإنسانُ في بلد قد أُذِّن فيه للصلاة... فلا يجب عليهم الأذانُ؛ اكتفاءً بالأذان العام في البلَد؛ لأنَّ الأذان العام في البلد حصَل به الكفايةُ، وسقطتْ به الفريضة"[65].

قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وليس الأذانُ بواجبٍ للصلاة الفائتة، وإذا صلَّى وحْدَه أداءً أو قضاءً وأذَّن وأقام، فقد أحْسَن، وإنِ اكتفى بالإقامةِ أجزأه، وإنْ كان يقضي صلوات، فأذَّن أوَّل مرَّة، وأقام لبقية الصلوات، كان حَسَنًا أيضًا"[66].

وكذلك إذا جمَع بين الصلاتين، أذَّن للأولى وأقام لكلِّ صلاة؛ لِمَا ثبَت في صحيحِ مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في عرَفَة أذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، وكذلك في المزدلِفة أذَّن، ثم أقام وصلَّى المغرِب، ثم أقام وصلَّى العِشاء[67].




الفصل بين الإقامة والصلاة:
قال الإمامُ البخاريُّ - رحمه الله -: باب الإمام تَعرِض له الحاجة بعدَ الإقامة، ثم أوْرَد حديثَ أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أُقيمتِ الصلاةُ والنبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُناجي رجلاً في جانبِ المسجد، فما قام للصلاةِ حتى نام القَوْم"[68].

قال الحافظ - رحمه الله -: "فيه جوازُ الفصْل بيْن الإقامة والإحرام إذا كان لحاجَة، أمَّا إذا كان لغير حاجة، فهو مكروهٌ"[69].

هل يلزم أن يُقيمَ مَن أذَّن؟
الأَوْلى أنْ يُقيم المؤذِّن؛ لأنَّ بلالاً كان هو الذي يُقيم الصلاة، كما يجوز أن يُقيمَ غيرُه، ولا دليلَ على استحباب الإقامة للمؤذِّن دون غيره، وأما ما وردَ مِن حديث: ((مَن أذَّن فهو يُقيم))[70]، فإنَّه حديثٌ ضعيف.

قال الترمذيُّ - رحمه الله -: "إنَّما يُعرَف من حديث الإفريقي، وهو ضعيفٌ عندَ أهل الحديث، والعمل على هذا عندَ أكثرِ أهل العلم بأنَّ مَن أذَّن فهو يُقيم"[71].

قال الشافعيُّ - رحمه الله -: "وإذا أذَّن الرجلُ أَحببتُ أن يتولَّى الإقامةَ"[72].

قلت: هذا من حيثُ الأفضلية؛ لأنَّه هو الثابت مِن أذان بلال وإقامته، لكن لا كراهةَ في أن يُقيمَ غيرُه، خاصَّة إذا تأخَّر المؤذِّن لسببٍ ما، وممَّا يَنبغي أن يُراعَى أنه لا يُقيم المؤذِّن حتى يأذنَ له الإمامُ.



متى يقوم الناس إلى الصلاة؟
قال الإمامُ مالك - رحمه الله -: لم أسمعْ في قيام الناس حين تُقام الصلاة حَدًّا محدودًا، إنِّي أرى ذلك على طاقةِ الناس؛ فإنَّ منهم الثقيلَ والخفيف.

قال الحافظ - رحمه الله -: "وذَهَب الأكثرون إلى أنَّهم إذا كان الإمامُ معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة"[73].

لكن الثابت عن أنسٍ أنَّه كان يقوم إذا قال المؤذِّن: قد قامتِ الصلاة.

قال الألبانيُّ - رحمه الله -: "يَنبغي تقيُّد ذلك بما إذا كان الإمامُ في المسجد، وعلى هذا يُحْمَل حديثُ أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه -: إنَّ الصلاة كانتْ تُقام لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيأخُذ الناس مصافَّهم قبلَ أن يقومَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مقامَه[74]؛ رواه مسلم وغيرُه... وإذا لم يكن في المسجدِ، فلا يقوموا حتى يرَوْه قد خرَج؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا أُقِيمتِ الصلاةُ، فلا تقوموا حتى ترَوْني قد خَرَجْتُ))؛ متفق عليه، واللفظ لمسلم[75]"[76].




الخروج من المسجد بعد الأذان:
مَن كان في المسجدِ، وأذَّن المؤذِّن، فلا يخرُج من المسجدِ إلا لعُذر؛ لأنَّه قد وردتِ الأحاديث بنهيه عن الخروجِ من المسجد حتى يُصلِّي، فمِن هذه الأحاديث ما رواه أحمدُ بإسناد صحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ((أمَرَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا كنتم في المسجد فنُودِي بالصلاةِ، فلا يَخرُجْ أحدُكم حتى يُصلِّي))[77].

وعن أبي الشعثاء: كنَّا قعودًا في المسجدِ مع أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - فأذَّن المؤذِّن، فقام رجلٌ من المسجد يَمْشي، فأتْبَعه أبو هُرَيرَة بصَرَه، حتى خرَج من المسجد، فقال أبو هُرَيرَة: "أمَّا هذا، فقدْ عصَى أبا القاسم - صلَّى الله عليه وسلَّم"[78].

وعلى هذا؛ فمَن كان له ضرورةٌ؛ كأنْ يكون مُحدِثًا أو حاقنًا، أو إمامًا لمسجدٍ آخَرَ، جاز له الخروج؛ لِمَا ثبَت أنَّ الرسولَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تذكَّر أنَّه جنُب بعدَ إقامة الصفوفِ، فخرَج ليغتسل[79].



الدعاء بين الأذان والإقامة:
عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يُرَدُّ الدعاءُ بين الأذان والإقامة))[80].

وعن عبدِالله بن عمرٍو - رضي الله عنهما - أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، إنَّ المؤذِّنين يَفْضُلوننا، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قلْ كما يقولون، فإذا انتهيتَ فسَلْ تُعْطَهْ))[81].




ملاحظات:
1- قال ابنُ قدامة - رحمه الله -: "مَن دخَل مسجدًا قد صُلِّي فيه، فإنْ شاء أذَّن وأقام، نصَّ عليه أحمد؛ لحديثِ أنس أنَّه دخل مسجدًا قد صلَّوْا فيه، فأمَر رجلاً فأذَّن وأقام، فصلى بهم في جماعة، وإنْ شاء صلَّى من غيرِ أذان ولا إقامة"[82].

قال عُروة - رحمه الله -: "إذا انتهيتَ إلى مسجدٍ قد صَلَّى فيه ناسٌ أذَّنوا وأقاموا، فإنَّ أذانهم وإقامتهم تُجزئ عمَّن جاء بعدَهم"، وهذا قولُ الحسن والشَّعبي والنَّخَعي، إلا أنَّ الحسنَ قال: كان أحب إليهم أن يُقيم، وإذا أذَّن فالمستحبُّ أن يُخفِي صوتَه ولا يَجْهر به؛ لئلا يغرَّ الناس بالأذان في غيرِ محلِّه.

2- يجوز أن يُقيمَ في المكان الذي أذَّن فيه، أو في مكانٍ غيره، لكن إنْ كان المؤذِّن يُؤذِّن خارجَ المسجد، فالسُّنَّة أن تكون الإقامةُ في غير موضِع الأذان، وذلك بأن تكونَ بالمسجد.

فعن عبدالله بن شقيق، قال: من السُّنَّة الأذان في المنارَة، والإقامة في المسجد، وكان عبدالله يَفْعَله[83].

3- لا يُقيم المؤذِّن حتى يأذنَ له الإمام؛ لأنَّ بلالاً كان يستأذن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم.

4- إذا صلَّوْا بلا أذانٍ ولا إقامة، صَحَّتْ صلاتُهم، ولكن كُرِه لهم ترْكُ الأذان.

وتَقدَّم ذلك بشرْط أن يكون الأذانُ قد أُذِّن به في المصر (البَلد).

5- الأفْضل لكلِّ مصلٍّ أنْ يُؤذِّن ويُقيم، إلا إنَّه: إن كان يُصلِّي قضاءً، أو في غير وقتِ الأذان لم يجهرْ به، أمَّا إنْ كان في الوقت وهو في بادية ونحوِها، استُحبَّ له الجهرُ بالأذان ورفْع الصوت به، ودليله ما تَقدَّم من حديثِ أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه[84].

6- لا يُؤذِّن إلا المؤذِّن الراتب، ولا يَتقدَّم عليه أحدٌ؛ لمَا ثبَت أنَّ بلالاً كان يؤذِّن لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يَتقدَّمْه أحدٌ مِن الصحابة بالأذان.

7- إذا تَشاحَّ اثنانِ في الأذان، قُدِّم أفضلهما في الخِصال المعتبَرة، كأن يُقدَّمَ الأنْدَى صوتًا، فإنْ تساويَا مِن كلِّ الجهات أُقْرِع بينهم؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لو يَعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأوَّل، ثم لم يَجِدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه، لاسْتَهموا)) [85].

8- لا يُؤذَّن ولا يُقام لشيء مِنَ النوافل ولا للعيدين، ولا للاستسقاء والكسوف، ولا لصلاةِ الجنازة، إلا أنَّه يقول في الكسوف: ((الصلاةَ جامعةً))، وأمَّا العيدان والتراويح ونحوهما، فلم يردْ فيها شيءٌ من ذلك.

9- في البَرْد الشديد، أو المطر الشديد، يقول المؤذِّن بعدَ حيِّ على الفلاح: ((ألاَ صلُّوا في رِحالكم)).

فعن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما – "كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يأمُر المؤذِّنَ إذا كانتْ ليلةٌ باردة، أو ذات مطر في السَّفَر أن يقول: ((ألاَ صلُّوا في الرِّحال))[86].

وعن عبدالله بن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّه قال لمؤذِّنٍ في يوم مطير: "إذا قلتَ: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، فلا تقُلْ: (حي على الصلاة)، قل: (صَلُّوا في بُيوتكم)، قال: فكأنَّ الناس استنكروا ذلك، فقال: أتَعْجَبون من ذا؟ قدْ فعَل ذا مَن هو خيرٌ منِّي، إنَّ الجُمُعة عَزْمةٌ، وإنِّي كرهتُ أن أُخرِجكم، فتَمشُوا في الطين والدَّحض"[87]؛ أي: الزلق.

قال النوويُّ - رحمه الله -: "فيه أنَّ هذه الكلمةَ تُقال في نفس الأذان، وفي حديثِ ابن عمر تُقال بعدَه، والأمرانِ جائزانِ - كما نصَّ عليه الشافعي"[88].

10- إذا تأخَّر المؤذِّن عن الأذان، فإنَّه يجوز له أن يُؤذِّن إذا كان وقتُ التأخير قليلاً، فإنْ طال الوقْتُ، وكان قد أُذِّن في البلد وعَلِم الناس بدخولِ الوقت، فالأَوْلى عدم الأذان؛ حتى لا يشوش على الناس، إلا أن يكون هو المسجدَ الوحيد الذي يعتمد عليه الناسُ، ولم يكن قد أَذَّن فيه أحدٌ، فيشرع رفْع الأذان ولا بأسَ بذلك؛ لأنَّه ليس فيه تشويش[89].




الذكر عند الأذان وبعده:
يُسَنُّ لمَن يَسمع الأذان هذه الأذكار:
1- أن يقول مِثلَ ما يقول المؤذِّن، إلا في الحيعلتين فيقول: ((لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله)).

عن أبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا سمعتُم النداء، فقُولوا مِثلَ ما يقول المؤذِّن))[90].

وعن عمرَ - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا قال المؤذِّن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، قال: أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، مِنْ قَلْبِه، دَخَل الجَنَّة))[91].

ولا مُنافاةَ بيْن الحديثَيْن - أعني: في الحيعلتين - ففي الحديثِ الأوَّل ظاهره أن نقول خلْف المؤذن: (حي على الصلاة - حي على الفلاح) مثله، وفي الثاني نقول: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، فيُمكن أن يقال: يجوز هذا وذاك، ويُمكن أن يُقال: يجوز الجمْع بينهما، فتَقول أولاً: حيَّ على الصلاة، ثم تقول: لا حولَ ولا قُوَّة إلا بالله؛ جمعًا بيْن الأحاديث، والله أعلم.

2- أن يدعوَ بهذا الدُّعاء: عن سعْدِ بن أبي وقَّاص - رضي الله عنه - عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن قال حين يسمع المؤذِّن: وأنا أشهدُ أن لا إله إلا الله وحْدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - رسولاً، وبالإسلامِ دِينًا، غُفِر له ذَنبُه))[92].

قلت: يرَى الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - أنَّ هذا الدعاء محله بعدَ قول المؤذن: ((أشهد أنَّ محمدًا رسول الله))[93].

3- أن يُصلِّي على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بإحدى الصِّيَغ الواردة[94]، ثم يسأل الله له الوسيلةَ.

فعَن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنه سمِع النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إذا سمعتُم المؤذِّن، فقولوا مِثلَ ما يقول، ثم صَلُّوا عليَّ؛ فإنَّه مَن صلَّى عليَّ صلاةً، صلَّى الله عليه بها عَشْرًا، ثم سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنَّها منـزلةٌ في الجنة لا تَنبغي إلا لعبدٍ مِن عباد الله، وأرْجو أن أكونَ أنا هو، فمَن سأل لي الوسيلةَ حَلَّتْ له الشفاعة))[95].

ومعنى سؤاله الوسيلةَ ما ثبَتَ في الحديث عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن قال حين يَسْمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوةِ التامَّة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعَدْتَه، إلا حَلَّتْ له الشفاعةُ يومَ القيامة))[96].



ملاحظات وتنبيهات:
1- قال النوويُّ - رحمه الله -: "قال أصحابُنا: ويُستحبُّ متابعتُه - أي: الأذان - لكلِّ سامع، مِن طاهِر ومُحدِث، وجُنُب وحائض، وكبير وصغير؛ لأنَّه ذِكْر، وكل هؤلاء مِن أهل الذِّكْر، ويُسْتثنَى مِن هذا المصلِّي، ومَن هو على الخلاءِ والجِماع، فإذا فرَغ من الخلاء أجابَه، فإذا سَمِعه وهو في قراءةٍ أو ذِكْر، أو درْس، أو نحو ذلك، قطَعَه وتابَع المؤذِّن، ثم عاد إلى ما كان عليه - إنْ شاء - وإنْ كان في صلاةِ فَرْض أو نفْل، قال الشافعي والأصحاب: لا يُتابعه، فإذا فرَغ منها قالَه"[97].

وأمَّا حكم هذه المتابعة، فجمهورُ أهل العِلم على أنَّ ذلك سُنَّة، وقال بعضُ أهل الظاهِر: إنَّ المتابعة واجبةٌ، وإنَّه يجب على مَن سمِع المؤذِّنَ أن يقولَ مِثلَ ما يقول.

(2) قال ابن قُدامة - رحمه الله -: "مَن دخَل المسجدَ فسَمِع المؤذِّنَ، استُحبَّ له انتظارُه؛ ليفرغَ ويقول مِثل ما يقول، جمعًا بين الفضيلتَيْن، وإن لم يقلْ كقوله وافتتح الصلاة فلا بأسَ، نصَّ عليه أحمد"[98].

قلت: ولا يَعْني هذا أنَّه يُستحَبُّ الوقوفُ لكلِّ مَن سمِع الأذان وكان واقفًا، بمعنى أنَّه لو كان في المسجدِ، وقام لأمرٍ ما، ثم أذَّن المؤذِّن، فيجوز له الجلوس، وأمَّا الداخل فيَقِف حتى ينتهيَ المؤذن ليُردِّد خلْف المؤذِّن، ثم يُصلِّي تحيةَ المسجد، أو السُّنَّة القَبليَّة للصلاة.

3- ترديدُ السامع عندَ قول المؤذِّن: ((الصلاة خير من النوم)): أن يقول مثلَ ما يقول المؤذِّن: ((الصلاة خير من النوم))؛ لعمومِ الحديث في ذلك: ((فقولوا مِثلَ ما يقول))، وأمَّا الأقوال الأخرى كقولهم: صَدَقْتَ وبَرِرْتَ ونحوها، فلم يرِدْ فيها دليلٌ يُعتمَد عليه.

والراجِح كذلك أنَّه يُتابِعه عندَ الترجيع؛ لعمومِ الحديث.

4-كذلك عندَ قوله في الإقامة: ((قدْ قامتِ الصلاة)) أن يقول مثل ما يقول، وأما قولهم: (أقامَها الله وأدامها)، فحديثٌ ضعيف، والصحيح أن يقول مثلَ المؤذِّن إلا في الحيعلتين فقط - كما تقدَّم.

5- صِيَغ الأذان توقيفيَّة، فلا يصحُّ الزيادة فيها كقولهم: أشهد أنَّ (سيِّدنا) محمدًا رسولُ الله، فإنَّ إيراد مثل هذه الزِّيادة بِدْعة، وكذلك الحُكم في الصلاة على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في التشهُّد في الصلاة.

وكذلك صِيغ الدعاء، فلا يصحُّ زيادة قولهم: (والدرجة العالية الرفيعة)، ولا قولهم في آخِرِ الدعاء: (إنَّك لا تُخلِف المِيعاد)؛ لأنَّ هذه الزياداتِ لم تردْ في أحاديثَ صحيحة، بل وردتْ في رواياتٍ ضعيفة.

6- ومِن الأخطاء سَبْقُ بعضِ السامعين للمؤذِّن ببعضِ العبارات في آخِرِ الأذان عندما يقول: الله أكبر الله أكبر، فيقولون: لا إله إلا الله، والصواب أن يُتابعوا المؤذِّن جملةً بجملة.

7- مِن البِدع أن يقرأَ أحدُهم قبل إقامةِ الصلاة بعضَ آياتٍ من القرآن؛ تنبيهًا للداخلين على أنَّ الصلاة ستُقام، أو نحو هذا.

8- ومِن المُحْدَثات وضعُ تقويمٍ مُتفقٍ عليه بيْن الأذان والإقامة، كأن يُحدَّدَ بينهما رُبُع ساعة أو نحوها، وفي ذلك تفويتٌ للسُّنن:
منها: تفويتُ التبكير إلى المساجِد؛ لتكاسلِ الناس للحضور انتظارًا للإقامة.
ومنها: ضَياع السنة القَبليَّة للقادمين.
ومنها: تفويت حقِّ الإمام في إذنه بالإقامة.
ومنها: تفويت مراعاةِ حال المصلِّين أنَّهم إذا عجَّلوا عجّل بالصلاة، وإذا أبطؤوا أبطأ بالصلاة، حتى إنَّ المؤذِّن ربَّما أقام الصلاة لانتهاءِ المدَّة المحدَّدة، وما زال كثيرٌ مِن الناس يصلُّون النافلةَ، بل قد يكون الإمامُ أحدَهم!

9- أحْدث الناس بدعًا أخرى - غير ما تَقدَّم - إلى الأذان:
منها: مسح العينَيْن بباطنِ السبابتين بعدَ تقبيلهما عندَ قول المؤذِّن: (أشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله)، وهذا عملٌ غيرُ مشروع، والحديثُ الوارد في ذلك لا يصحُّ.

ومنها: ما قاله الحافظ في "الفتح": "ما أُحْدِث من التسبيح قبلَ الصبح وقبْل الجُمُعة، ومِن الصلاة على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليس مِن الأذان لا لُغةً ولا شرعًا".

ومنها: الجَهْر بالصلاةِ على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من المؤذِّن بعدَ الأذان، فذلك بدعةٌ مُنكَرة؛ ولكن السُّنَّة ما تَقدَّم مِن الصلاة والسلام على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - سِرًّا لا جَهرًا.

ومنها: التسمية قبلَ الأذان.

ومنها: التطريبُ والتلحين في الأذان، فإنَّ ذلك من البِدَع المنكَرة.

ومنها في بعض الدول: الضَّرْب على الطُّبول قبلَ الأذان.

10- إذا سَمِع مؤذنًا بعدَ المؤذِّن الأوَّل فهل يُتابِعه؟
ظاهر الحديث: نَعم، يُتابعه؛ لعمومِ قوله: ((إذا سمعتُم))[99].

11- لو رأى المؤذِّنَ وعلم أنَّه يُؤذِّن ولم يسمعْه لبُعْد، أو صَمَم، الظاهر أنَّه لا تُشرَع له المتابعةُ؛ لأنَّها - أي: المتابعة - مُتعلِّقة بالسَّماع[100].



[1] البخاري (615)، ومسلم (437)، والترمذي (225)، والنسائي (1/269).

[2] البخاري (609)، والنسائي (21/12)، وابن خزيمة (389).

[3] النسائي (2/13)، وأحمد (4/284)، والطبراني في الأوسط (8/136)، وصحَّحه الألبانيُّ في "صحيح الجامع" (1841)، وصحيح الترغيب (235)، وصحَّحه الشيخُ شُعيب الأرناؤوط دون قوله: ((وله مِثلُ أجْر مَن صلَّى معَه)).

[4] صحيح: رواه أبو داود (517)، والترمذي (207)، وابن خزيمة (1531)، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب" (232).

[5] مسلم (387)، وابن ماجه (725)، وأحمد (4/95).

[6] صحيح: رواه ابن خزيمة (399)، وابن حبَّان (4753) بإسناد صحيح، وهو عندَ مسلم (382)، والترمذي (1618) بنحوِه.

[7] صحَّحه الألباني: رواه ابن ماجه (728)، والدارقطني (1/240)، والحاكم (1/205)، وقال: صحيح على شرط البخاري، وصحَّحه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (42).

[8] البخاري (608)، (1231)، ومسلم (389)، وأبو داود (516)، والنسائي (3/31).

[9] البخاري (604)، ومسلم (377)، والترمذي (190)، والنسائي (1/102).

[10] رواه أبو داود (499)، والترمذي (189)، وابن ماجه (706)، وأحمد (4/42-43)، واللفظ له، وقال الترمذي: حسن صحيح.

[11] انظر "مجموع الفتاوى" (22/64)، وهو ترجيحُ الشيخ الألباني أيضًا "تمام المنَّة في التعليق على فِقه السنة" (ص: 144).

[12] البخاري (628)، ومسلم (674)، وأبو داود (589)، والترمذي (205)، والنسائي (2/8)، وابن ماجه (979).

[13] البخاري (605)، ومسلم (378)، وأبو داود (508)، والنسائي (2/3)، وابن ماجه (729).

[14] البخاري (610)، ومسلم (382)، والترمذي (1618)، وأحمد (3/159).

[15] نقلاً مِن القرطبي (6/225).

[16] "مجموع الفتاوى" (22/64).

[17] انظر (ص: 181).

[18] انظر (ص: 180).

[19] صحيح: أبو داود (501)، والنسائي (2/4)، والبيهقي (1/418).

[20] مسلم (379).

[21] سبل السلام (1/197).

[22] البخاري (617، 620)، ومسلم (1092)، والترمذي (203)، والنسائي (2/10).

[23] حسن: رواه البيهقي (1/423)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/82)، وحسَّنه الشيخُ الألبانيُّ في "تمام المنة" (147).

[24] صحيح: رواه أبو داود (501)، والنسائي (2/7)، وأحمد (3/408)، والدارقطني (1/238)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/137).

[25] حسن: أبو داود (502)، والترمذي (192)، مختصرًا، والنسائي (2/4)، وابن حبان (1681).

[26] تقدم تخريجه (181)، وهذه الزيادة عند البخاري (607)، ومسلم (378)، وأبو داود (509).

[27] تقدم (ص180).

[28] حسن: رواه أبو داود (510)، والنسائي (2/3)، وأحمد (2/85).

[29] زاد المعاد (2/389).

[30] صحيح: أبو داود (531)، والترمذي (209)، والنسائي (2/23)، وابن ماجه (714)، (987).

[31] "الشرح الممتع" (2/44)، ورجَّح نحوه ابنُ حزم في "المحلَّى" (3/193).

[32] ذَكَر ابنُ قُدامة ما يُفيد أنَّ الإمام يُجري رِزق المؤذِّن؛ لأنَّه قد لا يُوجد متطوِّع به، فإن وُجِد متطوِّع به لم يجر الرِّزق لغيرِه لعدمِ الحاجة إليه، وذَهَب الشوكانيُّ إلى تحريمِ الأُجْرة إذا كانتْ مشروطةً، أمَّا إذا أعطيتها بغير مسألة فجائِزة، وانظر "المجموع" للنووي (3/126)، و"المغني" (1/415).

[33] المغني (1/412).

[34] "الاختيارات الفقهية" (ص: 37).

[35] البخاري (617، 620)، ومسلم (1092).

[36] المميِّز: قيل: هو مَن بلَغ سبعَ سنين، وقيل: لا يَتقيَّد بسِنٍّ، فمتَى فهِم الخطابَ وردَّ الجواب، كان مُميِّزًا.

[37] " الاختيارات الفقهية " (37).

[38] "الصَّيِّت": يشمل عِدَّة معانٍ، وهي: قوَّة الصوت، حُسن الصوت، حُسن الأداء.

[39] صحيح: وقد تقدم تخريجه (ص178).

[40] رواه البخاري تعليقًا (2/87)، ووصله ابن أبي شيبة (1/229).

[41] البخاري (634)، ومسلم (503)، وأبو داود (520)، والترمذي (197)، والنسائي (2/25)، وابن ماجه (711)، وابن خزيمة (387)، وليس في رواية البخاري: "يمينًا وشِمالاً".

[42] لكنَّها رواية ضعيفة؛ لأنَّها من طريقِ قيس بن الربيع، وهو ضعيف.

[43] "فتح الباري" (2/115).

[44] ابن خزيمة (387).

[45] رواه أحمد (4/307)، والترمذي (197)، وصحَّحه، والطبراني في الكبير (22/101).

[46] الإجماع (ص7).

[47] مسلم (373)، وأبو داود (18)، والترمذي (3381)، وابن ماجه (302).

[48] الإجماع (ص: 7).

[49] عن الحسنِ العبدي: رأيتُ أبا زيد صاحب رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُؤذِّن قاعدًا، وكانت رِجْله أُصيبت في سبيلِ الله؛ رواه البيهقي (1/293)، وإسنادُه حسَن، وحسَّنه الألباني في "الإرواء" (225).

[50] حسن: رواه ابن أبي شيبة (1/193)، والبيهقي (1/392) من طريقين، وحسَّنه الألباني في "الإرواء " (226).

[51] رواه أبو داود (519)، وإسناده حسَن.

[52] "الشرح الممتع" (2/52).

[53] رواه البيهقي (1/398)، وابن حزم في المحلى (3/192).

[54] "المحلى" (3/192).

[55] "المغني" (1/424).

[56] "المحلى" (3/191).

[57] البيهقي (1/408)، (3/131)، والحاكم (1/203-204)، وفيه ليث بن أبي سُلَيم، وأورد الشيخ الألبانيُّ - رحمه الله - متابعةً لهذا الأثر في إمامةِ عائشة - رضي الله عنه - ثم أورد آثارًا أخرى، قال: "وبالجملة فهذه الآثارُ صالحةٌ للعمل بها، ولا سيَّما وهي مؤيَّدة بعموم قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّما النِّساء شقائقُ الرِّجال))؛ انظر: "تمام المنة في التعليق على فقه السنة " ص 153-154".

[58] المحلَّى (3/211).

[59] ثبَت ذلك من حديث أُبيِّ بن كعْب، وجابر بن عبدالله، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي - رضي الله عنهم - ولا يخلو كلٌّ منها مِن مقال، لكنَّه يَثبُت بمجموع طُرُقه وشواهده، وقد حسَّنه الشيخ الألباني؛ انظر "السلسلة الصحيحة" (887).

[60] البخاري (624)، ومسلم (838)، وأبو داود (1283)، والترمذي (185)، والنسائي (1/28)، وابن ماجه (1162).

[61] البخاري (625)، ومسلم (837).

[62] رواه أبو داود (436)، وأصله عند مسلم (680).

[63] "نيل الأوطار" (2/45).

[64] صحيح: رواه النسائي (2/17)، وأحمد (3/25).

[65] "الشرح الممتع" (2/41).

[66] "الاختيارات الفقهية" (ص: 70).

[67] مسلم (1218).

[68] البخاري (642)، ومسلم (376)، والترمذي (518)، والنسائي (2/81).

[69] فتح الباري (2/124).

[70] رواه أبو داود (514)، والترمذي (199)، وابن ماجه (717)، وإسناده ضعيف؛ لأنَّ فيه عبدَالرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيَّ، وهو ضعيفُ الحديث.

[71] سنن الترمذي (1/384).

[72] الأم (1/175).

[73] فتح الباري (2/120).

[74] مسلم (605).

[75] البخاري (637)، ومسلم (604)، والترمذي (592)، وأبو داود (539).

[76] انظر "تمام المنة في التعليق على فقه السنة" (ص: 153- 154).

[77] أحمد (2/537)، وحسَّنه الألباني في "الإرواء " (245).

[78] مسلم (655)، وأبو داود (536)، والترمذي (204)، والنسائي (2/92)، وابن ماجه (733).

[79] البخاري (639)، ومسلم (605)، وأبو داود (233).

[80] صحيح: رواه أبو داود (521)، والترمذي (212)، وقال: حسن صحيح.

[81] حسن صحيح: رواه أبو داود (524)، وأحمد (2/172)، وانظر "صحيح الترغيب" (256).

[82] "المغني" (1/422).

[83] رواه ابن أبي شيبة (1/203)، وسنده صحيح.

[84] انظر (ص: 178).

[85] البخاري (615)، ومسلم (437).

[86] البخاري (632)، (666)، ومسلم (697)، وأبو داود (1061)، والنسائي (2/15).

[87] البخاري (616) (901)، ومسلم (699)، وأبو داود (1066).

[88] انظر: فتح الباري (2/98).

[89] راجع فتاوى اللجنة الدائمة.

[90] البخاري (611)، ومسلم (383)، وأبو داود (522)، والترمذي (208)، والنسائي (2/23)، وابن ماجه (720).

[91] مسلم (385)، وأبو داود (527)، وابن حبان (1685)، وابن خزيمة (417).

[92] مسلم (386)، وأبو داود (525)، والترمذي (210).

[93] "فتاوى كبار العلماء"، ط. المكتبة الإسلامية.

[94] وسيأتي ذِكرُها في آخر أبوابِ صِفة الصلاة.

[95] مسلم (384)، وأبو داود (523)، والترمذي (3614)، والنسائي (2/25).

[96] البخاري (614)، وأبو داود (529)، والترمذي (211)، والنسائي (2/26)، وابن ماجه (722).

[97] المجموع (3/118).

[98] "المغني" (1/428 - 429).

[99] انظر "الشرح الممتع" (2/74)، و"المجموع" للنووي (3/119).

[100] "المجموع" (3/120).





كتبت : ~ عبير الزهور ~
-

معنى الشَّرْط:
الشَّرْط في اصطلاح الأصوليِّين: "ما يَلْزَم من عدمِه العدَم"؛ أي: إنَّه إذا لم يتحقَّقِ الشرط، فإنَّ العمل لا يقَع صحيحًا، فإذا قُلْنا: إنَّ الطهارةَ شرْطٌ لصحَّة الصلاة، فإنَّه يجب وجودُ هذا الشرط من بدءِ الصلاة إلى انتهائِها، فإذا انتقضَتْ بطلَتْ صلاته، وعليه الإعادة.

وهذه الشروط لصحة الصلاة هي:
أولاً: العلم بدخُول الوقتِ:
فلا تصحُّ صلاتُه إلا إذا تيقَّن أو غلَب على ظنِّه دخولُ الوقت، سواء كان باجتهادِه، أو بإخبار ثِقة، أو نحو ذلك[1].

ثانيًا: الطهارة من الحَدَث الأصغر والأكبر:

قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ [المائدة: 6].

وعن ابن عمرَ - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا يَقْبَلُ الله صلاةً بغير طُهور، ولا صَدَقةً مِن غُلول))[2]، و((الغُلول)): السَّرِقة من الغنيمة قبلَ قِسمتها.

وحُكم هذه الطهارة: شَرْطٌ لصحَّة الصلاةِ إجماعًا.



ثالثًا: طهارة الثوب والبدن والمكان:
وقد وردتِ الأدلة على شرْط طهارةِ الثَّوب والبدن والمكان.

أمَّا طهارة الثوب، ففي حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْري - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى فخَلَع نعليه، فخَلَع الناسُ نِعالَهم، فلما انصرَف، قال لهم: ((لِمَ خلعتُم؟)) قالوا: رأيناك خلعتَ فخلعْنا، فقال: ((إنَّ جبريلَ أتاني فأخْبَرني أنَّ بهما خبثًا))[3].

وأمَّا طهارة المكان، فحديثُ الأعرابي الذي بال في المسجدِ، فأمر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يُراقَ على بولِه ذَنوبًا من ماء[4]، وقد تقدَّم، ومعنى (الذنوب): الدَّلْو.

وأمَّا طهارة البَدن، فلحديثِ ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - في اللَّذَين يُعذَّبان في قبورِهما، وفيه: ((أمَّا أحدُهما، فكان لا يَستنْزه مِنَ البول))[5].

وأمَّا حُكم هذه الطهارة، فقد ذهَب الأكثرون إلى أنَّها شرْط لصحَّة الصلاةِ، وهو مذهبُ الشافعية والحنابلة والحنفيَّة، وعن مالكٍ قولان: أحدهما: إزالة النجاسة سُنَّة وليستْ بفرض، وثانيهما: أنَّها فرْض مع الذِّكْر، ساقطة مع النِّسيان، وقديم قولي الشافعي: أنَّ إزالة النجاسةِ غيرُ شرْط[6].

وذهب الشوكانيُّ إلى أنَّ إزالة النجاسة (واجبة)، وليستْ (شَرْطًا)، والفرْق بينهما: أنَّه لو صلَّى وعليه نجاسةٌ كان تاركًا لواجبٍ، ولا تبطُل صلاتُه، بخلاف ما لو كانتْ شرْطًا، فإنَّه يجب عليه الإعادة، وممَّا استدلَّ به الشوكانيُّ أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يُعِدِ الصلاة بعدَ خلْعِه النعلين، بل أتَمَّها، ولو كانت شرطًا لأعاد الصلاة.



ملاحظات:
(1) إذا صلَّى في الثوب المتنجِّس عالمًا بوجودِ النجاسة أعاد الصلاة على قولِ الأكثرين، وأمَّا إنْ كان جاهلاً بها أو ناسيًا، صحَّتْ صلاتُه؛ وذلك لحديث أبي سعيدٍ المتقدِّم، ولقوله - تعالى -: ﴿ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ [البقرة: 286]، ويلحق بهم مَن كان عادمًا لثوبٍ آخَرَ طاهِر، فإنَّه يُصلِّي بالثوب المتنجِّس ولا إعادةَ عليه[7].

فإنْ علم بها أثناءَ الصلاة، وأمكن إزالتُها أزالَها، وإنْ لم يمكن بطلَتْ صلاتُه على رأيِ مَن يقول بالشرطية، وصحَّتْ على رأي مَن يقول بالوجوب.

(2) إذا لم يتمكَّن مِن الصلاةِ إلا في مكانٍ نجس - كمَن حُبِس فيه - صَلَّى ولا إعادةَ عليه، وطريقة صلاتِه في المكان النجِس: أنها لو كانتْ يابسةً صلَّى كالعادة، وإنْ كانت رطبةً صلَّى قاعدًا على قدميه، حتى لا يتلوَّث بالنجاسة[8].

والأصلُ في ذلك قولُه - تعالى -: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]، فعليه أن يتجنَّبَ النجاسةَ على قدْر ما يستطيع، ويُومئ عندَ السجود؛ حتى لا يُباشِر النجاسة.

(3) لو جَهِل موضع النجاسة مِنَ الثوب تحرَّى موضعها، فإنْ لم يغلبْ على ظنِّه وجَب عليه غسلُ الثوب كلِّه.

(4) مَن اشتبه عليه الثوبُ الطاهِر بالثوْبِ النَّجِس، تحرَّى على حسبِ استطاعته، ثم صلَّى في الطاهِر على الأغلبِ عندَه، فإنْ تغيَّر اجتهاده في صلاةٍ أخرى، صلاَّها على حسبِ اجتهاده الآخَر، ولا يلزمه إعادة الأولى.

(5) لو حَمَل طفلاً صغيرًا وهو في الصلاة صحَّت صلاتُه، والراجح أنَّ ملابسهم محمولةٌ على الطهارة ما لم نتيقَّن وجود نجاسة؛ لأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلى وهو يحمِل أُمامةَ بنت أبي العاص.

(6) إذا حمل عيِّنات [مِن بول وغائط مثلاً]، هل تصحُّ صلاته بها؟ فيها قولان، والأَوْلى تجنُّب ذلك عندَ الصلاة.

(7) إذا صلَّى على حصير أو بساط عليه نَجاسةٌ، لكنَّه صلَّى على موضع طاهِر منه صحَّت صلاته، وكذلك لو صلَّى على سرير قوائمُه على مكانٍ نجس.

(8) لو فَرَش على النجاسة شيئًا وصلَّى عليه صحَّت صلاتُه؛ لأنَّه غيرُ مباشِرٍ للنَّجاسة ولا حامِل لها.

(9) إذا أصاب ثَوبَه أو بدنَه نجاسةٌ يابسة فنفضَها، ولم يبقَ شيءٌ منها وصلَّى، صحَّت صلاتُه بالإجماع.

(10) تجوز الصلاةُ في ثوبِ الحائض والثوب الذي تُجامَع فيه بلا كراهةٍ، إذا لم يتحقَّقْ فيهما نجاسَة، قالوا: "وتجوز في ثِيابِ الصبيان والكفَّار والقصَّابين ومدمني الخمر وغيرهم، إذا لم يَتحقَّق نجاسَتها، لكن غيرها أوْلى"[9].

رابعًا: ستر العورة: ويتعلَّق به مسائل:
(أ) معنى العورة: قال أهلُ اللُّغة: سُمِّيت العورة لقُبْح ظهورها، ولغضِّ الأبصار عنها، مأخوذةٌ مِن العَوَر، وهو النقصُ والعيب والقُبح، ومنه عَوَر العين، والكَلِمة العوراء: القبيحة.

واعلم أنَّ العورة قسمان: (عورة النظر) التي يحرُم إبداؤها أمامَ الناس، و(عورة الصلاة)، والأفضل أن تُسمَّى (زينة الصلاة)، وسوف نبيِّن ذلك - إنْ شاء الله تعالى.

(ب) حكم سَتْر العورة: سَتْرُ العورة واجبٌ بالإجماع، والرَّاجِح وجوبُ سَتْرِها أيضًا في الخلوة، وقدْ ذمَّ الله المشركين؛ لأنَّهم كانوا يطوفون عُراةً، قال - تعالى -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون ﴾ [الأعراف: 28].

قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: كانوا يطوفون بالبيت عُراةً.

وعن بَهْزِ بن حَكيم عن أبيه عن جَدِّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، عَوراتنا ما نأتي منها وما نَذَر؟ قال: ((احفظْ عورتَك إلا مِن زوجِك أو ما مَلَكَتْ يَمينُك))، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إذا كان القومُ بعضُهم في بعض؟ قال: ((إنِ استطعتَ ألا يَرينَّها أحدٌ فلا يرينها))، قلت: يا رسولَ الله، إذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: ((اللهُ أحقُّ أن يَسْتحِي منه الناس))[10].

ويجوز كشفُ العورة للحاجةِ والضرورة، كحالةِ الاغتسال في الخلوة، ووقتَ قضاء الحاجة، وإفضاء الرَّجُل إلى أهله، وللطبيب والشاهِد والحاكِم، لكن يُراعى للمرأة كشفُها أمامَ الطبيب إذا لم تَجِدْ طبيبةً امرأة، واضطرتْ للطبيب الرجل، مع أمْن الخلوة، وأنْ يكون التكشُّفُ على قدْرِ الضرورة.

(جـ) حد العورة:
أولاً: عورة الرجل: اختلَف العلماءُ في عورةِ الرجل، وذلك بعدَ اتِّفاقهم على أنَّ السوءتَيْن (القُبُل والدُّبُر) عورة، ولكنَّهم اختلفوا: هل الفَخِذان عورةٌ أم لا؟

فذَهَب فريقٌ من العلماء إلى أنَّهما ليسَا بعورة، واستدلُّوا على ذلك بأحاديثَ:
منها حديث عائشة - رضي الله عنها - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان جالسًا كاشفًا عن فخذِه، فاستأذن أبو بكرٍ، فأذِن له وهو على حالِه، ثم استأذن عمرُ، فأَذِن له وهو على حالِه، ثم استأذن عثمانُ فأرْخَى عليه ثيابَه، فلمَّا قاموا، قلتُ: يا رسولَ الله، استأذن أبو بكرٍ وعمرُ، فأذنتَ لهما وأنتَ على حالِك، فلمَّا استأذن عثمانُ أرخيتَ عليكَ ثيابَك؟

فقال: ((يا عائشةُ، ألا أسْتحي مِن رجلٍ واللهِ إنَّ الملائكةَ لتستحي منه))[11].

وعن أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومَ خَيْبر حسر الإزار عن فخذِه، حتى إني لأنظرُ إلى بياضِ فخذِه[12].

وذهَب فريقٌ آخَرُ مِن العلماء إلى أنَّ الفخِذين عورةٌ، وهو الأرجَح؛ وذلك لحديثِ محمَّد بن جحش قال: مرَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على معمرٍ، وفخذاه مكشوفتانِ، فقال: ((يا معمرُ، غطِّ فخذَك؛ فإنَّ الفخذين عورةٌ))[13]، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة.

وقد ذهَب البخاريُّ إلى أنَّ العمل بحديث جَرْهَد أحوط، ورجَّح الشوكانيُّ أدلةَ القائلين بالوجوب؛ لأنَّ الأحاديثَ التي بها كشْفُ العورة في قضايا خاصَّة لا تُحمَل على العموم، ثم إنَّها أحاديثُ فِعْل، وحديثُ جَرْهَد قول، وأنَّه إذا تعارض القولُ والفِعل قُدِّم القول.

هذا، وقد قسَّم بعضُهم عورةَ الرجل إلى (مُغلَّظة)، وهي القُبُل والدُّبُر، و(مخفَّفة)، وهي الفخِذان.

وأمَّا السُّرَّة والرُّكبة، فليستَا من العورة، وقد وردتْ في ذلك أحاديثُ لا يخلو كلٌّ منها مِن مقال، وممَّا يُستدلُّ به على أن الركبة ليستْ مِن العورة ما رواه البخاريُّ وأحمد عن أبي الدرداءِ قال: كنتُ جالسًا عندَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطَرَفِ ثوبِه، حتى أبدى عن رُكبتيه، فقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أمَّا صاحِبُكم فقدْ غامَر، فسلّم...))[14] والحُجَّة منه أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أقرَّه على كشْفِ الرُّكْبة ولم يُنكِرْ عليه.

ومنها: عن عمرِو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه مرفوعًا: ((ما بيْن السُّرَّة والرُّكْبة عورة))[15].



ثانيًا: عورة المرأة:
ثبَت في الحديث: ((المرأةُ عورة، فإذا خرجَتِ استشرفَها الشيطان))[16]، وقد اختلف العلماءُ في عورةِ المرأة أمامَ الأجانب على قولين، فمِنهم مَن يرى أنَّ جميعَ بدن المرأة عورة، إلا الوجهَ والكفَّيْن، ومنهم مَن يرى أنَّ جميع بدن المرأة عورة، ويجب عليها تغطيةُ الوجه والكفَّين، وهو الراجح من حيث الأدلَّة.

وأمَّا أمامَ محارمها وأمام النِّساء مثلِها، فلها أن تكشِفَ عن مواضعِ الزينة الظاهرة؛ وذلك لقوله - تعالى -: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ﴾ [النور: 31].

فيجوز للمرأةِ أن تَكشِفَ أمامَ مَن ذُكِروا في الآية عن مواضعِ الزِّينة كالعُنق والساعدَين والقدمَين، ولا يجوز لها أن تكشِف عن صدرِها وظهرِها وفخذِها، ونحو ذلك أمامَهم.



(د) زينة الرجل والمرأة في الصلاة:
تَكلَّمنا عن عورةِ الرجل والمرأةِ مِن حيث النظر، وأمَّا حُكمها في الصلاة:

فقدْ ذَهَب جمهورُ العلماء إلى أنَّ "سَتْر العورة شرْطٌ في صِحَّة الصلاة".

وقال بعضُ أصحابِ مالك: "سَتْر العورة واجبٌ وليس بشَرْط"، وهذا ما رَجَّحه الشوكاني في "نيل الأوطار".

وقال أكثرُ المالكية: السُّترة شرْطٌ مع الذِّكْرِ والقُدرة عليها، فإنْ عجَز أو نسِي السترَ، صحَّتْ صلاته.

قلت: وأصرحُ دليلٍ على الشرطية قولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَقْبَل الله صلاةَ حائضٍ إلا بخمار))[17]، والمقصود بالحائض؛ أي: التي بلَغَتِ المحيض.

واعلم أنَّ العلماء أطْلقوا في هذا الباب: (ستر العورة)، ولكن الأَوْلى أن يُقال:
(لباس الصلاة، أو زينة الصلاة)؛ لقوله - تعالى -: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31]، ولأنَّ السِّترَ المأمورَ به في الصلاة يختلف عن عورةِ النظر، وقد تَقدَّم الكلامُ على عورةِ النَّظَر، وأما زِينة الصلاة، فهي على النحو الآتي:



أولاً: بالنسبة للرجل:
عن أبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا يُصلِّينَّ أحدُكم في الثوبِ الواحِد ليس على عاتقيه منه شيءٌ))[18]، (والعاتق): ما بيْن المَنكِبين إلى أصلِ العُنق (وهو المعروف بالكتف).

وعن جابرِ بن عبدالله - رضي الله عنهما - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا صليتَ في ثوبٍ واحد؛ فإنْ كان واسعًا فالتحِفْ به، وإنْ كان ضيقًا فاتَّزِر به))[19].

وعلى هذا؛ فإنَّه يجوز للرجل أن يُصلِّي في ثوبٍ واحد، وهذا الثوبُ إنْ كان واسعًا جعَل طرفيه على عاتقيه ملتحفًا به، وإنْ كان ضيقًا جعَله إزارًا فقط؛ أي: شَدَّه على وَسَطِه.

ولكن الأفضل للرَّجُل أن يُصلِّي في ثوبين أحدُهما يغطِّي عورته والثاني يكون على أعاليه؛ فعن أبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - أنَّ سائلاً سأل النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الصلاة في ثوب واحِد؟ فقال: ((أوَلِكُلِّكم ثوبان؟!))[20] - وزاد البخاريُّ في رواية -: "ثُمَّ سأل رجلٌ عمرَ، فقال: إذا وسَّع الله فأوْسِعوا، جمَع رجلٌ عليه ثيابَه، صلَّى رجل في إزارٍ ورِداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سَراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تُبَّان وقباء، في تُبَّان وقميص"، ومعنى (التُّبَّان): السراويل القصيرة.



ثانيًا: بالنسبة للمرأة:
قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَقْبل الله صلاةَ حائضٍ إلا بخمار))[21]، فيُشترط لها أن تَستُرَ بدنها في الصلاة عدَا الوجه والكفِّين على رأيِ جمهور العلماء، ويكفيها في ذلك الدِّرع (وهو الجلباب) والخمار.

ورَجَّح شيخُ الإسلام ابن تيمية أيضًا جوازَ كشْف القدمين، واختارَه صاحبُ الإنصاف، وحُجَّتهم في ذلك أنَّ المرأة إنما أُمِرَتْ بالتجلبُب إذا خرجتْ مِن بيتها، ولم يأتِ نصٌّ يأمرها به إذا كانتْ في بيتها، حتى لو كان ذلك للصلاة، فصَحَّ أنها تُصلِّي بملابسِ بيتها، وغالبًا ما يكنَّ كاشفاتِ الأقدام، ولم يؤمرْنَ بتغطيتهنَّ في الصلاة بخِلاف شعرِها وعُنقها، فقد أمرتْ بالخمار الذي يُغطِّي ذلك منها، كما تقدَّم في الحديثِ السابق.

رَوى عبدُالرزاق - بسند صحيح - عن أمِّ الحسَن قالت: "رأيتُ أمَّ سَلمةَ زَوجَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - تُصلِّي في دِرْع وخمار"، ورَوى مالكٌ في الموطَّأ (1/ 160)، عن عُبَيدالله الخولاني - وكان يتيمًا في حِجْرِ ميمونة -: "أنَّ ميمونةَ كانتْ تُصلِّي في الدِّرع والخمار ليس عليه إزار"، وسنده صحيح.

ولكن الأفضل للمرأةِ أن تُصلِّي في "خمار" (يستر رأسها)، و"درع" (يستُر بدنَها)، ثم "ملحفة" مِن رأسها فوقَ الخمار والدرع، فعن عبدِالله بن عمرَ - رضي الله عنهما - قال: "إذا صلَّتِ المرأةُ، فلتصلِّ في ثِيابها كلِّها: الدرع والخمار والملحفة"[22].




ملاحظات:
(1) من شروطِ الستر أن يَحُولَ بين الناظر ولونِ البَشَرة، فلا يَكفي ثوبٌ رقيقٌ يُرى مِن ورائه سوادُ البشرة أو بياضُها.

(2) الصلاة في البِنطال للرجال فيه كراهةٌ شديدة، وتَزداد هذه الكراهة إذا كان ضَيِّقًا يَصِفُ البشَرة، وأمَّا صلاة المرأة في البِنطال ففيه سوءُ أدبٍ مع الله؛ لأنَّها متشبِّهة بالرِّجال، وقد علمت أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَعَن المتشبهاتِ مِن النساء بالرِّجال، وكيف لا تَنهاها صلاتُها عن الفحشاء والمنكر بهذا التبرُّج الذي ابتُلِيتْ به بلادُ الإسلام؟
وينبغي للمصلِّي أن يتخلَّق بالأخلاقِ والآداب التي تكون أدْعَى لقَبول العمل؛ إذ إنَّ هناك فرْقًا بين صحَّة العمل مِن الناحية الفقهيَّة، وقَبوله عندَ الله، فرُبَّ عمل يقع صحيحًا، لكنَّه غيرُ مقبول؛ لعدمِ مراعاة تقوى الله - عزَّ وجلَّ .


هذا، وقدْ ذَهَب كثيرٌ من أهل العِلم إلى أنَّ الثِّياب إذا كانت مُحرَّمة، فإنَّ الصلاة تكون باطلة، وهو رأي الظاهرية والحنابلة، والله أعلم.

(3) قال صاحب "المهذب": "والمستحَبُّ - للمرأة - أن تُكثِّف جلبابها؛ حتى لا يصف أعضاءَها، وتُجافي الملحفةَ عنها في الرُّكوع والسجود؛ حتى لا تصف ثِيابَها"[23]، والمقصود أنْ يكون ثوبُها كثيفًا لا يَصِف أعضاءَها.

(4) تصحُّ الصلاةُ مِن الرجل وهو حاسرُ الرأس، ولكن الأفضل أن يَلْبَس العمامة لكمالِ الزِّينة.



خامسًا: استقبال القِبلة:
والمقصود بالقِبلة: الكعْبة، ويجب استقبالُها بدلالةِ القرآن والسنَّة والإجماع.

أمَّا (الكتاب)، فقوله - تعالى -: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 149].

وأمَّا (السُّنة)، فمِنها حديثُ المسيءِ صلاتَه: ((إذا قُمتَ إلى الصلاةِ فأسْبِغ الوضوءَ، ثم استقبلِ القِبْلة فكَبِّر))[24].

وأما (الإجماع)، فقد أجمع المسلِمون على وجوبِ استقبال القِبْلة في الصلاة.

ومعنى الاستقبال: أنَّ مَن كان قريبًا من الكعبة يجب عليه أن يتَّجِه إلى عينِ الكعبة، بحيث يكون بجميعِ بدنه مستقبلاً به عينَ الكعبة.

وأمَّا مَن كان بعيدًا عن الكعبةِ، فيَكفيه في ذلك استقبالُ جِهة الكعبة، فمَن كان في جِهة الشمال تكون قِبلتُه جِهة الجنوب؛ أي: ما بين المشرِق والمغرِب.

وذلك لمَا ثبَت في الحديث: ((ما بيْن المشرِق والمغرِب قِبْلَة))[25].



ملاحظات:
(1) يُستدلُّ على القِبلة إما بالمشاهدة، أو بخَبَر ثِقة عن يقين، أو اجتهاد، والمقصود (بالثِّقة) العدالة والخِبْرة، وسواء كان رجلاً، أو امرأة، والمقصودُ بقولنا: ((يقين))؛ أي: بمشاهَدة، كأنْ يكونَ مِن أهل البَلْدة، والمقصود بقولنا: أو ((اجتهاد))؛ أي: معرفة الاتِّجاه بالأمارات والأدلَّة.

ويستدلُّ على القِبلة أيضًا بالدلائلِ التي تَعارَف عليها الناسُ كبِناء المحاريبِ في المساجِد[26]، أو بالنجوم لمَن له خِبْرة بذلك، أو بالشمس والقمر ومنازلهما لمَن له خِبْرة بذلك، وممَّا يُستدلُّ به الآن (البوصلة).

(2) إذا اجتهَد اثنانِ مجتهدانِ، فاختلفَا في جِهةِ القِبلة، لم يتبعْ كلٌّ منهما الآخَر، بل يُصلِّي كلٌّ منهما حيث أدَّاه اجتهاده؛ فعن عامِر بن ربيعة - رضي الله عنه - قال: كنَّا مع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سفَرٍ ليلة مظلِمة، فلم ندرِ أين القِبلة، فصلَّى كلُّ رجل حِيالَه، فلمَّا أصبحْنا ذكَرْنا ذلك لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فنزل: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 115][27].

واختلف العلماءُ: هل يجوز لهما أن يُصلِّيَا جماعةً مع اتِّجاه كلٍّ منهما إلى قِبلته؟ على قوْلَيْن؛ رجَّح الشيخ ابن عثيمين جوازَه[28].

(3) وإنْ كان مع المجتهدين رجلٌ مُقلِّد فعليه أن يتَّبع الأوثقَ عندَه.

(4) إذا صَلَّى بغيرِ اجتهاد أو تقليد، فإنْ أخطأ؛ (أي وجَد نفْسَه على غيرِ القِبلة) أعاد، وإنْ أصاب لم يُعِد.

وإنْ صلَّى باجتهادٍ فأخْبَره ثقةٌ عن يقين أنَّه مُخطئ، استدارَ، وأتمَّ صلاته، وأمَّا إنْ أخْبَرَه - يعني هذا الآخَر - عن اجتهادٍ، فلا يلزمه متابعتُه[29].

وكذلك إذا تبيَّن له خطؤُه بنفسِه أثناءَ الصلاة، استدارَ إلى الجِهة التي رأى أنَّها هي الصحيحة، وأتَمَّ صلاتَه.

(5) إذا اجتهد في بعضِ الصلوات وصلَّى على اجتهادِه، ثم شكَّ في اجتهادِه، فعليه الاجتهاد مرَّةً أخرى، ولا يَلْزمه إعادةُ الصلوات الماضية، حتى لو ثبَت أنَّ اجتهادَه الثاني يُخالِف الأوَّل.



(6) هناك حالاتٌ يجوز فيها عدمُ استقبال القِبلة:
منها العاجز: كمريضٍ لا يَستطيع الحرَكة، وليس عندَه مَن يُوجِّهه إلى القِبلة؛ لقوله - تعالى -: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16].

ومنها: عندَ اشتدادِ الخوف؛ لقوله - تعالى -: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: 239]، قال ابنُ عمر - رضي الله عنهما -: "فإنْ كان خوفٌ أشد مِن ذلك صلَّوْا قِيامًا على أقدامِهم أو رُكبانًا، مستقبلِي القِبلة أو غيرَ مستقبليها))، قال نافع: "ولا أرى ابنَ عمر ذكَر ذلك إلا عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم"[30].

قال الشيخُ ابنُ عثيمين - رحمه الله -: "لو هرَب الإنسانُ مِن عدوٍّ، أو مِن سيل، أو مِن حريق، أو مِن زلازل، وما أشْبَه ذلك، فإنَّه قد سقَطَ عنه استقبالُ القِبلة"[31].

وفي كلِّ ما سَبَق إنْ أمكْنَه استقبالُها استقبلَها.

ومنها: المتنفل الراكِب في السَّفر؛ فعن ابنِ عُمرَ - رضي الله عنهما - قال: "كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُسبِّح على راحلته قِبَل أيِّ وِجهة تَوجَّه، ويُوتِر عليها، غيرَ أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة"[32]، ومعنى (يُسبِّح)؛ أي: يُصلِّي النافلة.

لكنَّه يَستقبل القِبلةَ عند تكبيرةِ الإحرام إنِ استطاع؛ لِمَا ثبَت عن أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان إذا سافَر فأراد أن يَتطوَّع استقبل بناقتِه القِبلةَ فَكبَّر، ثم صلَّى حيث وجَّهه رِكابُه[33].

قلت: ويُومِئ في السجودِ والركوع، وإذا لم يَتمكَّن مِن تكبيرةِ الإحرام تُجاهَ القِبلةِ، كبَّر حيثما تيسَّر له.




[1] وقد تقدَّم بيان مواقيت الصلاة.

[2] مسلم (224)، والترمذي (1)، وابن حبان (3366)، وابن ماجه (272).

[3] صحيح: رواه أبو داود (650)، وأحمد (3/20)، والدارمي (1378)، وصحَّحه الألباني في "الإرواء" (284).

[4] البخاري (221)، ومسلم (284)، والترمذي (147).

[5] البخاري (216، 218)، ومسلم (292)، وأبو داود (20)، والترمذي (70)، والنَّسَائي (1/28- 30)، وابن ماجه (347).

[6] انظر: "نيل الأوطار" (2/119)، ونقل النووي عنه - أي: عن الشافعي - قولاً ثالثًا وهو: لا تصحُّ صلاتُه، سواء علِم أو جهِل أو نَسِي.

[7] ومِن العلماء مَن يرى الصلاة بها مع الإعادة، ومنهم مَن يرى أن يُصلِّي عريانًا، ولكن الأرجحُ ما ذكرتُه؛ لأنَّه لا يُؤمَر بصلاة مرَّتين، ولأنَّ صلاته عريانًا أقبحُ مِن صلاته وعليه نجاسة، وقد علمتَ اختلافَ العلماء في حُكم إزالتها، وقد ذهب بعضُ العلماء إلى أنها ليستْ بشرط، بخلافِ ستْر العورة فهي شَرْطٌ إجماعًا.

[8] من كتاب "الشرح الممتع" (2/179).

[9] المجموع (3/164).

[10] صحيح: أبو داود (4017)، والترمذي (2769)، وحسَّنه، وابن ماجه (1920)، وأحمد (5/3-4)، والحاكم (4/179)، وصحَّحه ووافَقه الذهبي.

[11] مسلم (2401)، ولفظه : كاشفًا عن "فخذيه أو ساقيه" - هكذا على الشك - ورواه أبو يعلى (4815)، وابن حبَّان (6907)، بذِكْر الفخذين بدون شكٍّ.

[12] البخاري (371)، ومسلم (1).

[13] رواه أحمد (5/290)، ورواه الترمذي (2797)، وأبو داود (4014)، من حديث جَرْهَد، وعلَّقه البخاريُّ في صحيحه (3/568)، باب الصلاة بغير رِداء، وللحديثِ شواهِد يُقوِّي بعضُها بعضًا؛ انظر: "نصب الراية" (1/243)، و "إرواء الغليل" (1/297).

[14] البخاري (3661)، والبيهقي (10/236)، وأحمد (1/240)، في "فضائل الصحابة".

[15] حسن: رواه الحاكم (1/197)، والحديثُ عند أبي داود (4114)، بلفظ: ((وإذا زَوَّج أحدكم خادمه - عبدَه أو أجيرَه - فلا ينظر إلى ما دون السُّرَّة وفوق الركبة)).

[16] صحيح: رواه الترمذي (1173)، وابن خزيمة (1685)، وابن حبَّانَ (5598)، وانظر: "صحيح الجامع" (6690).

[17] حسن: رواه أبو داود (641)، والترمذي (377)، وابن ماجه (655).

[18] البخاري (359)، ومسلم (516)، وأبو داود (626)، والنسائي (1/125).

[19] البخاري (361)، ومسلم (3010)، وأبو داود (634).

[20] البخاري ()، ومسلم (515)، وأبو داود (625)، والنسائي (2/69).

[21] حسن: تقدم تخريجه، انظر ص 208.

[22] رواه ابن أبي شيبة (2/225)، بسند صحيح.

[23] انظر "المجموع" (3/172).

[24] وهو حديثٌ صحيح، وسيأتي في أوَّل أبواب صِفة الصلاة (ص: 215).

[25] صحيح: رواه الترمذي (342)، وقال: حسَن صحيح، ورواه النسائي (4/172)، وابن ماجه (1011)، وصحَّحه الشيخُ الألباني في "الإرواء" (292).

[26] ولا يَعْني هذا صحَّة بِناء هذه التجاويف التي يُقال عنها محاريب، بل بناؤها مِنَ البدع.

[27] صحيح: رواه الترمذي (2957)، وابن ماجه (1020).

[28] "الشرح الممتع" (2/277).

[29] انظر المغني (1/448-449).

[30] البخاري (4535).

[31] "الشرح الممتع " (2/258).

[32] البخاري (1098)، ومسلم (700)، وأبو داود (1224).

[33] حسن: رواه أبو داود (1225)، والدارقطني (1/395)، والطبراني في الأوسط (3/75).





الصفحات 1 2  3 

التالي

سر حلاوة الصلاة ومفاتيها

السابق

القلوب المصلية .. للشيخ على بن عمر بادحدح

كلمات ذات علاقة
الموت , الصلاة , احكام , بلال , كتاب