صلاة قيام الليل حكمها ووقتها

صلاة قيام الليل حكمها ووقتها صلاة قيام الليل حكمها ووقتها صلاة قيام الليل حكمها ووقتها

مجتمع رجيم عــــام الإسلاميات
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث

صلاة قيام الليل حكمها ووقتها

صلاة قيام الليل حكمها ووقتها

صلاة قيام الليل حكمها ووقتها

صلاة قيام الليل حكمها ووقتها
صلاة قيام الليل حكمها ووقتها


PIC-954-1352407949.g

صلاة قيام الليل حكمها ووقتها

الشيخ عادل يوسف العزازي

صلاة قيام الليل


أولاً: الترغيب في قيام الليل:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يعقِدُ الشَّيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقَدٍ، يضرب على كلِّ عُقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإن استيقظ فذكرَ الله - تعالى - انحلَّتْ عُقدةٌ، فإن توضَّأ انحلت عقدةٌ، فإن صلَّى انحلَّت عقدة، فأصبح نشيطًا طيِّبَ النَّفْس، وإلا أصبحَ خبيثَ النَّفْس كسلانَ))[1].

و"قافيةُ الرَّأس": مؤخرُه.

وعن عمرِو بن عَبَسَة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أقربُ ما يكونُ الرَّبُّ من العبدِ في جوفِ اللَّيل الآخِرِ؛ فإن استطعتَ أنْ تكونَ ممَّنْ يذكرُ اللهَ في تلك السَّاعة، فكُنْ))[2].

عن عبدالله بنِ مسعود - رضي الله عنه - قال: ذُكِرَ عند النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجُلٌ، فقيلَ: ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصَّلاة، فقال: ((بَالَ الشَّيطانُ في أُذنِه))[3].

وحملَهُ بعضُ أهلِ العلم على نومِهِ عن الفريضةِ - يعني: صلاة "الصُّبح".

عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عجِبَ ربُّنا من رجُلين؛ رجل ثارَ عن وِطائه ولِحافه، من بينِ أهلِهِ وحِبِّهِ إلى صلاتِهِ، فيقولُ الله - عزَّ وجلَّ -: أيَا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثارَ عن فراشِه ووِطائِه من بين حِبِّهِ وأهلِهِ إلى صلاتِه؛ رغبةً فيما عندي، وشفقةً ممَّا عندي...)) الحديث[4].

وعن عبدالله بن عمرٍو - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن قامَ بعشْرِ آياتٍ لَم يُكتَبْ من الغافلين، ومَن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ من القانتين، ومَن قام بألفِ آيةٍ كُتب من المُقَنْطِرين))[5].

وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((جعل اللهُ عليكم صلاةَ قومٍ أبرارٍ، يقومون اللَّيل، ويصومون النَّهار، ليسوا بأَثَمَةٍ ولا فُجَّارٍ))[6].

ثانيًا: حُكمُه:
قيام اللَّيل سنَّةٌ مؤكَّدة؛ فعن عائشةَ - رضي الله عنها - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلَّى ذات ليلةٍ في المسجدِ، فصلَّى بصلاته ناسٌ، ثمَّ صلَّى مِن القابلةِ، فكثُرَ النَّاس، ثم اجتمعوا من اللَّيلة الثالثة أو الرَّابعة، فلم يخرُجْ إليهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلما أصبح قال: ((قد رأيتُ الذي صنعتم، ولم يمنَعْني من الخروج إليكم إلا أني خشيتُ أن تُفرَضَ عليكم))، وذلك في رمضان[7].

واختَلف السَّلف والخلَف، هل كان فرضًا على النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أم لا؟
وكِلا الفريقين احتجَّ بقوله - تعالى -: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ ﴾ [الإسراء: 79].

فالفريق الأوَّل قال: هذا صريحٌ في عدم الوجوب؛ لقولِه: ﴿ نَافِلَةً ﴾، وأمَّا الآخَرون فقالوا: أمَرَه بالتَّهجُّد، ولم يَجئْ ما ينسخُه، وفسَّروا قوله: ﴿ نَافِلَةً ﴾ بمعنى الزِّيادة، وليس المقصودُ النَّافلةَ التي هي عكسُ الفرض، ومُطلَق الزِّيادة لا يدلُّ على التطوُّع، فإنَّ قيامَ اللَّيل في حقِّ غيرِه مكفِّرٌ للسيِّئات، وفي حقِّه زيادةٌ في الدَّرجات.

وصلاةُ التَّهجُّد أفضلُ الصَّلوات بعد المكتوبة:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أفضلُ الصَّلاة بعد الصلاة المكتوبةِ الصَّلاةُ في جوف اللَّيل))[8].


PIC-831-1352407949.g



ثالثًا: بعض الآداب والأحكام المتعلِّقة به:
ينبغي أن ينويَ عند نومِهِ قيامَ اللَّيلِ نيَّةً جازمةً؛ ليحوز الفضلَ والثَّواب الثابتَ في الحديث الآتي:
عن أبي الدَّرداء - رضي الله عنه -: ((من أتى فراشَهُ وهو ينوي أن يقومَ فيُصلِّيَ من اللَّيل، فغلبتْهُ عينُه حتى يُصبحَ، كُتِبَ له ما نوى، وكان نومُهُ صدقةً عليه من ربِّهِ))[9].

ويستحبُّ له المداومةُ على قيام اللَّيل، ولْيُعوِّدْ نفسَهُ على قدرٍ يمكِنُه الدَّوام عليه مدَّةَ حياتِه، ولا ينقصْ منه إلا لضرورةٍ.

عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خذوا من الأعمالِ ما تُطيقون، فواللهِ لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا))[10].

وعنها - رضي الله عنها - سُئِلَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: ((أدْوَمُهُ وإنْ قلَّ))[11].

ويُكرَهُ له تركُ قيام اللَّيل:
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ذُكِرَ عند النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلٌ نام حتى أصبح، قال: ((ذاك رجلٌ بال الشَّيطانُ في أُذنَيْهِ - أو قال: في أُذُنه))[12].

كما يُكره تركُ ما اعتاده من قِيام اللَّيل:
عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا عبدَالله، لا تكُنْ مثلَ فلان، كان يقوم اللَّيلَ، فترك قيامَ اللَّيلِ))[13].

ويُسَنُّ لِمَن استيقظَ من اللَّيل أنْ يمسحَ النَّوم عن وجهِه وأن يتسوَّكَ:
لحديثِ ابن عبَّاس: "كان إذا قامَ من اللَّيل يشوصُ فاه بالسِّواك"[14].

وأنْ ينظُرَ إلى السَّماء:
وأنْ يقرأَ الآياتِ التي في آخرِ آلِ عِمرانَ: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [آل عمران: 190] إلى آخر السورة:
لِمَا ثبت من حديثِ عبدالله بن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: "بتُّ عند ميمونةَ - وهي خالتُه - فاضطجعتُ في عُرْضِ وسادةٍ، واضطجع رسولُ الله وأهلُه في طُولِها، فنام حتى انتصف اللَّيل، أو قريبًا منه، فاستيقظ يمسحُ النَّوم عن وجهه - وفي روايةٍ: قعد ونظر إلى السَّماء - ثم قرأ عشْرَ آياتٍ من آل عمرانَ - وفي رواية: قرأ العشْرَ الآياتِ الخواتمَ من سورة آلِ عِمرانَ، ثمَّ قام رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى شَنٍّ معلَّقةٍ فتوضَّأ فأحسنَ الوضوء - ثم قام يصلِّي، فصنعتُ مثلَه، فقمت إلى جنبه، فوضع يده اليُمنى على رأسي، وأخذ بأُذني يفتِلُها، ثم صلَّى ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم أَوْتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذِّنُ، فقام فصلَّى ركعتين، ثم خرج فصلَّى الصُّبح"[15].

ولهذا الحديثِ ألفاظٌ كثيرةٌ تجدها في مواضعها في الصحيحين.

كما يُستحَبُّ له إذا تعارَّ من اللَّيل أنْ يدعوَ بالدُّعاء الآتي:
عن ربيعةَ بنِ كعب الأَسلَميِّ - رضي الله عنه - قال: كنتُ أبيتُ مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأتيتُهُ بوَضوئِه وحاجتِه، وكان يقوم من اللَّيل يقول: ((سُبحان ربِّي وبحمده، سبحان ربِّي وبحمدِه)) الهَوِيَّ، ثم يقولُ: ((سبحانَ ربِّ العالمين، سبحان ربِّ العالمينَ)) الهَوِيَّ[16].

ومعنى "الهَوِيّ": الحينُ الطَّويل من الوقتِ؛ أي: إنَّه أخذَ يسبِّحُ وقتًا طويلاً.

عن عُبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن تعارَّ من اللَّيل فقال: لا إلهَ إلا الله وحده، لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، الحمدُ لله، وسبحانَ الله، ولا إله إلا اللهُ، والله أكبرُ، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيبَ له، فإنْ توضَّأ وصلى، قُبِلَتْ صلاتُهُ))[17].

قال ابن بطَّال:
"وعد اللهُ على لسان نبيِّه أنَّ مَن استيقظ من نومِه لَهِجًا لسانُهُ بتوحيدِ ربِّه، والإذعانِ له بالمُلْكِ، والاعترافِ بنِعَمِه يحمَدُه عليها، وينزِّهُه عمَّا لا يليقُ به بتسبيحِهِ، والخضوعِ له بالتَّكبيرِ، والتَّسليم له بالعجزِ عن القدرةِ إلا بعونه - أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلَّى قُبِلَتْ صلاتُهُ، فينبغي لِمَن بلغَه هذا الحديثُ أن يغتنمَ العملَ به، ويُخلصَ نيَّتَه لربِّهِ - سبحانه وتعالى -"؛ اهـ[18].

وكذلك يُستحَبُّ ذكرُ اللهِ بالأذكار الواردةِ عند الانتباهِ من النَّوم.

ويستحب للرجُلِ إذا استيقظ لصلاة اللَّيلِ أنْ يُوقِظَ لها امرأتَه، ويُستحبُّ للمرأة إذا استيقظت أنْ تُوقظَ لها زوجَها:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((رحِمَ اللهُ رجُلاً قام من اللَّيل فصلَّى وأيقظ أهلَه، فإنْ أبَتْ نضَح في وجهِها الماءَ، رحِم اللهُ امرأةً قامت من اللَّيل فصلَّتْ وأيقظت زوجَها، فإن أبى نضَحَتْ في وجهِه الماءَ))[19].

وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ - رضي الله عنهما - قالا: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا أيقظَ الرَّجُلُ أهلَه من اللَّيل فصلَّيَا أو صلَّى ركعتين جميعًا، كُتِبَا من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات))[20].

وإذا نعَس في صلاته، فليترُكْها ولْيرقُدْ حتى يذهبَ عنه النَّومُ؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا نعَسَ أحدُكم في صلاتِه، فليرقُدْ حتى يذهبَ عنه النوم؛ فإنَّ أحدَكم إذا صلَّى وهو ناعسٌ لعلَّه يذهبُ يستغفرُ فيسُبُّ نفسَهُ))[21].

وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: دخل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المسجدَ وحبلٌ ممدودٌ بين ساريتيْنِ، فقال: ((ما هذا؟))، قالوا: لزينبَ تُصلِّي، فإذا كسِلتْ أو فتَرَتْ أمسكَتْ به، فقال: ((حُلُّوه؛ ليُصلِّ أحدُكم نشاطَهُ، فإذا كسِلَ أو فتَرَ، فليقعُدْ))[22].

ويستحبُّ الاستغفارُ بعد قيام الليل؛ لقولِهِ - تعالى -: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: 17].
قال الحسَنُ البَصريُّ: مَدُّوا صلاتَهم إلى اللَّيل، ثم جلَسوا يستغفرونَ الله.

PIC-831-1352407949.g

رابعًا: وقتُ قيام اللَّيل:
تجوز صلاةُ قيامِ اللَّيل في أيِّ جزءٍ من أجزاءِ اللَّيل إلى الفجرِ، سواءٌ صلَّى من أوَّلِ اللَّيل أو وسَطه أو آخِرِه؛ فقد ثبَت في وصفِ قيامِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه صلاَّها في كلِّ هذه الأوقات.

عن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: "ما كنَّا نشاءُ أن نراه من اللَّيل مصلِّيًا إلا رأيناه، وما كنا نشاءُ أن نراه نائمًا إلا رأيناه، وكان يصومُ من الشَّهر حتى نقولَ: لا يُفطِرُ منه شيئًا، ويُفطِرُ حتى نقولَ: لا يصومُ منه شيئًا"[23].

قال الحافظ: لم يكنْ لتهجُّدِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقتٌ معيَّنٌ، بل بحسَبِ ما يتيسَّر له القيامُ.

لكنَّ الأفضلَ أن يقومَ في جوفِ اللَّيل، وفي الثُّلث الأخيرِ منه:
عن عبدِالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أحبُّ الصِّيامِ إلى اللهِ صيامُ داودَ، وأحبُّ الصَّلاة إلى الله صلاةُ داود، كان ينام نصفَ اللَّيل، ويقومُ ثُلثَه، وينامُ سُدُسَه، وكان يصوم يومًا ويُفطِرُ يومًا))[24].

وعن عائشة - رضي الله عنها - وقد سُئِلَتْ: كيف صلاةُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - باللَّيل؟
قالت: "كان ينامُ أوَّلَه، ويقومُ آخِرَه فيصلِّي، ثم يرجِعُ إلى فراشِه، فإذا أذَّنَ المؤذِّنُ وثب، فإنْ كانت به حاجةٌ اغتسل، وإلا توضَّأ وخرج"[25].

وفي الحديث: ((إنَّ اللهَ ينزلُ في ثُلث اللَّيل الأخير إلى سماءِ الدنيا، فيقول: مَن يدْعُوني فأستجيبَ له؟ مَن يسألُني فأعطِيَه؟ مَن يستغفِرُني فأغفرَ له؟))[26].

PIC-831-1352407949.g

خامسًا: كيفيَّة صلاةُ الليل:
عن أبي سلمة بن عبدالرَّحمن أنه سأل عائشةَ - رضي الله عنها -: كيف كانت صلاةُ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في رمضانَ؟ فقالت: "ما كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِه على إحدى عشْرةَ ركعةً؛ يصلِّي أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهن وطُولِهن، ثم يصلِّي أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسنِهن وطُولِهن، ثم يصلِّي ثلاثًا"[27]، وفي بعضِ الرِّوايات: "ويمكثُ في سجوده قدرَ ما يقرأ الرَّجُل خمسينَ آية قبل أن يرفعَ رأسَه"[28].

وعلى هذا؛ فالصَّحيحُ أنَّ صلاة اللَّيل الثَّابتةَ مِن فعلِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا تزيدُ عن هذا الحدِّ، ولكنَّه ورد في بعضِ الأحاديث أنَّه كان يصلِّي باللَّيل ثلاثَ عشْرةَ ركعةً، ثم يصلِّي إذا سمع النِّداء بالصُّبح ركعتينِ خفيفتينِ[29]، وثبت صلاةُ الثَّلاثَ عشْرةَ في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا، وفي حديثِ زيد بن خالدٍ الجُهنيِّ[30].

قال الحافظ:
"فيُحتمَلُ أنْ تكون أضافَتْ إلى صلاةِ اللَّيل سنَّةَ العِشاء؛ لكونِهِ كان يصلِّيها في بيته، أو ما كان يفتتحُ به صلاةَ اللَّيل؛ فقد ثبت عند مسلمٍ أنه كان يفتَتِحُها بركعتينِ خفيفتيْنِ، وهذا أرجحُ في نظري؛ لأنَّ روايةَ أبي سلمةَ التي دلَّت على الحصرِ في إحدى عشْرةَ جاء في صفتِها عند المصنِّفِ وغيرِه: يصلِّي أربعًا، ثم أربعًا، ثم ثلاثًا، فلم تتعرَّضْ للرَّكعتين الخفيفتيْنِ، وتعرَّضَت لهما في رواية الزُّهري، والزِّيادة من الحافظِ مقبولةٌ" [31].

وقال القرطبيُّ:
"أشكَلَتْ رواياتُ عائشةَ على كثيرٍ من أهل العلمِ، حتَّى نسَبَ بعضُهم حديثَها إلى الاضطراب... والصَّواب أنَّ كلَّ شيء ذكرَتْه من ذلك محمولٌ على أوقاتٍ متعدِّدة، وأحوالٍ مختلفةٍ؛ بحسَب النَّشاط، وبيانِ الجوازِ" [32].

فهذه هي السُّنَّة الثَّابتة عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعُلِمَ من ذلك أنَّ السُّنَّة أن يبدأَ بركعتيْنِ خفيفتيْنِ[33]، ثمَّ يُطيلَ بقيَّةَ الرَّكَعات، ومجموعُ الرَّكعات إحدى عشْرةَ، أو ثلاثَ عشْرةَ، وكذلك الرِّواية الصَّحيحة الثَّابتة عن عُمرَ بنِ الخطَّاب - رضي الله عنه - في اجتماعِهم لصلاة التَّراويح أنَّهم صلَّوْها إحدى عشْرةَ ركعةً، وأما ما ثبت عنه أنَّه صلاَّها عِشرين، فهي روايةٌ شاذَّةٌ، وقد حقَّق ذلك شيخُنا الألبانيُّ في رسالتِه: "صلاة التَّراويح"، وأجاب على شبُهات المخالِفين[34].

سادسًا: قضاء صلاة الليل:
يجوز لمن فاتَتْه صلاةُ اللَّيل أنْ يقضِيَها بالنَّهار شَفْعًا؛ فعن عائشةَ - رضي الله عنها -: "أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان إذا فاتَتْه الصَّلاةُ من اللَّيل من وجَعٍ أو غيرِه، صلَّى مِن النَّهار اثنتَيْ عشْرةَ ركعةً"[35].

وعن عُمرَ - رضي الله عنه - أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن نام عن حزبِه أو عن شيءٍ منه، فقرأه ما بين صلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظُّهرِ، كُتِبَ كأنَّما قرأه من اللَّيل))[36].

مسائل متعلِّقة بقيام الليل:
(1) الجهر والإسرارُ بالقراءة جائزانِ في صلاة اللَّيل، والمستحبُّ التَّوسُّط في القراءة بينهما؛ فقد ثبت في الحديث أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ربما جهرَ بصلاتِه، وربما خافَتَ بها[37].

(2) يجوز له أن يُطيلَ الصَّلاة وأنْ يخفِّفَها، والأَوْلى إطالتُها؛ اقتداءً بالنَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.

(3) المستحبُّ أن تُصلَّى صلاةُ قيام اللَّيل في رمضانَ جماعةً في المسجدِ؛ لِمَا ثبَتَ في الحديث عن النُّعمان بن بشيرٍ - رضي الله عنه - قال: "قُمْنا مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليلةَ ثلاثٍ وعشرين في شهر رمضانَ إلى ثُلُث اللَّيل الأوَّل، ثمَّ قُمْنا معه ليلةَ خمسٍ وعشرين إلى نصفِ اللَّيل، ثم قام بنا ليلةَ سبعٍ وعشرين حتى ظننَّا أن لا ندركَ الفلاح، قال: وكنَّا ندْعُو السُّحورَ الفَلاحَ"[38].

وقد ثبت نحوُ هذا من حديثِ أنسٍ، وعائشةَ، وحذيفةَ.

وبيَّن - صلَّى الله عليه وسلَّم - فضْلَ صلاتِهم مع الإمامِ؛ فقال: ((مَن قام مع الإمامِ حتى ينصرفَ، كُتِبَ له قيامُ ليلةٍ))[39].

ولذلك قال الإمام أحمدُ: يُعجبني أن يصلِّيَ مع الإمام ويُوتِرَ معه، وسُئِلَ: يؤخِّر القيامَ - يعني: التَّراويحَ - إلى آخرِ الليل؟
قال: لا؛ سنَّةُ المسلمينَ أحبُّ إلَيَّ.


(4) وأمَّا في غير رمضانَ، فلم يثبتْ دليلُ الاجتماعِ لها، لكنْ إنْ توافقَ الحالُ فصلَّوْا جماعةً دون ترتيبٍ معيَّنٍ أو تحديدٍ لوقتٍ، فجائزٌ؛ لحديثِ ابن عباس - رضي الله عنهما - وصلاتِه خلف النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في بيتِ ميمونةَ.

(5) ليس في القراءةِ لصلاةِ اللَّيل شيءٌ مسنونٌ، بل المستحبُّ إطالةُ القراءةِ من غير تحديدٍ لقَدْر معيَّنٍ؛ فعن السَّائب بن يزيد قال: "أمر عُمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - أبَيَّ بنَ كعبٍ وتَميمًا الدَّاريَّ أنْ يقوما للنَّاس بإحدى عشْرةَ ركعةً، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمِئِينَ، حتى كنا نعتمد على العِصِيِّ مِنْ طول القيامِ، وما كنَّا ننصرفُ إلا في بزوغ الفجرِ"[40].

(6) لا يُشترط في صلاة الليل ترتيبُ القراءة حسَبَ أيَّام الشَّهر، كما يفعلُ كثيرٌ من الأئمَّةِ من المواظبةِ على قراءةِ جزءٍ كلَّ يومٍ، فيختم بختامِ الشَّهر.

ولكنِّي لا أقول ببدعيَّتِه؛ لثبوت نحوِه عن بعض السَّلف؛ ففي المغني: "قال الفضلُ بن زياد: سألت أبا عبدالله - يعني: أحمدَ بنَ حنبلٍ - فقلتُ: أختم القرآن؛ أجعلُه في الوِتْر أو في التَّراويح؟ قال: اجعلْه في التَّراويح، حتى يكون لنا دعاء بين اثنينِ قلتُ: كيف أصنعُ؟ قال: إذا فرغتَ مِنْ آخِرِ القُرآنِ، فارفعْ يديْك قبل أن تركعَ، وادعُ بنا ونحن في الصَّلاة، وأطلِ القيامَ لله، قلتُ: بمَ أدعو؟ قال: بما شئتَ"[41].

(7) من البِدَع المنكَرة قراءةُ الأذكارِ أو السُّوَر القصيرة بين ركعاتِ التَّراويح، يعدُّونَ بها عددَ الرَّكعات، وكذلك قولُهم: الصَّلاة يرحمكم الله، أو صلاة التَّراويح أثابكم الله، أو نحو هذا.

(8) من الأمور المنكَرة التَّكلُّف بالسَّجع في دعاء القُنوت؛ فهذا من الاعتداءِ فيه، وهو مخالِفٌ للسُّنة.

(9) اعلم أنَّ من رأى صلاةَ اللَّيل عشرينَ - متأوِّلاً في ذلك - فلا يُحكمُ عليه بالتَّضليل ولا الابتداعِ، بل الصَّحيحُ متابعة الإمام حتى لو زاد على الإحدى عشْرةَ؛ لعموم الحديثِ السَّابق: ((مَن قام مع الإمام حتى ينصرفَ، كُتِبَ له قيامُ ليلة))[42]، ولِمَا ثبت عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - وغيرِه أنَّهم صَلَّوْا خلف عثمانَ بنِ عفَّان عندما أتمَّ الصَّلاة في مِنًى مع إنكارِهم عليه، قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: الخلافُ شرٌّ، وقد تقدَّمَ أن روايةَ صلاةِ العشرين يَرى بعضُهم ثبوتَها، فالأمرُ في ذلك واسعٌ عندي، والله أعلم.

(10) يُشرَع للنِّساء حضورُ التَّراويح، بل يجوز أن يُجعَلَ لهنَّ إمامٌ خاصٌّ بهن؛ وقد جعل عمرُ بن الخطَّاب - رضي الله عنه - على الرِّجال أُبَيَّ بنَ كعب، وعلى النِّساء سليمانَ بنَ أبي حَثْمة، وكذلك فعل عليُّ بن أبي طالبٍ، وهذه كلُّها أسانيدُ صحيحةٌ.

(11) ما تقدَّم من قيام الليل، يُطلَقُ عليه في رمضان "التَّراويح"، فليس هناك في رمضانَ صلاتانِ، إحداهما يُطلَق عليها قيامُ الليل، والأخرى التَّراويح، كما يظنُّ بعضُ العامَّة.

وكذلك إذا صلَّيْت قيامَ اللَّيل في آخر الليل تُسمَّى هذه الصلاة: "التهجُّد"، وقيل: إن صلَّيْت بعد نومٍ تسمى "التهجُّد"، فهذا كلُّه في المسمَّيات، وهي صلاة واحدةٌ يعمُّها: "صلاة الليل"، فليس هناك صلاةٌ أخرى تسمَّى التهجُّد، بل هي صلاةُ اللَّيل، لكنها في آخرِه أو بعد النَّوم يُطلق عليها التهجُّد.

(12) إذا أراد العبدُ أن يتنفَّل بعدما أدَّى صلاةَ اللَّيل إحدى عشْرةَ ركعةً أو ثلاثَ عشْرةَ ركعةً، فهل يجوز له التنفُّل؟
الرَّاجح عندي - والله أعلم - أن ذلك جائزٌ؛ لعمومِ الأحاديث الواردةِ في فضيلة التنفُّل المطلَقِ؛ أعني أن لا يَعتقد هذه من السُّنَّة الرَّاتبة للَّيْلِ، بل من التنفُّل المُطلَق.

(13) لا تُخَصُّ ليلةُ الجمعة بقيامٍ؛ لِمَا ثبت في الحديث: ((لا تخصُّوا ليلةَ الجمعة بقيامٍ من بين اللَّيالي...)) الحديث[43].

(14) قال النَّووي: "الأفضل هو أن يسلِّمَ من كلِّ ركعتينِ، وسواءٌ نوافلُ الليلِ والنَّهار، يستحَبُّ أن يسلِّمَ من كلِّ ركعتينِ"[44].

ولكن هناك طرقٌ أخرى سيأتى ذكرُها مع صلاةِ الوتر.

(15) يُكرَهُ قيامُ اللَّيلِ كلِّه، والسنَّةُ أن يقومَ وينام، لكنه يجوزُ أحيانًا في بعض الليالي إحياءُ اللَّيل كلِّه؛ كالعشْرِ الأواخرِ من رمضان[45]، وأما ما ثبت عن أبي حنيفة أنه ظلَّ أربعين سنةً يصلِّي الفجرَ بوضوء العِشاء، فممَّا لا أصلَ له[46].


PIC-831-1352407949.g

[1] البخاري (1142)، (2229)، ومسلم (776)، وأبو داود (1306)، والنسائي (3/203).

[2] صحيح: رواه الترمذي (3579)، وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (1173).

[3] البخاري (1144)، ومسلم (774)، والنسائي (3/204)، وابن ماجه (1330).

[4] رواه أحمد (1/416)، وأبو داود (2536) مختصرًا، وابن حبان (2557)، وحسنه الألباني، وصححه أحمد شاكر.

[5] حسن: رواه أبو داود (1398)، وابن خزيمة (1144)، وابن حبان (2572).

[6] صحيح: رواه البخاري في "الأدب المفرد" (631)، ورواه عبد بن حميد (1/402)، انظر "الصحيحة" للألباني (1810).

[7] البخاري (729)، (1129)، ومسلم (761)، وأبو داود (1373)، والنسائي (3/202).

[8] مسلم (1163)، وأبو داود (2429)، والترمذي (438)، والنسائي (3/206)، وابن ماجه (1742).

[9] رواه النسائي (3/258)، وابن ماجه (1344)، وابن خزيمة (1172 - 1175)، بإسناد صحيح.

[10] البخاري (43) (1151)، ومسلم (785)، والنسائي (3/218).

[11] مسلم (782).

[12] البخاري (1144)، ومسلم (774)، والنسائي (3/304)، وابن ماجه (1330).

[13] البخاري (1152)، ومسلم (1159)، (185).

[14] البخاري (245)، ومسلم (255)، والنسائي (3/212).

[15] البخاري (117)، (138)، (183)، (697- 699)، (776)، (859) - (992)، (1198)، (4569)، ومسلم (763).

[16] صحيح: رواه ابن حبان (2594)، وهو عند الترمذي (3416)، وابن ماجه (3879).

[17] البخاري (1154)، والترمذي (3414)، والنسائي في "اليوم والليلة" (861).

[18] فتح الباري (3/41).

[19] صحيح: رواه أبو داود (1308)، (1450)، والنسائي (3/205)، وابن ماجه (1336).

[20] صحيح: رواه أبو داود (1309)، (1451)، والنسائي في "الكبرى"، وابن ماجه (1335)، وابن حبان (2568).

[21] البخاري (212)، ومسلم (786)، وأبو داود (1310)، والترمذي (355).

[22] البخاري (1150)، ومسلم (784)، وابن حبان (2492)، وهذا لفظه.

[23] البخاري (1141)، والترمذي (769)، والنسائي (3/213).

[24] البخاري (1131)، ومسلم (1159)، وأبو داود (2448)، والنسائي (3/214)، وابن ماجه (1712).

[25] البخاري (1146)، ومسلم (739).

[26] البخاري (1145)، ومسلم (758)، وأبو داود (1315)، والترمذي (446).

[27] البخاري (1147)، ومسلم (738)، وأبو داود (1341)، والترمذي (439)، والنسائي (3/234).

[28] صحيح: رواه أبو داود (1336)، وابن ماجه (1358)، وابن حبان (2431).

[29] أخرجه البخاري (1164)، وأبو داود (1339).

[30] مسلم (765)، وأبو داود (1366)، وابن ماجه (1362).

[31] انظر فتح الباري (3/21).

[32] المصدر السابق.

[33] مسلم (767)، وأحمد (6/30)، وابن أبي شيبة (2/73).

[34] ثم اطلعتُ على ردٍّ للشيخ إسماعيل الأنصاري بيَّنَ فيها صحَّةَ هذه الرِّواية، وأنها غيرُ شاذَّةٍ.

[35] مسلم (746)، وأبو داود (1342)، والترمذي (445).

[36] مسلم (747)، وأبو داود (1313)، والترمذي (581)، والنسائي (3/260)، وابن ماجه (1343).

[37] صحيح: رواه أبو داود (226)، والترمذي (449)، والنسائي (1/125)، وابن ماجه (1354)، وابن حبان (2447).

[38] صحيح: رواه النسائي (3/238)، وأحمد (4/272)، وابن أبي شيبة (2/164).

[39] صحيح: رواه أبو داود (1375)، والترمذي (806) وصححه، والنسائي (3/83)، وابن ماجه (1327).

[40] رواه مالك في الموطأ (1/115)، وعبدالرزاق (4/260)، وابن أبي شيبة (2/162)، وصححه الألباني في "الإرواء" (2/192).

[41] انظر المغني (3/171).

[42] تقدم في الصفحة السابقة.

[43] مسلم (1144)، وأحمد (6/442)، وابن خزيمة (1176)، وابن حبان (3612)، والحاكم (1/455)، وابن أبي شيبة (2/303)، والنسائي في الكبرى (2755).

[44] شرح مسلم (2/401)، وانظر المغني (4/498).

[45] انظر في ذلك المجموع وشرح النووي (2/441)؛ "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (22/308)، وفتح الباري (3/20).

[46] انظر "صفة صلاة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -" للألباني (ص69).



صلاة قيام الليل حكمها ووقتها
صلاة قيام الليل حكمها ووقتها
صلاة قيام الليل حكمها ووقتها

المصدر: مجتمع رجيم


wghm rdhl hggdg p;lih ,,rjih

حسبي الله
اخر تحديث
جزاكي الله كل خير وجعلها بميزان حسناتك
الله يقوينا على قيام الليل
محبة رسول الهدى
اخر تحديث
مشاء الله مبدعه في طرحك

وفقك الله وبارك فيك ونفع بك الاسلام والمسلمين

الله لا يحرمك الاجر والمثوبه

ام احمد123
اخر تحديث
جزاك الله كل خير
أمواج رجيم
اخر تحديث
موضوع رائع
جزاك الله خير
سنبلة الخير .
اخر تحديث
ربي يجزآك الجنة
ع روعة ماطرحت من فائده
دمت برضى الرحمن
الصفحات 1 2 

التالي

...بحجابى أنا ملكة متوجة فى السماء...

السابق

صلاة الضحى صلاة الأوابين فضيلتها وحكمها وعدد ركعاتها

كلمات ذات علاقة
الليل , حكمها , صلاة , ووقتها , قيام