الصلاة عمود الإسلام 2

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
الصلاة عمود الاسلام 2
الصلاة عمود الاسلام 2
الصلاة عمود الاسلام 2

PIC-954-1352407949.g


الصلاة عمود الاسلام 2

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]



الحمد لله الولي الحميد؛ أسبغ علينا نعمَه ظاهرة وباطنة، وهدانا لدينه، وما كنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، نحمدُه على نعمِه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ لا يستحق العبادة سواه، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كَرِه الكافرون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ بشَّرَنا وأنْذَرَنا، ورغَّبنا ورهبنا، وتَرَكَنا على بيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلَّى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتْباعه إلى يوم الدِّين.

أما بعد:
فاتَّقوا الله ربكم، وأسلموا له قلوبكم، وأقيموا له صلاتكم، وأخلصوا له في أعمالكم؛ فإنَّ الجزاء على دينه عظيمٌ، وإنَّ العذاب على ترْكه شديد؛ {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحج: 50، 51].

أيها الناس:
خَلَق الله تعالى الخلْق ودبرهم، وأحياهم وأماتهم، فلم يكنْ لهم اختيار في خلْقهم، ولا خيار لهم في مَوْتهم وبعثهم وحسابهم، بل كل ذلك بأمْر الله تعالى وقهْره؛ ولكنَّه سبحانه بيَّن لعبادِه دينَه، وأوضح لهم شريعته، وهداهم صراطه المستقيم، فمَن قَبِل عن الله تعالى هدايته كان منَ السُّعَداء المنعَّمين، ومَن ردَّها كان من الأشقياء المعذَّبين.

لقد خضعتْ كلُّ الموجودات لأمر الله تعالى وحكمه، ولا يستطيع أحدٌ الخروج عن ذلك كائنًا مَن كان؛ {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم: 26]، وهذا هو القُنُوت القهري للأمر القدري الربَّاني، فلا يخرج عنه مؤمن ولا كافر، بل الكلُّ لله تعالى قانتون.

ولكن أهلَ الإيمان لَمَّا عرفوا ذلك أذْعنوا لله تعالى وانْقادوا، واستَسْلَموا لأمْرِه الشرْعي، ورضوا به دينًا يدينون به، وشريعةً يعمَلون بها؛ فكانوا هم أهلَ القنوت والطاعة، فامْتَدَحَهُم الله تعالى بذلك؛ {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، وفي آية الأحزاب قال سبحانه: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} [الأحزاب: 35]، ثم ذكر جملة من صفاتهم، ثُمَّ بيَّن سبحانه أنه {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].

والعبادات التي يقوم بها المسلم لله تعالى - سواء كانت فعلاً لمأمور، أم اجتنابًا لمحْظور - هي من دلائل قنوت العبد لربِّه سبحانه؛ لأنَّ الطاعة من معاني القنوت، وكلما كان العبدُ أكثر طاعة لله تعالى، وخضوعًا لأمره، كان أكثر قنوتًا لربه - جل وعلا.

والصلاة أعظم ميدان للقنوت لله تعالى وأبينه وأوضحه؛ لأنَّ فيها من الخضوع لله تعالى في أفعالها وأقوالها ما ليس في غيرها من العبادات، وفيها إمساكٌ عن كلِّ الشهَوات، وفيها انتصاب لله تعالى، فيُمنع فيها الأكْل والشرْب، والنَّوْم والمَشْي والكلام، والالتفات والحركة، وليس في الإسلام عبادة يُمنَع فيها كل هذا إلا الصلاة؛ مما يدلُّ على حقيقة كونها قنوتًا لله تعالى، ويشير إلى فخامتها ومنزلتها عند الرَّبِّ - جل جلاله.

والوقوف في الصلاة بين يدي الله تعالى يسمى قنوتًا؛ لأن هيئة المصلي وهو واقف لا يتحرك، وثابت لا يتزحزح، ورامٍ ببصره في موضع سجوده لا يرفعه ولا يتلفَّت - هي أدلُّ هيئة على القنوت، وبهذه الهيئة العظيمة أَمر الله تعالى المصلِّين في كتابه الكريم: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لله قَانِتِينَ} [البقرة: 238].

قال مجاهد - رحمه الله تعالى -: فمنَ القنوت الركودُ والخشوع، وغضُّ البصر، وخفْض الجناح من رهبة الله - عز وجل - كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدِّث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسيًا، ما دام في صلاته.

وروى زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: "كنَّا نتكلَّم في الصلاة يُكَلِّم الرجلُ صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، فأُمِرْنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام"؛ متَّفق عليه، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "كنا نسلِّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصَّلاة، فيرُد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشيِّ، سلمنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نُسَلِّمُ عليك في الصَّلاة، فَتَرُد علينا، فقال: ((إنَّ في الصَّلاة شُغلاً))؛ متفق عليه، وفي رواية: أنَّ النبي قال: ((إِنَّ الله يُحْدِثُ مِن أَمْرِهِ ما يَشَاء، وإنَّ ممَّا أَحْدَثَ ألا تَكَلَّمُوا في الصَّلاة)).

ولما تَكَلَّم معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - في الصلاة، وانتهره الصحابة - رضي الله عنهم - قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ هذه الصَّلاة لا يَصْلُحُ فيها شَيْءٌ من كلام الناس، إنما هو التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ))؛ رواه مسلم.

إن القنوتَ هيئةُ ذُلٍّ وخشوع، لا يستشعرها كثير من الناس، ولا يدركون معانيها العظيمة، ولم كانت هكذا؟

إن الواقف في صلاته يقف لله تعالى، فوقوفه قنوت، ولهذا القنوت هيئةٌ، أُمر المصلِّي بها لتعينه على قنوت قلْبه مع قنوت جسده، فيضع يده اليُمنى على يده اليسرى على صدره، وتلك الهيئة أُمِر بها النبيون - عليهم السلام - في صلاتهم؛ كما روى ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنا معشر الأنبياء أُمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا))؛ صحَّحه ابن حبان.

وأُمرنا نحن - أمةَ محمد، صلى الله عليه وسلم - بهذه الهيئة في صلاتنا، كما أُمِر بها النبيون - عليهم السلام - من قبلنا، قال سهل بن سعد - رضي الله عنه -: "كان الناس يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى على ذِرَاعِهِ اليُسْرَى في الصَّلاة"؛ رواه البخاري.

ورَفْعُ البصر إلى السماء يُنافِي الذُّل والخضوع والقنوت؛ ولذلك كان أتباع الملوك والرؤساء والكبراء يخفضون أبصارهم عندهم ولا يرفعونها، فالله تعالى أَوْلَى وأحق أن يخضع العباد له ويقنتوا ويذلوا، فنُهِيَ المصلِّي عن رفْع بصره إلى السماء؛ كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلى السَّمَاءِ في صَلاتِهِمْ؟! فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ))؛ رواه البخاري.

وفي حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلى السَّمَاءِ في الصَّلاة، أو لا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ))؛ رواه مسلم.

ونُهيَ المصلِّي عن الالتفات؛ لأنه يُنافي كمال القنوت لله تعالى؛ كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ الله عن الالتفات في الصَّلاة فقال: ((هو اختلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ من صلاة العَبْدِ))؛ رواه البخاري.

وخطب يحيى بن زكريا - عليهما السلام - في بني إسرائيل فقال: "وَإِنَّ الله أَمَرَكُمْ بِالصَّلاة، فإذا صَلَّيْتُمْ فلا تَلْتَفِتُوا؛ فإن الله ينصب وَجْهَهُ لِوَجْهِ عبده في صلاته ما لم يَلْتَفِت"؛ صححه الترمذي، وابن خُزَيْمة، والحاكم.

وقال الحسن - رحمه الله تعالى -: "إياك والالتفاتَ في الصلاة، الله ينظر إليك وتنظر إلى غيره؟!".

وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "الالتِفات المنهِي عنه في الصلاة قسمان: أحدهما: التِفات القلب عن الله - عز وجل - إلى غير الله تعالى، الثاني: التفات البَصَر، وكلاهما منهِي عنه، ولا يزال الله مُقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته، فإذا التفتَ بقَلْبه أو بصره، أَعْرَض الله تعالى عنه".

ورغم أنَّ الركوعَ والسجود فيهما منَ الانحناء والتعظيم لله تعالى ما لا يخفَى؛ فإن في هيئة الوقوف الواردة من الذل والتعظيم لله تعالى ما لا يقصر عن الركوع والسجود، وإلا لما كانت هيئةً مخصوصةً بالصلاة لها أحكامها ومحظوراتها، ثم إن هذا الوقوف بين يدي الله تعالى قد فُضِّل على سائر أركان الصلاة بأشرف الكلام وأفضله، فكان الوقوف محل قراءة القرآن دون غيره من الأركان؛ ولذا كان تطويله أفضل أنواع الصلاة؛ كما في حديث جابر - رضي الله عنه - قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ الصَّلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت))؛ رواه مسلم.

وهذا الوُقُوف في الصلاة بذل وقنوت لله تعالى هو المهيِّئُ لذلِّ الانْحِناء في الركوع، والهوي إلى الأرض في السجود، وتمريغ الجبين والأنف في الأرض ذُلاًّ لله تعالى، وتعظيمًا ومحبة ورجاء وخوفًا، فهنيئًا لعبْدٍ قَنَتَ قلبُه مع قنوت جَسَده لله تعالى، فأقبل بكُلِيَّتِه على صلاته، فذاك الذي يجد لذة الصلاة، وذاك الذي تنْهاه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].

بارك الله لي ولكم في القرآن..


PIC-831-1352407949.g

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مبارَكًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحْده لا شريك له، وأشْهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداهم إلى يوْم الدِّين.

أما بعد:
فاتَّقوا الله تعالى وأطيعوه؛ {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 123].

أيها المسلمون:
الوقوف تعظيمًا وذُلاًّ يجب ألاَّ يصرف إلا لله تعالى؛ لأنه رُكْن من أركان الصلاة؛ ولأنَّ النَّهْي صريحٌ في تعْظيم غير الله تعالى بالوُقُوف له أو عليه؛ كما في حديث جابر - رضي الله عنه - قال: اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلينا وراءه وهو قَاعِدٌ، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، فالتفتَ إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلَّينا بصلاته قعودًا، فلمَّا سَلَّمَ، قال: ((إن كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِس والرُّوم، يَقُومُونَ على مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فلا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ؛ إنْ صلى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صلى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا))؛ رواه مسلم.

وقال أَنَس - رضي الله عنه -: "ما كان شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وَكَانُوا إذا رَأَوْهُ لم يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ من كَرَاهِيَتِه لذلك"؛ رواه الترمذي وصححه.

وعن أبي مِجْلَز - رحمه الله تعالى - قال: "خرج معاوية، فقاموا له، فقال: سمعتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن سَرَّهُ أن يمثل له الرِّجَالُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مقْعَدهُ مِنَ النَّارِ))؛ رواه أحمد.

ومَن قنت في صلاته حق القنوت، وعظَّم الله تعالى كما ينبغي له أن يُعظَّم، لَم يُعظِّم أحدًا من البشر كائنًا من كان، ولا يقوم له أو عليه تعظيمًا له، أو خوفًا منه، وَلَمَّا حَجَّ المهديُّ العباسي، دخل المسجد النبوي، فلَم يبقَ أحدٌ إلا قام، إلا ابن أبى ذئب، فقال له المسَيَّبُ بن زُهَيْرٍ: "قُمْ، هذا أَمِيرُ المؤمنين، فقال ابنُ أبي ذِئْبٍ - رحمه الله تعالى -: إنما يَقُومُ الناس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فقال المهدي: "دَعْهُ، فَلَقَدْ قَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ في رَأْسِي".

لقد كان للسلف الصالح شأنٌ عظيم مع القنوت في الصلاة، قدوتهم في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يطيل القيام حتى تتفطر قدماه؛ قال سعد بن معاذ - رضي الله عنه - : "ما كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها".

وقال أحمد بن سنان الواسطي: "رأيت وكيعًا إذا قام في الصلاة ليس يتحرَّك منه شيء لا يزول ولا يميل على رِجْلٍ دون الأخرى، لا يتحرَّك كأنه صخرة قائمة".

ولما توفِّي منصور بن المعتمر - رحمه الله تعالى - قالت ابنة لجاره: "يا أبت، أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة؟ قال: يا بنية، ذاك منصور كان يقوم الليل"، قال سفيان الثوري - رحمه الله تعالى -: "لو رأيتُ منصورًا يصلِّي، لقُلت: يموت الساعة».

ولما مرض أبو إسحاق السَّبِيعي قال: "ذهبت الصلاةُ مني وضعفتُ، وإنِّي لأصلِّي فما أقرأ وأنا قائم إلا بالبقرة وآل عمران"، قال العلاء العبدي: "ضَعُفَ أبو إسحاق قبل موته بسنتين، فما كان يقدر أن يقومَ حتى يقام، فكان إذا استتم قائمًا قرأ وهو قائم ألف آية".

رحمة الله تعالى على سلفنا الصالح، ما أكبر هممهم! وما أعظم فهمهم! وما أمضى عزائمهم! وما أقوى صبرهم في طاعة ربهم - جل وعلا!

إنَّ أولئك القوم وجدوا لذَّةً في القنوت لله تعالى، فقنتت قلوبهم وأجسادهم تعظيمًا لله تعالى، ومحبة وخوفًا ورجاء، تذكروا طول الوقوف يوم القيامة بين يدي الله تعالى، فهان عليهم طول وقوفهم في صلاتهم، ولم يجدوا مشقَّة في ذلك، جاء عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه -: أنه قرأ ويل للمطففين حتى بلغ: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِين}، فبكى حتى خرَّ وامتنع من قراءة ما بعدها.

ووقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله، النارَ النارَ، فما رفع رأسه حتى أُطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: ألهتني عنها النار الأخرى.

اللهم ارحم ضعفنا وعجزنا، وأصلح ما فسد من قلوبنا وأعمالنا، واجْعَلْنا من القانتين.

وصلوا وسلموا على نبيكم



الصلاة عمود الاسلام 2
الصلاة عمود الاسلام 2
الصلاة عمود الاسلام 2
~ عبير الزهور ~
كفر تاركها



الحمدُ لله الحكيم العليم، أكمل دِينَه لعباده، وأتمَّ عليهم نِعمتَه، ورضي لهم الإسلام دِينًا، وفَرَض فيه من الشعائر والعبادات ما يُصلِح لهم أمورَ الدِّين والدُّنيا، نحمده على نِعمه وآلائه، ونشكره على عظيم إحسانه، فهو البَرُّ الرحيم، الجَوَاد الكريم، هدانا وما كنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله تعالى.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَه لا شريك له، جاد على عباده بالخيرات، وفتحَ لهم أبوابَ الحسنات، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله، جعل الله - تعالى - قُرَّةَ عينه في الصلاة، وكان إذا حَزَبَه أمْرٌ صلَّى، ويقول: ((أَرِحْنا بالصلاة يا بلال))، صلَّى الله وسلَّم، وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعد:
فاتَّقوا الله - عبادَ الله- وأطيعوه، وعظِّموا شعائرَه، وحافظوا على فرائضه، وانتهوا عن محارِمه، وقِفُوا عند حدوده؛ {تِلْكَ حُدُودُ الله وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 13- 14].

أيُّها الناس:
فَرَض الله - تعالى - الصلاةَ على المؤمنين، وأجمعتْ عليها شرائعُ المرسَلِين، وكانت في الإسلام عمودَ الدِّين، لا تسقطُ في خوْف ولا سَفَر ولا مرض، وهي فريضةٌ على العَبد ما دام يَعقِل، ويُصلِّي على حسبِ حاله، كان فيها من التشديد ما لم يكن في غيرِها من الفرائض الأخرى، وما ذاك إلاَّ لمنزلتِها عندَ ربِّ العالمين، ومكانتِها مِن الدِّين، وقد قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمعاذ - رضي الله عنه -: ((ألاَ أُخبركُ برأس الأمر كلِّه وعمودِه وذِروة سَنامِه؟)) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ، وذِروة سَنامه الجهاد))؛ رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "ومتى وقع عمودُ الفُسطاط وقعَ جميعُه، ولم يُنتفع به".

لقد باينتِ الصلاةُ كلَّ الأعمال الأخرى بتكفير تارِكها، ومُروقِه من الإسلام بترْكِها ولو أقرَّ بوجوبها، وليس ذلك في شيءٍ من الأعمال الأخرى؛ قال الله - تعالى - في المشركين: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]، فلا أُخوَّةَ في الدِّين إلاَّ بإقامة الصلاة، ومَن لم يُقمْها لا يستحقُّ الأخوة الإيمانيَّة التي جاءت في قول الله - تعالى -: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

وأهل النار حين يُسألون يَومَ القيامة عن سببِ دخولِها، يَذكُرون من الأسباب ترْكَهم الصلاةَ؛ {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ} [المدَّثر: 42- 43].

ولَمَّا كان الإسلام تصديقَ الخبر والانقيادَ للأمر، جَعَل - سبحانه - له ضِدَّينِ، هما: عدمُ التصديق، وعدمُ الصلاة، وقابَل التصديقَ بالتكذيب، والصلاةَ بالتولِّي في قوله - تعالى -: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة: 31- 32]، فكما أنَّ المكذِّبَ كافر، فالمتولِّي عن الصلاة كافر، فالإسلام يزول بالتولِّي عن الصلاة، كما يزول بالتكذيب.

وتواترتِ الأحاديث عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الوعيد الشديد على تَرْك الصلاة، والترهيبِ مِن ذلك، مؤيِّدةً لِمَا جاء في الكتاب العزيز، ومؤكِّدة عليه؛ فعن جَابِرٍ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إِنَّ بين الرَّجُلِ وَبينَ الشِّرْك والكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاة))؛ رواه مسلم.

وعن بُرَيْدَةَ - رضي الله عنه – قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((العَهْدُ الذي بَيْنَنا وبَيْنَهُم الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكها فَقَدْ كَفَر))؛ رواه الترمذي وصحَّحه.

وفي حديث عبدالله بن عَمْرٍو - رضي الله عنهما - عَنِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَنَّهُ ذَكَر الصَّلاةَ يومًا، فقال: ((مَن حافَظَ عليها كانتْ له نُورًا وبُرْهانًا ونَجاةً يومَ القيامة، ومَن لم يُحافظْ عليها لم يَكُنْ له نورٌ ولا بُرْهانٌ ولا نَجاةٌ، وكان يومَ القيامة مع قارونَ وفِرعونَ وهامانَ وأُبَيِّ بن خَلَف))؛ رواه أحمد، وصحَّحه ابن حبَّان.

وروى بُرَيْدَةُ - رضي الله عنه - قال: قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن تَرَك صَلاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُه))؛ رواه البخاري.

قال ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى -: "وحُبوط العمل لا يكون إلاَّ بالكُفر الأكبر المُخرِج من الملَّة؛ قال الله - تعالى -: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الزُّمر: 65]". أ.هـ

وفي حديث مِحْجَنٍ الدِّيلِيِّ - رضي الله عنه - أنَّه كان في مَجْلِسٍ مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأُذِّنَ بالصَّلاة فقامَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فصلَّى، ثُمَّ رَجَعَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَمِحْجَنٌ في مَجْلِسِه، فقال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مَنَعكَ أَنْ تُصَلِّي مع النَّاس؟ أَلَسْتَ برَجُلٍ مُسْلِم؟ قال: بلى يا رسولَ الله، ولكنِّي كنتُ قد صَلَّيْتُ في أهلي، فقال له: إذا جِئْتَ فَصَلِّ مع الناس، وإن كُنْتَ قد صَلَّيْتَ))؛ رواه مالك، وأحمد، وصحَّحه ابن حبَّان.

علَّق الحافظ ابنُ عبدالبرِّ - رحمه الله تعالى - على قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّي مع الناس؟ أَلَسْتَ برَجُلٍ مُسْلِم؟))، فقال: "وفي هذا - والله أعلم - دليلٌ على أنَّ مَن لا يُصلي ليس بمسلم، وإن كان مُوحِّدًا، وهذا موضع اختلاف بين أهل العِلم، وتقرير هذا الخطاب في هذا الحديث: أنَّ أحدًا لا يكون مسلمًا إلاَّ أن يصلي، فمَن لم يُصلِّ فليس بمسلم".اهـ.

وأُمراء الجَوْر، وأئمَّة الظُّلم الذين يظلمون الناس، ويمنعونهم حقوقَهم، ويَغصِبونهم أموالَهم، لا يَمنع مِن قتالهم إلاَّ إقامتُهم للصلاة، وتركُهم لها يُبيح قتالَهم، ممَّا يدلُّ على أهميَّة الصلاة، وأنَّها شعار الإسلام العملي الظاهر، وأنَّ في ترْكها خروجًا عن حظيرته.

ما روتْه أُمُّ سَلَمةَ - رضي الله عنها -: أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ستكونُ أُمراءُ، فَتعْرِفونَ وتُنْكِرون، فمَن عَرَف بَرِئَ، ومَن أَنْكَر سَلِم، ولَكِن مَن رضي وتابَع، قالوا: أفلاَ نُقاتِلُهم؟ قال: لاَ، ما صَلَّوْا))؛ رواه مسلم.

وفي حديث عَوْفِ بن مالكٍ - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((خِيارُ أئمَّتكم الذين تحبُّونَهم ويُحبُّونكم، ويُصلُّون عليكم وتُصلُّون عليهم، وشِرارُ أئمَّتكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتَلعنُونَهم ويَلعنونكم))، قيل: يا رسول الله، أفلاَ نُنابِذُهم بالسيف؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة))؛ رواه مسلم.

وعلى هذا المعنى مِن تعظيم الصلاة، والترهيب مِن ترْكها، اجتمعتْ كلمةُ الصحابة - رضي الله عنهم - وتواردتْ أقوالُهم عليه، ولم يختلفوا فيه، قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: "لَمَّا طُعِن عمرُ - رضي الله عنه - احتملتُه أنا ونفرٌ من الأنصار، حتى أدخلناه منزلَه، فلم يزلْ في غَشيةٍ واحدة حتى أسفر، فقلنا: الصَّلاة يا أميرَ المؤمنين، ففتح عينَيه فقال: أَصلَّى الناس؟
قلنا: نعم، قال: أمَا إنَّه لا حظَّ في الإسلام لأحدٍ تَرَك الصلاة، فصلَّى وجُرحُه يَثْعَبُ دَمًا".

وسُئِل عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - عنِ امرأة لا تُصلِّي، فقال: "مَن لم يصلِّ فهو كافر"، وقال - رضي الله عنه -: "مَن ترك صلاةً واحدة متعمِّدًا، فقد برئ من الله، وبرئ اللهُ منه".

وسُئِل ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: "أيُّ درجات الإسلامِ أفضل؟ فقال: الصلاة، مَن لم يصلِّ فلا دِينَ له".

وقيل له - رضي الله عنه -: "إنَّ الله - تعالى - يُكثر ذِكْر الصلاة في القرآن؛ {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23]، {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34]؟
قال عبدالله: ذلك على مواقِيتها، قالوا: ما كنَّا نرى يا أبا عبدالرحمن إلاَّ على تَرْكها، قال: ترْكُها الكفر".

وقال أبو الدَّرداء - رضي الله عنه -: "لا إيمانَ لِمَن لا صلاةَ له".

وسُئِل جابرٌ - رضي الله عنه -: "أكنتم تَعدُّون الذنبَ فيكم شِركًا؟
قال: لا
وسُئِل: ما بين العبد وبين الكُفْر؟
قال: ترْكُ الصلاة".

وتوَّج هذا النقلَ الكثيرَ عن الصحابة - رضي الله عنهم - التابعيُّ الجليل عبدُالله بنُ شَقيقٍ العُقَيْليُّ - رحمه الله تعالى - فقال: "كان أصحابُ مُحَمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يَرَوْنَ شيئًا مِن الأَعْمالِ تَرْكُه كُفْرٌ غيرَ الصَّلاَةِ"؛ رواه الترمذي.

قال الإمام إسحاق بن راهويه - رحمه الله تعالى -: "وقد أجمعَ العلماءُ أنَّ مَن سبَّ الله - عزَّ وجلَّ - أو سبَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو دَفَع شيئًا أنزله الله، أو قتل نبيًّا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مُقِرٌّ بما أنزل الله - أنَّه كافر، فكذلك تاركُ الصلاة حتى يخرجَ وقتُها عامِدًا، قال: ولقد أجمعوا في الصَّلاة على شيء لم يُجمِعوا عليه في سائرِ الشرائع؛ لأنَّهم بأجمعِهم قالوا: مَن عُرِف بالكفر، ثم رأوه يُصلِّي الصلاة في وقتها، حتى صلَّى صلواتٍ كثيرةً في وقتها، ولم يعلموا منه إقرارًا باللِّسان، أنَّه يُحكم له بالإيمان، ولم يَحكموا له في الصَّوْم والزكاة والحج بمِثل ذلك".

وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "لا يكفر أحدٌ بذنب إلاَّ تارك الصلاة عمدًا، ثم ذكر استتابته وقتله... ".

فأمرُ الصلاة عظيم، وخَطبُها جسيم، لا يُحافظ عليها إلاَّ موفَّق، ولا يفرط فيها إلاَّ مخذول، نسأل الله - تعالى - الهداية لنا ولجميع المسلمين، ونعوذ به - تعالى - من موجبات سَخطِه، ومن أسباب عذابه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56].

بارك الله لي ولكم...




الخطبة الثانية

الحمدُ لله حمدًا طيِّبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وحْده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم، وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن اهتدى بهُداهم إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعد:
فاتقوا الله - تعالى – وأطيعوه؛ {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110].

أيُّها المسلمون:
أداءُ العبد للصلاة دليلٌ على إيمانه وإقراره، وبرهانٌ على إذعانه وانقياده، كما أنَّ الإصرار على تَرْكِها دليلٌ على عِناده واستكباره، وذلك ينقض إيمانَه، يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "لا يُصِّرُ على ترْك الصلاة إصرارًا مستمرًّا مَن يُصدِّق بأنَّ الله - تعالى - أَمرَ بها أصلاً، فإنَّه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكونَ الرجلُ مُصدِّقًا تصديقًا جازمًا أنَّ الله فرض عليه كلَّ يوم وليلة خمسَ صلوات، وأنَّه يُعاقِبه على تَرْكها أشدَّ العقاب، وهو مع ذلك مُصِرٌّ على ترْكها، هذا من المستحيل قطعًا، فلا يُحافظ على ترْكها مصدِّقٌ بفَرْضها أبدًا، فإنَّ الإيمان يأمر صاحبَه بها، فحيث لم يكن في قَلْبِه ما يأمر بها، فليس في قلبه شيءٌ من الإيمان". ا.هـ

والناس في هذا الزَّمن قد تنوَّع تقصيرُهم في الصلاة، وتعدَّدت أسبابُ تضييعهم لها، وتنوَّعت تعليلاتهم في ذلك:
فمِنهم مَن ضَيَّعوا المسجدَ والجماعة، وقنعوا أن يُصلُّوا فُرادى في بيوتهم، وترك الجماعة سببٌ لتأخير الصلاة عن وقتِها، ومَن أخَّرها عن وقتها، فيوشك أن يترَكَها بالكليَّة، فإنَّ الشيطان يبدأ مع الإنسان خُطوةً خطوةً، والله - تعالى - يقول: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208].

ومِن الناس مَن يلجؤون إلى الله - تعالى - في المضائق، ولا يُصلُّون له إلاَّ في الشدائد، فإذا وسَّع الله - تعالى - عليهم، ونفَّس كُربَهم، وفرَّج همومَهم، قابَلُوا نِعمَه بكُفْرِها، فتركوا الصلاة!

ومِنهم مَن يُضيِّعون الصلاةَ في أسفارهم؛ لغيابِ الرقيب مِن البَشر، وقلَّة المُعين، وضَعْف اليقين، وكأنَّ هؤلاءِ المفتونين يُصلُّون للخَلْق لا لله - تعالى - ومَن عَلِم أنَّ الله - تعالى - عليه رقيبٌ في كلِّ أحواله، حافَظَ على الصَّلاة في حِلِّه وتَرْحالِه.

ومنهم مَن تشغلُهم عن الصلاة أعمالُهم وأموالهم، فيقدِّمونها عليها، ولا خيرَ في عمل ولا مال يشغلُ عن عمود الإسلام، ويَقطع الصِّلة بين العبد وبين الله - تعالى.

ومِن النَّاس مَن أنعم الله - تعالى - عليهم بالصِّحة والغِنى، ورَفَعهم على أقرانهم، وأمَّنهم في أنفسهم وأهلِهم وأموالهم، فظنُّوا أنَّهم مستغنون عن الله - تعالى - ولا يحتاجون إلى الصَّلاة، وهذا مِن الكِبر والغُرور، فإنَّه لا غِنى عن الله - تعالى - ولا قُوَّةَ إلاَّ به - سبحانه.

ومِن الناس أشقياءُ في الدُّنيا والآخِرة، قد أخذتِ الدنيا حظَّها منهم، ونالهم من الفقر والمرض والهمِّ والغَمِّ ما نالهم، فأيسوا مِن رحمة الله - تعالى - وتَرَكوا الصلاةَ اعتراضًا على حُكم الله - تعالى - فيهم، وتَسخُّطًا مِن قَدَرِه - سبحانه - عليهم، فَخسِروا الدنيا والآخرة.

ومِن الناس مَن يُصلُّون، ولهم أزواجٌ وأولادٌ وقرابةٌ لا يُصلُّون، فلا يأمرونهم بها، ولا ينهونهم عن تَرْكها، ولا يَهجرونهم في الله - تعالى - مِن أجْلِها، ولا يُشدِّدون عليهم فيها كما يُشدِّدون عليهم في أمور الدنيا مِن دِراسةٍ، ومال ووظيفة ونحوها، وهم في سُلطانِهم وتحتَ ولايتِهم، فهؤلاءِ قد غشُّوا رَعيَّتَهم، ولم يُؤدُّوا أمانتَهم، وقد جاء في حديث مَعْقِل بن يسار - رضي الله عنه - عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما مِن عَبْدٍ يَسْترعيه اللهُ رَعيَّةً يَموتُ يومَ يَموتُ وهو غاشٌّ لرعِيَّتِه إلاَّ حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّة))؛ رواه مسلم.

فاتَّقوا الله ربَّكم، وحافِظوا على عمودِ دِينكم، ووثِّقوا بالصلاة صِلتَكم بربِّكم، فمَن ضيَّعها فهو لِمَا سِواها أضيع، وماذا يبقى له مِن دِينه إنْ تَرَك صلاتَه؟!

قال عبدالله بنُ مسعود - رضي الله عنه -: "إنَّ أول ما تَفْقِدون من دِينكم الأمانةَ، وآخِرَ ما يبقى الصَّلاة"، قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "كلُّ شيءٍ ذهب آخِرُه لم يَبق منه شيءٌ".

وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم....



~ عبير الزهور ~

صلاة الفجر: فضلها وذم تركها


الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم؛ يتقرب إلى عباده أكثر مِن تقرُّب العباد إليه ((إذا تقرَّب عبدي منِّي شبرًا، تقرَّبْتُ منه ذراعًا، وإذا تقرب مني ذراعًا، تقربتُ منه باعًا، وإذا أتاني يمشي، أتيته هرولةً)).

نحمدُه على فضله وإحسانه، ونشكره على جزيل عطائه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له؛ فتَحَ لعباده أبواب الخيرات، ونوَّع لهم الطاعات؛ ليكفِّروا السيِّئات، ويتزوَّدوا من الحسنات، ويرتَقُوا في الدرجات.

وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ لا خيرَ إلا دلَّنا عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرنا منه، تركَنا على بيضاءَ، ليلُها كنهارها، لا يَزِيغ عنها إلا هالك، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله - تعالى - وأطيعوه، وقدِّموا في يومكم ما تجدونه في غَدِكم، واعملوا في دنياكم ما يكون ذخرًا لكم في أُخْراكم، ونافِسُوا أهل الخير في الخير، وإياكم والانغماسَ في الدنيا وزينتها، ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21].

أيها الناس:
أمْرُ الصلاة عند الله - تعالى - عظيم، وشأنها في شريعته كبير، وهي أوَّل ما يُحاسَب عليه العبد من حقوق الله - تعالى - ومَن ضيَّعها كان لما سواها أضْيَع، ولا حظَّ له في الإسلام.

جعلها الله - تعالى - لعباده زادًا يتكرَّر معهم في اليوم والليلة خمس مرات، وهذه العناية الربانيَّة بها تدل على عظيم أثرها على العباد، في صلاح قلوبهم، واستقامة أحوالهم ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].

وأعظم الصلوات الخمس وأفضلُها صلاتَا العصْرِ ثُم الفجر، وجاء في الفجر مِن الفضل ما لم يأتِ في غيرها، وكُرِّر التأكيد عليها، وجُعِلت فرقانًا بين أهل الإيمان وأهل النفاق.

وفي أول الإسلام شُرعت صلاتان؛ صلاة أول النهار، وصلاة آخره، ممَّا يدل على أن المسلمين كانوا يصلُّون صلاةَ الفجر قبل فرْضِ الصلوات الخمس ليلة الإسراء والمعراج.

ثم أُكِّد الأمر بها في القرآن بعد حادثة المعراج: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ [هود: 114] ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ [الروم: 17] ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 42] ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفتح: 9] ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الإنسان: 25].

وصلاة الفجر تَدخل في كلِّ هذه الآيات؛ بل جاء في القرآن أنها سبب لذهاب الهموم والغموم، وتقويةِ العَزْم والصبر؛ ولِذَا أمر الله - تعالى - بالتسبيح الذي تدخُل فيه صلاةُ الفجر، مع الأمر بالصبر في مواجهة أذى المؤْذِين: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق: 39] وتكرَّر الأمر به في سور طه.

ووقْتُ صلاة الفجر يسمى غُدُوًّا، وقد أثنى الله - تعالى - على مَن ارتادوا المساجد فيه: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ ﴾ [النور: 36 - 37].

وصلاة الفجر وما فيها من أقوال، وما بعدها من أذكار، هي من التسبيح المأمور به في وقت الغدُو؛ بل إن الله - تعالى - أمر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يَعتنِي بأهل هذه الصلاة العظيمة: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: 52].

وصلاتُهم الفجرَ هي من دعائهم بالغدو، وفي آية أخرى أمره - عزَّ وجلَّ - أن يصابر معهم: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ [الكهف: 28].

فما أعظمَ مكانةَ رُوَّاد المساجد في الفجر! يسبِّحون الله - تعالى - ويَدْعونه والناسُ نِيَام.

فيأمر الله - تعالى - بصبْر النفس معهم ولو كانوا فقراءَ ضعفاء، وعدمِ الالتفات إلى مَن ضيَّعوا صلاة الفجر وما في وقتها مِن تسبيح ودعاء، ولو كانوا ذَوِي جاه وقوَّة ومال.

ويُتوَّج فضل صلاة الفجر في الكتاب العزيز بالإخبار أنها القرآن المشهود: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78].

فسميت قرآنًا؛ لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها؛ لأن ملائكة الليل والنهار تشهدها في مساجد تعِجُّ بالقرآن في وقتها، كما في حديث أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الملائكة يتعاقبون؛ ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يَعْرُج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعْلَمُ - فيقول: كيف ترَكْتُم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلُّون، وأتيناهم يصلُّون))؛ رواه الشيخان.

فما أعظمَ مشهدَ المصلِّين وهم مُتراصُّون في صلاة الفجر، والملائكة يحفُّون بهم في مساجدهم!

والمحافظةُ على صلاة الفجر سببٌ لحفظ العبد في الدنيا والآخرة؛ لما رَوى مسلم عن جُندب بنِ عبدالله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ((مَن صلَّى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنَّكم الله مِن ذمَّته بشيء، فيدْرِكَه؛ فيكبَّه في نار جهنم)).

قال العلماء: "أيْ: في عهدِه وأمانِه في الدنيا والآخرة".

والمُحافظ على صلاة الفجر كأنه يقوم الليل؛ لما في حديث عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من صلى العشاء في جماعة، فكأنَّما قام نصف الليل، ومَن صلَّى الصبح في جماعة، فكأنما صلَّى الليل كلَّه))؛ رواه مسلم.

ولأجْلِ هذا الفضْل العظيم كان عمرُ - رضي الله عنه - يقول: ((لأَنْ أشهدَ الفجر والعشاء فِي جماعة أحبُّ إليَّ مِن أن أُحْيِيَ ما بيْنَهما)).

والمشي إلى المساجد لأَداء صلاة الفجر سببٌ للنور يوم القيامة؛ كما في حديث بُريْدة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ((بشِّرِ المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التامِّ يوم القيامة))؛ رواه أبو داود، وفي حديث آخر: ((من مَشَى في ظلْمة ليْل إلى صلاةٍ، آتاه الله نورًا يوم الْقيامة))؛ رواه الدَّارِمي.

والمحافظة على الفجر سبب للنجاة من عذاب النار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ((لن يَلِج النارَ أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها))؛ يعني: الفجر والعصر؛ رواه مسلم.

وهي سبب لدخول الجنة كما في حديث أبي موسى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من صلى البَرْدَين دخل الجنة))؛ رواه الشيخان.

وهي كذلك سبب لنَيْل أعلى المقامات برؤية الله - تبارك وتعالى - لِما رَوى جرير بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذْ نَظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: ((أمَا إنكم سترَون ربَّكم كما ترون هذا، لا تضامون - أو لا تضاهون - في رؤيته، فإن استطعتم ألاَّ تُغْلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا))، ثم قال: ((﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ [طه: 130]))؛ رواه الشيخان.

فذِكْرُه - صلى الله عليه وسلم - لرؤية الله - تعالى - ثم أمْرُه إياهم بصلاتي الفجر والعصر، يدلُّ على أن المحافظة عليهما سبب لحصول الرؤية.

قال الخطابي - رحمه الله تعالى -: "هذا يدل على أن الرؤية قد يُرجى نَيلُها بالمحافظة على هاتين الصلاتين".

ومَن حافظ على الفجر والعشاء تباعَدَ عن النفاق؛ لأن الصلاة ثقيلة على المنافقين ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى ﴾ [التوبة: 54]، وأثقلُها عليهم الفجر والعشاء، والفجر أثقل الصلاتين؛ للاستغراق في النوم، فلا يفزَعُ لها مِن نومه إلا مَن قوي إيمانُه، فقهر نفسه على أدائها مع المصلِّين في المساجد.

رَوى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس صلاةٌ أثقَل على المنافقين مِن الفجر والعشاء، ولو يعْلَمون ما فيهما لأتَوْهما ولو حبْوًا))؛ رواه الشيخان.

ولذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - يَعْلَمون بعض المنافقين بتخلُّفِهم عن الجماعة في العشاء والفجر؛ حتى جاء في مراسيل سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى -: "بيننا وبين المنافقين شُهود العشاء والصبح؛ لا يَستطيعونهما"؛ رواه مالك.

وجاء عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كنَّا إذا فقَدْنا الرجل في الفجر والعشاء، أسَأْنا به الظن"؛ رواه الطبراني.

فلْيحذر كل مؤمن أن يُنظَم في سلك المنافقين وهو لا يَشعر؛ وذلك بتضْيِيعه صلاةَ الفجر مع الجماعة، وكل واحد أدْرَى بنفْسه، ولن يَحمل عملَه غيرُه ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر: 38].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.




الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا طيِّبًا كثيرًا مبارَكًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَن اهتدى بهُداهم إلى يوم الدِّين.

أما بعد:
فاتقوا الله - تعالى - وأطيعوه، وعظِّموا حرماته، وأدُّوا فرائضه؛ فإن بين أيديكم موتًا وقبرًا، وحسابًا وجزاءً، فأعِدُّوا لذلك عُدَّته ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30].

أيُّها المسلمون:
كانت عناية النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الفجر شديدةً جدًّا، ومما يدل على ذلك أنهم كانوا في سفر فقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه - رضي الله عنهم -: ((مَن يكْلؤُنا الليلةَ؛ لا نرقد عن صلاة الصبح؟))؛ رواه النَّسائي.

وكان مِن حرصه - صلى الله عليه وسلم - على صلاة الفجر أنه يتفقَّد أصحابه فيها؛ كما في حديث أُبَيِّ بن كَعْبٍ - رضي الله عنه - قال: "صلى بِنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا الصبحَ، فقال: ((أشاهِدٌ فلانٌ؟))، قالوا: لا، قال: ((أشاهد فلان؟))، قالوا: لا، قال: ((إنَّ هاتين الصلاتين أثقَلُ الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتُموهما ولو حبْوًا على الرُّكَب))؛ رواه أبو داود.

وأخَذَ الصحابة - رضي الله عنهم - هذا الحرْصَ الشديد على صلاة الفجر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبو الدرداء - رضي الله عنه - أبَى في مرض موته إلا أن يُحمل لحضور الجماعة، مع شدَّة ما يجد، فقال - رضي الله عنه -: "ألا احْمِلوني"، فحملوه فأخرجوه، فقال: "اسمعوا وبلِّغوا مَن خلفكم، حافظوا على هاتين الصلاتين؛ العشاء والصبح، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبْوًا على مَرافقكم ورُكَبكم"؛ رواه ابن أبي شيبة.

وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "لَوْ يعلم القاعدون مَا للمشَّائين إلى هاتين الصلاتين - صلاة العشاء والفجر - لأتوهما ولو حبْوًا".

وجاء عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يُوقِظ الناس لصلاة الفجر، وينادِي: "الصلاةَ الصلاة".

وعليٌّ - رضي الله عنه - حين قتَلَه الخوارجُ كان يَدور على الناس يُوقِظُهم، فيقول: "أيها الناس، الصلاةَ الصلاة"، قال الراوي: "كذلك كان يَصنع في كل يوم، يَخرج ومعه دِرَّتُه يُوقظ الناس".

وخلَفَهم التابعون على ذلك، فبالَغوا في المحافظة على صلاة الفجر وتعظيمِها، حتى إن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى - اشتكى عينه، فقالوا له: "لو خرجتَ إلى العقيق فنظرت إلى الخُضرة لوجدتَ لِذلك خِفَّةً، قال: فكيف أصنع بشهود العَتمة والصُّبح؟!".

وبعْدَ كل هذه النصوص والآثار في العناية بصلاة الفجر وشهودِها مع الجماعة، نَسمع في زمَنِنا هذا مَن يرفع عقيرتَه، ويسوِّد صحيفته؛ يَدعو الناس إلى الزُّهْد في حضور الجماعة، ويهوِّن مِن أمر الصلاة في قلوبهم، ويصدِّقه ويتبعه مَن كان له هوًى في ذلك، وإلا فكثرة النصوص المشدِّدة في الجماعة تغْنِي عن الاستماع إلى الأفَّاكين، وما فِعْلُهم هذا إلا مِن برودة الدين في قلوبهم، وقلَّة الفقه في أمورهم، والفتنة بالدنيا وزينتها - نعوذ بالله تعالى من الخِذْلان.

تأمَّلوا - يا عباد الله - قولَ الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -: ((ولو تعْلَمون ما فيهما لأتيتُموهما ولو حبْوًا على الرُّكَب))، فإنه يدُلُّ على أنَّ ما في الفجر والعِشاء من الأجر والمنفعة عظيم جدًّا، لا يمكن عدُّه، فأبهمه النبي - صلى الله عليه وسلم - لِكثرته وعظمته.

ولو طُلب من الناس أن يَحْبُوا على مَرافقهم ورُكبهم مسافةً طويلةً مُقابلَ منصب دُنيوي، أو مبلغ من المال مُجْزٍ، أو أراضٍ في مميَّز - لَرَأينا الناس يَحْبون لنَيْل ذلك.

وربُّنا - جلَّ جلالُه - ما أمرَنَا أن نحْبُوَ للمساجد لنَيل الأجْر، ومتَّعَنا بأقدام تحملنا إليها، وأنعَمَ علينا بصحَّة تبلِّغنا إياها، وأمَّن طريقنا إليها، وأخبرنا على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أجرها يستحقُّ لو عجزْنا عن المشي أن نحبُوَ لأدائها مع المسلمين.

فما بالُ كثير من الناس يُحْرَمون هذا الخيرَ العظيم، ويفَرِّطون في هذا الأجر الكبير، وهم يسْعَون جادِّين في عرَضٍ من الدنيا قليل؟! إنَّ هذا لهو الخسران المبين.

ألا فاتَّقوا الله ربَّكم، واعْمُروا بالصلاة مساجدَكم، وأَلْزِموا بشهود الجماعة مَن تحتَ أيديكم مِن ولدٍ وخدَم؛ فإنهم مِن رعيَّتكم التي تُسألون عنها يوم القيامة، وكلُّكم راعٍ ومسؤول عن رعيته؛ ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132].

وصلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم.



~ عبير الزهور ~

التفريط في صلاة الفجر


﴿ الحَمْدُ لله فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ {فاطر:1} نحمده على نعمه وآلائه، ونشكره على فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ خلق عباده ورزقهم وعافاهم، وأمرهم بعبادته وطاعته، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ {فاطر:3} وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ كان أحرص الناس على الصلاة، وكانت الصلاة قرة عينه، وراحة باله، ومفزعه في همه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وحافظوا على فرائضه، وقفوا عند حدوده؛ فإن أمامكم موتا وقبرا وحسابا وجزاء، ويوما عبوسا قمطريرا، لا ينجو فيه إلا من نجاه الله تعالى ووفقه للأعمال الصالحة في الدنيا ﴿ وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ {الزُّمر:60-61}.

أيها الناس:
من توفيق الله تعالى للعبد، وهدايته له؛ محافظته على فرائضه. وكلما كان أداء الفريضة شاقا وحافظ العبد على أدائها في وقتها كان ذلك دليلا على توفيق الله تعالى له، وهدايته لما ينفعه، وإعانته على أخذ الدين بقوة، والحزم مع النفس في إتيان الطاعات. فالانتصار الحقيقي هو انتصار الإنسان على نفسه الأمارة بالسوء، والهزيمة الحقيقية هي هزيمة المرء مع نفسه. وصلاة الفجر علامة على ذلكم الانتصار أو الهزيمة؛ فمن قطع نومه في الفجر، ودحر هوى النفس، وهب فزعا يلبي النداء، وصدّق بفعله قول المؤذن (الصلاة خير من النوم) فقد انتصر على الشيطان الذي يعقد على ناصية النائم ثلاث عقد يضرب على كل واحدة: عليك ليل طويل فنم، وانتصر على شهوته حين قطع لذة النوم، وهو أعسر شيء يقطع على الإنسان، وخليق به أن ينتصر على شهواته كلها، وحقيق به أن يبذل نفسه لله تعالى.

وأما من عجز عن حضور الفجر مع الجماعة -وهم الأكثر في أهل الإسلام اليوم- فإنه ضعيف الإرادة، منحط الهمة، مهزوم أمام الشيطان وجنده. ومن بخل على ربه سبحانه ببذل بعض نومه له أتراه يبذل دمه ويضحي بنفسه لأجله سبحانه؟!

وما ظفر الأعداء بالمسلمين في الأزمان المتأخرة إلا لأن أكثرهم يحمل هذه النفوس الضعيفة، التي لا تضحي برقدة في مرضاة الله تعالى، فكيف ستضحي بما هو أكبر منها في سبيله عز وجل. ولقد قال قائل اليهود يوما وهم ينتصرون على المسلمين في معاركهم: نحن لا نخاف من المسلمين إلا عندما يصلون الفجر في المسجد كما يصلون الجمعة.

كيف يفرط مؤمن في حضور الفجر مع الجماعة وهو يعلم أنها صلاة مشهودة يشهدها الملائكة عليهم السلام ليخبروا الله تعالى بالمصلين، وهو سبحانه أعلم بمن صلى ومن لم يصل ﴿ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ {الإسراء:78}. ولو علم الناس ما في شهود الفجر من اللذة والراحة، وطمأنينة القلب وصلاحه لما فرط فيها أحد منهم.

وقد أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الله»رواه مسلم. ومن عاش يومه في ذمة الله تعالى هل يخاف من شيء، أو يحزن على فوات شيء؟! ولو أن المسلمين كلهم أو جلهم حافظوا على الفجر في المساجد هل يقدر العدو منهم على شيء وهم في ذمة الله تعالى؟!

ويوم أن كان الصحابة رضي الله عنهم في ذمة الله تعالى بمحافظتهم على الفجر ما وقف لهم عدو، ولا هزم لهم جيش، ولا سقطت لهم راية، ولا استعصى عليهم حصن، ولا خافوا أحدا من البشر، فهم في ذمة الله تعالى، حتى عمت فتوحهم مشارق الأرض ومغاربها.

ودليل محافظتهم على صلاة الفجر أنها فاتتهم ذات مرة في غزوة الحديبية، وهم في سفر طويل مرهق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فلم يتكلوا على ذلك، بل جَعَلَ بَعْضُهم يَهْمِسُ إلى بَعْضٍ: ما كَفَّارَةُ ما صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا في صَلَاتِنَا؟!
وكانوا قد عزموا على الاستيقاظ لكن النوم غلبهم من شدة التعب وطول السفر، ومع ذلك أحسوا بالذنب، وشعروا بالمسئولية، ولم يتعللوا بالأعذار، ولم يقولوا رسول الله معنا وقد فاتته الصلاة كما فاتتنا. يتهامسون بينهم بفداحة ما فاتهم، ويتساءلون عن كفارته، وما ذاك إلا لأنهم يعرفون عظمة صلاة الفجر ومنزلتها عند الله تعالى، وعظم جرم التخلف عنها أو تأخيرها عن وقتها، والنبي صلى الله عليه وسلم يربيهم على ذلك؛ كما روى جُبَيْر بن مطعم رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَفَرٍ لَهُ:«مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ لَا نَرْقُدُ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ»رواه أحمد.


وربما كلف عددًا من الناس بهذه المهمة، ولا يكلها لواحد خشية أن ينام فتضيع الصلاة، أخبر أَبُو قَتَادَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ فِي سَفَرٍ لَهُ، قال: فَمَالَ وَمِلْتُ مَعَهُ، قَالَ: انْظُرْ، فَقُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، هَذَانِ رَاكِبَانِ، هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ، حَتَّى صِرْنَا سَبْعَةً، فَقَالَ: احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا، يَعْنِي: صَلَاةَ الْفَجْرِ» رواه أبو داود.

بالله عليكم أيها المسلمون:
من منا خشي أن تفوته صلاة الفجر ذات مرة؛ لأنه سهر وتعب فوصى سبعة أن يوقظوه؟ بل خمسة؟ بل ثلاثة؟ لا أظن أن أحدًا فعل ذلك إلا النادر من المسلمين.

يهب الطالب من فراشه فزعا يخشى فوت الامتحان، ويقطع الموظف لذة نومه ليكون على كرسيه في موعده فلا يخاصم ويساءل. وإذا كان الواحد منا يستقبل في صباحه الباكر سفرا بالطائرة، أو ينتظر موعدا في مستشفى، أو له مقابلة مع ذي جاه في حاجة؛ فإنه لا يستغرق في نومه، ويفزع المرة بعد المرة يرقب الوقت، وربما جفاه النوم فتجهز لما يريد قبل الفجر، لكن أكثر المسلمين يسترخون في فرشهم، ويغطون في نومهم، ولا يبذلون جهدا يذكر للحفاظ على صلاة الفجر..

بل من الناس من يتمنى لو تعطل المنبه، أو وضعه خطأ بعد وقت الفجر، ويفرح بنومه؛ لأنه يرى أنه غير مؤاخذ بالخطأ، ولم ينظر لعظيم ما فاته من الأجر، والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقُولَ:«رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»رواه مسلم. وهاتان الركعتان هما سنة الفجر الراتبة، فإذا كانتا خيرا من الدنيا بأجمعها فماذا في ركعتي الفريضة من الأجر، وهما خير من السنة الراتبة؟!

يا أمة صلاة الفجر: اشكروا الله تعالى على هذه الصلاة التي أعطاكم، وأحيوها فيكم؛ فليس في أمم الأرض أمة قد أعطيت ما أعطيتم، ولا صلاة تقرب إلى الله تعالى إلا صلاتكم؛ فكثير من أهل الملل والفرق يصلون حسب ما شرع لهم شياطينهم وأهواؤهم، وبما اخترع لهم أئمة الضلال منهم، وليس لهم حظ من صلاتهم إلا التعب والخسران.. أما وقد هديتم للحق فحافظوا عليه، وتمسكوا به، وأدوا شعائره، وأثبتوا أنكم أهل لما حباكم الله تعالى من الخير ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ {آل عمران:110}.

وحري بمن كان يضيع صلاة الفجر أن يعرف عقوبة ذلك، ويضعها أمام عينيه؛ فإن كان له قلب حي خاف مما فعل، وندم على ما فرط، وثاب إلى رشده، ورجع إلى ربه سبحانه قبل أن يموت وهو يؤخر الفجر عن وقتها، أو وهو لا يحضرها في المسجد مع المسلمين، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا عما رأى من عذاب من ينامون عن الصلاة فقال: وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى» ثم ذكر في آخر الحديث أن هذا الرَّجُلَ يعذب هكذا لأنه يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ. رواه البخاري.

قال ابن العربي رحمه الله تعالى: يأخذ القرآن فيرفضه، يعني: قد قرأ وجوب الصلاة في الكتاب، وعلمها فرضا ثم فرط فيما علم، وترك ما أمر. وقال أيضا: جعلت العقوبة في رأس هذه النومة عن الصلاة والنوم موضعه الرأس.

وكم في القبور من رؤوس ترضخ الآن بالحجارة لنومها عن صلاة الفجر، دهمت الآجال أصحابها وهم لم يتوبوا؛ لأنهم ما توقعوا الأجل. وحق على كل مسلم علم هذا الحديث الصحيح، وما فيه من العقوبة الشديدة أن يخاف ويفزع، ويعمل على النجاة من العذاب، ويحافظ على رأسه من رضخ بالحجارة، لطالما طلب لهذا الرأس علاجا من الصداع والآلام، وبذل الأموال في ذلك، فليس له طاقة أن يرضخ بالحجارة، ويكون هذا عذابه إلى قيام الساعة.

نعوذ بالله تعالى من غضبه وعذابه، ونسأله الهداية لنا ولذرياتنا وللمسلمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله...




الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ {البقرة:281}.

أيها الناس:
فرائض الله تعالى ثقيلة على النفوس بثقل الوحي المتنزل بها ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ {المزمل:5} وجاء في الصلاة قول الله تعالى ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ {البقرة:45-46}.

وصلاة الفجر هي أشق الصلوات على الناس، ولا يحافظ عليها إلا مؤمن. وأعظم ما يعين المسلم على الحفاظ عليها الاستعانة بالله تعالى على أدائها، فلا حول ولا قوة للعبد إلا بالله، فإياه نعبد وإياه نستعين، مع كثرة دعائه والإلحاح عليه سبحانه في هذا الأمر العظيم. وبذل الأسباب في ذلك: من تجنب السهر، ولا سيما إذا كان على محرم أو لهو وعبث، وما أكثر وقوع ذلك في هذا الزمن، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم كره الحديث بعد العشاء الآخرة لئلا يؤدي إلى السهر، فيفوت بسببه قيام الليل وصلاة الفجر.

وعلى المسلم أن يتذكر أنه إن ضيع صلاة الفجر فقد فاته خير كثير، ليست الدنيا بأجمعها شيئا يذكر عند صلاة واحدة أضاعها.

وعليه إن فاتته صلاة الفجر أن يخشى أن يكون داخلا في قول الله تعالى ﴿ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ {الأحقاف:32}.

ومما يعينه على أداء صلاة الفجر مع الجماعة قراءة الأحاديث الواردة في فضلها، والمحذرة من تركها، والمبينة لعذاب من ضيعها، ومراجعتها بين حين وآخر؛ فإن الجهل بهذه الأحاديث ونسيانها يؤدي إلى الغفلة وعدم المبالاة.

وعلى جماعة المسلمين أن يوصي بعضهم بعضا بالمحافظة على صلاة الفجر، ويتعاهدوا المتخلفين عنها بالزيارة والنصيحة والموعظة الحسنة، ويعين بعضهم بعضا في هذا الأمر العظيم الذي خف وزنه عند كثير من الناس، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.

وصلوا وسلموا على نبيكم...


منتهى اللذة




بارك الله فيك على جمال موضوعك
بانتظار القادم دوما







أمواج رجيم
الصفحات 1 2 

التالي

فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة

السابق

حي على الصلاة

كلمات ذات علاقة
الصلاة , الإسلام , علوي