مفتاح النصر والنجاة - للشيخ على بن عمر بادحدح

مفتاح النصر والنجاة - للشيخ على بن عمر بادحدح مفتاح النصر والنجاة - للشيخ على بن عمر بادحدح

مجتمع رجيم المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث

مفتاح النصر والنجاة - للشيخ على بن عمر بادحدح

مفتاح النصر والنجاة - للشيخ على بن عمر بادحدح

مفتاح النصر والنجاة - للشيخ على بن عمر بادحدح
مفتاح النصر والنجاة - للشيخ على بن عمر بادحدح




8urkacdbomxo21mvt78d



مفتاح النصر والنجاة - للشيخ على بن عمر بادحدح



نداء ربكم إليكم تقواه في كل آن وحين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}(آل عمران: ١٠٢).
معاشر المؤمنين..
للبيت مفتاح, وللخزينة مفتاح, وللدرج مفتاح, وإذا أردنا أن نستخرج ما في هذه بدون المفتاح لا نصل إلى المراد.
وفي الفنادق ثمة مفتاح يفتح الغرف كلها, فهو الذي من يملكه يستطيع أن يدخل إلى كل تلك الأماكن أو ينتفع بها, لكن حديثنا عن المفتاح الذي يفتح كل شيء ليس في مكان واحد بل في كل مكان, وليس في ظرفٍ أو زمن معينٍ بل في سائر الأزمان, المفتاح الذي يفتح كل ما يتصل بحياة الإنسان في شتى الجوانب التي تهمه والتي تكون في أعلى سلم أولوياته.
الرزق الذي يسعى الناس إليه, يكدحون لأجله, أحياناً يذلون أنفسهم لنيله, أحياناً يغيرون أو يبدلون أخلاقهم للوصول إليه, مفتاحه هو العبودية لله والصلة بالله سبحانه وتعالى.
لماذا؟
لأن الرزق بيده سبحانه وتعالى: {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (النمل: ٦٤)
هو الله سبحانه وتعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} (سبأ: ٢٤)
ويأتي القرآن بالأسلوب الاستفهامي الذي يعيد للعقل مساره الصحيح ويرشده إلى الحقائق التي قد تغيب في ظل الأهواء والرغبات: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (فاطر: ٣)
فلان سيقطع رزقي, فلان باب رزقي, {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} (الروم: ٤٠).
{وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} (النحل: ٧٢)
أنت لا ترزق أهلك بل الرزق من الله جل وعلا, وكما قال الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} (الأنعام: ١٥١)
لا تظنن أنك باب الرزق وإنما أنت جسره, وبابه من الله سبحانه وتعالى.
وليس الأمر مقتصراً على بني البشر بل الحق جل وعلا قد قال: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (هود: ٦).
النملة في الصحراء والحشرة في جوف الصخرة والكائن الحي في جوف البحر من ذا الذي يرزقه؟
هل عقله وتدبيره؟
هل صفقاته وتجارته؟
سبحانه جل وعلا: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا}.
وإذا ظننت أن ثمة من يرزقك غير الله وأن بيده مفاتيح الرزق من دون الله فاستمع لقوله جل وعلا: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} (الملك: ٢١).
إن أمسك الله رزقه وأغلق عنك خزائنه فلن ينفعك دهاءٌ ولا علمٌ ولا خبرة ولن تنفعك صلة ولا علاقةٌ ولا جاه.
لابد أن يعظُم اليقين بأن المفتاح هو الصلة بالله سبحانه وتعالى: {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} (العنكبوت: ١٧)
هذا هو الطريق, ذلكم هو النهج {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ} كله, بكل أنواعه
بكل أشكاله, بسائر أبوابه, في كل أوقاته, في سائر ظروفه وأحيانه {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ}
وخذوا الطريق {وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ}.
وكما يكون للمفتاح أسنانٌ فإن لهذا المفتاح أسنان, ومن أعظمها وأولها وأوكدها، استغفار الله جل وعلا {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} (نوح: ١٠-١٢).
الاستغفار من أعظم أبواب فتح الرزق وسعته من الله سبحانه وتعالى.
والتوكل هو الثاني: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: ٣)
وكما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا).
الراوي:عمر بن الخطاب المحدث:ابن حبان - المصدر: المقاصد الحسنة - الصفحة أو الرقم: 402
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]



في الفجر تنطلق الطيور من أوكارها, تلتمس رزقها, ليس هناك فرصة تساهم فيها وليس هناك متاجر تفتحها, لكنها تغدو خماصاً جائعة وتروح في آخر اليوم بطانا مملوءة بطونها من رزق الله.
ولو أنكم نظرتم وربما رأيتم تلك المشاهد التي تعرض في عجائب خلق الله كيف يأكل الطير من بين أسنان ذلك الوحش يفتحها فيكون رزقاً للطير ويكون نفعاً لذاك, سبحان من يرزق, سبحان من يهيئ, سبحان من يبسط, سبحان من بيده ملكوت كل شيء جل وعلا.
والتعبد لله سبحانه وتعالى هو جوهر هذا المفتاح.
وقد ورد في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال أنه يقول: (يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإلا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك) رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه ورواه ابن حبان في صحيحه.
(تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى)

الراوي: أبو هريرة المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 3166
خلاصة حكم المحدث: صحيح

فإن الغنى غنى النفس, وكم من رجل في يده قليلٌ من أسباب الرزق المادي وكثيرٌ من أسباب الغنى النفسي, فتجد الرضا يرتسم ابتسامةً مشرقةً على ثغره ودواماً لحمد الله سبحانه وتعالى على لسانه, ويقيناً بأن الله عز وجل لن يخذله ولن يمنعه رزقه, وكم من رجلٍ في يديه الأموال التي لا تعد ولا تحصى لكن فقره مكتوبٌ على جبينه, ولكن فقره في حرصهِ وشحّهِ وضيق صدرهِ وبخلِ نفسه.
فإن ذلك أمرٌ يتضح للناس إذا نظروا بنظر الإيمان وإذا تأملوا بهذه المفاتيح الربانيةِ.
وصلة الرحم من أسباب الرزق, كما صحّ في حديث أنس رضي الله عنه: عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سره أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه).

الراوي: أنس بن مالك المحدث:البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2067
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

مفتاح الرزق بكل أنواعه عند الله, والنصر مفتاحه موصول بالله {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (آل عمران: ١٢٦
, وهذا أسلوب النفي مع الاستثناء من أساليب الحصر والقصر, أي: لا نصر على الحقيقةِ إلا وهو من الله جل وعلا, فالنصر مصدره الوحيد هو الله, وغير ذلك إنما هي أسبابٌ ظاهرة, وإنما هي أسبابٌ مبذولةٌ, وإلا فكيف تنتصر القلة على الكثرة {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ}(البقرة: ٢٤٩)
وذلكم في غاية الأهمية, إذ اليوم عندما يحدق بنا الأعداء, وتتكاثر من حولنا أسباب البلاء والعناء والشقاء, يلتفت كثير منّا يمنة ويسرة يلتمسون أسباب الخلاص والنجاة عند هذا وذاك وفي الشرق والغرب, وفي أسبابٍ ماديةٍ من الرجال أو العتاد ويغفل كثيرون وينسون إما حقيقةً فيما في أذهانهم وعقولهم وقلوبهم, وإما واقعاً في سلوكهم وأعمالهم وتصرفاتهم، ينسون أن النصر من عند الله جل وعلا وينسون الوعد الربّاني الجازم القاطع المذكور في الآيات: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم: ٤٧).
وهذا الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل والأنبياء من قبله, والأمثلة في هذا كثيرة: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (يوسف: ١١٠).
في أحلك الظروف, في أشد اللحظات، عندما تنقطع الأسباب وتغلق الأبواب، فإذا كان التعلق بالله وإذا كانت الاستقامة على أمر الله تنزّل نصر الله من حيث لا نحتسب, وجاءت الهزيمة تصبُّ على أعداء الله من حيث لا يُقدِّرون{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} (الأحزاب: ٢٥)
يوم الأحزاب، جندٌ من جند الله، الريح: أطفأت نيرانهم, أكفأت قدورهم, قلعت خيامهم, اضطربت صفوفهم, انخلعت من الخوف قلوبهم, ذهبت لا تلوي على شيء فلولهم, والنصر من عند الله وإن بذل العباد الأسباب لذلك.
ونحن اليوم نوقن بذلك أشد اليقين مهما تكالب الشرق والغرب على بلاد الشام في سوريا ومن قبل في فلسطين وفي غيرها، فإن نصر الله حقاً قادم, لكن أيضاً لهذا المفتاح أسنان وله شروط:
أولها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: ٧), انصروا الله بامتثال كتابه, انصروا الله بالتمسك بهديه والاعتصام بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, انصروا الله بإقامة دينه والغيرة على حُرُماته, انصروا الله بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, انصروا الله في كل ما أمر به الله يتنزّلُ عليكم نصر الله, والصيغة في الآية القرآنية صيغةٌ يترتب عليها الفعل وجوابه {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} نتيجةٌ حتميةٌ قطعيةٌ لا يمكن أن يتطرق إليها الشك, فإن وقع غيرُ ذلك فاعلم أن الشرط الأول لن يتم تحقيقه واستيفاؤه على الوجه المطلوب أو الأكمل إن تنصروا الله فإن حصل الخلل في نصرنا بأن سكتنا وغضضنا الطرف عمّا يغضب الله وعمّا يخالف شرع الله وعمّن يحارب دين الله ورضيت بذلك نفوسنا, ولم تتحرق له قلوبنا فحينئذٍ لن يتحقق الشرط فقد يتخلف المشروط كذلك, {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
وإذا التمست أو التمسنا النصر من غير بابه وعنوانه فاستمع لقول الحق جل وعلا: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} (الملك: ٢٠)
من هذه القوة التي تزعم أننا أو التي نزعم أننا سنستنصر بها وننتصر من دون أن يتنزّل علينا نصر الله, وأيُّ قوةٍ أيضاً يمكن أن نتخذها من دون الله {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} (يس: ٧٤), لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ينصرون ذلك أمر واضحٌ بيّنٌ.
ولذلك ينبغي أن ندرك هذه الأسباب وأن نعرفها, وأنه بغيرها لا نصر بحالٍ من الأحوال {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} (الأعراف: ١٩٧).

وفي الوقت نفسه: {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} (آل عمران: ١٦٠), يقينٌ إن كنا مع الله وكان معنا فلو اجتمعت قوى الأرض كلها فلن تستطيع أن تهزمنا, وذلكم في التاريخ كله عبر سير الأنبياء كلهم, وعبر سير أهل الإيمان في كل مصرٍ وفي كل زمانٍ ومكان شاهدها حيٌ معلومٌ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: ٤٥-٤٦).
تلك هي الأسنان في مفتاح النصر الذي هو بيد الله ومن عند الله سبحانه وتعالى.
السعادةُ تبحثون عنها, تلهثون وراءها, تنقبون عن مفاتيحها هي أيضاً موصولةٌ بالله سبحانه وتعالى وبطاعته {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل: ٩٧).
الحياة الطيبة, السعادة القلبية, اللذة الروحانية, الطمأنينة وراحة البال إنما تكون في هذه الرحاب الطاهرة, في محراب العبادة, في أجواء السكينة بالذكر لله سبحانه وتعالى {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: ٢٨)
في تلكم الأجواء يجد المرء السعادة الحقيقية, إذا عرض عارض من همٍّ أو غمٍّ فليلجأ مرة أخرى إلى ربه {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} (النمل: ٦٢)
كلا ليس أحدٌ إلا الله سبحانه وتعالى.
إذا عَظُمَ الهمُ فقل يا الله, إذا كَثُرَ الغمُّ فقل يا الله, إذا جاءت أسباب الحزن فقل يا الله, فإن الله مفرجٌ كل همٍ, ومنفّسٌ كل كربٍ, ومزيلٌ كلّ حُزنٍ, ويجعل في قلبك من الطمأنينةُ والسعادةِ والثباتِ ما أنت جديرٌ به متى مددت يدك إليه, ومتى وصلت أسبابك بأسبابه, ومتى مددت حبالك إليه جلا وعلا فإنه سبحانه وتعالى لا يخلف وعده, ولا يخيب من رجاه, ولا يضل من استهداه, ولا يحرم من استعطاه جل وعلا سبحانه في علاه.
العزة التي يبحث عنها الناس أيضاً مكانها ومقرها ومستودعها بكل أنواعها وبكل أشكالها عند الله سبحانه وتعالى {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً} (يونس: ٦٥), {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} (فاطر: ١٠).
وللأسف الشديد نجد من يلتمسها عند غير اللهِ من أصحاب القوة والمالِ أو الجاه, أو أصحاب السلطة والقوة والقدرة, والله جل وعلا يقول: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً} (النساء: ١٣٩).
وعندما نطق النفاق في المدينة على لسان رأسه عبدالله بن أبيِّ بن سلول فقال مقولته التي سطرتها آيات القرآن {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: ٨)
لأنهم ينظرون إلى الأسباب المادية وإلى القوى الأرضية، أعاذنا الله وإياكم من أن تكون لنا عزةٌ إلا بالله, ولا نصرٌ إلا من الله, ولا رزقٌ إلا من الله, ولا سعادةَ إلا من الله.
فنسألك اللهم أن ترزقنا, وأن تسعدنا وأن تنصرنا, برحمتك يا أرحم الراحمين.
الخطبة الثانية:
أوصيكم ونفسيَ الخاطئة بتقوى الله فإنها أعظم زادٍ يُقدم به العبد على مولاه, وإن أعظم التقوى اليقين بأن كل أمرٍ مرده إلى الله, وأن كل سبب من الأسباب الدنيوية لا يكون له أثرٌ إلا بأمر الله وبرضا الله وبتقدير الله جل وعلا, الرزقُ, النصرُ, السعادةُ, العزُّ, النجاحُ, التوفيقُ..

قل ما شئت, فإن المفتاح هو العبودية لله وحسن الصلة بالله فإنه مالك كل ذلك وهو المتصرف فيه, وهو الذي يمضيه وفق سنته التي قررها, ويجعله لعباده الذين يتصلون ويتعلقون به, ويلتجئون إليه, ويستمدون منه, وينيبون إليه, ويستقيمون على شرعه, وينصرون دينه, فكن أنت كذلك يكن الله لك سبحانه وتعالى كما قال وبيّن في كتابه.
ووقفتي الأخيرة وإن كان كل مفتاحٍ من هذه المفاتيح جديرٌ بأن يكون له حديثٌ كاملٌ مستقل, لكنني أردت أن أوجز وأجمع حتى نستيقن أن كلَ أمرٍ, وكل بابٍ إنما مفتاحه من عند الله جل وعلا.
وهذه أمثلةٌ من صفوةِ الخلقِ من رسلِ اللهِ جلا وعلا أسوقها من غير توقفٍ ولا تعليقٍ كبير لأنها أظهر من أن تحتاج إلى تعليقٍ في بيانها.
انظر إلى الرزق في دعاء موسى عليه السلام {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص: ٢٤), قال ذلك وانتظر فجاءه الفرج {أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} (القصص: ٢٧)
وتوالت أسباب الرزق الدنيوية وجاءه المدد الأعظم بالنبوة الإلهية {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}, انكسار, اعتراف, إقرار, انتظار, ترقبٌ, تأملٌ, قلبٌ موصولٌ بالله, نفسٌ متعلقةٌ بعطاء الله, يقينٌ ثابتٌ بأن الرزق من الله {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.
ولما جاء الهمُّ والغمُّ في جوفِ الحوتِ ليونس عليه السلام نادى ربه {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء: ٨٧)
فجاء الفرجُ, وأخرجه الحوت من بطنه, وجاءت شجرة اليقطين تظلل عليه وتوفر له رزقه, وجاءت من بعد إكمال رسالته ونبوته ورجوعه إلى قومه (سبحانك) هذا هو المفتاح وذلك هو الطريق.
والعقم أو طلب الولد من زكريا عليه السلام وقد بلغ من الكبر ما بلغ {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} (الأنبياء: ٨٩)
فجاءته الذرية من فضل الله عز وجل.
والمرض والعناء والمشقة وكل أنواع البلاء جاء وحلَّ ونزل بأيوب عليه السلام فلم يزد أن قال {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (الأنبياء: ٨٣)
وجاء الجواب سريعا {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ} (الأنبياء: ٨٤)
مباشرةً فاء التعقيب التي تدل على عدم التراخي.
وذلكم ظاهرٌ بينٌ في كل الأحوال النبوية عندما جاء الحزن العظيم والغمُّ الكبير إلى قلبِ يعقوب عليه السلام {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(يوسف: ٨٦)
فجاء الفرج وجاء البشير وارتد بصيرا والتقى يوسف واجتمع الإخوة, وزالت الشحناء والبغضاء, وائتلفت القلوب وكان الاعتذار وجاء الاستغفار في صورةٍ عظيمةٍ جليلةٍ من أثر تلك الصلة بالله, من أثر استخدام المفتاح الصحيح الذي يفتح كل مغاليق الأمور في سائر جوانب الحياة في كل الظروف التي يمر بها الإنسان, في سائر الأزمان والأماكن.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلق قلوبنا بطاعته ومرضاته, وأن يعلق قلوبنا برزقه ونصره, وأن يعلق قلوبنا بالسعادة يملأ بها نفوسنا, والطمأنينة يحلُّها في قلوبنا.

المصدر: مجتمع رجيم


ltjhp hgkwv ,hgk[hm - ggado ugn fk ulv fh]p]p hgkav

سنبلة الخير .
اخر تحديث
دكتورة سامية
اخر تحديث
أختي الغالية

بارك الله بكِ

اللهم إنك ناظر إليها ،
حاضر لديها ، قادر عليها ،
أحطت بها سمعًا وعلمًا وبصرًا
فارزقها أُنسًا بك وهيبةً منك ،
وقوِّ فيك يقينها
فإنها بك اعتصمت وعليك توكلت
فأصلح لها دينها وارزقها ما يكفيها ونَجِّها مما يؤذيها
وصلِ اللهُ على سيِّدِنا مُحمَّد وَعلى آلِهِ وصحبه وَسلّم
دمـتِ برعـاية الله وحفـظه




التالي

القرآن المنهج والمخرج - الشيخ على بن عمر بادحدح

السابق

الوصية بالثبات على السنة وتجنب الأهواء

كلمات ذات علاقة
للشيخ , مفتاح , النشر , بادحدح , على , عمر , والنجاة