التربية الأسرية في ضوء سورة النساء

مجتمع رجيم / القرآن الكريم وعلومه
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
التربية الأسرية في ضوء سورة النساء


التربية الأسرية 8urkacdbomxo21mvt78d


التربية الأسرية في ضوء سورة النساء


د - علي بن عبده بن شاكر أبو حميدي

أهمية الأسرة ومكانتها:

الأسرة هي اللَّبِنة الأُولى في بناء المجتمع، الذي يتكوَّن من مجموعة أسرٍ ترتبِط بعضها ببعض، والمجتمع كله تُقاس قوَّته أو ضعفه بقدْر تماسُك الأسرة أو ضعْفها داخل المجتمع، وتَرجع قوة الأسرة أو ضعفها في المجتمع الإسلامي إلى مدى تمسُّكها بالدين الإسلامي.



وتظهر أهمية الأسرة ومكانتها العظيمة من خلال ما يلي:

1- تلبية الأسرةِ لحاجتها الفِطرية، وضروراتها البشرية، والتي تكون موافِقة لطبيعة الحياة الإنسانية؛ مثل: إشباع الرغبة الفطرية، وهي الميل الغريزي في أن يكون له ذُريّة ونَسْل، وإشباع حاجة الرجل إلى المرأة وعكسها، وإشباع الحاجات الجسمية، والمطالب النفسية، والرُّوحية والعاطفية.



2- تحقيق معانٍ اجتماعية لا يمكن أن تتحقَّق إلا من خلال الأسرة؛ مثل: حفْظ الأنساب، والمحافظة على المجتمع سليمًا من الآفات والأمراض النفسية والجسمية، وتحقيق معنى التكافُل الاجتماعي.



3- يغرِس الإسلام الفضائل الخُلُقيَّة والخِلال الحميدة في الفردِ والمجتمع ؛ (عقلة، 1404هـ، ص17- 27).



وذلك من خلال ما جاء في القرآن الكريم والسُّنة النبوية؛ لذا أسَّس الأسرة واعتنى بها؛ حتى تَنشأ نشأة قوية مُتماسِكة؛ إذ يقوم بناء الأسرة في القرآن الكريم على أسس ثابتة،

أهمها:

أ- أن أصل الخَلْق واحد، وأن الرجل والمرأة من منشأ واحد؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].



وقال الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: 98].



ب- تقوم الأسرةُ على تحقيق المودة والرحمة لإقامة المجتمع والأفراد المتماسكين ذوي الفضل؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].



ففي الأسرة يجد الأولادُ الراحةَ الحقيقية، ويَنعمون بالرحمة والمودة منذ الصغر في ظلِّ الوالدين؛ مما يؤدي هذا إلى لينِ جانب الأولاد، والتواضع لهما بتذللٍ وخضوع، والدعاء لهما بالرحمة؛ لإحسانهما في تربيتهم في الصِّغر.



جـ- تقوم الأسرة على العدالة والمساواة لكل فردٍ من أفرادها بما له من حقوق، وما عليه من واجبات؛ قال الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228].




ففي الأسرة تكون العدالة والمساواة بحُسن العشرة وترْك الضرار بين الزوجين، وكذلك إقامة العدل والمساواة بين الأولاد؛ حدَّثنا حامد بن عمر، حدَّثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عـامر، قال: سمِعت النعمان بن بشير - رضـي الله عنهما - وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطيةً، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهِد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتـى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً، فأمرتني أن أُشهِدك يا رسول الله"، قال: ((أعطيتَ سائر ولدِكَ مِثلَ هذا؟))، قال: لا، قال: ((فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم))، قال فرجع فردَّ عطيَّتَه؛ البخاري، د. ت، ج 3، ص206.



د- تقوم الأسرة على مبدأ التكافلِ الاجتماعي والتعاون بين جميع أفرادها؛ لذا شُرِعت أحكام النفقات والميراث والوصية؛ الصابوني، 1403هـ، ج 3، ص32،33.



قال الله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 11].



تتَّضِح أهمية الأسرة في الشريعة الإسلاميَّة من خلال اهتمامها "بوضع الضمانات التي تُمكِّن الأسرة من أن تكون الأساس الصالح والتُّربة الطيبة التي تَمنح المجتمع الإسلامي كلَّ مقوماته"؛ الفوال، 1406هـ، ج1، ص390.



فالأسرة الصالحةُ كالتربة الصالحة؛ إن صلَحت صلَح نباتُها، وإن فسَدَتْ فسَد نباتُها، كما أن في الأسرة إشباعًا للنزوع الوِجداني إلى الأمن والسكن، والإنسان بحكم تطوّره الفكري والحضاري، وتعدُّد أهدافه، وتعقُّد وسائله - لم يَعُد يعيش للذَّته الحيوانية فحسب، وأنه في كفاحه الدائب لبلوغ غايته وسعيه في أداء رسالته، يتطلَّب الأمن والاستقرار، ويحتاج إلى القلب الحنون الذي يبادِله الأُنس والسعادة، ويُهيئ له وسائلَ الراحة والسكينة.




تعريف الأسرة:

هي المجموعة التي يرتبط ركناها بالزواج الشرعي، والتزمتْ بالحقوق والواجبات بين طرفيها، وما ينتج عنها من ذرية، وما يتصل بها من أقاربَ.



أ- في الماضي كانت الأسرة تضم الجد الأكبر، وأولاده، وزوجاتِه، وزوجات أولاده، وأحفادَه، وكلهم يعيشون في مكان واحد، يتولى الجدُّ الأكبر السيطرةَ على الأسرة في تصريف أمورها، وتحقيق الأمن والاستقرار، وقد ينضم إلى الأسرة أفراد بالمصاهرة من ناحية الزوج والزوجة؛ (حسين، 1406 هـ، ص 28 - 29).



والأسرة على هذا التكوين يطلق عليها: "الأسرة الممتدة".



"وهكذا كلمة الأسرة تشمل الزوجين وتشمل الأقارب جميعًا، سواء الأدنَون وغير الأدنَين"؛ (أبو زهرة، 1406 هـ، ص 62)، قال الله - تعالى -: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ [النحل: 72].



ب- أما في الوقت الحاضر: فقد تغير مفهوم الأسرة؛ حيث أصبح التركيز على الأسرة المباشرة، التي تتكون من الزوج والزوجة والأولاد.



والأسرة على هذا التكوين يطلق عليها: "الأسرة الضيِّقة"، أو قد يطلق عليها: "الأسرة البسيطة"؛ (نمر، 1411 هـ، ص 12 - 13).



وما يوافق الإسلام هو ذلك المفهومُ الذي يوضِّح أن الأسرة هي التي تشمل: الزوجين، والأولاد، والأجداد، والجدَّات، وفروعَهم؛ لما لهم في الإسلام من حقوق وواجبات؛ لأن الأسرة الصغيرة لا تتَّفق مع ما ورد في سورة النساء، قال الله - تعالى -: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [النساء: 12]
وعليه؛ فإن مفهوم التربية الأسريَّة في الإسلام هو الأمر الذي يعمل على توجيه نمو الفرد الإنساني وجهةً تتحقَّقُ به مشاركتُه في الحياة الأسرية، على النحو الذي وضعه الدينُ الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بجوانب حقوق الزوج، والزوجة، والأولاد، والآباء، والأرحام؛ لاعتبارهم الركيزة الأساسية للحياة الأسرية.

فضلاً يتبع



~ عبير الزهور ~
أهداف الأسرة



إن الإسلام رَعَى الأسرة واهتمَّ بها، فوضع لها الأهدافَ التي تمكِّنها من ممارسة وظيفتِها في ظل المودَّة والقيم الخُلُقية الإسلامية، ولا يمكن تحقيقُ أهدافها إلا إذا التزمت بمنهج الإسلام ونظامه الاجتماعي، فإذا قصرت أهدافها تكون قد خالفت هذا المنهج، وبذلك التقصير تضرُّ بالمجتمع كله، ويعتبر تكوين الأسرة سبيلاً لتحقيق أهداف تشمل كلَّ مناحي الحياة في المجتمع الإسلامي،
وهي تتمثل فيما يلي:

أولاً: هدف ديني:
إن أهم أهداف الأسرة هو عبادة الله - سبحانه وتعالى - في جوٍّ أُسرِي؛ إذ يعتبر الهدف الأسمى للتربية الإسلامية؛ لقوله - تعالى -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]
"إنها العبادة... عبادة في الزواج، وعبادة في المباشرة والأنسال... عبادة الله في كل حركة وفي كل خطرة"؛ فائز، (1403 هـ، ص 59).


إن تكوين الأسرة أمرٌ ديني أَمَر به الإسلام حتى يتمَّ التقاء الرجل والمرأة في صورة مشروعة، وهدف تكوين الأسرة هو عبادة الله إذا رَغِب الإنسان في النكاح وطالب به.

ولقد حثَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمر بالزواج وتكوين الأسرة؛ فعن عبدالرحمن بن يزيد قال: "دخلتُ مع علقمة والأسود على عبدالله، فقال عبدالله: كنا مع النبي صلى - صلى الله عليه وسلم - شبابًا لا نجدُ شيئًا، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا معشر الشباب، مَن استطاع الباءَة فليتزوَّج، فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاء))؛ (البخاري، د.ت، جـ 7، ص 3).

عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوَّجوا فإني مكاثرٌ بكم الأممَ، ومن كان ذا طَوْلٍ فليَنكِح، ومن لم يجد فعليه بالصيام؛ فإن الصوم له وِجَاء))[1] (ابن ماجه، د.ت، جـ 1، ص 592).

والإسلام يعطي الأجر في أخصِّ خصوصيات النكاح وهي الجماع، فهو يأمر الرجل بأداء حق زوجته، ويُغرِيه على أداء هذا الحق؛ حيث يخبر الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - أن الرجل له على أداء هذا الواجب أجر؛ عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن ناسًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون بفضول أموالهم، قال: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصَّدَّقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضْع أحدكم صدقة))، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه، ويكون له فيها أجر؟
قال: ((أرأيتُم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟! فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر))؛ (مسلم، د.ت، جـ 3، ص 82).


والإسلام شرع النفقات، وحدَّد على مَن تجب عليهم، وألزمهم بها تقربًا إلى الله - تعالى - فإذ لم يستجيبوا تكون قضاءً عليهم، والقضاء لا فكاكَ من أحكامه.

عن المقدام بن مَعْدِي كَرب الزبيدي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجلُ على نفسِه وأهله وولده وخادمه، فهو صدقة))[2] (ابن ماجه، د.ت، جـ 2، ص 723).

حدثنا شعبة قال: أخبرني عدي بن ثابت، قال: سمعت عبدالله بن يزيد، عن أبي مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا أنفق الرجل على أهلِه يحتسبُها، فهو له صدقة))؛ (البخاري، د.ت، جـ 7، ص 80).

عن ثوبان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أفضلُ الدينار دينارٌ ينفقه الرجل على عياله، ودينارٌ ينفقه الرجل على دابَّته في سبيل الله، ودينارٌ ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله))، قال أبو قلابة: بدأ بالعيال، ثم قال: فأيُّ رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيالٍ له صغار، يعفُّهم الله به، ويغنيهم الله به، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.[3]
(الترمذي، د.ت جـ4، ص304).


ويتحقَّق المفهوم إذا احتسب كلٌّ من الرجل والمرأة الأجرَ والثواب من عند الله.

وإن أهم هدفٍ من تكوين الأسرة هو "إقامة حدود الله؛ أي: تحقيق شرع الله، ومرضاته في كل شؤونهما وعلاقتهما الزوجية"؛ (النحلاوي، 1399 هـ ص122).

قال الله - تعالى -: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229].

"إن الآية خطاب للأزواج، نُهُوا أن يأخذوا من أزواجِهم شيئًا على وجه المضارَّة، ولكن إذا خافا ألاَّ يُقِيما حدود الله بأن ظنَّ كلُّ واحد منهما ألاَّ يقيم حقَّ النكاح لصاحبه، وحَسِب ما يجبُ عليه من حسن الصحبة وجميل العشرة، فلا حرج على أن تفتدي نفسَها منها، ولا حرج أن يأخذ"؛ (القرطبي، 1356هـ، جـ3، ص122).

إذًا؛ فتحقيق حدود الله هي إقامة الحياة الزوجية على تقوى وخوف من الله، بأن يُحسِن كل منهما العِشْرة للآخر، وأن تكونَ القَوَامة للرجل، والطاعة من قِبَل المرأة، وقَبُول هذه القوامة عليها، والإنفاق من قِبَل الرجل، وعدم الامتناع بنفسِها عنه، وأن تحفظَ نفسَها وماله وأولاده.

والله - سبحانه وتعالى - وصف الرسل الذين أرسلهم ومدحهم بأن لهم أزواجًا وذرية في قوله - تعالى -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد: 38].

كما مدح عبادَه الصالحين وأولياءه بالسؤالِ في الدعاء بأن يَهَب لهم أزواجًا وذرية، تقرُّ بها الأعين بقوله - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].

ثانيًا: هدف اجتماعي:
يَهدِف الإسلام من تكوين الأسرة إلى تكوين المجتمع المسلم وترابطه، وتوثيق عُرَى الأُخوَّة بين أفراده وجماعاته وشعوبه، بالمصاهرة والنسب؛ قال الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].

وفي سبيل هذا الهدف اعتَبَر المسلمين أمةً واحدة دون أي تفرقة في الجنس أو اللغة، فأجاز الزواج بين العربي والعجمي، وبين الأسود والأبيض، وبين الشرقي والغربي.

"ولعل الحكمة من زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبائلَ مختلفةٍ هي الربط فعلاً بين القبائل والتآلف بينها، وقد أمر الإسلام بالتعارف على اختلاف قبائلهم وأجناسهم"، (يالجن، 1408هـ، ص61).

والأسرة لها دور عظيم في تحقيق هذا الهدف؛ لِمَا يترتَّب على تكوينها من قيام علائق جديدة بطرق النسب والمصاهرة؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ [الفرقان: 54]
فالإنسان يُبتدأ في أول الأمر نطفة، منها يتخلَّق الجنين، فولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار وأخوات وقرابات؛ إنها قدرة الخالق المدبِّر.


والإسلام يعتبر الأمة الإسلامية أمةً واحدة، لا يَحُول بينهم وبين هذه الوَحدة حائل؛ من لون أو جنس أو لغة، ويبذل في سبيل تجسيدِ هذه الوحدة كلَّ الوسائل، فإنه يتَّخذ من الحض على الزواج من غير الأقارب وسيلةً يتحقَّق منها ما لا يتحقَّق بزواج الأقارب الذين لهم صلة الرحم.

ولعل من الحكمة في تعدُّد الزوجات توثيقَ عُرَى الودِّ والحب في المجتمع المسلم بالمصاهرة والنسب؛ إذ الذين ارتبطوا بروابط النسب يكون تماسكهم وتساندهم وتآلفهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.

والأسرة تقوم بتربية أولادها على الفضائل الاجتماعية، ويتطبع بها الأفراد كبارًا وصغارًا على أساس المبدأ القرآني؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2]
وخير قدوةٍ في تحقيق هذا الهدف الاجتماعي من تكوين الأسرة هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد تزوَّج بعائشةَ بنتِ أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - وتزوَّج بحفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وبهذا ارتبط بصاحبَيه الكبيرينِ برابط المصاهرة، فعزَّز الأُخوَّة الإسلامية لهما في الله بالمصاهرة.


وزوَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته رُقيَّة لعثمان - رضي الله عنه - فلما توفِّيت عَقَد له على شقيقتِها أمِّ كلثوم، وزوَّج ابنته فاطمة - رضي الله عنها - لابن عمِّه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه.

كما أنه يمكن من خلال تحقيقِ الهدف الاجتماعي تكثيرُ الأمة حتى تواجهَ الخطوب بسواعد قوية، وقوى عاملة تستثمرُ خيرات الأرض بكثرة قاهرة، وعقول جبَّارة، والوقوف بجانب بعضهم البعض في مساعدة إخواننا المسلمين.

ثالثًا: هدف اقتصادي:
إن من أهداف تكوينِ الأسرة الهدف الاقتصادي، والذي له قيمةٌ في حياة الأفراد، وله فاعلية في كيان الأمة الإسلامية، ومن حياة الأفراد نجد أثر عدم تكوين الأسرة في متابعة حياة العزَّاب، فهم في حالة فوضى من العيش، (والفقر الذي يلازم البعض منهم لما تتطلب حياة العزوبية من تكاليف مضاعفة من المال في كل شيء من مأكل، ومشرب، أو ملبس، أو مسكن، أو غير ذلك من أبواب المعيشة)؛ (يوسف 1398 هـ، ص 114).

ولقد أمر الإسلام بالنكاح لما فيه من الوعد بالغنى لمن يتزوَّج؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 32]
ولقد حثَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الزواج وبناء الأُسَر، فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - باتخاذِ زوجة لمَن يعمل؛ لما في ذلك من الاطمئنان والاستقرار، ولما في ذلك من الفاعلية الاقتصادية للأمة لزيادة الإنتاج وقلة الاستهلاك.


عن المستورد بن شداد قال: سمعتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن كان لنا عاملاً، فليكتسب زوجة، وإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، ومَن لم يكن له مسكن، فليكتسب مسكنًا))، قال: وأُخبِرتُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن اتَّخذ غير ذلك، فهو غالٌّ أو سارق هذا))؛ (حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، الحاكم، 1411 هـ، جـ1، ص406).

وحث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على بناء الأسرة حتى لو لم يتحقَّق اليُسْر؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تزوَّجوا النساء؛ فإنهن يأتينكم بالمال))؛ (حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، الحاكم، 1411 هـ، جـ1، ص 161).

فالحديث يدلُّ على معنى البركة والخير الذي يعطيه الله - سبحانه وتعالى - لمَن تزوَّج؛ إذ الزواج باعتباره حصنًا منيعًا للزوجين من الوقوع في الفاحشة، فهو مُعِين على تقوى الله ومخافته، والتي هي سبب كل خير الإنسان وأصل كل فضيلة.

قال الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 1، 2].

فالدعوة إلى الزواج وبناء الأسر أمرٌ ضروري، حتى لو كان كلٌّ من الرجل والمرأة عندهما مال يستغني به عن الآخر؛ فالزواج فيه الاستقرار والسكينة المساعدة لتحقيق الهدف الاقتصادي.

والأسرة لها أثرٌ عظيم في نهضة الأمة، ورفع مستواها الاقتصادي؛ نتيجة لتوفير الأيدي العاملة اللازمة لاستصلاح الأراضي، واستثمار الموارد، واستخراج الثروات الطبيعية برًّا وبحرًا، وكل هذا يؤدِّي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي لما تحتاجه الأمة من مواد زراعية وصناعية، ومن ثَمَّ تقوم الأمة بتصديرِ ما يفيض لديها من موارد، وتقومُ بحماية نفسِها من سيطرة الأعداء، ولا يتم هذا إلا بالأيدي العاملة، والعقول المفكِّرة، والجماعات المتعاضدة.

لذا رغَّب الإسلام في التناكح والتناسل وكثرة الأمة، وحثَّ عليه، ونهى عن الخصاء، وهجر النساء تبتُّلاً، والأحسن والأولى أن يتزوَّج الولود الودود.

عن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إني أصبتُ امرأةً ذات حسب وجمال، وإنها لا تَلِد، أفأتزوَّجها؟ قال: ((لا))، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: ((تزوَّجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم))؛ (السجستاني، د.ت جـ2، ص220).

فمن الزواج يتحقَّق الهدف الاقتصادي الذي نُرِيده للأسرة، فإذا كانت الزوجةُ ذاتَ صنعة، فإنها تُعِين زوجها من دَخْل هذه الصنعة.

عن أم سلمة - رضي الله عنه - قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصدقة، فقالت زينب امرأة عبدالله: "أيجزيني من الصدقة أن أتصدَّق على زوجي وهو فقير، وبَنِي أخ لي أيتام، وأنا أُنفِق عليهم هكذا وهكذا، وعلى كل حال؟
قال: ((نعم))، قال: وكانت صَنَاع اليدين"؛ (ابن ماجه، د.ت جـ1، ص588).


رابعًا: هدف خلقي:
إن الإسلام يعتبر النكاحَ وبناءَ الأسر وسيلةً فعَّالة لحماية الشباب والمجتمع من الفوضى الجنسية، لذلك اختصَّ الشباب بقسط أوفر من الدعوة إلى النكاح.

عن عبدالله - رضي الله عنه - قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوَّج؛ فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطعْ فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء))؛ (مسلم، د.ت جـ4، ص128).

فعلى الشباب الذين توفَّرت فيهم القدرة على الزواج الإقدامُ عليه؛ لِمَا فيه من سلامة الدِّين، وسكون النفس، وتحصين الفرج، وسلامة المجتمع من الانحراف الخُلقي، وأمنٍ من التفسخ الاجتماعي، وإشباع الميل إلى الجنس الآخر عن طريق الزواج المشروع والاتصال الحلال.

فإن لم يستطع الزواج، فعليه بالصوم؛ لأنه يقمع الشهوة، ويكبح جماح كل نزوة، ولقد اختص الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشباب؛ لأن توفر الشهوة فيهم تجعل حاجتهم إلى الزواج أشد، والضرر من إعراضهم أكبر، سواء بالنسبة لأنفسهم، باحتمال انحرافهم عن الفضيلة والطهر، أو بالنسبة للمجتمع الذي يؤدِّي فيه الإعراضُ عن الزواج إلى انتشار الفاحشة، وكثرة المنكرات، وتفشّي الأمراض الخبيثة، وكثرة أولاد الزنا، فالزواج حماية لِمَا يحدث من الفوضى في المجتمعات الغربية من حوادث الاغتصاب للأعراض، وزيادة الأطفال الذين وُلِدوا سفاحًا من فتياتٍ لم يبلغن سن الرشد، والزواج هو أحد أسباب سلامة المجتمع الإسلامي.

"وبوجهٍ عامٍّ: إن سلامة الأسرة المسلمة من مفاسد المَدَنية الغربية هي السببُ لسلامة المجتمع الإسلامي من الفجور"؛ (يوسف، 1398 هـ، ص 122).

والإسلام حينما ركَّز على تكوينِ الأسرة، إنما يركِّز على تكوينِ العَلاقات الزوجية التي يحمي به المجتمع من بلاء الزنا واللواط؛ ليبقَى المجتمع طاهرًا، تزدهر فيه القيم، وتُصَان فيه الأعراض والحُرُمات.

والإسلام يراعي الشبابَ إذا كانوا في حاجةٍ لمعونة الآباء؛ لتكوين الأسرة المنشودة، واعتبر الإسلام النكاحَ من حقوق الولد على والدِه إذا كان في سَعَة من المال.



والأسرة هي السبيل الأساسي لتربية الأولاد تربية إسلامية متمسكة بالأخلاق الفاضلة؛ إذ تكونُ تربيةُ أولادها هي مسؤوليتَها حتى ينشأ الأفرادُ فيها متخلِّقينَ بالأخلاق الإسلامية المستمدَّة من الكتاب والسنة، والبُعْد عن الرذائل والدنايا والسفاسف التي نهى عنها الإسلام.

فالأسرة هي المسؤولة عمَّا تُورِثه لأولادها من الأخلاق، ويظهر ذلك من خلال التزام أفرادها بتعاليم الإسلام، إذا كان أساس الأسرة، وهم الأب والأم القدوة الصالحة، ملتزمين بشريعة الله - عز وجل.

خامسًا: الهدف الصحي:
إن من أهداف الأسرة المسلمة وتكوينها صيانةَ الشباب وقوَّتِهم من أن يستنزفَها الزنا واللواط والعادات السرية الضارة، وما يترتب عليها من انهيارات جسمانية ومعنوية، لا تخفى خطورتها، أو أن تفتكَ بها الأمراض الخبيثة، والأمراض الجنسية التي جعلها - سبحانه وتعالى - عقوبة لمن تظهرُ فيهم الفاحشة، وتَشِيعُ فيهم المنكرات.

عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: أقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتُليتُم بهنَّ - وأعوذ بالله أن تُدرِكُوهن -: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُعلِنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقِصُوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدَّة المؤونة وجَوْر السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا، ولم ينقضوا عهدَ الله وعهد رسولِه إلا سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتُهم بكتابِ الله ويتخيَّروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم))[4] (ابن ماجه، د.ت جـ2، ص1332).

إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال - وهو الذي لا ينطق عن الهوى -: إذا ظهرت الفاحشة فشا في الأمة أمراض لم تكن في سابقِهم، وقد حذَّر من هذه الأوبئةِ؛ فجميعُ الأمراض الجنسية تنتقلُ وتنتشر عن طريق العَلاقات غير المشروعة، أو بتعبير آخر: عن طريق الفوضى الجنسية، وخاصة عن طريق الزنا واللواط، "ومن الأمراض مثل الأمراض الزهرية أو السرية، وهذه الأمراض تُوهِن الجسم وتفتكُ بصحة الأولاد"؛ (يوسف، 1398 هـ، ص 124).

وسلامة المجتمع المسلم تظهر من تماسكِه وقوَّته، وسلامتُه مرهونة بابتعاده عن الفاحشة التي تجلب الأوبئة الخطيرة، ومن ثَمَّ فإن الزواج هو الوسيلة التي تحقِّق إشباع غريزة الجنس؛ لذا ميز الله أهل الإيمان بضبط الغريزة وتوجيهِها التوجيه الصحيح.

قال الله - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [المؤمنون: 5 - 7].

ومسلك الفوضى إنما هو انحلال، وعدوان خطير يدمِّر المجتمع، ويبث الوهن في أنحائه؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32].

لذا يُعتَبر الزواجُ طهارةً لروح الأسرة والجماعة، ووقايةً للنفس والمجتمع؛ بحفظ الفروج من دنس الفواحش، وحفظ القلوب من التطلُّع إلى غير الحلال، وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات بغير حساب، ومن فساد البيوت والأنساب.

فالجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب معرَّضةٌ للخلل والفساد؛ لأنه لا أمنَ فيها للبيت، ولا حرمة فيها للأسرة.

ويقول قطب 1400 هـ: "إن الجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغير حساب جماعةٌ قَذِرة، هابطة في سلَّم البشرية، والمقياس الذي لا يخطئ لارتقاء البشرية هو تحكُّم الإرادة الإنسانية وغلبتها، وتنظيم الدوافع الفطرية في صورة مُثمِرة نظيفة لا يخجل الأطفال معها من الطريق التي جاؤوا بها إلى العالم "؛ (جـ4، ص 2455).

إن الإصابة بالأمراض الخبيثة في المجتمعات الغربية، وظهور الأمراض التي لم تكن في سابقهم، إنما هو نتيجة لشيوع الفاحشة في هذه المجتمعات، وافتقاد الأسرة مكانتها، ونجد أن عكس هذا ما يقع في بعض دول العالم الإسلامي من اختفاءِ هذه الأوبئة نتيجةً للمحافظة على الأعراض، وعدم الانغماس في الشهوات.

سادسًا: الهدف الفطري (تحقيق حاجات الطباع الإنسانية):
إن من أهداف تكوين الأسرة إشباعَ حاجاتٍ أوَّلية، خلقها الله - سبحانه وتعالى - فهي إما أن تكون عضوية أو نفسية، وعدم إشباعها يؤدِّي إلى أضرارٍ تُقَاس بدرجة ضرورتها، ومن هذه الحاجاتِ الغريزةُ الجنسية، ولا يتم إشباعها إلا بالنكاح؛ لذا ندب الشرع لمن يقع نظرُه على امرأةٍ أعجبتْه فتحركت لرؤيتها شهوته أن يعود لامرأتِه فيُوَاقِعها؛ دفعًا لغائلة الشهوة، وتسكينًا لوساوس الشيطان، وجمعًا لهمة القلب والروح في إقبالها على الله تعالى.

عن أبي الزبير قال: قال جابر: سمعتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا أحدكم أعجبتْه المرأةُ فوقعت في قلبه، فليَعمَد إلى امرأته فليُوَاقِعها؛ فإن ذلك يردُّ ما في نفسه))؛ (مسلم، د.ت، جـ4، ص130).

ولقد قرن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - قولَه بالتطبيق العملي ليكون فيه خير قدوة، وأكرم أسوة.

عن جابر - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى امرأةً، فأتى امرأته زينب، وهي تَمْعَسُ مَنِيئةً لها، فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه، فقال: ((إن المرأة تُقبِل في صورة شيطان، وتُدبِر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدُكم امرأةً، فليأتِ أهلَه؛ فإن ذلك يردُّ ما في نفسه)).

حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث، حدثنا حرب بن أبي العالية، حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبدالله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى امرأةً، فذكر بمثله غير أنه قال: "فأتى امرأته زينب وهي تَمعَسُ مَنِيئةً"، ولم يذكر ((تُدبِر في صورة شيطان))؛ (مسلم، د.ت، جـ4، ص129).

ومعنى تَمعَسُ مَنِيئة: "تدلك المدبغة"؛ أي: تدبغ جلدًا"؛ (الزمخشري، د.ت، جـ3، ص373).

هذا فعل النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - وما فعله إلا تبيانًا وإرشادًا لأصحابه؛ لما ينبغي فعله تحصينًا لأنفسهم، وتطهيرًا لقلوبهم، حفاظًا على صحتهم.

فالعلاقة الزوجية هي عَلاقة خاصة بين الرجل والمرأة، وسرٌّ من أسرار الله - سبحانه وتعالى - وآية من آيات الله يجدُها آيةً مَن يفكِّر فيها ويتدبَّر مَن أراد أن يتزوج.

والزواج فيه مودَّة ليست من نوع مودَّة الآباء والأولاد، ولا نوع من المودَّة التي توجد بين الأصدقاء، وكذلك الرحمة الخاصة بين الزوجين هي غير الرحمة التي يجدها الناس الآخرون؛ بل إن المودَّة والرحمة هي نوعٌ خاصٌّ بين الزوجين لا يجدُها مَن يتصل الاتصال غير الشرعي.

"يقول علماء النفس: إن الاتصال غير الشرعي بين الرجل والمرأة يتمُّ فيه اتصال الجسد بالجسد، ولا يتم فيه اتصال مباشر بين الروح بالروح؛ لأن الزانية تعطي بُضْعَها ولا تعطي قلبَها وجسدها، ولتتم السعادة لا بدَّ من الاتصال الجسمي والروحي معًا، ولهذا فالاتصال غير الشرعي اتصال ناقص"؛ (يالجن، 1408هـ، ص64).

ومنهج التربية الإسلامية في إشباع الغريزة الجنسية أن تكونَ هناك عَلاقة زوجية بين الرجل والمرأة من غير المحارم، فماذا يفعل العزَّاب في مثل هذه الحالة التي تنتاب أي رجل إذا رأى امرأة؟ وهؤلاء الشباب يَحرِصُون على الاستقامة، وهم سيظلُّون في صراع دائمٍ مع غرائزهم، مهما كانت قوَّة التقوى فيهم، وأما إذا كانت نفوسُهم ضعيفةً، فسوف ينغمسون في الملذَّات التي يَسْعَون لإشباعِها بأي طريقة كانت، والمُعرِضون عن الزواج - رجالاً كانوا أو نساءً - هم في الواقع أكثر بؤسًا في الحياة، فإنهم محرومون من متاعها الحسي والروحي، وهم محرمون من خير متاع وأعظم نِعَم الله تعالى.

وفي كَنَف الأسرة وفي رحابها يتحقَّق للفرد مطلبٌ من مطالبه الملحَّة الطبيعية، ذلك هو مطلب الوالدية، والحاجة إلى الذرية؛ لذا فإن إنجاب الذرية عند الرجل والمرأة طلبه الرجال والنساء قديمًا وحديثًا؛ لأن النسل يمدُّ من عمره القصير على الأرض.

قال ابن قدامة 1403هـ: "إن النكاح مستحبٌّ مندوب إليه، كثير الفضائل، وفيه فوائد منها: الولد؛ لأن المقصود بقاء النسل، وفيه موافقة محبة الله - تعالى - بالسعي إلى ذلك؛ ليبقى جنس الإنسان". (ص90).

ويكون الأمر أكثرَ فائدة لو كان النسل صالحًا، حتى يتحقَّق عدم انقطاع عمل الإنسان.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا مات الإنسان انقطعَ عنه عملُه إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))؛ (مسلم، د.ت، جـ5، ص73).

[1] حديث حسن، الألباني، 1408هـ، جـ 1، ص 310.

[2] حديث صحيح، الألباني، 1408هـ، جـ 2، ص 5.

[3] حديث صحيح، الألباني، 1408هـ، جـ 2، ص 187.

[4] حديث صحيح، الألباني، 1409هـ، جـ 2، ص 370
مرحة دوم مو يوم
ربنا يبارك فيك كمان وكمان دايماااااااااااااااا
ورمضـــــــــــــــ♥ـــــــــــــان كريــــــــــــــــــ♥♥ــــــــــــــم
سنبلة الخير .
جزاك الله خيرا وبارك الله فيكِ

طرح قيم

مشاركة هادفة

جعلها الله في موازين حسناتكِ
منتهى اللذة
جزاك الله خيـر
وجعله في ميزان حسناتكِ
آنآر الله قلبكِ بالآيمآن وطآعة الرحمن
دمتِ بحفظ الرحمن
اية رفعت
جزلك الله خير
وجعلة فى ميزان حسناتك

التالي

معنى الطوال والمثاني والمفصَّل والمِئِين

السابق

وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون

كلمات ذات علاقة
المصرية , التربية , النساء , صورة , ضوء