واجبات بين المسارعة والمجادلة - الشيخ على بن عمر بادحداح

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
كتبت : ~ عبير الزهور ~
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021


واجبات بين المسارعة والمجادلة - الشيخ على بن عمر بادحداح

أوصيكم بوصية الله - عز وجل - المؤكدة في كل آن وحين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران/102].
قصص ومواقف اسرد بعضها وهي غيض من فيض، وقليل من كثير، اجعلها في موضوعات ومجالات متنوعة من أبواب الشرائع والفرائض وميادين الطاعات والقربات، للنظر من خلال ذلك إلى ما تردت إليه الأحوال في النظر إلى أمر الدين وفرائضه، وأمر الطاعة وصورها، وأمر المسارعة إلى الخيرات والمنافسة فيها.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: (أرسلني قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أستحمله - يعني يطلب أن يحملهم معه- قال: وذاك في العسرة يوم تبوك، فوافيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلت له: إني رسول قومي إليك لتحملهم، فقال: لا أحملكم، قال: ووافيته مغضباً، فرجعت إلى قومي حزيناً، لأن الرسول لم يحملنا، ولأنه ربما وجد علينا، قال: فإذا بمنادي يقول: يا عبدالله بن قيس، قلت: نعم، قال: أجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأجبته، قال: خذ هاذين القرينين لعدد من الإبل، قال: سقها إلى قومك واحملهم عليها، قال: فرجعت إلى قومي، فقلت: ابعثوا معي أحداً حتى تعلموا ما قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر.
والقصة التي أوردها أصحاب السير، وذكرها أهل التفسير، قصة سبعة نفر من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم فقراء سمعوا النداء إلى الجهاد وليس معهم عدة ولا زاد، كان يكفيهم ذلك عذراً شرعياً عند الله - جل وعلا - لكنهم جاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطلبوا الخروج معه، لا إلى نزهة سياحية، ولا إلى غنيمة مالية، ولكن إلى مشقة بعيدة ومسافة طويلة ومعركة هائلة، وموت مرتقب، جاؤوا رغم العذر الذي عندهم يطلبون رسول الله أن يحملهم، ولم يكن عند سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - ولا الدولة الإسلامية كلها حينذاك ما يمكن أن تقدمه لهؤلاء فاعتذر لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل فرحوا بذلك!

وهل قالوا جاءت مهمة الإعفاء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ! يقول الحق - جل وعلا -: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) [التوبة/92]، رجعوا والقرآن يصف حالتهم الظاهرة ومشاعرهم الباطنة: (وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) يعني كان الدمع غزيراً كثيراً ولم يكن أمراَ ظاهرياً بل كان عن شعور قلبي حزناً ألا يجدوا ما ينفقون.
عجباً لهؤلاء القوم، عذرهم شرعي مقبول، وسعيهم مجزي ومأجور، ثم بعد ذلك كله يرجعون وهم في غاية الحزن والأسى، كيف كانوا يفكرون؟ بأي قلب وعاطفة كانوا مع أوامر الله - عز وجل - وشرائعه بل والسنن والنوافل يتعاملون؟
وليس الأمر هنا فقط!
سأذكر ونحن نتحدث عن هذه الغزوة بقية مواقف في هذا الصدد على وجه الخصوص، في ميدان آخر لما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين لتجهيز جيش العسرة، ليس وجوباً فمفروضاً، فقام عثمان بن عفان وقال يا رسول الله: علي 100 من الإبل بأحلاسها وأقتابها، فقال المصطفى: من يجهز جيش العسرة وله الجنة، فقال عثمان: علي 200 من الإبل بأحلاسها وأقتابها، فأعاد فقال عثمان: عليه 300 من الإبل بأحلاسها وأقتابها، وزاد فوقها ألف دينار حتى قال رسول الله: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم.
هل كان ذلك واجباً في حقه؟
هل كان ذلك مفروضاً عليه؟
هل ذلك بفتوى تلزمه أن يقوم به؟ الإجابة لكم لأنقلكم إلى سنن الترمذي في موقف فريد آخر في ذات الحدث يوم قال عمر - رضي الله عنه - عند سماعه لهذه الدعوة في تجهيز الجيش قال: اليوم أسبق أبا بكر، ميدان التنافس لا ينتظر أن يقال هذا واجب مفروض فإن ميدان النفس المقبلة على الله والروح المتعلقة بمرضاة الله والتدين الذي يسوق الحياة كلها في طريق الله - عز وجل - لم يكن كذلك، قال: اليوم أسبق أبا بكرٍ، فجاء بشطر ماله، قال: فوافيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقدم أبي بكر أبو بكر قادم، وإذا به يضع ما جاء به بين يدي رسول الله والرسول يسأله: ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر، لم يسأله ما الذي جئت به؟
ما الذي بقي؟
لأن الرسول يتوقع أن الباقي هو الأقل، والذي جاء به هو الأكثر، فقال أبو بكر: أبقيت لهم الله ورسوله، خرج من ماله كله، الأموال السائلة والعقارات المنقولة والأرصدة الموجودة هنا وهناك، كله مرة واحدة؟
كلا، بل اثنتين وثلاثة فإن أبا بكر قد سبق أن خرج من ماله كله قبل ذلك، فقال عمر حينئذ: والله لا أرزؤك شيء بعد اليوم يا أبا بكر، لن أفكر في سبقك لأنك دائماً سابق، لا تنتظر أن يكون هذا واجب حتمي فإن الواجب أمره مفروغ منه، ولم يكن أحد من أولئك يتقدم على أن هذا واجب لازم، لكن قلبه المعمور بالإيمان، لكن روحه المتعلقة بنصرة الإسلام تأبى عليه أن يفكر بهذا المنطق، وتريد أن تسابق إلى ما هو أسمى وأعلى، وهل الأمر بالكثرة؟
في هذه الغزوة أبو عقيل أحد الصحابة لم يكن ذا مال فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقدم ما عنده، أتدرون ما قدم! نصف صاع من طعام، المنافقون استهزؤوا به!
ما هذه النفقة!
هل هذا يجهز جيشاً!
وتنزلت الآيات تبين أن المعنى هو معنى القلب والإخلاص والبدل (وسبق درهم مائة درهم) كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل إن علبة بن زيد بن حارثة لم يكن عنده شيء حتى ولا نصف صاع، فكان في الليل يصلي ثم دعا فقال: اللهم إنه لا مال لي فأنفقه في سبيل الله، وإني قد تصدقت بعرضي على جميع إخواني المسلمين فعفوت عن كل من أساء إلي، تصدق بالعفو والمسامحة، ماذا ستفيد؟ في اليوم التالي سأل النبي والجمع مجتمع: من الذي تصدق بعرضه البارحة؟

تنزل الوحي يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه النوع الفريد من الصدقة لأن القلب معمور بالرغبة في العمل والنصر لدين الله والاجتهاد في طاعة الله والمسابقة لنيل أجر الله وثواب الله، قال: أنا يا رسول الله، قال: قد قبل الله صدقتك.

كل هؤلاء معذورون شرعاً، وليسوا مطالبون بذلك واجباً.
وأنقلكم بعد قضية البذل بالنفس في طلب المشاركة في الجهاد، والبذل بالمال في نصرة الدين وإقامته إلى صور أخرى في ميدان ثالث وهو ميدان في غاية الأهمية، فلئن تقاعسنا عن الأول والثاني وكنا بعيدين بعداً كبيراً عنهما فماذا نقول في هذا الميدان الثالث!.
الربيع بن سليمان أصابه الفالج أي الشلل، فلما سمع الأذان طلب من أبنائه أن يحملوه إلى المسجد ليصلي الجماعة، فقالوا: إنك معذور فلو صليت في بيتك، قال: هو كما تقولون أي من حيث الحكم الشرعي، ولكني سمعت حي على الصلاة، فإذا سمعتم حي على الصلاة، حي على الفلاح فأجيبوا ولو زحفاً ولو حبواً، وليس بالسيارات المكيفة، وليس بالمساجد المفروشة الوفيرة.
ومعلوم في ذلك كثير وكثير من المآثر العظيمة لأسلافنا، فالأعمش من أئمة التابعين يقول: ما فاتتني تكبيرة الإحرام سبعين سنة، وسعيد بن المسيب - رضي الله عنه ورحمه الله- يقول: ما فاتتني تكبيرة الإحرام أربعين سنة، والقصص في هذا كثير.
وكان الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم يقدمون لنا أموراً عجيبة عندما ننظر إلى واقعنا اليوم الذي سأشير إليه في حديثنا هذا نكاد نبكي على أحوالنا.
روا مسلم في صحيحه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: والقول من الصحابي الجليل صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن أم عبد الذي قال فيه الرسول: ((من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه قال قراءة ابن أم عبد)) الذي قرأ القرآن على الرسول حتى بكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي صلى مع الرسول يوم قام بالبقرة والنساء وآل عمران، استمعوا إليه وهو يقول لنا: من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط به عنها خطيئة، وكان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجل حتى يقام في الصف في عهد محمد - صلى الله عليه وسلم - أوليس هذا القول باللغة العربية التي نفهمها؟

وهل هناك أوضح من هذا التفصيل البين الذي يقول فيه: ((من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً)) والذي يقول: ((فإنهن من سنن الهدى وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى)) الذي يصف هذا المتخلف بأنه يضيع أمراً عظيماً، وهو القائل أيضاً: ابن مسعود - رضي الله عنه - ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا رجل مغموس النفاق.
وأما إن شئت أن أمضي بكم فستجدون عجباً كثيرا، فثابت بن حجاج يخبرنا أن الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج إلى الصلاة ثم دعا المؤذن أن يقيم قال: والله لا نؤخر صلاتنا لأحد، فلما قضى صلاته صرف إلى القوم وقال: ما بال أقوام يتخلفون فيتخلف بتخلفهم آخرون، والله لقد هممت أن أرسل إليهم فيجاء في أعناقهم ثم يقال: اشهدوا الصلاة.
كان متنطعاً أو متشدداً عمر الفاروق - رضي الله عنه - وهو أمير المؤمنين وإمام المسلمين في ذلك الوقت.
وهكذا أريد أن أقف هنا الوقفة السريعة، ولكنها القوية العنيفة، عندما نتحدث عن هذه الصلاة وكأننا قد ملئت مساجدنا عن بكرة أبيها في كل فرض من الفروض، وكأننا نغذ إليها الخطى ونصلها قبل أن يؤذن المؤذن، وكأننا نتسابق إلى الصفوف الأولى التي قال الرسول عنها: (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليها لاستهموا عليها) وكأننا لا تفوتنا تكبيرة الإحرام في العام ولا مرة، وشاهد حالنا غني عن البيان، نجر الخطى إليها جرا، وكلما صليت فرضاً انظر فستجد من يقضون الصلاة أكثر ممن أتموها، ويقول الإمام في صلاة الفجر: سووا الصفوف، ثم ينتبه فلا يجد إلا صفاً فيقول:
سووا الصف يكفي واحد، ثم بعد هذا كله وبعد هذه الصورة التي تدل على ضعف كبير وتقاعس كثير نأتي ونقول انتبهوا فإن هذه الصلاة في المساجد ليست واجبة عليكم، ابقوا في بيوتكم، ناموا ملأ أعينكم، انشغلوا بشؤونكم، وكأننا نرى الناس قد أخذوا بالجد والعزف، وكأننا نراهم وقد جيء بهم وهم يهادون بين الرجلين وقد أصيبوا بالمرض ويصرون على أن يكونوا بين المصلين.
وهنا أقول هذه الكلمة التي أرى أنها محور مهم وأساس لابد أن نعيه وأن نفقه وأن نعيشه في أرواحنا وفي قلوبنا.
إن أمر الطاعات والقربات لا ينتظر بالنسبة لمن ملأ الإيمان قلبه أن ينظر في الحكم بعينه، كلنا يعرف الأحكام المفروضة، والمحرمة القطعية من معلومات الدين بالضرورة، وما كان أحد من أولئك الأصحاب والأتباع والأسلاف الصالحين يجهل ذلك لكنهم ينظرون إلى ذلك بنظر أساسي مهم وهو نظر التدين، نظر الحب للطاعات والقربات، نظر الشعور بالحلاوة والراحة والطمأنينة، نظر اليقين بأن كل أمر يبذل لله، وكل طاعة يتقرب بها إلى الله، تثمر خيراً في الدنيا، وأجراً وثواباً ورفعة في الآخرة، يقبلون على هذه الطاعات لا بحدودها الدنيا بل يتنافسون في حدودها العليا.
ألم تستعموا وتعرفوا وتحفظوا حديث أبي ذر يوم جاؤوا الفقراء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتكون مما يشتكون!
يقولون: إن ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ونحن لا مال عندنا نتصدق، كيف سننافسهم؟
كيف سننال الأجور مثلهم؟ فقال: كل تسبيحة صدقة، كل تكبيرة صدقة إلى آخر ما دلهم عليه.
في رواية أن أبا أيمن قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله سمع إخواننا من أهل الأموال قولك: فقالوا مثل ما نقول، لن يكونوا مستغنين عن الأجر والثواب، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأقف معكم في تلك الآيات العظيمة الجليلة في كتاب الله أقرأها واكتفي بها دون أن أتحدث عن دلالاتها الفقهية أو الحكمية: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور/3637]
ألا تحب أن تكون من هؤلاء الرجال!
ألا تحب أن ينطبق عليك الوصف القرآني في هذه الآية!
وإليك ما هو أعظم في هذا المعنى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) [التوبة/18] ألا تحب أن تكون كذلك، حتى ولو يكن هناك وجوب حكمي ولا إجماع فقهي، ما بالنا أنتعامل في طاعاتنا بالرقم والزائد والناقص والحساب، وكأن أرصدتنا من الثواب والحسنات والطاعات والقربات والإنفاق والجهاد قد طامنت الجبال بعلوها والآفاق بوسعها، ولو أردت أن أقول لقلت الكثير والكثير وأنتم تعرفون ما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث الفضائل: (سبع وعشرين درجة، ورفعة درجة، وتحط خطيئة، ويكون في صلاة من انتظر الصلاة والملائكة تصلي عليه وتقول اللهم اغفره اللهم ارحمه مالم يحدث) كل هذا ننتظر فيه أن يقال لنا: هذا لازم واجب أو غير واجب.
إني أقول يجب علينا أن نستحيي من الله، وأن تكون صلتنا بالله ليست مرتبطة بمثل هذه النظرات القاصرة، فإن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا على هذا السنن الذي ذكرته لكم، أتعرفون لماذا؟
لأن سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - كان قدوتهم، وكلكم يحفظ هذا الحديث الفريد العجيب، الذي لا أدري لم لا نتأمله عندما نستمع إلى هذه الأقاويل:
في حديث أم المؤمنين عائشة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وأقول لنفسي قبلكم منذ أن ولد كل منا إلى يومنا هذا، هل تفطرت أقدامنا مرة وليس في كل ليلة؟
فتعجب عائشة أقرب المقربين إلى رسول الله - عليه الصلاة والسلام - لم كل هذا الجد والاجتهاد؟
يا رسول الله أوليس قد غفر الله لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر، فيقول: أفلا أكون عبداً شكورا.
أليس هذا هو محمد قدوتنا - صلى الله عليه وسلم - هل نقول إننا في الطاعات والعبادات، سنقيسها بالأرقام والحسابات، وسننظر إليها في الأقوال والمذاهب وغير ذلك ونحن نعلم كم هو تقصيرنا وتفريطنا، وكم هي غفلتنا وغشيتنا، وكم هي معاصينا وآثامنا، واكتفي بهذا علنا ننتبه إلى القضية الكبرى أننا في شأن ديننا نقبل على الله بقلوبنا، ونبذل في الطاعات كلما نستطيع حباً وشوقاً ولهفة ورغبة، وليس كلفة وإجباراً وإكراهاً فإن الله - جل وعلا - قال: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[البقرة/286].
أسأل الله - جل وعلا - أن يمن علينا جميعاً بالإقبال على الطاعات، وتذوق حلاوة ولذة المناجاة، ونسأله - سبحانه وتعالى - أن يجعل الطاعات أحب إلى قلوبنا من الماء البارد على الظمأ، وأن يجعلنا فيها مخلصين، وأن يكرمنا فيها بالقبول ومضاعفة الأجور.
الخطبة الثانية:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله في كل آن وحين فتقوى الله في كل آن وحين واجتهدوا في أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب/21] لو تأملنا القدوة النبوية في كل مجالات الطاعة والعبادة، لرأينا عجباً لا نكاد نتصوره، ونجزم أنه لا مثيل له لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان أعبد الخلق لله - عز وجل - وأتقاهم له.
قام يصلي من الليل كما تعلمون في رمضان ما انتظر الصحابة حتى يسألوا هل هذه فريضة أو سنة؟
ائتموا به، وفي ليلة ثانية تكاثروا، وفي ليلة ثالثة أصبح الجمع كبيراً، فلم يخرج لهم في الرابعة قال: (لئلا تفرض عليكم) فهل تركوها من بعد؟

وهل قصروا في تلك المسارعة إلى الخيرات والقربات والطاعات؟
ويوم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أسرع في صلاته، وانفتل مسرعاً، ودخل إلى بيت من بيوته ثم غاب قليلاً وخرج فرأى وجوه أصحابه كأنها تسأل فقال: (ذكرت شيئاً من تبرٍ أي من ذهب فخشيت أن يحبسني فأنفقته في سبيل الله).
هذه المواقف هي التي لم تجعل الصحابة ينظرون إلى الحدود الدنيا، بل الحدود الدنيا ينظر فيها إلى أمر الدنيا كما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة: ((انظروا إلى ما هو دونكم فإنه أجدر أن تزدروا نعمة الله عليكم)).
قلبنا الآية وعكسنا الصورة إلا من رحم الله، إذا نظرنا إلى أمور الدنيا والمراتب والمناصب، قلنا: ولم لا أكون مثل فلان، وينبغي أن أبذل واجتهد، ولابد أن يكون عندي طموح وأمل، وإذا نظرنا إلى الطاعات قلنا: يكفينا منها أداء الفرائض، ومن اقتصر على الفرائض ولم يجتهد في النوافل يوشك أن يحصل له تخلف وتأخر، وبعد ذلك يسوف ويسوف، ويقع ما يقع، وسيجد من الأقوام قديماً أو حديثاً ما يصوغ له ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من آخر ما ينقض في هذا الدين الصلاة.
فنسأل الله - سبحانه وتعالى - الذي جعلنا أمة الإسلام أمة طاعة وعبادة يوم فرضنا علينا الصلوات خمس مرات في كل يوم وليلة، لنبقى أمة عبادة في بيوت الله - عز وجل - نلتقى ونأتلف ونتوحد ونتشاور ونتكافل ونعمر بيوت الله - عز وجل - ونعلن طاعة الله، فهل نريد أن نقطع ذلك حتى لا ندخل مساجدنا إلا في الأسبوع مرة واحدة وأخشى أن يأتينا قول نسمع به أن الجمعة قد يكون فيها قول آخر أو نحو ذلك.
أيها الإخوة إننا لا ننتظر أقوالاً إن رق الدين في قلوبنا، وضعف الإيمان في نفوسنا، وصرنا كسالى ونحن مستثقلون للطاعات فلا نضحكن على أنفسنا بأن نلتمس أقوالاً تسوغ لنا كثيراً من تقصيرنا.
كونوا مع أنفسكم صرحاء، إن أمر الطاعة لا يتعلق بالوجوب، ورأينا وسترون والأمثلة آلاف مؤلفة في كل باب من الأبواب.
فنسأل الله - عز وجل - أن يقبل بقلوبنا عليه، وأن يشرح صدورنا إلى طاعته، وأن ينصب أقدامنا في صلاتنا، وأن يرزقنا لذة في هذه الطاعات.
ونسأله - عز وجل - أن يجعلنا إليها مسارعين، وفي الاستكثار منها منافسين، وبحضور القلوب والإخلاص فيها مكرمين.
نسألك اللهم ألا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا، نسالك اللهم ألا تحرمنا لذة الوقوف بين يديك، والصلاة في كل يوم خمس مرات إليك. نسألك اللهم أن تديم علينا نعمة الطاعات والقربات والأذكار والمناجاة والدعوات في كل آن وحين يا رب العالمين.
رطب اللهم ألسنتنا بذكرك، وأملأ قلوبنا بحبك، واجعل أقدامنا منصوبة لطاعاتك، وجباهنا خاضعة لعظمتك، وأيدينا منفقة في سبيلك، وجوارحنا مسخرة في طاعاتك، واجعلنا اللهم من ستار قدرك في نصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين.
اللهم احسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين، تولى اللهم أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم توفنا على الإيمان، وابعثنا على التوحيد وشهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله برحمتك يا ارحم الراحمين.




كتبت : * أم أحمد *
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
جَزَآْك رَبِّيْ خَيْرَ الْجَزَآْءْ ~
وَ جَعَلَهُ فِيْ مَوَآْزِيْنِ حَسَنَآْتِك ~
وَ بَآْرَك فِيْك وَ أَثَآْبَك الْجَنَّةْ بِ غَيْرِ حِسَآْبْ ~
لَآْ حُرِمْنَآْك ~
لـِ رُوْحِك تَرَآْتِيْلُ دُعَآْءْ : ) ~
كتبت : بسمة بريئة
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
جزاك الله خير أختي الغالية
كتبت : صفاء العمر
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
بارك الله فيك
وجزاك الله خير
ونفع بما قدمت المسلمين والمسلمات
ولا حرمك الاجر
كتبت : || (أفنان) l|
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021

أختي الحبيبة
جزاك الله خير الجزاء
ونفع بك ووفقك الله لكل ما يحب ويرضي
وبلغك اعلي منازل الجنة
دمتي بحفظ الله ورعايته الكريمة
كتبت : شهريار
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
جزاك الله خير الجزاء
ونفع بك ووفقك الله لكل ما يحب ويرضي

التالي

الوجه السافر للعدوان الكافر - للشيخ سعود الشريم حفظه الله

السابق

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

كلمات ذات علاقة
المصارعة , الصحى , بادحداح , بين , على , عمر , والمجادلة , واجبات