إلى كل من وفقه الله لإدراك عشر ذي الحجة

مجتمع رجيم منتدى الحج و العمرة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث

إلى كل من وفقه الله لإدراك عشر ذي الحجة

إلى كل من وفقه الله لإدراك عشر ذي الحجة




13811820271.gif
إلى كل من وفقه الله لإدراك عشر ذي الحجة



الحمد لله الذي يوفِّق من يَشاء من عباده لاغتِنام لحظات حياته فيما يقرِّبه إلى ربِّه وباريه، والصَّلاة والسلام على خيرِ مَن كان راغبًا إلى ربِّه في كل لحظات حياته ودقائق عمره.



أما بعد:

فإنَّ الإنسان في هذه الدُّنيا كالمُسافر الغريب، الذي يَنْزل ببلدٍ، فسرعان ما يرتحل منها، عائدًا إلى مستقَرِّ وطنه وبلده، الذي تربَّى ونشأ فيه، ولا يدري هل يصل إليه أوْ لا يصل، فتَجِده في سفَرِه هذا أعدَّ العُدَّة وتأهَّب إليه، وتزوَّد لأجل مواجهة نوائب الطَّريق، فإذا كان الإنسان في سفَرِه مستعِدًّا، فالأحرى به أن يستعدَّ للرحيل من هذه الدُّنيا إلى دارٍ خُلِقنا لها؛ من أجل أن يميِّز الله الطيِّبَ من الخبيث، والتقيَّ من العاصي، والشقيَّ من السعيد؛ فعن عبدالله بن عُمر - رضي الله عنهما - قال: أخذَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بمنكبي، فقال: ((كن في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل))، وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"؛ رواه البخاري.



ومن غنائم الحياة التي تكون عونًا للإنسان على التزوُّد من هذه الدُّنيا بما يقرِّب إلى مرضاته، وتحقيق الفوز الكبير برضا الله وجنَّتِه، وفي قادم الأيام إنْ كتب الله لنا عمرًا وبقيَّة: سنُدرك عَشرًا مباركات، هي عَشْرُ ذي الحجَّة، انتظرناها بشوق، ولكن ينبغي علينا أن نَعْلم أنَّ أناسًا كانوا معنا في الأيام الماضية هم الآن تحت الأرض في قبورهم، دعواتنا لهم بواسع الرَّحمات من الرحمن الرحيم؛ فهم كانوا معنا، لا أقول في عامٍ مضى، بل كانوا معنا في أيامٍ مضَتْ، أمَلُهم أن يُدركوا هذه الأيَّام، وبعضهم اشترى أضحيتَه، ولكن هي الحقيقة التي غفل عنها الكثيرُ في ظلِّ مغريات الدُّنيا، وأهوال تقنيتها، وتقدُّم عصرها؛ مما جعل دقائقها ولحظاتها تمرُّ علينا كالبَرْق، وترى الواحد منَّا ينتظر راتبه آخِرَ شهره، ولم يتفكَّر في أنَّها أيامٌ تمرُّ من عمره الذي سيَفْنَى، وسيُسأل عنه، فما أجمل اللَّحظات التي نفكِّر فيها في حال هذه الدنيا!



ولنا في السابقون عظةٌ وعبرة، فلاَحُ الإنسان فيها، ورِبْحه في اغتنامِها فيما يُرضي الله، والتزوُّد بخير العمل الصالح الخالص لله وحده، المقتفي أثر رسوله الكريم محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ [النساء: 57].



لذا؛ ينبغي على العبد أن يَغتنم ما سيُظِلُّنا في قادم الأيام، وهي العشر من ذي الحجَّة من العام 1432 هـ، سائلاً الموفِّق أن يوفِّقنا لأن نفوز برضاه فيها، والفوز بِفَضلها وخيرها؛ لكي نَرْبح بطاقةَ الفوز بجنَّةٍ عرضُها السَّموات والأرض، أُعِدَّت للمتقين، ولن نبلغ هذا المنالَ إلا بالصِّدق مع الله؛ بِمُجاهدة النَّفس بإخلاص العمل لوجه الكريم، وطلب العون والتَّوفيق لمن بيده مفاتيحُ التَّوفيق والهداية، والعمل الصَّالح، المُوافِق لكتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذه الأعمال لن تُنال إلاَّ بِمُجاهدة النَّفس عن هواها، وبالصبر دون جزعٍ أو سخط، وسيُثاب فاعِلُها بثواب الله له بجنَّته؛ قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142].



وهذه الأيام الخَيِّرة والمُباركة تتعدَّد فضائلُها ومميِّزاتُها؛ لأنَّها تجتمع فيها أعمالٌ صالحة متعدِّدة، قال الحافظُ ابن حجَر في "فتح الباري": "والَّذي يَظْهَر أنَّ السبب في امتياز عشر ذي الحجَّة لمكان اجتماع أمَّهات العبادة فيه، وهي الصَّلاة والصِّيام والصدقة والحجُّ، ولا يتأتَّى ذلك في غيره"، ومِمَّا تميَّزت به هذه العَشْر أنْ ورَدَ ذِكْرُها في كتاب الله العزيز؛ فقد أقسمَ الله تعالى بها؛ قال تعالى: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1 - 2].



قال ابن كثيرٍ في "تفسيره":

"واللَّيالي العشر المُراد بها عشر ذي الحجَّة، وهو قول ابن عبَّاس وابن الزُّبير ومُجاهد، وغير واحد من السَّلَف"، وقال السيوطيُّ في "تفسير الجلالين": "وليالٍ عشر: أيْ عشر ذي الحجَّة".



وقال الشوكانيُّ في "فتح القدير": وليالٍ عشر: عشر ذي الحجَّة، وقال: وبِها قال جمهور المفسِّرين".



قال السعديُّ:

"وهي على الصحيح: ليالي عشر رمضان، أو عَشْر ذي الحجَّة؛ فإنَّها ليالٍ مشتملةٌ على أيَّام فاضلة، ويقع فيها من العبادات والقربات، ما لا يَقع في غيرها، وفي ليالي عشرِ رمضان ليلةُ القدر، التي هي خيرٌ من ألف شهر، وفي نَهارها صيامُ آخر رمضان الَّذي هو أحدُ أركان الإسلام العِظام، وفي أيام عشر ذي الحجَّة الوقوفُ بعرَفة، الذي يَغفر الله فيه لعباده مغفرةً، يحزن لها الشَّيطان؛ فإنَّه ما رُئي الشيطانُ أحقرَ ولا أدحر منه في يوم عرفة؛ لما يرى مِن تنَزُّل الأملاك والرَّحمة من الله على عباده، ويقَع فيها كثيرٌ من أفعال الحجِّ والعمرة، وهذه أشياء مُعظَّمة، مستحِقَّة أن يُقسم الله بها"، وفي هذا دلالةٌ واضحة على فضل عشر ذي الحجَّة، وشرف العمل الصالح فيها.



فعن جابرٍ - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أفضل أيَّام الدُّنيا أيامُ العشر))؛ يعني عشْرَ ذي الحجَّة، قيل: ولا مثلهنَّ في سبيل الله؟ قال: ((ولا مثلهن في سبيل الله، إلاَّ رجل عفر وجهَه بالتُّراب)(؛ رواه البزَّار وابن حبَّان، وصحَّحه الألباني.



وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام))؛ يعني أيام العشر، قالوا: يا رسولَ الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجِهاد في سبيل الله، إلاَّ رجل خرَج بنفسه ومالِه، ثم لم يَرجع من ذلك بشيء))؛ رواه البخاري.



وإذا عَلِم الإنسانُ مِقدارَ هذا الفضل العظيم، والأجور المضاعَفة في هذه الأيَّام التي هي أفضل الأيَّام، تكون الأعمالُ الصَّالحة أحبَّ إلى الله من هذه الأيام العشر، لزم عليه أن يَعرف ما يتوجَّب عليه فعلُه في هذه الأيام؛ حتَّى يَنال أحبَّ الأعمال الصالحة التي يحبُّها الله، وتجعل فاعِلَها في أعلى منازل الجنَّة.



ومن تِلك الأعمال الصَّالحة التي يحبُّها الله في هذه العشر:



13811819074.gif

1 - الحج المبرور:

قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97].



عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سُئِل النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمانٌ بالله ورسوله))، قيل: ثُم ماذا؟ قال: ((جهاد في سبيل الله)) قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور))؛ رواه البخاري.



وهما أفضل ما يُعمل في عشر ذي الحجَّة، ومن يسَّرَ الله له حجَّ بيتِه، أو أداءَ العمرة على الوجه المطلوب، فجَزاؤه الجنَّة؛ فعن أبي هُريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنَّة))؛ رواه البخاري.



وعن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((من حجَّ لله، فلم يَرْفث ولم يَفْسق، رجع كيوم ولدَتْه أمُّه))؛ رواه البخاري.



والحجُّ المبرور هو الحجُّ المقبول، الموافِقُ لِهَدْي أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السَّلام - واتِّباعًا لسنَّة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أن يكون خالصًا لله، لا يعتريه رياءٌ أو رفَث أو فُسوق، أو ارتكابُ ذنبٍ يَحْرِم صاحبَه الجزاء والفوزَ بهذا الثواب العظيم.



2 - وجُعِلت قرَّة عيني فيالصلاة:

وهي من أجَلِّ الأعمال وأعظمِها، وأكثَرِها فضلاً، والمُحافظة عليها في وقتها صلاحٌ للإنسان في أحوالها كلِّها، وفلاحٌ له للفوز بدار المقامة.



قال تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾ [البقرة: 238].



وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾ [إبراهيم: 31]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أرأيتُم لو أنَّ ًا بباب أحدكم، يغتسل فيه كلَّ يوم خمس مرَّات، هل يبقى من درَنِه شيء؟)) قالوا: لا يَبقى من درنه شيء، قال: ((فذلك مثل الصَّلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا))؛ متَّفق عليه.



3 - الصوم جُنَّة:

وهو يَدْخل في جنس الأعمال الصَّالحة، بل هو من أفضَلِها، وقد أضافه الله إلى نَفْسِه؛ لعِظَمِ شأنه، وعلُوِّ قدْرِه؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قال الله: كلُّ عمل ابن آدم له، إلاَّ الصِّيام؛ فإنَّه لي وأنا أَجزي به، والصِّيام جُنَّة، وإذا كان يومُ صوم أحَدِكم، فلا يَرْفث ولا يصخب، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتلَه، فلْيَقل: إنِّي امرؤٌ صائم، والذي نفسُ محمَّد بيده، لَخلوف فم الصَّائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، للصَّائم فرحتان يفرحُهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربَّه فَرِح بصومه))؛ رواه البخاري.



وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من عبدٍ يَصوم يومًا في سبيل الله، إلاَّ باعد الله بذلك اليومِ وجْهَه عن النَّار سبعين خريفًا))؛ رواه مسلم.



وقد خصَّ النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - صيامَ يوم عرفة من بين أيام عشر ذي الحجَّة؛ ففي حديث أبي قتَادة لمَّا سُئل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن صوم يوم عرفة؟ فقال: ((يُكفِّر السَّنة الماضية والباقية))، قال: وسُئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: ((يكفِّر السَّنة الماضية))؛ رواه مسلم.



وعليه؛ فيُستحَبُّ للمسلم أن يَصوم الأيام التِّسع الأُوَل مِن ذي الحجَّة؛ لأنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حثَّ على العمل الصالح فيها، وقد ذهَب إلى استحباب صيام العشر الإمامُ النوويُّ، وقال: صيامُها مستحَبٌّ استحبابًا شديدًا.



4 - قراءة القرآن الكريم:

يقول - عزَّ وجلَّ - في مُحكَم كتابِه: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9].



قال السعديُّ في "تفسيره":

يُخْبِر تعالى عن شرَفِ القرآن وجلالتِه، وأنَّه ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9]؛ أيْ: أعدَلُ وأعلى؛ من العقائد، والأعمال، والأخلاق، فمَن اهتدى بما يدعو إليه القرآنُ، كان أكمل النَّاس، وأقومَهم، وأهداهم في جميع الأمور.



﴿ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ﴾ من الواجبات والسُّنن: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]، أعدَّه الله لهم في دارِ كرامته، لا يَعلم وصْفَه إلاَّ هو.



وعن عبدالله بن عَمرو - رضي الله عنهما - قال: قال لي رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اقرَأ القرآن في كلِّ شهر))، قال: قلتُ: إنِّي أَجِد قوَّة، قال: ((فاقرَأْه في عشرين ليلة))، قال: قلتُ: إني أجد قوَّة، قال: ((فاقرأه في سبعٍ، ولا تَزِد على ذلك))؛ رواه مسلم.



5 - والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات:


إنَّ ذِكْر الله - عزَّ وجلَّ - حياةٌ وسعادة للإنسان؛ فمَنْزلته رفيعة، وبه يحصل الخير، ويحيا قلب الإنسان به، وثمراته وفوائدُه متعدِّدة، ولا ريب أنَّ الذي يَذْكُر ربَّه تجِدُه ممن يخشَوْن الله ويخافونه، ويكون منشرِحَ الصَّدر، مسرورَ الفؤاد، طيِّب النفس، عالِيَ الهمَّة، دائمَ الابتِسامة، مباركًا صاحبُه أينما كان، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه منْزِلة الذِّكْر الرَّفيعة في قلوب الذين يحبُّونه.



قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].



وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 41].



وقال تعالى: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ﴾ [الأحزاب: 35].



ويقول ابن القيِّم - رحمه الله - في كتابه "الفوائد" في فضل ذِكْر الله بالقلب واللِّسان:

"من الذاكرين مَن يبتدئ بذِكْر اللِّسان، وإنْ كان على غفلة، ثم لا يَزال فيه حتَّى يحضر قلبه فيَتواطأ على الذِّكر، ومنهم مَن لا يرى ذلك، ولا يبتدئُ على غفلةٍ بل يَسْكن حتَّى يحضر قلبه، فيَشْرع في الذِّكر بقلبه، فإذا قَوِي استَتبع لسانه، فتواطأا جميعًا.



فالأوَّل ينتقل الذِّكرُ من لسانه إلى قلبه، والثاني ينتقل من قلبه إلى لسانه، من غير أن يَخْلو قلبُه منه، بل يسكن أوَّلاً حتَّى يحسَّ بظهور الناطق فيه، فإذا أحسَّ بذلك، نطقَ قلبُه، ثم انتقل النُّطق القلبي إلى الذِّكر اللِّساني، ثم يستغرق في ذلك حتَّى يجد كلَّ شيء منه ذِكْرًا، وأفضلُ الذِّكر وأنفعُه ما واطأَ فيه القلبُ اللِّسان، وكان من الأذكار النبويَّة، وشَهِد الذَّاكر معانِيَه ومقاصدَه".



وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَثَل الذي يَذْكُر ربَّه، والذي لا يذكر ربَّه، مثل الحيِّ والميت))؛ رواه البخاري.



وعن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ لله ملائكةً يَطوفون في الطُّرق، يلتمسون أهل الذِّكْر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادَوْا: هَلمُّوا إلى حاجتكم))، قال: ((فيحفُّونهم بأجنحتِهم إلى السماء الدُّنيا))، قال: ((فيسألهم ربُّهم، وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟)) قال: ((تقول: يسبِّحونك ويكبِّرونك ويحمدونك ويمجِّدونك))، قال: ((فيقول: هل رأَوْني؟)) قال: ((فيقولون: لا، والله ما رأَوْك))، قال: ((فيقول: وكيف لو رأَوْني؟)) قال: ((يقولون: لو رأَوْك كانوا أشدَّ لك عبادةً، وأشدَّ لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا))، قال: ((يقول: فما يَسألونني؟)) قال: ((يقولون: يسألونك الجنَّة))، قال: ((يقول: وهل رأوها؟)) قال: ((يقولون: لا والله يا رب، ما رأَوْها))، قال: ((يقول: فكيف لو أنَّهم رأوها؟)) قال: ((يقولون: لو أنَّهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طلبًا، وأعظمَ فيها رغبة، قال: فمِمَّ يتعوَّذون؟)) قال: ((يقولون: من النار))، قال: ((يقول: وهل رأوها؟)) قال: ((يقولون: لا والله يا رب ما رأوها))، قال: ((يقول: فكيف لو رأَوها؟)) قال: ((يقولون: لو رأوها كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشد لها مخافة))، قال: ((فيقول: فأُشْهِدكم أنِّي قد غفرتُ لهم))، قال: ((يقول ملَكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنَّما جاء لحاجة، قال: هم الجُلَساء لا يَشقى بهم جليسُهم))؛ رواه البخاري.



وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظلُّه: الإمام العادل، وشابٌّ نشأ بِعبادة الله، ورجلٌ قلبه معلَّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله، اجتمَعا عليه، وتفَرَّقا عليه، ورجل دعَتْه امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، فقال: إنِّي أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقة، فأخفاها؛ حتَّى لا تعلم يمينُه ما تنفق شمالُه، ورجلٌ ذكَر الله خاليًا، ففاضَتْ عيناه))؛ رواه مسلم.



وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((يقول الله - عزَّ وجلَّ -: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكُرني، إنْ ذكَرَني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ، ذكرتُه في ملأٍ هم خيرٌ منهم، وإن تقرَّب مني شبرًا، تقرَّبت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا، تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة))؛ رواه مسلم.



وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يسير في طريق مكَّة، فمرَّ على جبلٍ يُقال له: جمدان، فقال: ((سيروا، هذا جمدان، سبق المُفَرِّدون))، قالوا: وما المُفرِّدون، يا رسول الله؟ قال: ((الذَّاكرون الله كثيرا والذاكرات))؛ رواه مسلم.



وفي هذه الأيَّام المباركة فرصةٌ لأنْ يَنْهَل الإنسانُ من هذا الخير النَّافع من تهليلٍ وتكبير وتحميد؛ فعَن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما من أيامٍ أعظم عند الله ولا أحبّ إليه العملُ فيهنَّ من هذه الأيَّام العشر، فأكثِروا فيهِنَّ من التَّهليل والتكبير والتَّحميد))؛ رواه أحمد.



وقال البخاريُّ: كان ابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهما - يخرجان إلى السُّوق في أيام العشر يُكبِّران ويكبِّر الناس بتكبيرهما، وقال: وكان عمر يكبِّر في قُبتِه بمنًى، فيسمعه أهل المسجد فيكبِّرون، ويكبر أهل الأسواق حتَّى ترتجَّ منًى تكبيرًا، وكان ابن عمر يكبِّر بمنًى تلك الأيَّام وخلف الصَّلوات وعلى فراشه، وفي فُسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيَّامَ جميعًا.



ويُستحبُّ للمسلم أن يَجهر بالتَّكبير في هذه الأيام، ويرفع صوته به.



6 - التقرُّب إلى الله بالنوافل:

إنَّك لن تجد عملاً إلاَّ ويعتريه القصور، فما أجملَ أن يكون للإنسانِ نفعٌ يكمل هذا القُصور، وكلَّما تزوَّد الإنسانُ بالأعمال الصالحة، وأكثر منها وجدْتَه قريبًا من الله - جلَّ وعزَّ - والسعيد من تقرَّب إلى الله بالنوافل، حتَّى ينال المنْزِلة الرفيعة بالقُرب منه، وتأمَّلْ حديث النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -:



فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله تعالى قال: مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمْعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطِيَنَّه، ولئن استعاذَني لأُعيذنَّه))؛ رواه البخاري.



7 - أنفقوا في سبيل الله تسعدوا:

الإنفاق والصَّدقة في سبيل الله هي من جُملة الأعمال الصالحة التي يستحبُّ للمسلم الإكثارُ منها في هذه الأيام، وقد حثَّ الله عليها؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29 - 30].



وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92].



وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ [البقرة: 267].



وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 22].



وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: ((أنْ تَصَدَّق وأنت صحيحٌ شحيح، تَخشى الفقر وتأمل الغِنى، ولا تُمْهل حتى إذا بلغَت الحلقومَ، قلتَ: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلان))؛ متَّفق عليه.



وعن عَدِيِّ بن حاتم - رضي الله عنه - قال: سمعت النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((من استطاع منكم أن يستَتِر من النار ولو بشقِّ تمرةٍ، فليفعل))؛ رواه مسلم.



ولْيَعلم المسلم أنَّ الأعمال الصالحة كثيرةٌ، وبِقَدر التوكُّل على الله والإنابة إليه، يَحصل التَّوفيق للعبد؛ قال الله تعالى على لسان شعيب: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]، وفي هذه الأيَّام فرصةٌ ربَّما لا تكاد تدركها بعد عامك هذا، فتزوَّدْ من العمل الصالح فيها ما تنال به رِضا مولاك؛ فاليوم عملٌ بلا حساب، وغدًا حسابٌ بلا عمل، اليوم أنت في ميدان تنافُس؛ ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26]، وكلُّ نفسٍ مرهونةٌ بعملها؛ إنْ خيرًا، فجنَّة وسعادة، نسأل الله من فضله إيَّاها، وإن شرًّا، فنار تلظَّى وشقاوة، نسأل الله أن يجيرنا منها، آمين.



وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.





المصدر: مجتمع رجيم


Ygn ;g lk ,tri hggi gY]vh; uav `d hgp[m uwv

* أم أحمد *
اخر تحديث

أختي العزيزه
بارك الله بكِ
وجعله الله في ميزان حسناتكِ
ورزقكِ الله كل عمل صالح في هذه الأيام الفضيله
اللهم آمين
حقاً أنها توفيق من الله
شكراً لكِ

روميساء22
اخر تحديث
جزاگ اللهُ خَيرَ الجَزاءْ..
جَعَلَ يومگ نُوراً وَسُرورا
وَجَبالاُ مِنِ الحَسنآتْ تُعآنِقُهآ بُحورا
جَعَلَهُا آلله في مُيزانَ آعمآلَگ
دَآمَ لَنآ عَطآئُگ
حنين للجنان
اخر تحديث



ما شاء الله انتِ رااائعه ورائع كل ما تطرحيه
من مواضيع مميزة ..نستفيد منها
جزاكِ الله خيرا وبارك ربي فيكِ
ووفقكِ لما يحب ويرضى
لا عدمنا جديدك المتالق


أمواج رجيم
اخر تحديث
جزاك الله خير ويوفقك غاليتي
طرح قيم جدا
يالذيذ يا رايق
اخر تحديث
جزاك الله كل خير
وبارك فيكى
و وفقك لما يحب ويرضى
الصفحات 1 2 

التالي

معنى الاستطاعه في الحج

السابق

حكمة مشروعية الحج والعمرة

كلمات ذات علاقة
لإدراك , الله , الحجة , عصر , إلى , وفقه