طريقنا للقلوب - الشيخ إبراهيم الدويش

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
كتبت : ~ عبير الزهور ~
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
طريقنا للقلوب - الشيخ إبراهيم الدويش

kj98fmwnubkuwoojnqp3



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله -تعالى- بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:


أيها المسلمون: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأنفال:1].


إن الناس اليوم في عرض الأرض وطولها بحاجة إلى من يقف معهم ويعينهم، وإلى من يزيل عنهم الهم والقلق، إلى مَن يدلهم إلى طريق السعادة والراحة والنفسية، بحاجة إلى من يأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة والأمان، حتى وإن قامت الحضارات، وصنعت المخترعات، وتوالت الإنجازات، فكل ذلك من أجل سعادة الإنسان وتكريمه.


لكن -وللأسف!- البشرية اليوم تغرق في بحر الدنيا، يلهث الكثير منهم وراء المال والتجارة، وراء الشهوات واللذات، وراء الرياسة والسيادة، بأي طريق، وبأية صورة، ومهما كان الثمن، المهم هو الوصول للمراد، وهذا هو الواقع الغالب على الناس اليوم إلا من شاء الله.


وفي خضم هذا اللهثان، وفي وسط هذا الإغراق، يتلفت البعض ليبحث المثل، وعن المبادئ، وعن الأخلاق والآداب في صفوف الناس، ربما سمعوا عن التبشير، وهو شعار أعلنه المنصرون، وتسموا به، بل وتمثلوه، أو بالأصح مثلوه من أجل التنصير كما رأينا وسمعنا وقرأنا.


أليس المسلمون أولى بهذه التسمية؟

التبشير؟

وبهذه الأخلاق؟
ألم يقل الحق -عز وجل-: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [الأنعام:48]، ألم يقل -صلى الله عليه وسلم-: "يسِّروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"، ألسنا -نحن المسلمين- أولى بهذا التلطف والتودد للناس؟!.

إنك تتعجب وأنت تسمع عن دقة مواعيد الكافرين، وانضباطهم في أعمالهم وصدقهم في أقوالهم!

ألسنا أولى بالتحلي بالأخلاق وبث الأمل في النفوس؟!

لماذا هذا الجفاء والإعراض؟
وهذا التنفير والانقباض عند بعض المسلمين؟
ولماذا هذا التسيب والإهمال عند البعض من الموظفين؟
لماذا الكذب والتزوير، والغش والاحتيال عند البعض؟.

لقد أثرت الماديات والحضارات على أخلاقنا وتعاملنا مع بعضنا بشكل كبير، حتى ظن البعض أنه لا يمكن الجمع بين التقدم الحضاري والكسب المادي، وبين التحلي بالأخلاق والآداب، حتى قال أحدهم:


لئن كانت الدنيا أنالَتْكَ ثروةً *** وأصبَحْتَ منها بعد عُسْرٍ أخا يُسْرِ
لقد كشف الإثراءُ عنك خلائقاً *** من اللؤم كانت تحت ستر من الفقر


فإننا لا نكاد نسمع عن ذي شرف أو تاجر أو ذي منصب وقد تحلى ببعض الأخلاق والآداب، إلا ويتذاكره الناس إطراء ومدحا وتعجبا أن يكون بمثل هذا المكان ويتمتع بمثل هذه الأخلاق!.


إن من ينظر ويقرأ عن دين الإسلام، خاصة في باب الآداب والأخلاق والمعاملة، ليعجب أشد العجب من عظمة هذا الدين ودقة مراعاته للمشاعر والعواطف، وحرصه على نشر المحبة والمودة، اسمعوا لهذا الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أحدث أحدكم صلاته فليأخذ بأنفه ثم ينصرف"


الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: لألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 1114
خلاصة حكم المحدث: صحيح

لماذا يأخذ بأنفه؟! وما علاقة الأنف بما صنع؟
إنها عظمة هذا الدين، ودقة العناية بمشاعر النفس، والحفاظ على أحاسيسها، يأخذ بأنفه ليوهم من بجواره أن به رعافا، فلا يفتضح أمره فيحرج ويخجل!.

قال الخطابي -رحمه الله-: إنما أمره أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافا، وفي هذا الباب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح، والتورية بما هو أحسن، وليس داخلا في باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل، واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس.


اِرْضَ للناسِ جميعاً *** مثلَ ما ترضى لنفسكْ
إنما الناس جميعاً *** كلُّهم أبناءُ جنسك
غيرُ عدْلٍ أن توخي *** وحشة الناس بأنسك
فلهم نفسٌ كنفسِكْ *** ولهم حسٌّ كحسِّك


من ينظر للواقع يرى العجب في الإفلاس الأخلاقي الذي تعيشه كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم، بل هناك من انبهر بالحضارة الغربية، فنقلها للمسلمين بقضها وقضيضها، وإيجابها وسلبها، نحن مع دعاة التقدم والحضارة في الإفادة من التكنولوجيا والصناعة، وكسب المهارات والخبرات، لكننا نقول وعلى لسان كل مسلم صادق وغيور: لا، وألف لا لاستيراد العادات والتقاليد الغربية، والانحلال الخلقي، باسم الحرية وحقوق المرأة، أمام إقحام الفضيلة والستر والعفاف ومكارم الأخلاق في التقدم والتخلف المزعوم فخدعة مكشوفة، لا تنطلي إلا على غافل ساذج، في فكره دخل، أو في قلبه مرض.


إن في أخلاقنا وآدابنا -نحن المسلمين- بل وعاداتنا وتقاليدنا -نحن العرب- ما يملأ قلوبنا بالفخر والاعتزاز، والرفعة والسيادة، فالله اختار لنا مقاما عزيزا، ومكانا شريفا فقال -عز وجل-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143]؛ فهل هذا المقام يناسب ما يفعله بعض الغافلين والغافلات مِن تشبُّهٍ وتقليد بأهل الكفر والشرك في عاداتهم ولباسهم وسيئ أخلاقهم؟!.


فأنت -أيها المسلم- يجب أن تكون متبوعا لا تابعا، وقائدا لا منقادا، بصفاء عقيدتك، وثبات مبدئك، وتعاليم دينك السمحة، وحسن أخلاقك، قلم لا نعتز بالشخصية الإسلامية؟

ولم لا نعلن للعالم كله أننا أهل دين وخلق؟ وأن لنا صبغة خاصة تميزنا عمن سوانا هي: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) [البقرة:138]؟.

إن هذا الدين عظيم، جاء ليشيع الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وليحب المسلم للمسلمين الخير والبر، والمعروف والإحسان، ومكارم الأخلاق، فما أحوجنا لفن التعامل؛ بعضنا مع البعض الآخر!

نحن بحاجة إلى تعميق روابط الأخوة الإسلامية ومعانيها، بحاجة إلى تحقيق القاعدة الشرعية، "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" كما في حديث أنس المتفق عليه.

نحن بحاجة إلى الحوار الهادئ، والتعامل المهذب، والاحترام المتبادل؛ بحاجة إلى أن نظهر محاسن هذه العقيدة السمحة لنصبح -نحن المسلمين- قدوات لبعضنا، ومفاتيح خير لغيرنا من أهل الملل والنحل، ونحن بحاجة إلى أن نكسب قلوب بعضنا، وأن نكسب قلوب أهل الأديان الأخرى بصدق التوحيد، وحسن المعاملة، وجميل الأخلاق، لتذوق طعم الإيمان، ولتعرف حقيقة الإسلام.


نريد أن نكسب القلوب، ليس بالمجاملة ولا بالمداهنة، لا بتمييع ديننا، ولا بتمزيقه، ولا بالتنازل عن المبادئ والأهداف، وإنما بمكارم الأخلاق، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وفي رواية: "صالح الأخلاق".


إخوة الإيمان: نريد أن نكسب القلوب ليس من أجل الدنيا، ولا متاعها ولا زخرفها، ولا من أجل أنفسنا وإظهار محاسنها وتواضعها، ولا من أجل تملق الناس وطلب محامدهم وثنائهم! إنما من أجل ربنا تعبدا وتقربا، فـــ "إن الله يحب معالي الأخلاق، ويبغض سفسافها".


واتباعا لحبيبنا وقدوتنا، فقد كان أحسن الناس خلقا، كما نحرص على كسب القلوب؛ حتى نفوز بقرب نبينا وحبه يوم القيامة، حيث قال: "إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا".


الراوي:جابر بن عبدالله لمحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 2897
خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره


وأيضا امتثالا وتطبيقا لتعاليم شرعنا وآداب ديننا قولا وعملا، وسرا وعلنا، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "وخالِق الناس بخلق حسَن"، وسوقا للجنان، وتثقيلا للميزان يوم أن نلقى الله، فقد سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق"، وقال: "ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء".


وتخلُّقاً وتأدُّباً وإيمانا، "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا"، والله - عز وجل - يقول عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران:159].


إذن فهذه الفضائل وأمثالها مما يحثنا وشجعنا على اكتساب محاسن الأخلاق وتطبيع نفوسنا عليها، إخلاصا لوجه الله، وطلبا لرضاه، فهي عبادة عظيمة، وقربة من أجَلِّ القربات، "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".

الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 2643
خلاصة حكم المحدث: صحيح

إذا؛ فما أحوجنا للأخلاق في زمن الماديات!
زمن كثرت فيه شكاية الناس بعضهم من بعض، فالزوج يشكو من سوء تعامل زوجه، والطالب يتظلم من أخلاق أستاذه، والموظف يسخط من رئيسه ومديره، والمكفول يئن ويتوجع من سوء تصرف كفيله، حتى الصاحب لم يسلم من صاحبه وخليله.

عباد الله: إن المتمعن لأحوال الناس يجد كثيرا من المسلمين يغفل عن الاهتمام والاحتساب في هذا الجانب، وقد يجهل الصلة الوثيقة بين محاسن الأخلاق وقضية الإيمان والعقيدة، فبينما تجد الشخص يظن أنه قد حقق التوحيد ومحض الإيمان؛ تراه منطويا على ركام من مساوئ الأخلاق والنقائص التي تخل بإيمانه الواجب، أو تحرمه من الكمال المتسحب، كالكبر، والحسد وسوء الظن، والكذب والفحش، والأثرة، وغير ذلك.


وقد يكون مع ذلك جاهلا بضرر هذه الأمور على عقيدته وإيمانه، أو غافلا عن شمولية هذا الدين لجميع مناحي الحياة، كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162-163].


إن تحقيق التوحيد وتكميل الإيمان ليس باجتناب الشرك الأكبر فحسب؛ بل باجتناب كل ما ينافي العقيدة وكل ما يخل أو يقدح في كمال التوحيد والإيمان.


إذن؛ ليست العقيدة متونا تُردد، ونصوصا تحفظ؛ بل لا بد أن تتحول إلى واقع عملي في الحياة وفي التعامل بين الناس، ولما حصل هذا التصور الناقص للدين عند بعض الناس ظهر انفصام نكد وازدواجية بين مفهوم الإيمان ومقتضياته.


فمتى ندرك أننا نملك كنزا عظيما هو كنز الإيمان؟!

لكنه الإيمان حقيقة لا صورة وادعاء، والإيمان الذي لامست حلاوته شغاف القلوب فظهرت تلك الحلاوة على جوارح ذلك المسلم، أقواله وأفعاله وصفاته، فيوم ذاق طعم الإيمان عرف حقيقة الاستقامة والالتزام وأثر ذلك في سلوكه وصدقه ومعاملته.

يذكر التاريخ لنا أن الإسلام وصل إلى جنوب الهند وسيلان وجزر المالديف وسواحل الصين والفلبين وإندونسيا وأواسط أفريقيا عن طريق تجار مسلمين، لكنهم مسلمون بحق، لم يؤثر عليهم بريق ولمعان الدينار والدرهم، بل تجسد الإسلام في سلوكهم وأمانتهم وصدقهم، فأعجب الناس بهذه الأخلاق، فبحثوا وسألوا عن مصدرها، فدخلوا الإسلام عن رغبة واقتناع، وهكذا!

فإن من أكبر وسائل التأثير على القلوب والنفوس هو التميز في الأخلاق، المتمثل في القدوة الصالحة؛ بل هو أعظم وسيلة لنشر الإسلام في كل مكان.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية:

الحمد لله حمد مَن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاما لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله سيد البشر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر، والتابعين لهم بإحسان ما طلعت الشمس واختفى القمر.


أما بعد: عباد الله، فمن أراد أن يكتسب الأخلاق فلينهل من مَعين السيرة، ومن تتبع سيرة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله، وخاصة في دعوته إلى الله تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجا، بفضل الله -تعالى- ثم بفضل حسن خلقه عليه الصلاة والسلام، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم!.


فهذا يسلم ويقول: والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. وذاك يقول: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا؛ تأثر بعفو النبي -صلى الله عليه وسلم- فعمل على تحجير رحمة الله التي وسعت كل شيء؛ بل قال له: "لقد حجرت واسعا".


الراوي:أبو هريرةالمحدث:البخاري - المصدر:صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6010
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]



والآخر يقول: فبأبي هو وأمي!
ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، والرابع يقول: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء مَن لا يخشى الفاقة.

والخامس يقول: والله لقد أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.
والسادس يقول بعد عفو النبي -صلى الله عليه وسلم-: جئتكم من عند خير الناس؛ ثم يدعو قومه للإسلام، فأسلم منهم خلق كثير. والأمثلة كثيرة في سيرته -صلى الله عليه وسلم-.

كُلُّ الأمور تزول عنك وتنقضي *** إلا الثناءَ فإنَّهُ لكَ باقي
ولو اْنَّنِي خُيِّرْتُ كُلَّ فضيلةٍ *** ما اختَرْتُ غيرَ محاسن الأخلاق


أيها الأخ: إنما الدنيا حديث، فإن استطعت أن تكون منها حديثا حسنا فافعل، إننا بحاجة إلى من يجسدون مبادئ الإسلام في سلوكهم، ويترجمون فضائله وآدابه في حركاتهم وسكناتهم، حتى مع الكفار.


فمن أهم مظاهر علاقة المسلم بالكافر غير المحارب للمسلمين، كف الأذى والظلم، وعدم التعدي عليه وعلى حقوقه، والتزام مكارم الأخلاق معه؛ من الصدق والأمانة وغيرها من أخلاق الإسلام الحميدة، وجواز إيصال البر والمعروف إليه، قال الله -تعالى-: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة:8-9].


ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أهدى حلة له إلى أخ له مشرك بمكة، كانت قد جاءته من النبي -صلى الله عليه وسلم-. وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما - أنه ذبحت له شاة فجعل يقول لغلامه: أهديتَ لجارنا اليهودي؟ أهديت لجارنا اليهودي؟

سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".

وليس القصد هنا بيان تفصيل هذه المسألة، وإنما الإشارة لها لارتباطها بالأخلاق؛ ولكن تنبه واحذر كل الحذر أن تختلط عليك الأمور، ففرق بين حسن المعاملة ومكارم الأخلاق والبر والإحسان للكافر غير المحارب، وبين الموالاة والمحبة والمودة له، أو تفضيله على أحد من المسلمين، أو مجاملته على حساب دينك وعقيدتك، كتهنئتهم أو إهدائهم بمناسبة أعيادهم أو نحو ذلك، فإن ذلك كله حرام لا يجوز.


وضابط كل ذلك النصوص من الكتاب والسنة، وأقوال أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين، فإنما عنيت بهذا الموضوع معاملة المسلم للمسلمين، أما معاملته للآخرين من أهل الملل والنحل فلها أصولها وضوابطها وتفصيلها في مجال آخر.


عباد الله: إن النفس -أيا كانت ومهما بلغت من الانحلال والفساد والتجبر والعناد- فإن فيها خيرا كثيرا، قد لا تراه العيون أول الأمر، فقط شيء من العطف على أخطائهم وشيء من الود الحقيقي لهم، وشيء من العناية بهم لنحاول -أيها الإخوة- تلمس الجانب الطيب في نفوسهم، ابدأهم بالسلام، ابتسم لهم، أثن على الخير الذي فيهم، وقبل ذلك كن صادقا ومخلصا غير متصنع ولا مجامل، عندها ستتفجر ينابيع الخير في نفوسهم، وسيمنحونك حبهم وثقتهم مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، لقد جرب ذلك كثيرا.


أذكر أنني قابلت أحد هؤلاء فسلمت وابتسم وأثنيت على صفة طيبة فيه، وأنا صادق، فلن يعدم إنسان مزية حسنة تكون مفتاحا لقلبه، فانكشف لي قلب لين رقيق؛ سرعان ما سالت دمعات على وجه تلطخ بسواد المعصية والشهوة، وكان قد شكا جفاء بعض الناصحين وتعجلهم عليه.


كم نخطئ عندما نحكم على الآخرين بمجرد النظر للظاهر، فهذا عمرو بن العاص يحدث عن نفسه فيقول: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استكننت منه فقتلته؛ وبعد أن أسلم وعرفه عن قرب، انقلب الحال فقال: وما كان أحد أحب إلى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أجَل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه! كما في صحيح مسلم.


إننا نظلم أنفسنا ونظلم الآخرين عندما تحقد على هؤلاء ونتخوف منهم، والحل هو أن تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف على الآخرين، والصبر عليهم، وباختصار إنها الأخلاق وفن التعامل مع الناس.


يا أهل القرآن! ألم نقرأ في القرآن قول الحق -عز وجل-: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة:83]، ألم نقرأ قول الحق: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) [الإسراء:83].


في الآية الأولى قول حسن، وفي الثانية أحسن، فأين نحن من قول الحسن فضلا عن قول أحسن الحسن؟ ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته" كما في صحيح مسلم.


فإن كانت الرحمة والإحسان تصل إلى هذه الدرجة من الرفق وحسن التعامل حتى مع الحيوان؛ فكيف بالرحمة والإحسان مع بني الإنسان؟.


قال أحد الإخوة: في موسم للأمطار وأنا على سيارتي مررت بغدير ماء لم أنتبه له، فتراشقت المياه على الجنبين، كان النصيب الأكبر منها لشباب جلسوا على عتبة أحد الأبواب، لو رأيت حالهم وقد تبدلت، فالثياب البيضاء كأنها سوداء... خضبت بالطين والماء، فرجعت إليهم، فلم أنتبه إلا على أصوات السب واللعان ومناداتي للرفس والطعان!.


يقول: فرجعت إليهم مسلما معتذرا متأسفا، فيا سبحان مقلب القلوب! تحول السب واللعان إلى ترحيب وسلام، ودعوة إلى طعام، بل إلى إخاء ووئام! انتهى كلامه.


فيا معاشر المسلمين: صفوة القول إنها الأخلاق تصنع الأعاجيب!

نخطئ كثيرا عندما نعتزل بعض الناس لأننا نشعر أننا أطهر منهم روحا، أو أطيب منهم قلبا، أو أذكى منهم عقلا، قال رجل لعبد الله بن المبارك: عظني.
قال ابن المبارك: إذا خرجت من منزلك فلا يقعن بصرك على أحد إلا رأيت أنه خير منك.

وليس معنى هذا أن نتخلى عن مبادئنا ومثلنا السامية، أو نتملق أو نجامل، لا!

ولكنها الحكمة والموعظة الحسنة، وفن التعامل مع الآخرين.

تأمل أيها المسلم وانظر لفن التعامل ومحاسن الخلاق ماذا تفعل! هذا عكرمة ابن أبي جهل، ورث عداوة الإسلام عن أبيه، وقاتل المسلمين في كل موطن، وتصدى لهم يوم فتح مكة، ثم فر إلى اليمن، بعد أن أهدر النبي -صلى الله عليه وسلم- دمه، فتأتي زوجه أم حكيم بعد إسلامها إلى رسول الله، تطلب الأمان لزوجها، فيقول لها -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم-:"هو آمِن"، ويقول لأصحابه: "يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت".


فيأتي عكرمة بين يدي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فيقول عكرمة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس، وأوفى الناس، أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقها في اصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالا في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله.


سبحان الله!

لمسة حانية من نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- نقلت ابن فرعون هذه الأمة إلى صف أولياء الرحمن، وجعلته يندم هذا الندم، ويعزم هذا العزم، ويتحول هذا التحول، إنها الأخلاق تصنع الأعاجيب! "اتق الله حيثما كنت، وأَتْبِع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنا إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم أصلح فساد قلوبنا، وارحم ضعفنا وحسن أخلاقنا، اللهم إنا لأنفسنا ظالمون، ومن كثرة ذنوبنا خائفون، ولا يغفر الذنوب إلا أنت يا أرحم الراحمين، فاغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.



كتبت : ~ عبير الزهور ~
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021



الحمد لله على ما منح من الإنعام وأسدى، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، من خطايا وذنوب لا تحصى عدا.


وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أعظم به رسولا وأكرم به عبدا، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ كانوا أمثل طريقة وأقوم وأهدى، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.



أما بعد: فكان الحديث عن أهمية الأخلاق، ومدى حاجتنا الماسة إلى حسن التعامل، بعضنا مع البعض الآخر، وكسب القلوب، وأثر ذلك على المجتمع.



والكلام موصول اليوم؛ فنقول: ومن المظاهر السلبية التقلب والمزاجية، والازدواج في الشخصية لدى بعض الناس، فكم هم أولئك الذين نسمع عن حسن أخلاقهم وكرمهم وابتسامتهم وجميل معاشرتهم للآخرين، أما مع أقرب الناس إليهم، وأعظم الناس حقا عليهم؛ كالوالدين مثلا، فجفاء وهجر وبُعد، ويكفي بلاغة وقوة ورقة، قول الحق -عز وجل-:(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) [الإسراء:23].



ومن نظر لحالنا مع آبائنا وأمهاتنا علم ضعف إيماننا وتقصيرنا بأعظم الحقوق علينا بعد توحيد الله، والله المستعان!.



والزوجة المسكينة تسمع عن أخلاق زوجها، وسعة صدره، وابتسامته وكرمه، ولكنها لم تر من ذلك شيئا!

فهو في بيته سيء الخلق، ضيق الصدر، عابس الوجه، صخاب، لعان، وبخيل، ومنان، فأين هذا وأمثاله من قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"؟ وأين هو عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم".


الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 2660
خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح



قال سلمة بن دينا: السيئ الخلق أشقى الناس به نفسه التي بين جنبيه، هي منه في بلاء، ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته فينفرون عنه خوفا منه، حتى إن دابته تحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه يراه فينزور على الجدار، حتى إن قطه ليفر منه!.


ومن الازدواجية في الأخلاق أن ترى المرأة متعلمة مثقفة، جميلة الملبس أنيقة، بل ربما حرصت على صفاء وجهها وبياض أسنانها، وتبذل الغالي والنفيس من أجل جمالها وأناقتها، فمن عرفها عن قرب وجدها سيئة الأخلاق، سريعة الغضب، تتذمر وتتسخط و ترفع صوتها على زوجها، وتعبس في وجه أختها!

آه لو حرص النساء على أخلاقهن كحرصهن على جمالهن!.


ليس الجمالُ بأثوابٍ تُزَيِّنُنا *** بلِ الجمالُ جمالُ العلمِ والأدبِ



اعلمي -أخيتي- أن الجمال الحقيقي هو جمال الأخلاق والأدب، فأفٍّ لجمال اللباس والشكل مع قلة الحياء، والتكشف والعري، وضياع القيم والمبادئ!.



مررت على المروءة وهي تبكي *** فقلت علام تنتحب الفتاة؟
فقالت: كيف لا أبكي وأهلي *** جميعاً دون خلق الله ماتوا!



أيها المسلمون: إن الله جعل للإنسان عورتين: عورة الجسم، وعورة النفس؛ وجعل للأولى سترا هو اللباس، وللثانية سترا هو الأخلاق، وننبه على الثاني وهو الأهم؛ لأن لباس الإنسان لا يغني عن أخلاقه البتة، قال -عز وجل-: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [الأعراف:26].



فاتقي الله أيتها المرأة، واستري عورة النفس بلباس التقوى والحياء ومكارم الأخلاق، فإن المرأة العاقلة:



إذا نطقَتْ جاءت بكل ملاحةٍ *** وإن سكتَتْ جاءت بكُلِّ مليحِ



ومن الازدواجية في الأخلاق: ما نراه من بعض الناس من حسن الكلام، وسعة الصدر والابتسامة، فإذا جاء البيع والشراء، والتعامل بالدينار والدرهم تراه مماطلا ممسكا، يجادل ويخاصم، وتلاشت معاني الأخوة وحقوقها.



قيل لمحمد بن الحسن: ألا تصنف كتابا في الزهد؟

فقال: صنفت كتابا في البيوع! يعني -رحمه الله- أن الزاهد هو من يتحرر عن الشبهات والمكروهات في التجارات وفي سائر المعاملات، وهذا من فقهه وذكائه رحمة الله عليه.


ويروى أن مسروقا كان عيه دين ثقيل، وكان على أخيه خيثمة دين أيضا، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم.



وقال مطرف بن عبد الله لبعض إخوانه: يا أبا فلان، إذا كانت لك حاجة فلا تكلمني، واكتبها في رقعة؛ فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال.



وعن جميل بن مرة قال: مسّتنا حاجة شديدة، فكان مورق العجلي يأتينا بالصرة فيقول: أمسكوا هذه لي عندكم، ثم يمضي غير بعيد فيقول: إن احتجتم إليها فأنفقوها.



وقال سفيان بن عيينة: سمعت مساورا الوراق يقول: ما كنت لأقول لرجل: إني أحبك في الله، فأمنعه شيئا من الدنيا.



سبحان الله! مواقف عجيبة، لكنها مكارم الأخلاق عند السلف رضوان الله تعالى عليهم، وصدق الأخوة والمحبة في الله. نسأل الله أن يرزقنا حسن التأسي بهم.



ومن مظاهر الازدواجية -أيضا- أن ترى بعض الشباب يعجبك حسن مظهره، ويجذبك سحر عطره، وتصفيف شعره، ولولا الحياء لأطنبت في الوصف مما يرى ويشاهد على بعض شبابنا هذه الأيام، من حرص على المظاهر والأشكال، ومع ذلك انحراف في السلوك والأخلاق، فلا مانع لديه أن يكذب، وأن يلعن، أو يشتم، وربما يزني، ويسرق، أو يغش، ويخدع، لا مانع لديه أن يتخلى عن دينه وأخلاقه من أجل شهوة، فأفسد المسكين جمال الظاهر وجمال الباطن!.



أيها الشاب!

ليس الإنسان إنسانا بجسمه وصورته، ولا بثيابه ومظهره، بل هو إنسان بروحه وعقله وخلقه.


يا خادمَ الجسمِ كم تشقى بخدمتِهِ *** أتعبتَ نفسك فيما فيه خسرانُ
أقبِلْ على النفس واستكمِلْ فضائلَها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
هل ينفع الفتيانَ حسنُ وجوهِهِمْ *** إن كانت الأخلاقُ غيرَ حِسانِ؟



أيها الشاب!

إن في قلبك فطرة الخير ففتش عنها، وأشعل جذوة الخير فيها. أيها الشاب!
إن من تمام سعادتنا أن نتمتع بمباهج الحياة، وزينتها، ونعيمها، لكن في حدود الشرع: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [القصص:77]


أيها الشاب:
كن رجلا رِجْلُهُ في الثَّرى *** وهامةُ همَّتِهِ في الثريا
وتجمل بمكارم الأخلاق والآداب؛ فإنها زينة الرجال.



ومن الازدواجية في الأخلاق تصرف أولئك الذين نرى عليهم أثر الصلاح وسيماء الخير، ثم نراهم في أفعالهم وتصرفاتهم يناقضون تلك السمات والآثار، حتى أصبحوا فتنة لغيرهم، فيا مَن ابتليت بهذا!

إنك لا تسيء لنفسك فقط، بل لنفسك ولغيرك، بل ولدينك؛ فإن من يرى سوء الأخلاق فسيقول: أهذه أخلاق الصالحين؟
أهذا هو الالتزام؟!
فعلى هذا وأمثاله أن يراجعوا صلاحهم، فقد لا يكون لهم من الصلاح إلا الاسم والرسم.


مدحوا عند الفضيل بن عياض رجلا وقالوا: إنه لا يأكل الخبيص فقال -رحمه الله-: وما ترك أكل الخبيص؟

انظروا كيف صلته للرحم، انظروا كيف كظمه للغيظ، انظروا كيف عطفه على الجار والأرملة واليتيم، انظروا كيف حسن خلقه مع إخوانه.


فقل لي بربك -أيها القدوة- هل الاستقامة مظهر فقط؟

أم هي حسن تعامل مع فئة من الناس فقط؟
أم أنها تقوى الله، وحسن التعامل مع الناس في كل شيء، وفي جميع الأحوال؟
ففي الحديث الصحيح سئل -صلى الله عليه وسلم- عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق".
قال ابن القيم في الفوائد: جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين تقوى الله وحسن الخلق في هذا الحديث؛ لأن تقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته.


ويجب التنبه لأمر هام اختلط على كثير من الناس إما جهلا، أو بقصد من قلب فيه دخن ودغل، وهو: تعميم الأخطاء؛ فإذا أخطأ منتسب للصلاح اتهم كل الصالحين، والأشنع أن نتهم الإسلام، فإن تخلى بعض المسلمين عن أخلاقهم ومبادئ عقيدتهم فليس معنى هذا أن نتهم الإسلام، أو نتردد بالالتزام بتعاليمه وشرائعه، أو أن يحكم أناس مسلمون على الإسلام وعلى أهل الصدق منه بالغلو والتطرف والغلظة والفظاظة وسوء الخلق، لمجرد أن منتسبا للإسلام أخطأ في تصرفه، أو قوله، أو تلبس لباس الصادقين من المسلمين!.



إن من أشنع أنواع الظلم أن يؤاخذ الإنسان بخطأ غيره؛ فإن الله -عز وجل- يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر:18] .



أين الإنصاف؟

وأين العدل؟
والله -عز وجل- يقول: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة:8].


لماذا نتسرع بالحكم على الجميع ونعم الأخطاء لمجرد أخطاء فردية؟

أين هؤلاء الشانئون من المئات والآلاف من المسلمين والمسلمات ممن نبلت أخلاقهم، وعزت نفوسهم؟.


إنني أعرف وتعرف وأسمع وتسمع وأرى وترى أعدادا ليست بالقليلة ممن ملكوا القلوب بجمال ألفاظهم، وأسروا النفوس بحسن أفعالهم، قلوب صافية، وأيد حانية، وألسن عفيفة، علم وعمل، وحب للدين والوطن، فلماذا لا يذكر هؤلاء ويشهر أمرهم، ويتحدث عن نبلهم؟ لمذا ننظر بعين واحدة ونقع في الجروح فقط؟.



انظر لنفسك، أيها الأخ الحبيب أيها الشانئ مسلما، أو لستَ تخطئ؟

ألست تزل؟
فربما شكا منك الناس!
فأنت تشكو وأنت تُشكى، ولكن ما أجمل أن يعذر بعضنا بعضا، وأن نعفو عن الزلات، ونستر السيئات، ونشهر الحسنات!
تناصح وتغافر يطفئ نار الفرقة والاختلاف؛ عامِل الناس جميعا على أنهم بشر يصيبون ويخطئون، غُض الطرف، وتغافل، واصبر.
ليس الغبي بسيِّدٍ في قومه *** لكنَّ سيدَ قومِهِ المتغابي



ولك أن تسرح بخيالك لترى المجتمع يعيش بهذه المعاني الجميلة، فهي من أعظم مكارم الأخلاق، فإن أبيت فاتهم ذلك الشخص ولا تعمم، واتق الله؛ فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.



هذه بعض المظاهر السلبية في ازدواج الشخصية عند البعض من الناس، نراها كثيرا في واقعنا، فمتى يعلم أمثال هؤلاء أن الخلاق عبادة يجب إخلاصها لله، بدون مراءاة أو تزييف؟ وأنها مع الأقربين والأرحام أعظم أجرا، وأوقع قدرا!.



لا بد أن تشعر -أيها المسلم- أن الأخلاق الإسلامية يجب أن تكون أصلية في نفسك معك في كل زمان ومكان، مع ربك ومع الناس، في بيتك وفي عملك، وفي البيع والشراء، وفي الجلوة والخلوة، مع الكبير والصغير، والرئيس والمرؤوس، فهي أصلية في نفسك في كل الأحوال، ومع كل الأشخاص، و في كل مكان.



اللهم كما حسَّنْتَ خَلقنا فحسن أخلاقنا، وثبتنا على القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.



أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.






الخطبة الثانية:


الحمد لله رب العالمين، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، وبعثه بالدين والهدى، وكلمة التقوى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم وتسليما كثيرا في الآخرة والأولى.



أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وكونوا -عباد الله- إخوانا كما سماكم الله، يحب أحدكم لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه، يبذل خيره لأخيه، ويكف عنه شره ولا يؤذيه.



واعلموا أن مكارم الأخلاق تشعر الجميع أنك تحبهم، بل كل واحد يشعر أنه أحب الناس إلى قلبك، فهل تستطيع هذا؟

إنك تملك القلوب بأيسر الطرق وأفضلها.


هكذا كانت أخلاق قدوتنا وحبيبنا -صلى الله عليه وسلم-، فعن عمرو بن العاص قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم، يتآلفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه وحديثه علي، حتى ظننت أني خير القوم، فقلت: يا رسول الله، أنا خير أو أبو بكر؟

فقال: أبو بكر، فقلت: يا رسول الله أنا خير أو عمر؟
فقال: عمر، فقلت: يا رسول الله أنا خير أو عثمان؟
فقال: عثمان. فما سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصدقني، فلوددت أني لم أكن سألته.


إذا؛ فعمرو بن العاص ظن أنه أحب الناس وأقرب الناس لقلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!.



أيها المسلم! لعلك تسأل كيف استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم- كسب القلوب إلى هذا الحد، فالكل يظن أنه أحب الناس لرسول الله، بك كسب قلوب أعدائه، فإليك شيئا من شمائله وأخلاقه بإيجاز، رزقني الله وإياك حسن الاقتداء والتأسي به.



كان -صلى الله عليه وسلم- "أشدّ حياء من العذراء في خدرها"، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذرين إليه، يمزح ولا يقول إلا حقا، يضحك من غير قهقهة، ترفع الأصوات عليه فيصبر، لا يحتقر مسكينا لفقره، ما ضرب بيده أحدا قط إلا في سبيل الله، وما انتقم من شيء صُنع إله قط إلا أن تنتهك حرمة الله، "ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح".



كان يبدأ مَن لقيه بالسلام، كان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ بيده فشابكه ثم شد قبضته عليه، كان يجلس حيث انتهي به المجلس، كان يكرم من يدخل عليه، حتى إنه ربما بسط ثوبه ليجلس عليه، كان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل.



كان يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه وسمعه وبصره وحديثه، كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما لهم، واستمالة لقلوبهم، كان أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا،كان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس.



فعن أنس -رضي الله عنه-: أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: "يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي حاجتك".


الراوي: أنس بن مالك المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2326
خلاصة حكم المحدث: صحيح



وبكلمة جامعة مانعة: "كان خلقه القرآن"؛ ولذلك أثنى الله عليه فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4].



إذا؛ فمَن أراد أن يرى هدي هذا الدين واقعا يعاش فلينظر في سيرة الحبيب، ومن أراد أن يكتسب الأخلاق بحق فلينهل من معين السيرة، وليدرسها دراسة فهم وتدبر، بأبي هو أمي!.



ويكفي أن كل أحد يقول يوم القيامة في حديث الشفاعة الطويل: نفسي نفسي! وهو يقول: اي ربّ! أمتي أمتي! .



يا مَن يذكِّرني بعهد أحبَّتي *** طاب الحديثُ بذكرهم ويطيبُ
أعِد الحديث عليّ من جنَباته ***إنَّ الحديث عن الحبيب حبيب
ملأ الضلوع وفاض عن أجنابها *** قلبٌ إذا ذُكِر الحبيب يذوب
ما زال يخفق ضاربا بجناحه *** يا ليت شعري هل تطير قلوب



عباد الله!

سؤال يتكرر كثيرا: هل يمكننا تغيير أخلاقنا؟
أو أنه كما يقال: من شب على شيء شاب عليه، نعم، هناك مَن يرى أن الأخلاق ثابتة في الإنسان لا تتغير، فهي غرائز فطر عليها، وطبائع جبل عليها، وهناك من يرى أنها تتغير فليس ذلك صعبا ولا مستحيلا.


والحق؛ إن الأخلاق على نوعين: فمنها ما هو غريزي فطري، ومنها ما يكتسب بالممارسة والمجاهدة، ولو كانت الأخلاق لا تتغير لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما قال الله -عز وجل-:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) [الأعلى:14]، ولما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إنما العلم بالتعليم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يُعْطَهْ، ومَن يتوق الشرَّ يوقه".
الراوي: رجاء بن حيوة المحدث: الألباني - المصدر: العلم لأبي خيثمة - الصفحة أو الرقم: 114
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح موقوف وله شاهد






ومَن نظر إلى الحيوان وحاله قبل التدريب وبعده أدرك أن الأخلاق عند الإنسان سهلة التغيير لمن رزق الهمة والعزيمة، وحمل نفسه على مكارم الأخلاق وفضائلها.


يقول ابن حزم -رحمه الله- متحدثا عن تجربته مع نفسه، وعن محاولاته في التخلص من عيوبه، وعن النتائج التي حصل عليها من جراء ذلك، يقول: كانت فيّ عيوب فلم أزل بالرياضة والاطلاع على ما قالت الأنبياء –صلوات الله عليهم– والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وآداب النفس، أعاني مداواتها حتى أعان الله -عز وجل- على أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها –أي: الإقرار بالعيوب- ليتعظ بذلك متعظ يوما إن شاء الله.



ثم أخذ -رحمه الله- يعدد بعض العيوب في نفسه، لولا خشية الإطالة لذكرتها لعظيم الفائدة، من أرادها فلينظر في كتابه "الأخلاق والسير في مداواة النفوس".



ثم قال: ومنها -أي العيوب- حقد مفرط قدرت -بعون الله تعالى- على طيه وستره، وغلبته على إظهار جميع نتائجه، وأما قطعه البته فلم أقدر عليه وأعجزني أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبدا... إلخ كلامه يرحمه الله.



ومثل هذا قول أحد الإخوة، حيث يقول: وقع في قلبي شيء عظيم على أحد إخواني لخير أعطاه الله إياه، فما زال الشيطان يوسوس بي ونفسي الضعيفة، وكنت أهتم وأغتم وأكثر التفكير والخواطر، خاصة وأنني كنت متهيئا لهذا الخير الذي آتاه الله أكثر منه.



يقول: فما زلت مع نفسي أدفع الخواطر والأفكار الرديئة تارة، وأؤنبها وألومها تارة، وأذكرها بفضل سلامة الصدر وتمني الخير للآخرين، وأني أحب لهم ما أحب لنفسي تارة أخرى، وتارة أذكرها بخطر الحسد أضراره، و ما زلت أستعين بالله وأدعوه حتى أعانني الله على نفسي واستطعت ترويضها.



وما زلت مع نفسي بكثير من هذه المواقف، حتى وجدت أنها اعتادت على سلامة الصدر وحسن الظن بالآخرين وتمني الخير لهم، عندها شعرت بسعادة ولذة عجيبة، وأقبلت على شؤوني وأعمالي بقلب سليم، وفتح الله على بأمور كثيرة فتحا عجيبا ولله الحمد والمنة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.



ويقول ابن المقفع في الأدب الصغير هذه الجمل الجميلة: وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين وفي الأخلاق وفي الآداب، فيجمع ذلك كله في صدره أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه، ويكلفها إصلاحه، ويوظف ذلك عليها توظيفا من إصلاح الخلة والخلتين والخلال في اليوم أو الجمعة أو الشهر، فكلما أصلح شيئا محاه، وكلما نظر إلى محو استبشر، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب. اهـ.



إذا؛ فلا بد للعاقل من رياضة النفس وتدريبها وذلك المجاهدة والصبر، وقوة الملاحظة والنظر في عواقب الأمور قبل الإقدام، وطلب النصح من الآخرين، ونحو ذلك مما يعين على تغيير الأخلاق، والطبائع للأحسن.



ثم احذر أن تغتر بحسن أخلاقك في الرخاء، بل جرب نفسك في أوقات الشدة والغضب، وكل الأحوال التي يحتاج فيها للأخلاق فعلا، فالإيثار عند قلة الزاد، والحلم عند الغضب، والعفو عند المقدرة، أما في الرخاء فلا فخر ولا فضل.



وانظر للناس، فما كرهته فيهم من أخلاق فابتعد عنه، فإنهم يكرهون منك ما تكرهه منهم، وراقب نفسك دائما فلها فلتات، ومن أخطرها ألا ترى إلا العيوب!

فهل أنت كالنحلة لا تقع إلا على الورود والأزهار، أم أنت كالذباب لا يقع إلا على الأوساخ والأقذار؟.


ثم لا بد أن نتنبه -ونحن نطالب الناس بمكارم الأخلاق- أنهم بشر، ومهما جهدوا فلا بد من الهنات والغفلات، فلا نطالب بالمثاليات، خاصة في مثل هذه الأوقات، ولكن انظر إلى نفسك، وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك.



اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم أصلح فساد قلوبنا، وارحم ضعفنا، وحسِّن أخلاقنا.



اللهم إنا لأنفسنا ظالمون، ومن كثرة ذنوبنا خائفون، ولا يغفر الذنوب إلا أنت يا أرحم الراحمين، فاغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.


كتبت : || (أفنان) l|
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
ياقلبي
طرح قيم و ثري بالمعلومات المهمة عن محاضرة طريقنا للقلوب - الشيخ إبراهيم الدويش
اللهم آت قلوبنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها
بارك الله جهودكِ الطيبة
اسْأَل الَلّه ان يُجْزِيْك خَيْرَا عَلَيْه وَان يَجْعَلُه فِي مِيْزَان حَسَنَاتِك
بأِنْتِظَار كُل مَاهُو مُفِيْد وَقِيَم مِنْك دَائِمَاً
كل الشكر لكِ مع خالص الود والتقدير

كتبت : سنبلة الخير .
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
جزاك الله الف خير على هذا الطرح القيم
وجعله الله فى ميزان اعملك ....
دمت بحفظ الرحمن ....
ودى وشذى الورود
كتبت : حنين للجنان
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
جزاكِ الله خيرا وبارك فيك ..
واسعدك ربي في الدارين ..على حسن الانتقاء
لا عدمنا جديدك المميز يالغلا
كتبت : روميساء22
آخر تحديث: 14 يونيو, 2021
طــرح رائـع
بارك الله فيك واثابك الجنه
جزاك الله خيرا
ورزقنا باب من ابواب الجنه
وجعله في ميزان حسناتك
دمت برضى الله



التالي

عاشوراء بين الحق والباطل

السابق

الفرج بعد الشدة - الشيخ محمد المنجد

كلمات ذات علاقة
للقلوب , الدويس , الصحى , إبراهيم , طريقنا