المنهج النبوي التطبيقي في الفتن - الشيخ إبراهيم الدويش

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
المنهج النبوي التطبيقي في الفتن - الشيخ إبراهيم الدويش

التطبيقي kj98fmwnubkuwoojnqp3



الحمد لله المحمود على كل حال، وصلَّى الله وسلم على عبده ورسوله كريم المزايا وشريف الخصال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل.


أما بعد: عباد الله!

فاستمعوا لوصية الله لكم من فوق سبع سموات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102]
والتقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وغضبه وقاية، ومن الحكم الشائعة المعروفة والمجربة أن "الوقاية خير من العلاج"، وأن "درهم وقاية خير من قنطار علاج"، فالأمور إذا لم تضبط من البداية، ويتنبه لمآلاتها وعواقبها، فقد تصل بها الحال إلى الخروج عن السيطرة، وتستعصي على العلاج.


ولذا كان -صلى الله عليه وسلم- يحرص كل الحرص على تعليم أصحابه ومن بعدهم أمته كيفية الخروج من المأزق قبل أن يحصل، ويعلمهم أيام السلم كيفية الوقاية من الفتن، وسبل الخروج منها بعد وقوعها، وذلك من باب:



عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ *** لكنْ لِتَوَقِّيهِ
وَمَنْ لا يعْرِف الشَّرَّ *** مِن النَّاسِ يَقَعْ فِيه


عباد الله: إننا بحاجة دائمًا وأبدًا بالتذكير بمنهج حبيبنا -صلى الله عليه وسلم- التطبيقي في الفتن، وإذا كان البحث عن سبيل النجاة والسلامة واجبًا في الأوقات كلها فهو يتأكد أكثر فأكثر في أوقات الالتباس والأزمات، ففي حال الهرج والمرج كثيرًا ما يفقد البعض صوابه ورشده؛ نظرًا لتوالي وقائع الأحداث وتطوراتها الدراماتيكية، وتلاطم أمواجها، وفجائعها الملتهبة، خاصة مع تصدر وسائل الإعلام بأنواعها المختلفة لإدارة دفة أخبار الفتن والأزمات، والحبكة الفنية في عرض أخبارها ومستجداتها بكل جدارة، وأحياناً حسب الخطة المرسومة لها من لدن مُلاكها وتوجهاتهم.



ولذا فإن أمانة المنابر الشرعية تقتضي تذكير الناس بين فينة وأخرى بالمنهج النبوي في الفتن، الذي هو صمام الأمان، والسياج المنيع، والحصن الحصين للمرء بعد الله عز وجل، فمن تمسك به فقد نجا وركب سفينة نوح، وسلم من الانجرار والانزلاق في أتون الفتنة، والتيه في متاهاتها، والضياع في دروبها الملتوية، فكم وكم ممن انزلق ففوجئ أنه أصبح طرفًا في قضية ليس له فيها مصلحة، ولا ناقة له فيها ولا جمل.



وهكذا، من ابتعد عن منهج السماء في الفتن، وقلَّت معرفته وتمسكه به، كانت زلته على حسب جهله وبُعده، كما يقول -صلى الله عليه وسلم- في هذا: "مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ".

الراوي: أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 5860
خلاصة حكم المحدث: صحيح

فعلى كل مسلم أن يسأل نفسه: هل أنا ممن أطاعه أو ممن كذبه؟.


كيف وقد بُعث -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، وهاديًا للثقلين أجمعين، فما من خير إلا دلنا عليه، وما من شر إلا حذرنا منه ، فهو -بأبي وأمي- أرحم الخلق للخلق، وأحرص الخلق على هدايتهم ونصحهم، (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:128].



وعن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ؛ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا؟!".



فاستعيذوا بالله من الفتن أيها الناس!

فهي أول وسيلة للسلامة من الفتن، فهو مسلك سويّ، ومنهج نبويّ؛ فقد كان دأبه -صلى الله عليه وسلم- الاستعاذة من الفتن تعليمًا لنا، ورسمًا للمنهج الصحيح، كما أخبرت عَائِشَةُ -رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ".


وأخبر أَنَس بْن مَالِكٍ -رضي الله عنه- قال: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".

لاحظوا أن صيغة (كان) تفيد الاستمرار، أي أنه -صلى الله عليه وسلم- قلما يترك هذا الدعاء، والذي يشتمل على جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم- ، فقوله: (فتنة المحيا والممات) يشمل كل الفتن؛ ففتنة المحيا: ما يحصل من الفتن في زمن الحياة، وفتنة الممات: تشمل ما يحصل من الفتن زمن الموت من أول النزع وهَلُمَّ جَرًّا.


قال ابن بطال رحمه الله: "هذه كلمة جامعة لمعانٍ كثيرةٍ، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من جميع ما ذُكر دفعًا عن أمته، وتشريعًا لهم؛ ليبين لهم صفة المهم من الأدعية".اه



فمداومته -صلى الله عليه وسلم- على هذا الدعاء، تشريع للأمة وتعليم لهم، وأن يكونوا على حذر منها، وهذا يؤكد أن الدعاء أنجع وسيلة للنجاة من شر الفتن، وإخماد نارها ووأدها في مهدها؛ لأن الفتنة إذا ظهرت في قوم تطال الصالح والطالح؛ والقاعد والساعي، وتأتي على الأخضر واليابس، فربما عمهم العقاب جميعًا، كما يقرره قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال:25].

ولذلك عندما ذكر الإمام البخاري كتاب الفتن في صحيحه ابتدأه بقوله: "بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فذكر هذه الآية ثم قال: وَمَا كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُحَذِّرُ مِنْ الْفِتَنِ.


فإذا تبين لنا أهمية ذلك فإنك تعجب من غفلة الناس عنه، ثم إن من أهمِّ ما يوجهنا إليه المنهج النبوي التعوذ بالله من رأس الفتنة وأسها، ممن يتولَّى كِبْرَها وصُنعها وترويجها ممن يصِلون الليل بالنهار، ويعملون في السر والجهار، فأعلى الفتن ضررًا أحبها إليهم، كما في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :"عَرْشُ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَفْتِنُونَ النَّاسَ؛ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً لِلنَّاسِ".




الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2813
خلاصة حكم المحدث: صحيح




فالشيطان قد أيس وقنط أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، لكنه لم ييأس من إغراء المصلين، وإيغار صدور بعضهم على بعض، فهو وجنده من الجن والإنس يسعون دومًا في التحريش والتحريض بالشر بين الناس، وإثارة النعرات القبلية والمذهبية والطائفية، وإحياء الصراعات الجاهلية، وتهييج الشحناء والخصومات، وإذكاء نار الحروب والعداوات.


ومن تأمل في واقعنا المعاصر علم حقيقة قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- : "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ"
الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 1651
خلاصة حكم المحدث: حسن





فالحديث يحذر من خطورة الفرقة، ويبين أهمية دور الأفراد في الحفاظ على وحدة المجتمع، بل ويؤكد أن تحصين نفسك من الأفكار الدخيلة هو نوع مساهمة في الحفاظ على تماسك المجتمع المسلم.


وربما، لأجل هذا، بل ومن كمال شفقته -صلى الله عليه وسلم- علينا، ولشدة خطورة الفتن، وكثرة الغفلة عنها وعن آثارها، علَّمنا -صلى الله عليه وسلم- أن نكرر التعوذ بالله من فتنة المحيا والممات عدة مرات كل يوم دبر كل صلاة، وفي أشرف الأماكن المساجد؛ كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ".



فتكرار هذا الدعاء خمس مرات في الفرائض وحدها -فضلاً عن النوافل- دليل على خطورة هذه الأمور المذكورة في الحديث، وشدة الحاجة إلى التعوذ بالله منها؛ ولذا كان -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم أصحابه -رضي الله عنهم- هذا الدعاء، كما يعلِّمهم السورة من القرآن؛ ففي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-ما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ؛ يَقُولُ:"قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".



فهلا سألنا أنفسنا: لماذا كل هذا التأكيد والتذكير بهذا الدعاء إلى هذا الحدِّ؟ وهل تفطنَّا لأسراره والحكمة منه؟

فقد كان سلفنا الكرام مدركين وواعين لأهمية هذا الدعاء، حتى كان الإمام طاووس -رحمه الله- يأمر ابنه بإعادة الصلاة إذا لم يقرأ بهذا الدعاء في صلاته.


ثم لا بد أن نتنبه ونعي أن من مقتضى التعوذ بالله من الفتن الابتعادُ عنها وعن أسبابها ودواعيها، وأما من يدّعي أنه يتعوذ بالله من الفتن، وهو متلبس بأسبابها، ومخالط لأهلها، أو أنه يحوم حول حماها، فلا يعتبر صادقًا فيما ادعاه، بل هو متبع هواه، وكاذب في زعمه ودعواه، وفعله يناقض قوله ..



فالدَّعَاوى مَا لم يُقِيمُوا عَلَيْهَا *** بَيِّنَاتٍ، أصحابُها أدْعِيَاءُ


يقول ابن الجوزي: "ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة، وقلَّ أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومَن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه". وصدق من قال:



مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لَمْ يَأْمَنْ عَوَاقِبَهُ *** كَيْفَ الحَيَاةُ مَعَ الحيَّاتِ في سَفَطِ؟


هكذا علَّمنا -صلى الله عليه وسلم- أن نجتنب أسباب الفتن ودواعيها، وأن نبتعد عن الاستشراف لها، والتطلع إلى أهلها، بل كان -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأمرنا أن نتعوذ بالله منها؛ كما في صحيح مسلم من حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رضي الله عنه- قال: قَالَ -صلى الله عليه وسلم- : " تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ".



وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ..." فذكر الحديث وفيه قوله تعالى: "يَا مُحَمَّدُ، إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ؛ وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ".

الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 59
خلاصة حكم المحدث: صحيح





ما أعظمه من توجيه من رب غفور رحيم كريم!

فاللهم إِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فاقبضنا إليك غير مفتونين.


بل ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أكثر من هذا؛ حيث فصّل القول في الفتن وفي مجانبتها، وضرب الأمثال في كيفية النجاة منها، فذكر -صلى الله عليه وسلم- أنه كلَّما كنا أقلَّ مباشرةً للفتنة كنا أقلَّ إصابة بشرِّها، فهي تصيب الإنسان بقدر تعلقه بها ومباشرته لها، فمن تصدَّى لها بشخصه قابلته بشرها؛ وبالمقابل، فإن من أعرض عنها بالابتعاد أعرضت عنه، وسلم من غوائلها، فتأملوا معي في ألفاظ هذه الروايات: فعن أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "سَتَكُونُ فِتَنٌ؛ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ".




الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 7081
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]



ومعنى قَوْله "مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا" أَيْ تَطَلَّعَ لَهَا بِأَنْ يَتَصَدَّى وَيَتَعَرَّض لَهَا وَلَا يُعْرِض عَنْهَا "تَسْتَشْرِفُهُ" أَيْ: تُهْلِكهُ بِأَنْ يُشْرِف مِنْهَا عَلَى الْهَلَاك. وفي لفظ مسلم قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- : "تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ".

يقول الإمام النووي رحمه الله: وَأَمَّا قَوْله -صلى الله عليه وسلم- :"الْقَاعِد فِيهَا خَيْر مِنْ الْقَائِم...إِلَى آخِره" فَمَعْنَاهُ بَيَانُ عَظِيمِ خَطَرِهَا، وَالْحَثُّ عَلَى تَجَنُّبِهَا وَالْهَرَبِ مِنْهَا, وَمِنْ التَّشَبُّثِ فِي شَيْء منها, وَأَنَّ شَرَّهَا وَفِتْنَتَهَا يَكُونُ عَلَى حَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا.


إخوة الإبمان: في هذه النصوص بيان صريح وكشف واضح لعدة أمور، منها: أولاً:عظم خطر داء الفتنة. ثانيًا: التحذير منها ومن أهلها أشد التحذير. ثالثًا: الحث على عدم الدخول فيها، وتجنب أسبابها ودواعيها، أو التعلق بشيء منها؛ لأن شرها يكون على حسب التشبث بها، فمن مستقل ومستكثر.



ومن تفكر في هذه الأمور الثلاثة ثم نظر في واقعنا وجد أن بعض الناس "فِي ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ, فَأَعْلَاهُمْ فِي ذَلِكَ السَّاعِي فِيهَا؛ بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِثَارَتِهَا, ثُمَّ مَنْ يَكُونُ قَائِمًا بِأَسْبَابِهَا؛ وَهُوَ الْمَاشِي, ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُبَاشِرًا لَهَا؛ وَهُوَ الْقَائِمُ, ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مَعَ النَّظَّارَةِ (وهم القومُ يَنْظُرون إليها) دون قتال أو مشاركة؛ وَهُوَ الْقَاعِدُ, ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُجْتَنِبًا لَهَا وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا يَنْظُرُ؛ وَهُوَ الْمُضْطَجِعُ الْيَقْظَانُ, ثُمَّ مَنْ لَا يَقَعُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ رَاضٍ؛ وَهُوَ النَّائِمُ, وَالْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ مَنْ يَكُونُ أَقَلَّ شَرًّا مِمَّنْ فَوْقَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ".



فمخاطر الفتن متعددة الجوانب، فلا يقف الأمر في حال مباشرة الفتن ومقارفة دواعيها عند الخسائر المادية أو الشخصية فقط، بل قد يصل الأمر إلى المخاطرة بالإيمان الذي هو أغلى وأعز ما يملكه المسلم، فقد يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ كما في حديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دُخِلَ -يَعْنِي عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ- فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ".




الراوي: أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس المحدث: الألباني - المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - الصفحة أو الرقم: 5326
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح



توضيح وبيان دقيق للغاية، ومنهج نبوي تطبيقي رائع، فهل من معتبر ومتعظ؟!

وهل يعلم الناس هذا المنهج؟
ثم هل يسعون لتطبيقه، ويحذرون من الفتن ويدرؤونها بما استطاعوا إلى دفعها سبيلاً؟.


نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجمع كلمتنا وأن يوحد صفنا، و يحفظ أمننا وإيماننا، وجميع بلاد المسلمين؛ ومن أرادنا بسوء أن يجعل تدبيره تدميراً عليه، وأن يكفينا شرورهم.



أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .



التطبيقي td1douc63dwrywebu4iv
* أم أحمد *
أختي في الله عبير الزهور
أنتقائكِ لهذا الطرح
جاء في وقته وذلك لكثرة الفتن
جنبنا الله وإياكم كل فتنة مضله
عزيزتي تقبلي جل أحترامي وتقديري
أم رائد
أختي في الله
اللهم جازها على ما كتبت خير الجزاء
وأجزل لها العطاء وبدل السيئة حسنه و المعصية طاعة
وفقرها غنا وحزنها فرحا وضيقا فرجا
و أنزلها منازل الصدقين والشهداء
و أجمعها في الجنة مع من تحب وتشاء
وجميع المسلمين ..
اللهم آمين
نهر الذكريات
اسال الرحمن ان يثبتنا حتى نلقاه وهو راضي عنا
والله يجزاك خير بصراحه دعوه طيبه واثرت في كثير
|| (أفنان) l|


جزاك الجنان وورد الريحان ثَقَل ميزانك بخيِرِ الأعمال
وأنار الله قلبك ودربك ورزقك برد عفوه وحلاوة حبه
حفظك المولى ورعاك ...!!
ام ناصر**
جزاك الله كل خير ونفع بك الجميع
سلمت يمناك ولا عدمناك..
بإنتظارجديدك بكل شوق
دمت برضى الله وفضل

التالي

إنكار المنكر - الشيخ إبراهيم الدويش

السابق

القرآن - القرآن - الشيخ إبراهيم الدويش

كلمات ذات علاقة
المنهج , التطبيقي , الدويس , الصحى , الفتن , النبوى , إبراهيم