الأمانة أمان

مجتمع رجيم / عــــام الإسلاميات
~ عبير الزهور ~
الأمانة أمان


الأمانة 13878079141.gif


الأمانة 13878114503.gif



لقد اشتدت الحال اليوم بالناس، وزادت الحاجة إلى الأمن والأمان، الأفراد والمجتمعات على حد سواء يلهثون باحثين عن الأمن والأمان في دينهم ودنياهم، وفي أبدانهم وأرواحهم، وفي دورهم وأوطانهم، وفي متاجرهم وأعمالهم وأرزاقهم، حتى في قيمهم وأخلاقهم.

ولا يتردد عاقلٌ منصف في أن ذلك لا يكون إلا بعودة الناس - حكامًا ومحكومين - إلى الإيمان، منبع الأمن والأمان، وأن يقوم كل فرد بدوره ومسؤوليته، وذلك بِحَمْل الأمانة، ونبْذِ الخيانة.

قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58].

تأمل قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ﴾، إن الله هو الآمر الذي يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، فمَن لم يفعل ذلك في الدنيا، كان الحساب والمحاسبة عليه يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لَتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء))؛ رواه مسلم، وفي لفظ لأحمد: ((حتى يقتص للشاة الجَمَّاء من القرناء، تنطحها))؛ وإسناده صحيح.

والأمانة قد اشتقت من (أَمِن)، الذي يدل على سكون القلب، وحصول الثقة والطمأنينة، يقال: ائتمن زيد فلانًا؛ أي: وثق به.

كما تدل الأمانة على الوفاء والحفظ، والأمانة هي التمسك بالدين جميعًا، يقال: رجل أمين؛ أي: له دين، والأمين: هو الحافظ العفيف الذي يؤدي ما يجب عليه من حق لغيره، ويهتم بحفظ ما استؤمن عليه من حقوق، دون تفريط أو تهاوُن.

وفي الحديث عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المؤذن مؤتمن))؛ رواه أحمد، وصححه الألباني.

والمراد: أن المؤذن مؤتمن القوم الذي يثقون إليه، ويتخذونه أمينًا حافظًا، فهو حافظ مؤتمن على أوقات عبادات المسلمين.

والأمانة خلق ثابت في النفس، يبعث على حب الحق وإيثاره، ويعف به الإنسان عما ليس له بحق، وإن تهيأت له ظروف العدوان عليه.

كما أن الأمانة هي العهد الذي يعمُّ جميع وظائف الدين، وقال النيسابوري: الأمانة هي الطاعة وهي التكليف، وسمي التكليف أمانة؛ لأن من قصَّر فيه، فعليه الغرامة، ومن أدَّاه فله الكرامة.

وقال القرطبي: الأمانة والعهد يجمعان كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه، قولاً وفعلاً، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، وغاية ذلك حفظه والقيام به، والأمانة أعمُّ من العهد، فكل عهد أمانة.

فيدخل في الأمانات ما عظم من الأمور وما صغر، أو كان خافيًا عن أعين الناس، ومن ذلك إحسان الوضوء وإسباغه، وكذلك غسل الجنابة؛ جاء عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدَّى الأمانة))، قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟
قال: "الغسل من الجنابة"؛ رواه أبو داود، وحسنه الألباني.

فالأمانة تشمل الدين، والأعراض، والأموال، والأجسام، والأرواح، والمعارف، والعلوم، والولاية، والوصاية، والشهادة، والقضاء، والكتابة، ونقل الحديث، وكتم الأسرار، والرسالات، والسمع، والبصر، وسائر الحواس.

وجاءت الأمانة في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه:
أحدها: الفرائض؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ﴾ [الأنفال: 27].

الثاني: الوديعة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58].

الثالث: العفة والصيانة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص: 26].

إن الأمانة فضيلة ضخمة، لا يستطيع حملها الرجال المهازيل؛ ولذلك فإنَّ الأمين موضع ثقة الناس واحترامهم، وقد ضرب الله المثل لضخامة الأمانة، فأبان - جل في علاه - أنها تُثقِل الوجود كله؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ﴾ [الأحزاب: 72].

فإن جميع الأوامر والواجبات الشرعية والمسؤوليات هي بمثابة الأمانات، جاء عن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال رسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم اللهُ عليه الجنة))، وفي رواية: ((فلم يحطها بنصحه، لم يرح رائحة الجنة))؛ متفق عليه.

وعنه - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يَجْهدُ لهم وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة))؛ رواه مسلم، وهذا ينطبق على كل مَن يتولى أمر غيره، ولو كان يتولى أمر إنسان واحد، فرَبُّ الدار وأبو العيال أمير مسؤول عن أمانته تجاه رعيته.

خلافًا لمفهوم الأمانة القاصر والضيِّق عند كثير من الناس؛ حيث يحصرونها في أداء الإنسان ما أُودع عنده من الودائع المالية إلى أهلها، وإن كان ذلك - بلا ريب - مُهمًّا وعظيمًا عند الله.

إنَّ الأمانةَ وصية يتواصى المسلمون برعايتها، ويستعينون بالله على حِفْظها، حتى إنه عندما يكون أحدُهم على أهبة السفر، يقول له أخوه: ((أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك))؛ رواه أبو داود، وصححه الألباني.

كما أن الأمانة سبيل إلى الفلاح، يبدو ذلك جليًّا واضحًا في قصة نبي الله يوسف - عليه السَّلام - فقد كان أمة ومثالاً للأمانة والعفاف، ثم كان له التمكين والفلاح، فبعد أن ذكرت امرأة العزيز براءته التي بلغت حاكم مصر، قال: جيئوني به أجعله مقربًا لديَّ من خلصائي وأهل مشورتي، ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ [يوسف: 54]، فأتوه به مكرمًا محترمًا، فلما جاء يوسف وكلَّمه الملك، أعجبه كلامه، وعرف براءته، وعظيم أمانته، وحسن خلقه، وزاد ه عنده، ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ [يوسف: 54]، إنك اليوم عندنا عظيم المكانة، أمين على الأسرار، ومؤتمن على كل شيء، فأراد يوسف أن ينفع العباد، ويقيم العدل بينهم، فـ﴿ قَالَ ﴾ للملك: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 55]، فإني خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه، كما أنَّ سلامة يوسف - عليه السَّلام - من الفاحشة مما يؤكد علاقة الأمانة بالدين.

ولذلك جاء ذِكْر فلاح المؤمنين في قول الله - تعالى -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: 1]، ثم ذكر من صفاتهم: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8]، ثم جعل جزاءهم الفردوس: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 10 - 11]، والفردوس وسط الجنة عرضًا، وأعلاها ارتفاعًا.

والأمانة خلق النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال هرقل - عظيم الروم - لأبي سفيان - رضي الله عنه -: "وسألتُك هل يغدر؟ - يعني النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فذكرتَ أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك ماذا يأمركم؟
فزعمتَ أنه يأمر بالصلاة والصِّدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وهذه صفة نبي"، وكان لقبه - صلَّى الله عليه وسلَّم - الأمين، وجاء عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً))؛ صححه الألباني.

وجاء في صحيح السيرة النبَوية عن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه لما سأله النجاشي - لما هاجر المسلمون إلى الحبشة -: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟
فارقتم دين قومكم، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية، فقال له جعفر: أيها الملك، كنا قومًا على الشرك، نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، يستحل المحارم بعضنا من بعض، في سفك الدماء وغيرها، لا نحلل شيئًا ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبيًّا من أنفسنا نعرف وفاءه، وصدقه، وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له... وعدد عليه أمور الإسلام، وكان من تلك التوجيهات الكريمة ما ذكره زياد عن ابن إسحاق: وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء.

كما أن الأمانة خلق الأنبياء - عليهم السلام - وخيار الناس، فقد كان النبي يبعث إلى قومه قائلاً: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ [الشعراء: 107]، وكذلك قال هود - عليه السَّلام - لقومه: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ [الأعراف: 68].

ولما وصفت ابنة شعيب نبي الله موسى - عليه السَّلام - قالت لأبيها: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص: 26].

قال ابن كثير: "قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟
قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلف عليَّ الطريق، فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه".

كما أن جبريل - عليه السَّلام - هو أمين الوحي، وقد وصفه الله بذلك في قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 192 - 194].

كذلك جاء في وصف العبد الصالح لقمان عن مالك - رضي الله عنه - قال: بلغني أنه قيل للقمان الحكيم: ما بلغ بك ما ترى؟
يعني في الفضل، قال: "صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني"؛ رواه مالك في "الموَطَّأ".

بل جاء في وصف القرآن أنَّه أمين الكُتُب السماوية المنَزلة من عند الله، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "القرآن أمين على كلِّ كتاب قبله".

والأمين أهل للمسؤولية؛ ولذلك بوب الإمام البخاري - رحمه الله -: "بابٌ يستحب للكاتب أن يكون أمينًا عاقلاً".

عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((العامل على الصدقة بالحق لوجه الله - تعالى - كالغازي في سبيل الله - عزَّ وجلَّ - حتى يرجع إلى أهله))؛ رواه أحمد، وصححه الألباني.

والأمانة أمان وعلامة على الإيمان، وهي خصلة راسخة في أفئدة المؤمنين، فعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد مَن جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب))؛ رواه أحمد وصححه الألباني.

فإذا ذهبت الأمانة من قلب عبد ترحَّل الإيمان منه، عن أنس - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))؛ رواه أحمد وصححه الألباني.

لذلك كانت الأمانة أمانًا وقت الشدة، ووقوع الإنسان في الكروب، كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - في قصة الثلاثة النفر الذين أووا إلى الغار، فانحدرت صخرة، فسدت عليهم فم الغار؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبدَ الله، أدِّ إلَيَّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبدَ الله، لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافْرُج عنَّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون))؛ متفق عليه.

والأمانة تعدل الدنيا وما فيها، فمَن رزقه الله الأمانة، هانت عنده الدنيا ومتاعها الزائل، فلا يبيع أمانته بعرض من أعراضها؛ عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة))؛ رواه أحمد وصححه الألباني.

وأعظم الأمانة هي أمانة التوحيد، التي عليها العهد والميثاق؛ قال الله - عزَّ وجلَّ - لهم: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 172]، فإن اللَّه - تعالى - فطر عباده على الدين الحنيف القيم.

ومن الأمانة تبليغ الدعوة، ونشر الخير بين الناس؛ عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار))؛ رواه البخاري.

ومن الأمانة تسخير الحواس والجوارح في طاعة الله، واستعمالها في مرضاته؛ قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78].

فالعبد مستأمن عليها، ومسؤول عنها يوم القيامة؛ قال - جلَّ وعلا -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسؤولاً ﴾ [الإسراء: 36].

ومن الأمانة أداء الحقوق، وحفظ الودائع، ثم تأديتها إلى أصحابها، بَرًّا كان أم فاجرًا، وسواء كان مسلمًا أم كافرًا؛ اقتداء بالمصطفى - عليه الصلاة والسلام - فإنه لما هاجر المسلمون الأوائل من مكة إلى المدينة، وتتابع الناس في الهجرة، استخلف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ابن عمه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأخَّره بمكة، وأمره أن ينام على فراشه وأجَّله ثلاثًا، وأمره أن يؤدي عنه أمانته ووصايا من كان يوصي إليه، وأمره أن يؤدي إلى كل ذي حق حقه، ويسلم الودائع إلى أهلها.

قال ميمون بن مهران: "ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر: الأمانة، والعهد، وصلة الرحم".

جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اشترى رجل ممن كان قبلكم عقارًا من رجل، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك عني إنما اشتريت العقار، ولم أبتع منك الذهب، فقال بائع الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، فقال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا عليهما منه وتصدقوا))؛ متفق عليه.

ومن الأمانة صيانة أعراض المسلمين، وستر عوراتهم، وحفظ المجالس، وتجنب إفشاء الأسرار، والمبالغة في سرد الأخبار، والتحديث بكل ما يُسمع ويقال؛ قال الحسن - رحمه الله -: "إنَّ من الخيانة أن تحدث بسر أخيك"، ومن الأمانة صدق النصيحة والشورى لمن استنصح أو استشار، وذلك بالصدق والنصح والتوجيه الطيب، بأن يرشد المرء أخاه إلى الحق إن كان يعلمه، ولا يضله إن كان يجهل الحق؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المستشار مؤتمن))؛ رواه أحمد، وصححه الألباني.

ومن الأمانة حفظ الأسرار الزوجية؛ عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة))، وفي رواية: ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها))؛ رواه مسلم، وقوله: ((إن من أعظم الأمانة))؛ أي: أعظم خيانة للأمانة.

وأمانة الزوجين في القيام بواجباتهما الأسرية؛ وذلك بإلزام أهل البيت بالفرائض والواجبات، وتربيتهم على الفضائل والمستحبات، وتطهير البيت من المنكرات؛ عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته))؛ رواه البخاري ومسلم.

ومن الأمانة إتقان العمل المناط بالمسلم؛ عن عائشة - رضي الله عنها - قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))؛ حسنه الألباني.

ولقد كان أصحابُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مثالاً رائعًا، وقدوة حسنة في الصدق والأمانة، وفي مقدمتهم أبو عبيدة عامر بن الجراح - رضي الله عنه - الصحابي الأمين، كما جاء عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لأهل نجران: ((لأبعثن إليكم رجلاً أمينًا حقَّ أمين))، فاستشرف لها أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فبعث أبا عبيدة؛ رواه البخاري ومسلم.

وجاء أيضًا عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة))؛ رواه البخاري.

عن نافعٍ قال: خرج ابن عمر - رضي الله عنه - في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له، ووضعوا سفرةً له، فمر بهم راعي غنمٍ، قال: فسلم، فقال ابن عمر: "هَلُمَّ يا راعي، هَلُمَّ، فَأَصِبْ من هذه السُّفْرَةِ"، فقال له: إني صائمٌ، فقال ابن عمر: "أتصوم في مثل هذا اليوم الحار شَدِيدٍ سُمُومُهُ وأنت في هذه الجبال ترعى هذا الغنم؟!"، فقال له: أَيْ وَاللهِ، أبادر أيامي الخالية، فقال له ابن عمر وهو يريد يختبر ورعه: "فهل لك أن تبيعنا شاةً من غنمك هذه، فنعطيك ثمنها، ونعطيك من لحمها فتفطر عليه؟"، فقال: إنها ليست لي بغنمٍ، إنها غنم سيدي، فقال له ابن عمر: "فما عسى سيدك فاعلاً إذا فقدها، فقلت: أكلها الذئب"، فولى الراعي عنه وهو رافعٌ أصبعه إلى السماء، وهو يقول: فأين الله، قال: فجعل ابن عمر يردد قولَ الراعي وهو يقول: قال الراعي: فأين الله؟ قال: فلما قدم المدينة، بعث إلى مولاه، فاشترى منه الغنم والراعي، فأعتق الراعي، ووهب له الغنم.

وضد الأمانة الخيانة، وقد جاءت النصوص الشرعية في التحذير من الخيانة، وبيان عواقبها، مع التنبيه على صور سيئة للخيانة يقع فيها الكثير من الناس جهلاً أو تَجاهلاً، كإفشاء الأسرار، وفضح حرمة المجالس بل البيوت.

كذلك التفريط في الواجبات، فإنه يُعَدُّ خيانةً تجر إلى الإثم، وأشدُّ ذلك شناعة ما أصاب الدين، وأضر بالمسلمين.

والخيانة صفة من صفات المنافقين؛ عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أربع مَن كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))؛ رواه البخاري ومسلم.

والله لا يحب الخائنين في عهودهم، الناقضين للعهد والميثاق، بل يُبغضهم أشدَّ البغض؛ قال الله - تعالى -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 58].

بل من عظم الأمانة وسوء الخيانة أمرُ الشارع بالتمسك بالأمانة وعدم جواز معاملة الخائن بالمثل، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن مَن خانك))؛ رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.

يقول الإمام ابن حجر - رحمه الله -: "الغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي".

وقد تعوَّذ المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الخيانة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة))؛ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وحسنه الألباني.

إنَّ ضياعَ الأمانة من علامات الساعة، كما أن ضياعَها دليلٌ على فساد المجتمع، واضطراب الموازين فيه؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحدث إذ جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ قال: ((إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة))، قال: كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة))؛ رواه البخاري.

وفي ضياع الأمانة أيضًا اختلال الموازين وفساد القيم؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة في أمر العامة))، قيل: وما الرويبضة؟ قال: ((الرجل التافه))؛ رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

وختامًا، فإن الأمين - بلا ريب - سيجد أثر هذا الخلُق النبيل في يوم القيامة، فقد جاء عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يصف مرور الناس على الصراط -: ((وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يَمينًا وشمالاً))؛ رواه مسلم، وخص ((الأمانة والرحم)) بالذكر؛ لعظم أمرهما، وكثير هما؛ حيث يصورهما الله على الصفة التي يريدها - سبحانه وتعالى - فتقومان تطالبان بحقهما كل من يريد الجواز على الصراط.

لذلك كان لا بد مِنَ التواصي بين المسلمين بحِفْظ أمانات الدين وتبليغه للناس، وحفظ أمانة الأموال، والوفاء في الديون والحقوق، وترك مجالس الغيبة والنميمة، وكتمان أسرار المجالس، والتواصي بغَض البصر عن الصور المحرمة والمناظر الفاتنة التي تعرضها وسائل الإعلام من فضائيات ومجلات وتلفاز.

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 27].

أي: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تخونوا الله ورسوله بِتَرْك ما أوجبه الله عليكم وفِعْل ما نهاكم عنه، ولا تفرطوا فيما ائتمنكم الله عليه، وأنتم تعلمون أنه أمانة يجب الوفاء بها.

فمَن أدى الأمانة استحق من اللَّه الثواب الجزيل، ومَن لم يؤدها بل خانها استحق العقاب الوبيل، وصار خائنًا للَّه وللرسول ولأمانته، منقصًا لنفسه بكونه اتصفت نفسه بأخسِّ الصفات، وأقبح الشيات، وهي الخيانة، مفوتًا لها أكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة.

قال البخاري - رحمه الله تعالى -: "فأداء الأمانة أحق من تطوع الوصية".

ولما كان العبد ممتحنًا بأمواله وأولاده - فربَّما حمله محبة ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته - أخبر اللَّه - تعالى - أن الأموال والأولاد فتنة يَبتلي اللَّه بهما عباده، وأنها عارية ستؤدى لمن أعطاها، وترد لمن استودعها ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 28]، فإن كان لكم عقل ورَأْيٌ، فآثروا فضله العظيم على لذة صغيرة فانية مضمحلة، فالعاقل يوازن بين الأشياء، ويؤثر أولاها بالإيثار، وأحقها بالتقديم.

أمَّا من عرف من نفسه ضعفًا في حمل الأمانة، أو عدم قدرة على ذلك، فليعتذر من المسؤولية، وليبتعد بنفسه عن مهالك التكليف، فالسلامة لا يعدلها شيء.

قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة".

وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلتُ: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها))؛ رواه مسلم.

وفي المقابل لا ينبغي لمن كان تقيًّا قويًّا أن يتخلى عن مسؤوليته في حمل الأمانة، وهو يعلم أنه قادر على ذلك، فعن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((العامل على الصدقة بالحق، كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته))، لا سيما أن المؤمن القوي الذي ينفع الناس في دينهم ودنياهم هو خير الناس، وأحبهم عند الله.



أنور الداود النبراوي
ام ناصر**
شكرا لك

بارك الله فيكِ
وجزاكِ الله خير الجزاء
دمتِ برضى الله وحفظه ورعايته
|| (أفنان) l|
أختي الغالية
لله درك وبشرك الله فى الجنة
جزاك الله كل خير فائدة عظيمة جعلها الله في موازين حسناتك
لكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,
* أم أحمد *
أختي في الله
عبير الزهور
أسأل الله لكِ سعادة الدارين

وسلامة الصحة والدين
أم رائد
أختي في الله
أثابك الله الجنه ومحى عنك الزله وأبدلها بالحسنة
وجعل العسير برحمة عليك يسرا والحزن فرحا
والضيق فرجا والرزق رغدا والعيش هينا
والجنه موعدا مع الصديقين والشهداء
وجميع المسلمين ..
اللهم آمين

التالي

لئلا تغيب الأمانة!

السابق

رسالة إلى كل كذاب

كلمات ذات علاقة
أمان , الأمانة