تأملات في آيات الصيام - الشيخ محمد صالح المنجد

تأملات في آيات الصيام - الشيخ محمد صالح المنجد

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
تأملات في آيات الصيام - الشيخ محمد صالح المنجد

تأملات في آيات الصيام - الشيخ محمد صالح المنجد

13878079141.gif



13878114503.gif

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


وجاء رمضان؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183].


(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [البقرة:183]، ويشعر المؤمن بأنه مكرم بهذا النداء الإلهي الذي يأتي في كتاب الله مناديا الجُموع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ)، بتلك الصفة العظيمة: (آمَنوا)، خير يأمر به عظيم.


إن الصيام بالامتناع عن الشهوات يحتاج إلى إيمان، إن الصيام في شدة الحر يحتاج إلى إيمان، إن مقاومة رغبات النفس تحتاج إلى إيمان، إن الالتزام بالأحكام والأوقات التي في الصيام يحتاج إلى إيمان، إن خوف الله بالغيب فلا يأكل المسلم حتى لو لم يبصره أحد يحتاج إلى إيمان.


إن اجتماع الأمة على هذه العبادة والتزام الأمة بالصيام إذا رُؤِي الهلال، وعدم شذوذ بعضها عن بعض، يحتاج إلى إيمانٍ وعقلٍ يعي فهم معاني الصيام، والتفاعل مع ذلك يحتاج إلى إيمان.


(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ)، مبني للمجهول، مَن الذي كَتَب؟ الذي فرضه هو الله -عز وجل-، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ)، إذاً؛ فنحن موضع الحكم، والحكم مفروض علينا، ونحن مخاطبون به، (عَلَيْكُمْ)، عليكم يا أيتها الأمة، عليكم يا أيها المؤمنون، عليكم يا عباد الله، كتب عليكم من الله، فهو الذي يفرض ما يشاء، ويحكم ما يشاء، سبحانه وتعالى.


فهل أنتم الوحيدون في العالم الذين كتب عليكم هذا الحكم؟ هل الصيام عبادة جديدة لم تعرف إلا في هذه الشريعة؟ قال -تعالى-: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ).

إذا؛ نسير نحن ومَن قَبلنا من السائرين في طريق الوحي على طريق واحد هو طريق التوحيد، وإن تنوعت الشرائع عند الأنبياء؛ لكن الجميع عنده صيام.

(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، ليس شيئا جديدا وإن كانت أحكام الصيام في هذه الشريعة أكمل، لكن مبدأ الصيام كان مشتركا.


فأنت -يا عبد الله- تقوم بعبادة الآن قام بها أنبياء ومؤمنون كُثْرٌ من قبل، أنت تشترك معهم في عبادة عظيمة لله.


(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)؛ ليسهل علينا الأمر، وإن الناس إذا اشتركوا في شيء سهل عليهم القيام به.


(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ): لماذا؟ وما هي الحكمة؟ وما هو الهدف؟ (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، لعلكم تخافون الله، تتكون عندكم الخشية لله، يصبح عندكم معيار التقوى قائما في النفوس، حتى يجعل الصيام منكم أناسا يخافون الله في الغيب والشهادة، يقفون عند حدود الله، يفعلون كل الواجبات، لا الصيام فقط، ويتركون كل المحرمات، ليس الأكل والشرب في نهار رمضان فقط.


(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) في كل شيء، إن هذا الصيام سيؤهلكم لتكونوا من المتقين، تدخلون مدرسته شهراً في دورة إيمانية عملية عظيمة تؤهلكم للخروج منها وأنتم من المتقين؛ إذا أحسنتم القيام بهذه العبادة.


(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): ليست القضية -إذاً- الهدف الأعلى منها الصحة مثلا، ولا غيرها من الأهداف الدنيوية الأخرى، وإنما المسألة أعلى من ذلك، التقوى! (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ستحصل لكم فوائد كثيرة أخرى: اجتماعية، نفسية... بل حتى سياسية؛ لأن العالم يشهد المسلمين في عباداتهم، فكما يشهدهم في حَجهم يشهدهم في صيامهم.


أنتم الآن في هذه العبادة تجتمعون فيها كقوة أمام العالم، لأن العالم سيسمع عن هذه العبادة وعن هؤلاء الناس الذين يلتزمون بهذه الأحكام إلتزاماً جماعياً على مستوى الأمة، سيتحدث العالم عنكم، لكن -أولا-: التقوى، التقوى يا عباد الله، وإصلاح العلاقة فيما بينكم وبين الله سبحانه وتعالى.


(أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:184].


هذه العبادة العظيمة تكونُ (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) لا تلبث أن تنقضي، ليست سنينَ ولا شهوراً، وإنما شهر واحد في السنة، فلذلك لا تستطيلوها ولا تملوها؛ إنها راحلة بسرعة.


فإذا كان الإنسان من أهل الأعذار؛ فماذا يفعل؟ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، فالصيام يسبب له المرض، أو يزيد عليه المرض، أو يؤخر البرء، فله أن يفطر، ثم يصوم بعد ذلك إذا زال المرض. وإذا كان مزمنا فعليه فدية.


وكذلك السفر، وكذلك المرضع والحامل، والحائض، والنفساء، وكبير السن الذي لا يطيقه، كل صاحب عذر جعل الله له مخرجا، وجعل له بدلا.


إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحابل والمرضع الصوم، وهكذا؛ إذا صارت المشقة فوق العادة تأتي الرخصة حينئذ.


(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ): كان الصوم اختياريا في وقت من الأوقات، قبل أن يفرض كان اختياريا، ثم جاء فرضه بعد ذلك، وأكد تكرار ذكر أهل الأعذار، وأن حكمهم باقٍ في العذر بعد فرض الصيام، حتى لا يظن ظان أن الصيام لما كان اختيارا ثم نسخ قد نسخ معه العذر أيضا؛ ولذلك كرره ليبين أن الحكم وإن تغير من الاستحباب إلى الوجوب إلا أن العذر باقٍ.


ولذلك إذا استعرضت الآيات -يا عبد الله- فستلاحظ تكرار ذكر أهل الأعذار، فهذه هي الفائدة من ذلك.


(فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ): ثم جاء النسخ بالوجوب، وهكذا صار إلزاميا.


عباد الله: بلاغة القرآن عظيمة! (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). كم حكما تحتويه؟

وكم تبين؟
وإن صفة القضاء بهذه الطريقة تبين أن الصيام ليس تعطيشاً وتجويعاً ومنعاً من الشهوات لغرض الآلام والحرمان، لا؛ لا يا عباد الله! (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج:37]، الله لا يستفيد شيئا من عبادتكم، لا يستفيد شيئا من صيامنا وتجويعنا وتعطيشنا؛ ولكن لأجلنا نحن فرض هذا الصيام.

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:185].


(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ): تأمل هذه العبارة! كيف جاءت ونحن نصوم في شدة الحَر الآن، وأنت تسمع -يا عبد الله- قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، ولو أراد العسر لأوجبه في السفر وفي المرض وعلى الحامل وعلى الكبير؛ ولكن يريد بنا اليسر. طيّب؛ وهذه المشقة؟! هذه المشقة تطاق في العادة، لو كانت لا تطاق لسقط الصيام.


(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) بالقضاء لمن لم يستطع، (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ): هذا التكبير عند انتهاء الصيام، وتكبروه على العبادة، وعلى الهداية إليها.


(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)؛ يتصور الناس أن شكر النعمة يكون إذا جاء أحدَهم مالٌ أو ولدٌ، فمن الذي يتصور شكر النعمة إذا جاء فرض الصيام، وجاء موسم العبادة، وتمكن منها وهو بصحته؟.


وعندما يقول ربنا (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) نعلم بأن المسألة مسألة رؤية؛ لأن هذه لغة العرب "شهد، يشاهد، شاهد"، لابد من الرؤية، ما يسمّى شاهِد وشهد وشاَهَد إلا إذا كان صاحب رؤية. يشهد ماذا؟ الهلال. ليست شهادة علمية يؤديها في المحكمة أو شهادة على شيء، لا! (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ)، فكيف سيشهده؟ إذا رأى هلاله.


ومن هنا يتبين أن الحكم يتعلق برؤية الهلال لا بالحسابات، (فَمَنْ شَهِدَ)؛ هذه المشاهدة التي تكون بالعين، وهذه هي الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان.


(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ): "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وقد علم الله أن البشر منهم الحضري والقروي والبدوي، والعامي والمثقف، والقارئ والأمي؛ ولذلك جعل لهم شرعا يناسب كل الأحوال...


(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة:189]، لعبادتهم، وعدة نسائهم، ومعاملاتهم. هذه الأهلة جعلها الله لأجل ذلك.


(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:186]


تأمل كيف تدخل العبادات القلبية في هذا الصيام؟ (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، والله فوق سماواته على عرشه، فما هو القرب؟ قرب المعية، معية الإجابة، معية النصرة، معية العلم. (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.


(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي): ارتباط الدعاء بالصيام، (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، فالله كريم، ولما قال: (أُجِيبُ)؛ يجيب، فإما أن يعطي مباشرة، وإما أن يؤخر فيزداد الداعي إلحاحا وأجرا، وإما أن يكون المدعو به ليس من مصلحة الداعي فلا يستجيب الله له فيه، لأن الداعي لا يعلم الغيب ولا يعلم مآلات الأمور، فالله -تعالى- لا يستجيب له في هذا، ولكن؛ لأنه قال: (أُجِيبُ)، فلابد أن يعطيه مقابل عدم الاستجابة، يعطيه خيرا آخر لم يسأله العبد، أو يمنع عنه شرا لم يستعذ منه العبد، وربما لم يخطر له ببال.


(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) إذا انتفت الموانع، مثل أكل الحرام، والاعتداء في الدعاء...


وهو -سبحانه وتعالى- يُتعبد له بالصيام، ويتعبد له بالدعاء، ويتعبد له بالاستجابة له؛ ولهذا قال: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي): أي: ليستسلموا لأمري، لينقادوا لشرعي، (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ويهتدون لأحسن المسالك، يرشدون لأحسن التصرفات، يبلغون الرشد، يبلغون النضج، يبلغون هذا الرقي العظيم، يرشدون. إن الرشد كلمة عظيمة!.


(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [البقرة:187].

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ): كان الواحد من المسلمين إذا بدأ الصيام ثم أفطر ثم نام لم يجز له بعد قيامه من النوم أن يأكل أو يشرب أو يجامع حتى لو قام قبل الفجر، فحصل ما حصل، فأنزل الله التخفيف وقال: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)، سواء نمت أو لم تنم فإن الليل كله وقت للإتيان.

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ): وهذا يعني أن الشرع لا يريد أن يطمس الشهوة بالكلية، وليس شرع: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) [الحديد:27]، وإنما شرع يراعي الشهوات.


(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ): ذكّرنا بحقوق الزوجية في آيات الصيام، وهذه مناسبة أن يذكر بعضنا بعضا بها، في آيات الصيام قال: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)، تستر عليها وتستر عليك.


(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ): لا يستغني أحد من الطرفين عن الآخَر؛ لأن اللباس يحميك وأنت لا تستغني عن الحماية! (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)؛ فكما أن اللباس يحفظ من الحر والبرد فكذلك الأزواج، الزوجة تحفظ زوجها من الحرام، والزوج يحفظ زوجته من الحرام.


(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ): واللباس يواري العورة، ويستر، ويحفظ الأسرار، وكذلك الزوج والزوجة بينهما حفظ الأسرار، فتأمل كم من المعاني في هذه الألفاظ اليسيرة: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)!

وتأمل ما في هذه الكلمات من توصيف للعلاقات التي ينبغي أن تكون بين الأزواج والزوجات!

تأمل في هذه الأحكام المنزلة من ربنا رب البريات!.

(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ): علم بما يحصل من المخالفات... وخيانة النفس معصيتها لربها، فالآن ماذا حصل؟ (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ) ومحا الذنوب، (فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ).

هل رأيتم العلاقة بين الصيام وتهذيب النفس؟.

(فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ) في الليل، (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ): يعني الولد، ولذلك لا تحديد للنسل في الإسلام، وإنما ابتغاء ما كتب الله، وما تدري ما حملت به امرأتك أي خير لك فيه.


(وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ لُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ): نزلت لاحقا لتوضيح غموض حصل عند بعض الناس في الفهم، فجاءت هذه الكلمات المحدّدة للفجر...


إذاً؛ ما حكم الإمساك قبل أذان الفجر بعشر دقائق؟

بدعة، إمساك الفجر هذا بدعة، لماذا؟
لأن الله قال: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ).

وإننا نطَمْئن إخواننا -بحمد الله- أنّ تجاوز الدقيقتين أو الثلاثة في الأمور التقديرية الحسابية أمر طبيعي خصوصا في عملية انتظار الفجر، أما ما يقال من أن الفارق سبع عشرة دقيقة أو عشرون دقيقة أو نصف ساعة فغير صحيح، كما أخبرنا بذلك العلماء الثقات الذين اختبروا الفجر حقيقة.


ومن أكل أو شرب ظانا بقاء الليل ثم تبين له طلوع الفجر فصيامه صحيح، وهو مغفور له خطؤه.


اللهم إنا نسألك أن تتقبل منا صيامنا، وأن تتوب علينا، وأن تجعلنا من المتقين، وأن توفقنا لحفظ حدودك يا رب العالمين.


أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، أكبّره وأسبحه ولا أشرك به أحدا، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الرحمة المهداة، البشير النذير، والسراج المنير.


اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى ذريته الطيبين، وآله وخلفائه الميامين، وأزواجه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


عباد الله: تكامل العبادات في الإسلام عظيم، ففي آيات الصيام: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فذكرنا بهذه العبادة وهي الانقطاع عن الدنيا والتفرغ لعبادة الله، ولا تكون إلا في بيت من بيوت الله وهي المساجد، وأعظمها المسجد الحرام.


هذا الاعتكاف قال بعض العلماء عنه إن أقله يوم وليلة، وقال بعضهم ليلة، وقال بعضهم لا حد لأقله، وفهم بعضهم من إيراد آية الاعتكاف أثناء الصيام أن الصيام للاعتكاف شرط، وقال بعضهم: مستحب، أي: الصيام مع الاعتكاف.

وهذا الحبس للنفس في الطاعة يؤدي إلى تربية عظيمة.

ثم قال -تعالى-: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا)، الحدود، ما معناها؟

إذا كنت خارج الحدود فالمقصود بالحدود المحرمات، فيقال لك: ممنوع الدخول، وإذا كنت داخل الحدود فالمقصود بها الواجبات، فيقال لك: ممنوع المغادرة.

(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) ما المقصود بحدود الله؟ هذه الواجبات التي أوجبها لا ترك لها، وهذه المحرمات التي حرمها لا اقتراب منها؛ لأنه قال: (فَلَا تَقْرَبُوهَا)، فلا تقتحموها، فإذا؛ اجعل بينك وبين الحرام مسافة: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) [الإسراء:32]، أي شيء يقرب من الزنا: صور، كلام، (وَلَا تَقْرَبُوا)؛ هذه الحكمة الإلهية.


قال هنا: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ)، واللهِ لقد بين لنا ربنا! (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): وأعاد التذكير بذلك، هذا الموسم العظيم موسم الصيام، موسم الدعاء، موسم الاعتكاف، هذا الصيام العظيم، موسم التقوى، هذا الصيام العظيم موسم الرشد والنضج؛ لأن هذه الكلمات قد جاءت في ثنايا هذه الآيات.


ولذلك لابد من حفظ الصيام ما دام أن الله -تعالى- قرنه بالتقوى، والأشياء التي تخرق الصيام كثيرة: الكذب، التزوير، شهادة الزور، الغيبة، النميمة، الاعتداء، الظلم، أكل مال الآخرين بغير حق ، كل ذلك يخرق الصيام، النظر إلى شيء محرم، سماع شيء محرم.


ولما علم أعداء الله ما لهذا الصيام من الفوائد العظيمة على الأمة حاولوا بشتى الوسائل أن يقطعوا طريق الناس إليها، فهؤلاء هم قُطَّاعُ الطرق في رمضان، أنتجوا المسلسلات، وقاموا بهذه الأعمال لصرف الناس عن ثمرة الصيام، وجعْلِهم ينشغلون بها عن الدعاء والذكر وارتباط القلب بالله.


ترويج عجيب، وليس فقط قضية إثارة شهوات، بل إلقاء شبهات، وليست القضية فقط قضية إلقاء شبهات كما في هذه المسلسلات كما هو معهود، والطعن في الدين وأهله، والقضاء الشرعي وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وإنما أيضا تشويه التاريخ الإسلامي.


يا عباد الله، يا أيها المسلمون: هل تعلمون أنه سيشرح سيرة عمر بن الخطاب في المسلسل رجل نصراني سيمثل دوره! وقد تأكدنا من ذلك، وآخر باطني من الطائفة الحاقدة التي تذبح المسلمين في سوريا سيمثل دور رجل كبير من أكبار الصحابة.


فهل عجزنا عن الإطلاع على سيرة عمر إلا من خلال رجل نصراني يجسد دوره لنا؟

وأي شخصية عمرية التي سيعرضون؟!
شخصية عمر القوي في أمر الله، صاحب الدرة، المنافح المكافح، الذي دافع الشبهات وأغلق أبواب الفتن عن المسلمين، ونادى بالحجاب، وتمنى منع الخمر، وفعل وفعل، أم شخصية أخرى سيصيغونها؟!

يا عبد الله يا مسلم: أربعمائة وألف سنة والأمة تعرف تاريخ أطفالها وكبارها بأي طريق؟

بالخطب، بالدروس، بالكتب، تقرأ التاريخ، لذلك لابد أن نعرف حجم المؤامرة على رمضان، وعلى الإسلام، وعلى تاريخ الإسلام. إنهم -والله- لا يريدون خيرا لهذا الدين.

اللهم إنا نسألك لإخواننا في الشام عاجل الفرج يا رب العالمين...


أم رائد
أختي في الله
اللهم أغنها بحلالك عن حرامك وبرضاك عن سخطك
وبمعافاتك من عقوبتك فأنت تعلم غايتها
فأجعل عملها مما يقربها عندك زلفا
وجميع المسلمين ..
اللهم آمين
* أم أحمد *
وبارك الله بكِ
أسأل الله أن يتقبل صومكِ
وأسأل الله أن يدخلكِ
من باب الريان
صفاء العمر
جزاك الله خير
وسلمت يمينك
ولا حرمك الله الاجر
سنبلة الخير .
آللهْ يعطيكِ آلفْ ع ـآفيهْ
جع ـلهُ آللهْ فيّ ميزآنْ حسنآتِك
أنآرَ آللهْ بصيرتِك وَ بصرِك بـ نور

آلإيمآنْ شآهِد لِكِ يومـ آلع ـرض وَ آلميزآنْ
وَ ثبتِك علىـآ آلسُنهْ وَ آلقُرآنْ
لِكِ جِنآنَ آلورد مِنَ آلجوريّ
|| (أفنان) l|
ياقلبي
بارك الله جهودكِ الطيبة
اسْأَل الَلّه ان يُجْزِيْك خَيْرَا عَلَيْه وَان يَجْعَلُه فِي مِيْزَان حَسَنَاتِك
بأِنْتِظَار كُل مَاهُو مُفِيْد وَقِيَم مِنْك دَائِمَاً
كل الشكر لكِ مع خالص الود والتقدير

التالي

خطورة البدع - الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم

السابق

الصدق مع الله للشيخ حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ

كلمات ذات علاقة
محمد , آداب , المنجد , الصيام , الصحى , تأملات , شامي