فتن آخر الزمان - الشيخ محمد صالح المنجد

فتن آخر الزمان - الشيخ محمد صالح المنجد

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
فتن آخر الزمان - الشيخ محمد صالح المنجد


فتن آخر الزمان - الشيخ محمد صالح المنجد


kj98fmwnubkuwoojnqp3



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: فإن الله -سبحانه وتعالى- خلق خلقه ليبتليهم: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2]، وهذا الابتلاء والاختبار لحكمة عظيمة من الله -سبحانه وتعالى-؛ ولذلك فإن ربنا -عز وجل- يقدّر فتنًا تمحص العباد وتبين الحقائق وتظهر المعادن، وهكذا سلعة الله غالية، لا يدخلها إلا من وفقه الله -عز وجل- للنجاح في هذا الابتلاء الذي يبتلي به العباد.


وإذا نظرنا إلى الفتن في القرآن الكريم فإننا نجد هذا المعنى في مقدمتها، الفتنة بمعنى الابتلاء والاختبار كما قال تعالى عن موسى -عليه السلام-: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) [طه: 40]، أي ابتليناك واختبرناك، وقال سبحانه: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت: 2]، أحسبوا أن نتركهم بلا اختبار ولا ابتلاء، وهكذا يختبرهم بأمور كثيرة من الشدة والرخاء، والمال والنساء، والحسب والنسب، والحرب والأمن، والشدة والخوف، وتأتي الفتنة بمعنى العذاب، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، أي عذبوهم وحرقوهم، وقال -عز وجل-:(إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا) أي أوذوا وعُذِّبوا.


والفتنة تأتي في القرآن بمعنى الشرك والكفر كقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [البقرة: 193]، أي لا يكون شرك، وقال: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة: 191]، وتأتي بمعنى القتل أيضًا كقوله -عزّ وجل-: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء: 101]، وتأتي بمعنى الصد عن سبيل الله كقوله: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة: 49]، وتأتي بمعنى اشتباه الحق بالباطل كقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: 73]،


وهذا الاشتباه جاء في حديث: "ستكون فتن؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي"، وهي أيضًا تأتي بمعنى اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم كقوله تعالى: (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) [التوبة: 47]، أي يوقعون الخلاف بينكم.


وإذا نظرنا في أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وجدنا أن الفتن لها أوصاف، منها كبار ومنها صغار كما جاء في حديث حذيفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار".


وكذلك فإن الفتن تحدث انتكاسًا للناس؛ فيرى الرجل حلالاً ما كان يراه حرامًا والعكس، وأيضًا فإنه تتفاقم وتزداد وتكثر وتعظم كما دل عليه الحديث: "إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنةٌ فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه". يعني تكون الأولى أهون من الثانية، وتُنسي شدة الثانية هول الأولى.


والفتنة تكون في زمان ومكان يصل لدرجة أن يتمنى بعض الناس الموت، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه". وهذا حال المؤمن الذي يصل به الخوف على ذهاب دينه وغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكرات، لدرجة أنه يتمنى أن يموت الآن قبل أن يفتن، فإنه يرى أن الموت خير له من أن يفتن في دينه.


هذه الفتنة تقلب القلوب، ولذلك قال لنا: "بادروا بالأعمال فتننًا"، اعملوا بالصالحات الآن، تصدقوا قبل أن لا تتصدقوا، صوموا قبل أن تشغلوا، "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل".


فهذا يدل على تقلب دين الناس صباحًا ومساءً، ليلاً ونهارًا؛ لأنه قال: "يصبح الرجل مؤمنًا ويمسى كافرًا". الانقلاب حصل في الصباح، يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، الانقلاب والانتكاس حصل في المساء أو في الليل.


ومن صفات الفتن أنها تذهب بعقول الرجال في وقت من الأوقات كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "يقتل بعضكم بعضًا، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته"، فقال بعض القوم: يا رسول الله: ومعنا عقولنا ذلك اليوم!! فقال: "لا، تنزع عقول أكثر ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس". يعني لا قيمة لهم، بمنزلة الغبار. رواه أحمد ورواته ثقات.


وهذه الفتن تقع وتتطور وتخرج عن حدود السيطرة ويعرفها العلماء إذا أقبلت، والجهلاء والعامة لا يعرفونها إذا أدبرت، وتتزين في مباديها لتغري بالتورط فيها كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من تشرف لها تستشرفه"، وكذلك فإن فيها انتكاسًا للفطر، تأتي الفتنة العمياء الصماء المسبقة التي يصير الناس فيه كالأنعام، وهذا كلام علي -رضي الله عنه- في حديث موقوف صحيح رواته ثقات له حكم الرفع.


وأيضًا تأتي أنواع من الفتن لا تدع بيتًا إلا دخلته كما -قال عليه الصلاة والسلام-: "وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم". وأيضًا لا تدع أحدًا إلا لطمته، وكذلك فإنها تقلب القلوب وتجعل فيها النكت السوداء حتى تصبح منتكسة، وأما قلوب أهل الإيمان فإنها تبقى صافية نقية لا يتشربها شيء من دخان هذه الفتن.


عباد الله: إن قواعد الدين وواجباته تفرض على المسلم أن يعي ما يدور حوله، وأن يعرف الموقف الشرعي من ذلك، وإذا نظرت في هذه الأحداث الكثيرة وهذه المستجدات فإنك تجد فيها أنواعًا بحيث لا يمكن أن تطلق عليها حكمًا واحدًا، ولا أن تقف منها موقفًا واحدًا، ولا أن تعمم عليها كلامًا واحدًا؛ ولذلك فإن معنى الاختلاط والاشتباه في الفتنة قائم الآن، والله تعالى يبتلي أهل العلم، يبتلي قادة الدعوة والعلم من المسلمين في المواقف، ويمتحنهم بما يجريه من الأقدار، ماذا يفهمون؟!

وكيف يحكمون؟!
وبأي شيء يتكلمون؟!
عن ماذا يصدرون؟!
ماذا يقولون وماذا يعلمون؟!

وهذه من أعظم المسؤوليات الشرعية، ابتلاء العالم والداعي إلى الله بهذه الأقدار الإلهية التي ينظر ربنا فيها ماذا يقولون وماذا يعملون؟!

وفي الحقيقة –يا عباد الله- فإن حجم المسؤولية الشرعية الملقاة على أهل العلم ضخمة جدًا، لا يعين على هذا إلا الله -عز وجل-، وقد فاوت الله تعالى بينهم في مقدار ما عرفوه من الكتاب والسنة، وفي النور الذي قسمه في قلوبهم وفي عقولهم عمقًا وفهمًا وإحاطةً وتقديرًا وهكذا.


ولذلك فإن الخطأ وارد، وأيضًا اللبس حاصل، وقد يكون مِنْ عقل بعضهم أن يتوقف عن إصدار حكم لأنه لم يتبين له الحق فيه، وهذا موقف شرعي صحيح، فإن الله لا يكلف عالمًا أن يقول ما يعلمه، أو أن يحكم على ما لم يفهمه، أو يجزم بشيء في أمر لم يتضح له بعد.


ولذلك فإن التريث والتأني مطلوب، وأيضًا مناصحة العموم أمر مطلوب؛ لأن الرأي في الأحداث الكبار يصعب أن يصدر عن واحد، وأيضًا فإن التعميم في كثير من الأحيان يكون خاطئًا، فقد يكون في مكان يفسر فيه بشيء ويحكم بشيء وهو في مكان آخر يحكم عليه بشيء آخر، وإن من الفتنة حدوث الالتباس، فيسمى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة لا يصح الخوض فيها.


وكذلك يمكن أن يسمى الجهاد فتنة كما فعل المنافقون: (ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي) [التوبة: 49]، ائذن لي في التخلف عن الجهاد في سبيل الله، ولا تفتتني في نساء الروم، وهذه حجة واهية يا عباد الله.


ولذلك يجب أن تبقى الأمور الشرعية بأسمائها، فيبقى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر، حكمًا قائمًا شرعيًا يجب العمل به: "من رأى منكم منكرًا فليغيره"، تبقى نصرة المسلم لأخيه المسلم قائمة: "انصر أخاك"، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا يسلمه لا يخذله".


يبقى التعاون على البر والتقوى قاعدة شرعية، يبقى الجهاد في سبيل الله أمرًا حقيقًا لا يمكن أن يعزل أو يلغى، وكذلك العمل بقواعد المصالح والترجيح في المصلحة والمفسدة وخير الخيرين وشر الشرين وموازنة الأعمال، وحساب العواقب يكون في غاية الأهمية، وكلام العلماء في هذه الموازنات فيه عمق كبير وذكاء مستنير، وهذا كلام بعضهم على سبيل المثال؛ قال الشوكاني -رحمه الله-: " ويجب إعانة الظالم على إقامة معروف أو إزالة منكر، والأقل ظلمًا على إزالة الأكثر، مهما وقف على الرأي ولم يود إلى قوة ظلمه".


وقال: "لقد قررنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفرائض الإسلامية، وأهم الواجبات الدينية، والظالم -يعني المسلم المتلبس بالمعصية- والظالم إذا قام بذلك فقد قام بحق، وإذا احتاج إلى من يعينه على ذلك كانت إعانته واجبة؛ لأنها إعانة على حق، وقيامًا لأجل الحق، لا لأجل الظالم نفسه، ومعلوم أن الحق لا يخفى".


إذًا لو قام ظالم بشيء من الشرع يعان، لا لأجل أنه ظالم، ولكن لأجل الشرع الذي يقوم به، وقال أيضًا: "ومن هذا القبيل إعانة الأقل ظلمًا من الفسقة على الأكثر ظلمًا إذا كان يندفع بهذه الإعانة ظلم الأكثر ظلمًا أو بعضه، فإن هذا داخل تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".


عباد الله: إن معرفة الحكم الشرعي في الأشياء مهم في اتخاذ الموقف منها، والقتال على سبيل المثال أنواع؛ فهناك قتال بحقٍّ كالجهاد في سبيل الله، والقتال مع الإمام العدل ضد من خرج عليه، وكذلك هنالك قتال بباطل كسفك الدماء بين المسلمين في عصبية، نعرة، قتال على دنيا، تنافس فيها، فإن سفك الدماء في هذه الحالة حرام وكبيرة عظيمة من الكبائر.


وأيضًا الدخول في قتال لم يتبين حكمه حرام، بدليل قوله: "قاتل لا يدرى لم يقتل، ولا المقتول يدرى فيم قتل". وأتى بها في معرض الذب للداخلين في فتنة القتال عندما لا يكون ذا حق.


كذلك من قاتل تحت راية عصبية عمية، يدعو إلى عصبية أو جاهلية، وهكذا كقتال بعض القبائل في تنافسها على المكان أو الأرض أو الدنيا، فإنه من عدوان أهل الجاهلية بعضهم على بعض، وهذا كان في قتال العرب في الجاهلية أن يعدو بعضهم على بعض، وأن يظلم بعضهم بعضًا،وأن يسلب بعضهم بعضًا، وينهب بعضهم بعضًا وهكذا، فلا يمكن إطلاق حكم واحد على القتال، فمنه حق، ومنه باطل، ومنه حلال، ومنه حرام، منه واجب، منه مستحب، وعندما يتم الخلط في مسألة من المسائل تحدث الفتنة والكارثة.


عباد الله: إن الحيرة ابتلاء، والله يسلط على العباد أحيانًا فتنة تدع الحليم حيرانًا، ويبتلي بالحيرة فينظر كيف يخرج منها أهل العلم الراسخين؛ فإنهم بنور الكتاب والسنة الذي يضيء الله به قلوبهم يستطيعون أن يعرفوا حكم الوقائع، وأن يقولوا ما يدينون به رب العالمين، وبعضهم ربما يتوقف، وبعضهم ربما يخطئ ويقول كلامًا ليس بالحق، فإن كان من أهل الاجتهاد وعنده الآلة -أي العلوم الشرعية اللازمة للكلام كأصول التفسير ومصطلح الحديث وعلوم اللغة التي يفهم بها نصوص الشرع، وأصول الفقه الذي يعرف به الخاص من العام، والمطلق من المقيد، والناسخ من المنسوخ، ومعاني الألفاظ ودلالات الألفاظ، ونحو ذلك، ويعرف كلام أهل العلم، ماذا قال السلف، ماذا جاء عن الصحابة في الأمر، وعن التابعين، وعن أئمة الدين المعتبرين- فإذا كان عنده الأهلية فأخطأ فإن الله يغفر له ويأجره أجرًا واحدًا، وإذا تكلم فأصاب يؤجر أجرين، لأن ربنا -سبحانه وتعالى- قد وفقه لإصابة الحق، فيؤجر على اجتهاده، ويؤجر على إصابته في الحق.


وقد يتوقف بعض الناس فيأجرهم ربهم على عدم استعجالهم وعلى تأنيهم، وعلى قول: لا أدري، فإن العالم يؤجر على قول: لا أدري، يؤجر على قول: لا أعلم، يؤجر على وقوفه، لأنه لم يتعد حدود الله، ولم يتكلم بما لا يعلم؛ لأن الله حذره وقال: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 169].


وفي ذات الوقت يأثم إذا تكلم بغير علم، يأثم إذا أقحم جاهل نفسه في الموضوع، إذا نطق الرويبضة السفيه في أمر العامة، وهذا مزلق عظيم، وكثيرون يغترون بأنفسهم ويظنون أنهم من أهل العلم وهم أنصاف في أحسن أحوالهم، لا يحق لهم أن يتكلموا أصلاً.


وعامة يؤجرون على تقليدهم لأهل العلم، ليس عندهم قدرة على الكلام في أحكام الشريعة، ولكن يأجرهم ربهم إذا تابعوا أهل العلم الثقات العلماء الربانيين الذين يعملون بالعلم، الذين يقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، فهؤلاء كالكبريت الأحمر في نضرتهم وقلتهم، ولكن إذا علم العامي أحدهم فتابعه في قوله واستفتاه وأخذ بحكمه فإنه يؤجر لأنه عمل ما أمره الله به: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43]، بينما قد يأثم العامي عند الله إثمًا عظيمًا عندما يضرب بكلام أهل العلم عرض الحائط ولا يكترث، ولا يسألهم ولا يستفتيهم، ولا يقبل عليهم، ولا يحرص على أقوالهم، ولا يصغي لكلامهم ولا يتصل بهم، فهو عن كلامهم معرض، وغاية ما يفعله أن يتابع الأخبار في وسائل الإعلام والقنوات، وهذا ولا شك فيه مخاطر عظيمة، ويمكن أن نلخص سلبيات القنوات بأمور:


أولاً: الإشغال.


ثانيًا: التضليل.


فيحدث من وراء كثرة بث الأخبار تضليل كبير، فإنه لا يكاد يوجد حيادية إطلاقًا في القنوات الإخبارية؛ لأن معدي الأخبار لهم أخبار ولهم ميول، وعند كثير منهم اعتقادات سابقة منافية للحق، ولذلك فإنه لا يجوز أن يأخذ من الإعلاميين أو الإخباريين الأحكام الشرعية، ولا المواقف الدينية في الأزمات، والإعلام في العالم يوجه الناس، يوجههم حسب توجهات الجهة التي تقف وراءه، ولذلك فإن كثيرًا من العامة ينساقون من حيث لا يشعرون إلى تأييد، أو انتقاد، أو ذم، أو تخوين، أو مدح شخص أو جهة بفعل هذه الوسيلة الإخبارية.


أما مسألة الإشغال فإن من السلبيات القائمة اليوم، أن كثيرًا من الناس قد انشغلوا عن صلاة الجماعة والخشوع في الصلاة، وتلاوة كتاب الله والصوم المستحب أيضًا، وكذلك كثرة ذكر الله وما يجب عليهم من بر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان، وأنواع المعروف، والطاعة، والقربات، والأعمال القلبية، من خوف الله ورجائه والتوكل عليه والصدق معه، والحياء منه، والإنابة إليه، والتوبة إليه، ونحو ذلك.


شغلهم الإعلام عن التوبة إلى الله، شغلتهم القنوات الإخبارية عن عبادة الله، شغلتهم المتابعات المستمرة عن العيش مع الله والإخبات إلى الله والإنابة إلى الله، والتضرع إلى الله، ورفع الكفين ودعاء الله، شغلتهم الأخبار وهذه المتابعات حتى عن الدعاء لإخوانهم، واللهج بالاهتمام بأمرهم فيما ينفعهم. وهذه ولا شك فتنة عظيمة يا عباد الله.


وإن من المواقف الشرعية المهمة: النظر في الآيات التي تتعلق بالأحداث، ماذا يوجد في كتاب الله بشأن ما يحدث؟! إذا علمنا أن الله قال: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 38]، فماذا يوجد يا ترى في كتاب الله بشأن هذه الأحداث؟! تأمل في حكمة الله -عز وجل-، تأمل في قوته سبحانه، تأمل في تدبيره للأمور، كل يوم هو في شأن، يخفض قومًا ويرفع آخرين، يعز قومًا ويذل آخرين، يغني قومًا ويفقر آخرين، وهكذا يعطي ويمنع، ويسلب ويمنح، سبحانه وتعالى له الأمر كله، وبيده سبحانه ملكوت السموات والأرض، لا يشغله شيء عن شيء، يدبر الأمر في السماء والأرض، تعرج الملائكة بأمره، تصعد وتنزل، يدبر أمور الكون في السماء والأرض بين العباد، وآياته الكونية من إجراء الرياح والزلازل والأعاصير والفيضانات والبراكين وهذه الفتن التي تقع.


فهو الذي يغرق قومًا بآخرين، ويسلط قومًا على آخرين، سبحانه وتعالى فهو الذي يدبر الأمور، وهو الذي يدير -عز وجل- هذه الأحداث.


تأمل في قوله -عز وجل-: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140]، تخرج بأنه -سبحانه وتعالى- قوي حكيم عليم، وأنه جبار -عز وجل-.


تأمل في أن له الملك كله، وإليه يرجع الأمر كله، لتخرج من هذه الأحداث بأنه سبحانه فقط الذي يبقى والعباد يذهبون: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88].


تأمل في انتقال الأشياء من وإلى، وهو سبحانه يبقى لا يضره أحد، لا يمكن أن ينقص ما عنده، وعند الناس ينقص: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل: 96].


تأمل في قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251]، تأمل حكمته في دفع الباطل بالحق، والقيام بمصالح العباد.


تأمل في التدافع بين الحق والباطل وتنحية أحدهم للآخر، والحق هو كل ما هو ثابت وصحيح وواجب من اعتقاد أو قول أو فعل جاء به الشرع، والباطل نقيض ذلك وضده.


تأمل في هذا التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، وأهل السنة وأهل البدعة، وأهل التوحيد وأهل الشرك، وأهل الإسلام وأهل الكفر.


تأمل في هذه السنة الحتمية الجارية، التي لا يكاد يخلو منها دهر ولا زمان، ولا بلد، ولا أوان ولا ميدان، فهي باقية ما بقيت الحياة، ولا يتصور أن يبقى الحق هكذا منصورًا أهله نصر الدنيا، أو الباطل يبقى هكذا منصورًا أهله نصر الدنيا، وللباطل قوة تطغيه، ولذلك لابد من دفعه بالحق وأهل الحق: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) [الأنفال: 36].


وقد اقتضت سنته -عز وجل- أن الغلبة في النهاية للحق وأهله، وأن الاندحار والمحق للباطل وأهله، كما قال -عز وجل-: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) [الشورى: 24]، فمن عادته أن لا يديم ظالمًا، ولا يديم مفسدًا: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس: 81]، فيسلط عليه الدمار.


من سنته تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد، فلا يديم باطل، بل يزيله مهما طال، ويمحقه مهما بقي، ويظهر بطلانه -عز وجل-، هذه السنة في التدافع أخبر به سبحانه: (إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود: 49]، (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الفتح: 22، 23]، تأمل قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: 51]، هكذا في قديم الدهر وحديثه.


وقد يسبق نصر الحق أذى للمؤمنين، وهذا طبيعي، ومن السنن أن يبتلي عباده المؤمنين بتسليطه لأهل الكفر أو الظلم عليهم، فلا يجوز أن يغتر إنسان بغلبة باطل زائف؛ لأنها سحابة صيف تنقشع عما قليل: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 140]، وهكذا -يا عباد الله- من الآيات الكثيرة التي جاءت.


فمثلاً تأمل في تسلط المشركين، إذا تسلطوا ماذا يفعلون؟! (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) [التوبة: 8]، والآن هؤلاء الكفرة لما جاءوا بلباس الإنقاذ يقتلون المستضعفين، وعلى أحسن أحوالهم يريدون تقسيم بلاد المسلمين.


وعندما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اذهب فإني لا أستعين بمشرك"، قد قرّب لنا هذه القاعدة العظيمة، فإذا جاؤوا بالقوة فهنالك يكون الفقه في الموقف منهم، متى يجاهدون وكيف؟!


تأمل في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) [النساء: 93]، لتجد أن هذه الآية التي لها علاقة بهذه الأحداث تبين حكم قتل البريء.


تأمل في قوله: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء: 227].


تأمل في قوله: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال: 29]، ليتبين لك الثواب إذا اتقيت ربك حتى ترى الأشياء بمنظار الشرع والعدل.


تأمل في قوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) [القصص: 5]، وتأمل في قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج: 39]، وتأمل في قوله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) [الحج: 40].


ثم تأمل في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن خرج على أمته يضرب برها وفاجرها، وأما الذين يريدون قتال الفتنة وأحداث الفوضى والاضطراب في بلاد المسلمين إنما هم أعداء للمسلمين وأعداء للدين، يريدون تحويل بلاد المسلمين إلى فوضى عارمة؛ حتى لا يبقى لهم دين يقام، لا جمعة ولا جماعة ولا تعليم العلم الشرعي ولا الدعوة إلى الله، فإذا صارت البلاد فيها فتنة واضطراب ولم يكن لهم أمن فلا تقوم لهم دنيا ولا دين.


ولذلك فإن أمر اقتصاد المسلمين عندما يتدهور أهلهم يكون أيضًا كارثة، ويفكر التجار والأغنياء في نقل أموالهم إلى بلدان أخرى، وأن لا يقيموا مشاريع تنموية ولا اقتصادية؛ لأنهم لا يرون أمنًا، فتحويل بلاد المسلمين إلى فوضى واضطراب يؤدي إلى إجهاد أمر الدين وأمر الدنيا.


ولذلك من جاء إلى بلد فيه أمر الدين مُقام، والشريعة تقام حدودها، فأراد أن يلغي ذلك كله، وأن يصرف المسلمين عن هذا، وأن يشغلهم عن دينهم وشرعهم بفتنة وقتال، فإنه من أعداء الدين ولا شك، أو أنه يسير في ركابهم وإن لم يدرِ.


ولذلك جاءت الآيات بالأمر بالحكمة والتحلي بها والنظر في الأمور والعواقب، جاءت النصوص الشرعية في عدم التهور وعدم الاستعجال.


إذًا –يا عباد الله- ينبغي الأخذ بنصوص الشريعة والعودة إليها حتى في تفسير الأحداث واتخاذ المواقف.


نسأل الله تعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، ولسانًا ذاكرًا، وأن يجعلنا من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، وأن يرزقنا الحكمة، وأن يأتينا من فضله، إنه ذو الفضل العظيم.


أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا هو الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أشهد أنه رسول الله حقًّا، بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى أصحابه الطيبين.

عباد الله: لابد في هذه الأحداث التي تمر، والفتن التي تقع، لابد لنا من العودة إلى الكتاب والسنة، ولا مفر ولا مناص من هذا، يجب الفقه في نصوص الكتاب والسنة، وأن يُنظر للواقع من خلال هذه النصوص.


ينبغي أن يكون هناك فقه يفرق بين الأحوال وبين البلدان وبين الأحداث التي تقع، عند من؟! وفيمن؟! ومن وراءها؟! ومن أطرافها؟! والذي يعلم يتكلم، والذي لا يعلم يتوقف، والعامي يتابع من يثق بعلمه ودينه.


وإنه ينبغي في هذه الأحداث الاعتماد على الله تعالى والتعلق به وحده لا شريك له، وسلوك سبيل التأني والرفق والحلم وعدم العجلة، إنها تحتاج إلى صبر، ألم يقل -صلى الله عليه وسلم-: "إن من ورائكم أيام الصبر"؟! وكذلك:


فاصبر فإنك في النوازل رائد *** والدرب نعلم شائك وطويل
فالصبر روضات ?بناء الهدى *** ولجنة الرحمن تلك سبيل

ولابد من الاتصاف بالعدل والإنصاف في الأمور كلها: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) [المائدة: 8].


وكذلك فإنه ينبغي للمسلم أن يتفهم الحكم الربانية ويقوم بواجبه تجاهها، فالفتن ابتلاءات بالخير والشر: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: 35].


وأيضًا التوبة والإنابة والرجوع إلى الله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف: 168]، لابد من التضرع: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) [الأنعام: 43]، لابد من أخذ العبرة بما يصيب الأقوام الآخرين، والأحداث التي تكون في البلدان الأخرى، وأن ترى المصائب والنهايات، وعلى أي شيء تستقر الأمور، وعندما لا تستقر لا تستعجل بالحكم، انتظر حتى ترى على أي شيء تستقر: (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) [الأنعام: 67]، (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) [ص: 88].


ويجب كذلك الدعاء ورفع اليدين، ويجب كذلك الدعاء والالتجاء لله -سبحانه وتعالى-، فيستحب فيه رفع اليدين ومناجاة الله بأسمائه، والصلاة على نبيه -صلى الله عليه وسلم-، والإلحاح والتكرار، وأن لا تنسى إخوانك المسلمين من الدعاء، هم بأمس الحاجة إلى الدعاء، فبعضهم يقتلون، وبعضهم يجرحون، وبعضهم يؤسرون، وبعضهم يغتصبون، وبعضهم يهدم بيوتهم، وبعضهم تسلب أموالهم.


نسأل الله -سبحانه وتعالى- لإخواننا المسلمين في ساعتنا هذه أن ينصر المستضعفين منهم، اللهم انصر المستضعفين من المؤمنين، اللهم انصر المظلومين على الظالمين، اللهم الموحدين على المشركين، اللهم انصر أهل السنة على المبتدعين، اللهم إنا نسألك الفرج العاجل لهذه الأمة يا رب العالمين.

td1douc63dwrywebu4iv





|| (أفنان) l|

جزاك المولى خير الجزاء
يعطيك العافية وبارك الله فيك
ع اختيارك للموضوع الرائع والمهم ..جعله الله في ميزان حسناتك
اللهم قنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن
اللهم طهر قلوبنا من النفاق واعيننا من الخيانة والسنتنا من الكذب واعمالنا من الرياء

مشاركة قيمة ومميزة لا حرمك الله أجرها
دآئمآً مميزه بآختياراتك .. تسلم دياتك يالغاليه
دمتي بحفظهـ

راجيه لعفوه
زهره الاسلام
جزاك الله خيرا وبارك فيكِ حبيبتى


التالي

اتباع الهوى صوره – خطره – علاجه - الشيخ أسامة خياط

السابق

كيف نشكر الله تعالى على نعمه - الشيخ على بن عيد الرحمن الحذيفى

كلمات ذات علاقة
محمد , آخر , المنجد , الزمان , الصحى , شامي , فتن