مقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة - الشيخ محمد صالح المنحد

مقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة - الشيخ محمد صالح المنحد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ...

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
مقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة - الشيخ محمد صالح المنحد

مقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة - الشيخ محمد صالح المنحد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) [الكهف:7-8]، ومعنى صعيداً جرزا: أن هذا الذي عليها من المساكن والأشجار والأنهار والزروع والثمار والبنيان سيكون في النهاية مضمحلا، وزائلا منقضياً، ستعود الأرض صعيداً واحداً جرزا،ً قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، وذهبت آثارها، وزال نعيمها، فهذه حقيقتها.

وهذه الزينة تفتن أصحاب القلوب الضعيفة، فإنهم لا يزالون يتقاتلون عليها وهي سجن المؤمن وجنة الكافر، ولابد للمؤمن أن يكون عنده من الإيمان بالآخرة ما يجعله غير متعلق بلذات هذه الدنيا.


والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يربي أصحابه على ذلك، فلما دخل عمر بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: والله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر -إلا فيما معناه قطع من الجلود ثلاثة فقط- فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادعُ الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله.

فاستوى النبي -صلى الله عليه وسلم- جالساً ثم قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟
أولئك قوم عُجِّلَت لهم طيباتهم في الدنيا.

فإذن، لما حصل من تمني عمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- أموراً من الدنيا قاوم ذلك بذكر أن لهم الدنيا ولنا الآخرة، أي لأهل الإيمان، وليست زينة الدنيا حراماً؛ ولكن الاستكانة بها وتقديمها على الآخرة هو المصيبة.


(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [القصص:79]، فهذا ميزانهم وهذه نظراتهم. لكن ما هي نظرة أهل العلم؟
(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) [القصص:80-81]

والناس يحتاجون بين آونة وأخرى إلى عقد المقارنة بين نعيم الآخرة ونعيم الدنيا؛ حتى يتم التوجه إلى نعيم الآخرة، وبذل الجهد من أجل ذلك، وحتى لا يغرقوا في نعيم الدنيا.


إن نعيم الدنيا -يا عباد الله- مشوب بالمنغصات، ففيها أمراض، وفيها آلام، وفيها غموم نفسية، وكذلك فيها تعب؛ ولأجل ذلك يحتاج الناس للنوم والراحة، لكن الجنة ليس فيها نوم، قال -صلى الله عليه وسلم- لما سئل: أينام أهل الجنة؟ قال: النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة.


وإذا كان عندنا في الدنيا ليل ونهار فإن الجنة ليس فيها شمس وليس فيها ليل ونهار، (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) [الإنسان:13]، وإنما هي نور دائمة، قال العلماء: يعرفون الليل من النهار برخاء الحجب وإغلاق الأبواب.

وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم:62]، أي وقت البكرات ووقت العشيات، لا لأن هناك ليل ونهار.

وإذا كان في الدنيا حزن فليس في الجنة حزن، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) [فاطر:34]، وهذا يشمل حزن العذاب، وحزن الموت، وجميع الأحزان، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما كان خفيفاً من الدنيا كان له أعظم نعيم في الجنة على الإطلاق، وأكبر نصيب منها له -صلى الله عليه وسلم-.


نعيم الدنيا ينقطع ونعيم الجنة لا ينقطع: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) [طه:118-119].


الدنيا مليئة بالأمراض والجنة ليس فيها مرض واحد، (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد:24]، والسلام هي الآمنة ليس فيها أمراض؛ وينادي منادٍ لأهل الجنة: إن لكم أن تصِحُّوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وذلك قوله -عز وجل-: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف:72].


الأشجار في الدنيا لا تنمو إلا إذا زرعت ثم تدرجت في النماء، وقد تموت البذرة ولا تنمو الشجرة، وقد تنمو الشجرة ويكون نموها بطيئاً جداً، وقد تنمو الشجرة ولا تثمر، وقد تصيب الثمرة آفات، ولكن أشجار الجنة وثمار الجنة ليس فيها آفات، ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب.


وقال -صلى الله عليه وسلم- "سيد ريحان أهل الجنة الحناء"، يعني أن أهل الجنة سيد عطورهم العطر الذي يستخرج من زهرة الحناء، وهو عطر طيب، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعجبه عطر هذه الزهرة في الدنيا، (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا) [النبأ:31-32]، فهي ملتفة الأغصان،(مُدْهَامَّتَانِ) [الرحمان:64]، يعني شديدة الخضرة، فلا يحدث تصحر ولا موت للنباتات، وهكذا.


ظل الدنيا منحسر، ومع ذلك لا يغني عن المكيفات من شدة الحر، أما في الجنة فقد قال الله تعالى: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) [النساء:57]، (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) [الواقعة:30]، (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا) [الرعد:35]، فالظل دائم، والظل ممدود، والظل بارد ولا شمس.


الشجر الذي في الجنة منه شجرة طوبى التي يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، فيها سدرة المنتهى، وصفها النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "نبقها مثل قلال هجر"، النبق هذا الثمر الذي يخرج ثمر السدر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، هذه سدرة المنتهى.


وأما بالنسبة للثمار فإن نخل الجنة متوافر، والعجوة من الجنة، معنى ذلك أن النخل الذي في الدنيا أصله من الجنة، فهذا يدل على بركة هذه الشجرة، وأننا أوتينا أصلا من الجنة، كما أن الحجر الأسود من الجنة.


فعندنا في الدنيا شيء يذكرنا بما في الجنة، لكن نخل الجنة "غير"، وثمر الجنة مختلف، وعنب الجنة عجيب، قال الأعرابي للنبي -صلى الله عليه وسلم-: فيها عنب؟ قال: "نعم". قال: فما عظم العنقود، قال: "مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يعسر"، هذا حجم العنقود، قال: فما عظم الحبة؟ قال: "هل ذبح أبوك شيئا من غنمه؟" قال: نعم، قال: فسلخ إهابه؟ -يعني جلده- وأعطاه أمك وقال اتخذي منه دلواً؟" قال: نعم، قال الأعرابي: فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟، قال: "نعم، وعامة عشيرتك" رواه أحمد وصححه الألباني.


وإذا كنا في الدنيا نتعب حتى نجد الماء الحلو للشرب الماء العذب، وتُنفَق من أجل ذلك الأموال، ثم قد يكون فيه اختلال في النِّسب، وأضرار في الشرب، وقد لا يكون الماء العذب أحيانا موجودا وينقطع، وقد يصيب بعض الناس مهلكه نتيجة القحط والجفاف، فإن الدنيا بالنسبة للآخرة: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) [محمد:15].


(أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ) لأن ماء الدنيا يأسن، (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ)، لأن اللبن في الدنيا يفسد، (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) لأن خمر الدنيا يذهب العقل ويأتي بالأمراض، (وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) لأن عسل الدنيا يعتريه الشوائب (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)، فإذن لا ينقطع كما ينقطع ثمر الدنيا فيأتي في الصيف غير الشتاء أو في الربيع غير المواسم الأخرى، وهكذا.

أما ثمر الجنة فلا ينقطع، وهو قوة ولذة لهم، فالنَّيل من أغصان الأشجار يحتاج إلى سلالم وارتقاء، وربما يضرب بشيء ليُنَزَّل، أما أغصان الجنة تدنو: (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) [الحاقة:23]، فهي تدنو ليؤخذ منها، وهكذا مطاعم الدنيا تسبب الأمراض، ومطاعم الدنيا فيها ما فيها من المُفسدات، سواءً كانت أشياء من المسرطنات، أو أشياء مما يسبب التلبك والمفاسد للمعدة وغير ذلك، لكن قال الله -عز وجل- في الجنة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا) [الطور:19]، إذن لا تعب في الهضم، ولا حاجة إلى إخراج فضلات، ولا يسبب أمراضا، ولا ينقطع، ولا يزول: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [المرسلات:41-43]، (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) [الطور:22].


إنك لتنظر للطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً، هذه الجنة الخالية من الآلام والهرم والأمراض، هذه الجنة التي مَن أكل فيها يرشح بطنه عرقاً كالمسك فيضمر فيأكل مرة أخرى، ولذلك قال: "إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمطختون"، قالوا فما بال الطعام؟ "جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفَس"، والقوة في الأكل والنكاح، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم".


فإذن هناك قوة في الطعام، قوة مائة رجل في الطعام والمشرب والشهوة والجماع، وهكذا إن اليهودي لما جاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا أبا القاسم، ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال لأصحابه إن أقر لي ذلك خاصمته، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بلى والذي نفسي بيده..." وقال له الحديث.


ظن اليهودي أنه سيأتي بشبهة مسكتة، قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: حاجة أحدهم -يعني كيفية قضاء الحاجة في الجنة- عَرق يفيض من جلدهم مثل ريح المسك....الحديث. رواه احمد، وهو حديث صحيح، وهكذا يأكل من جديد.


نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها، وأن يرزقنا من العمل ما يوصلنا إليها، نسأله ألا يفتِنَّا في الدنيا، وأن يخرجنا منها على ما يحب ويرضى، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية:


الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، البشير والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذريته وأزواجه وخلفائه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: كم يتعب الناس ليبني الواحد منهم مسكناً في الدنيا، ويجمع من المال لأجل شرائه أقساطاً أو نقداً، وأيضاً يتعب في تصميم البيت مع المهندسين والمكاتب المعمارية، ومع المشرفين وممثلي المالكين ومع المقاولين، وما أدراك ما المقاولين، ثم بعد ذلك يخر عليه السقف من فوقه، المياه، الأنابيب، الأعطال، الصدأ، الخراب... ويحتاج البيت إلى صيانة مستمرة متعبة، وهذا التكييف للبيت الذي يستهلك الكهرباء والطاقة والفواتير.


أما مساكن الجنة فهي عجب من العجب! غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، هذه المساكن وعْد من الله -سبحانه وتعالى- فهي قصور شاهقة فيها ارتفاعات، طباق فوق طباق، مبنيات محكمات مزخرفات، إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، عجبا عجاب!.


هل سمعتم في الدنيا عن خيمة من لؤلؤة مجوفة؟!

لا يمكن! أكبر لؤلؤة في العالم كم حجمها؟
لكن خيمة الجنة من لؤلؤة مجوفة، (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) [الرحمان:72]، إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً، للعبد فيها خيمة من لؤلؤ قد جوفت هي صنعة الرحمن، ستون ميلا طولها في الجو؛ وفي كل الزوايا أجمل النسوان.

ماذا عن القصور؟

في الحديث قوله: "دخلت الجنة فرأيت فيها قصراً قلت لمن هذا؟ قال: لعمر بن الخطاب"، "بَشِّرْ خديجة ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصَب"، يعني لا صياح ولا صراخ، لا نصب يعني لا تعب.

لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ترابها المسك والزعفران، بناؤها سهل جداً، من قرأ سورة الإخلاص بني له بيت في الجنة، من صلى في اليوم اثنتى عشرة ركعة السنن الرواتب بني له بيت في الجنة، من بني مسجدا لله بني الله له بيتاً في الجنة.


وعن أهل الجنة قال الله -عز وجل-: (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) [محمد:5-6]، إذا دخل الواحد من أهل الجنة باب الجنة يهتدي إلى منزله أشد من اهتدائه إلى منزله في الدنيا، يعرف العنوان ويعرف المكان بهداية الله له: (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)، قال -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفس محمد بيده! لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا" رواه البخاري.


وهكذا كم تتعب حتى تتزوج وتجمع المهر؟ وقد تناسب وقد لا تناسب، وقد يحدث طلاق أو خلع او فسخ، فراق، منغصات، شجار زوجي، اختلافات زوجية، تحيض فيحيض معها، وتنفس فينفس معها، فهو موقوف في هذا؛ ولكن المرأة الواحدة في الجنة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "ولو أن امرأة من أهل الجنة طلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً"، يعني ملئت ما بين السماء والأرض من ريح الطيب الذي عليها! "وَلَنَصِيفُها على رأسها" وهذه تذكرة بأهمية الحجاب حتى الحور العين! حتى نساء الجنة! "ولَنَصِيفُها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" رواه البخاري.


والوصف عجب!(كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) [الصافات:49]، إذا قشرت البيض المسلوق فكيف ترى نقاءها وصفاءها ولينها؟

(كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) في القشرة، لم يمسه شيء، لم تناله الأيدي، (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) [الرحمان:74]، (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) [الرحمان:58] في الصفاء والبياض، (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ) [ص:52]، لم تنظر إلى غير زوجها ولا تعرف أحداً غير زوجها، (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) [البقرة:25]، مطهرة من الحيض والبصاق، مطهرة من المخاط، مطهرة من كل شيء حتى البول والمذي والمني والحيض والنخامة.

(عُرُبَاً أَتْرَابَاً) [الواقعة:37]، (عُرُبًا) متحببات إلى أزواجهن (أَتْرَابًا) في ميلاد واحد في سن الثلاثة والثلاثين، (أَبْكَارًا) [الواقعة:36]،(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) [الرحمان:74]، (كَوَاعِبَ أَتْرَابَاً) [النبأ:33] (كَوَاعِبَ) التي تكعب ثديها (أَتْرَابًا) في سن واحدة، لا يوجد غيرة ولا تنافس ولا أحقاد.

جعل الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الجنة لتتجه النفوس وتتفرغ لأي؟ ليكون الوقت المبذول الأكثر لأي؟ لكي يكون الاهتمام الأكثر بأي؟ (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ)، (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، هذه هي الجنان، وليس في الجنة أعزب، فلو دخل رجل أعزب سيتزوج في الجنة، ولو دخلت امرأة لم تتزوج في الدنيا الجنة ستزوج في الجنة، ونساء المؤمنين في الجنة أجمل من الحور العين، بصلاتهن وصبرهن.


عباد الله: ما نسمع في الدنيا من المنغصات كثيرة، سباب، شتم، عبارات جارحة مؤذية، وهناك (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) [الواقعة:25-26].


الذي يضحي من الرجال بالحرير الطبيعي في الدنيا سيلبسه يوم القيامة، حرير، سندس، إستبرق، سميك ورقيق، إذا كانت بطائنها من إستبرق، الفرش وهذه الوسائد مبثوثة في كل مكان، والفرش مرفوعة، والأسِرَّة، وذوات الحجال عليها؛ هذه الأشياء على السرير، هذه الأغطية العظيمة التي فيها الجمال والجلال: (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) [الروم:15]، يسرون ويتنعمون.


ترك الزنا في الدنيا لله -عز وجل- مكافأته بالحور العين، ترك الحرير في الدنيا الله -عز وجل- أعطاه ما أعطاه في الجنة من الحرير، ترك الرجل الذكَر الذهب في الدنيا الله -عز وجل- يجعل حليه من ذهب وفضة، (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [الحج:23؛ فاطر:33].


من تركوا الغناء المحرم في الدنيا ففي الجنة يحبرون، يعني يسمعون الغناء، يتنعمون بسماع غناء الحور العين، ترك الخمر في الدنيا الله يجعل مكافأتهم بخمر (مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ) [المطففين:25]، (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) [الواقعة:18-19]، لا مغص في البطن، ولا وجع في الرأس، ولا ذهاب في العقل.


وأسواق الجنة في كل جمعة سوق، وهكذا الحلي، وهكذا الصحاف من الآنية، لما تركوا آنية الذهب والفضة في الدنيا أعطاهم آنية من ذهب وفضة في الجنة.


ومن تأمل في نعيم الجنة وقارن ذلك بنعيم الدنيا عرف على أي شيء سيركِّز، وأي الأوقات سيصرف في أيهما أكثر، والجهود ستبذل في نيل أيهما: نعيم الدنيا أو نعيم الجنة.


هذه المقارنة يا عباد الله جد مهمة لتصحيح المسار، وتبيين الطريق.


نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا في أبداننا وأولادنا.

سنبلة الخير .
الله يجزاك الجنان يارب
جعلة في موازين حسناتك يارب
موضوع قيم بارك الله فيكـ
فلآ تح ــرمنآ من جديد تميزك
لروح ــك بآقآت من الجوري
|| (أفنان) l|

أختي الغالية
لله درك وبشرك الله فى الجنة
جزاك الله كل خير فائدة عظيمة جعلها الله في موازين حسناتك
بارك الله فيِك وأثابكِ ونفع بك ِ
يــ ع ـطيكـ الــ ع ـآآفيهـ على مآطرحتي لنآآ يـآآلــ غ ـلآآآ ,,

لكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,

التالي

أثر القرآن في حياتنا - الشيخ محمد صالح المنجد

السابق

البشارة بأن الباطل زائل وإن علا - الشيخ محمد صالح المنجد

كلمات ذات علاقة
محمد , مقارنة , الآخرة , المنجد , الدنيا , الصحى , بين , شامي , وعدم , ونعيم