حكم وفوائد وعبر من قصة أصحاب الكهف

حكم وفوائد وعبر من قصة أصحاب الكهف السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،...

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
حكم وفوائد وعبر من قصة أصحاب الكهف

حكم وفوائد وعبر من قصة أصحاب الكهف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


عباد الله: هذه سورة الكهف التي نقرؤها كل جمعة، هذه التي أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- من يريد الوقاية من فتنة الدجال إلى حفظ مطلعها وأن يقرأه على الدجال إذا خرج، سميت السورة بأعجب ما فيها على عادة العرب في التسمية واختيار الكلمة العجيبة اللافتة للنظر في تسمية قصائدهم، وهذا نزل بلسان عربي مبين، فإذا بالسورة تسمى بسورة الكهف، لماذا؟!

لأنه قد ذكرت فيها قصة أصحاب الكهف.

ما هو الكهف؟!

من هم أصحابه؟!
ما هي القصة؟!
إنها سورة تلفت العقول والقلوب إليها من اسمها العجيب: "سورة الكهف". (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ) [الكهف:9]، الرقيم: المرقوم المكتوب، كتابٌ مرقومٌ: مكتوبٌ فيه، إذًا؛ لقد كان من أمر هذه القصة شيء عجيب دعا إلى كتابتها وتفصيلها، كأنهم أرادوا أن يذكروا شأن هؤلاء للأجيال القادمة.

ولكن يذهب الكاتب والمكتوب، ويبقى ما أراد إبقاءه علامُ الغيوب: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ) [الكهف:9]، فصارت القصة في كتاب الله، فلا حاجة إلى كتابتها في ألواح، أو البحث في آثار الأقدمين عن تفاصيلها؛ لأن الله أغنانا. فيا أصحاب المتاحف والآثار: كفوا عنا.


لم نعد نريد مصدرًا آخر لمعرفة الأخبار، وخصوصًا ما قد سبق منها، إلا هذا الكتاب، الوحي من الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) [الكهف:9].


لله آيات في السماوات وآيات في الأرض وآيات في كتابه الذي أنزله، هناك آيات للتحدي والإعجاز، وهناك آيات تبرهن لهؤلاء الناس على أمور كثيرة من قدرته -سبحانه وتعالى-.


(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) [الكهف:9-10]، فروا إليه، من ماذا؟!

العادة أن الإنسان يأوي إلى أبيه وأمه، يأوي إلى بيته؛ لكن هؤلاء أووا إلى الكهف، والكهف موحش، الكهف بعيد، الكهف ليس فيه أهل، الكهف ليس فيه متاع ولا أثاث، ليس مجهزًا ليأوي إليه الإنسان.

لكن هؤلاء أووا إلى الله، أووا إلى الكهف في سبيل الله؛ ولذلك صار الكهف مأوى، صار الكهف على بعده وعلى بساطته وبدائيته وعلى خلوّه من الأثاث والرياش والمتاع، صار بالنسبة لهم مأوى، لماذا؟!

لأنهم أووا في الحقيقة إلى الله، أووا إلى الله فآواهم الله، ومن آواه الله فلا ضيعة عليه.

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ)، فرارًا بدينهم من أجل ربهم؛ خوفًا من الفتنة التي تفتنهم فتردهم عن دينهم، إنهم اعتنقوا التوحيد وعرفوا الحق فاتبعوه، والعجب أنهم فتية! فيا عبد الله: لا يغرنّك السن فقد يوجد على الحق من هو صغير، ويا أيها الشاب الذي نشأ في طاعة الله: هنيئًا لك! فربما تعرف حقًّا لم يعرفه الكبار.


وانظر حولك في الدنيا: كم من الكبراء والخبراء! كم من هؤلاء لم يعرفوا الحق!

لكن الصغير إذا عرف الحق ونشأ عليه فإنه يبقى يسري في جسده منذ صغره، "وشاب نشأ في طاعة الله"، هذا تأسيس من مرحلة مبكرة أدعى للثبات؛ ولذلك نشِّئوا فتيانكم على طاعة الله ذكورًا وإناثًا، عرفوهم الحق يا أيها الآباء.

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً) [الكهف:10]، حيث إن هؤلاء الناس الذين حولنا ما عندهم رحمة، يريدون أن يصدونا عن الحق، يريدون أن يفتنونا، فأنت يا الله آتنا من لدنك رحمة.


رحمة، هل الرحمة طعام؟!

الرحمة غذاء وكساء ومأوى، الرحمة سكن وأمن وأمان، الرحمة قبل كل ذلك هداية، الرحمة علم من الله، الرحمة تثبيت، الرحمة طمأنينة وسكينة، وما أحوج الخائفين إليها!

وقد جاءت الرحمة بمعنى النبوة في آيات أُخَر، ولكن هي أعم من النبوة كما في هذه القصة، فإن هؤلاء أولياء وليسوا أنبياء.


(آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) [الكهف:10]، (رحمة) في اللغة العربية نكرة وليست معرفة بـ"أل" التعريف، والنكرة إذا جاءت في سياق الطلب تفيد العموم: (آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً)، (رحمة) تشمل كل الأنواع المطلوبة من الرحمة، كل شيء نحتاجه.


(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة) تشمل حسنة الرزق، وحسنة الزوجة الصالحة، وحسنة الولد البار، وحسنة المسكن الواسع، وحسنة الذكر الحسَن، والرغد في العيش، والرزق الوفير؛ كما أنها في الآخرة رزق الجنة، حسنة الجنة، حسنة ظل العرش، حسنة تيسير الحساب، حسنة سرعة دخول الجنة، حسنة النجاة على الصراط، وفي الآخرة حسنات كثيرة.


(آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً)، رحمة فيها كل ما نحتاج، وأكثر مما نحتاج، (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).


فقه الدعاء -يا عباد الله-، إن بعض الناس ربما يطلب بعض التفاصيل، آتِني سيارة، وآتني بيتًا، وآتني مالاً؛ ولكن عندما يسأل الله من فضله، فضل الله فيه كل هذا وزيادة عما سألت، كذلك العافية، فإذًا؛ سؤال الله في العموم من فقه الدعاء.


(وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، ما أحسن الرشَدَ! الرشد إفاضة الحق، الرشد في المسلك الصحيح، الرشد ضد الضلال والغواية، الرشد، ما أجمله! وما أحسنه! (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)؛ نحن فتية صغار ما عندنا خبرة، نحن فتية نحتاج إلى حماية وليس عندنا حماية، نحن فتية خرجنا ما نعرف إلا بيوتنا وبلدنا، إلى أين نتجه؟! ليس لنا خبرة في الطرقات والدروب والأسفار، لا نعرف إلى أين نتجه؛ لكن المهم أن نفر بديننا، المهم أن ننجو من هؤلاء الظلمة.


(إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) فيها هلاك، وإذا ما كانت هذه فالأسوأ: (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف: 20]، إذا عادوا في الملة بعد إذ نجاهم الله منها ملة الكفر.


هؤلاء الفتية صغار، ليس عندهم خبرة ولا ما يستعينون به غير الله، فقالوا: (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، دبِّر لنا، وعندما تقول -يا مسلم يا عبد الله-: دبر لي فإني لا أحسن التدبير؛ أنت لا تعرف كل الاحتمالات في البيت إذا نزلته، ولا تعرف كل الاحتمالات في الوظيفة إذا توظفت فيها، ولا تعرف كل الاحتمالات في نوعية السيارة إذا اخترتها، ولا تعرف كل الاحتمالات في أشياء كثيرة؛ فماذا ستفعل للوقاية من الاحتمالات؟! تتبُّع الاحتمالات عملية منهكة جدًا تحتاج حسابيًا ورياضيًا إلى أعمال ذهنية كثيرة، ثم أنت ستجلس هكذا، ماذا ستفعل؟!


يضيق الوقت والمصادر والجهد عن الوفاء بمواجهة كل الاحتمالات، لكن عندما تقول: (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) فسيدلك الله، الله يسلك بك المسالك والدروب، الله الذي يقيك من الاحتمالات السيئة، الله الذي يدلك على الخير والأحسن والأفضل بالنسبة لك، (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).


هكذا كان في حال هؤلاء الذين أعطاهم الله مكافآتٍ كثيرةً مقابل هذا الدعاء، (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ) [الكهف:11]، هذا أول شيء، لأن هؤلاء يحتاجون إلى طمأنينة وأمان، يحتاجون إلى سكينة، ما أحسن النومَ للمنهك المتعب الخائف!


واحد هرب من بلده، هرب من قوم جبارين ظلمة يرجمون حتى الموت، ماذا يحتاج الآن؟!

يحتاج إلى نوم، الآن قد فارقوا البلد ورحلوا هذه المسافة حتى وصلوا إلى هذا الكهف البعيد في الصحراء في المكان الموحش، ماذا يحتاجون الآن؟! نوم، النوم راحة ونعمة من الله -عز وجل-.

ولذلك (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف:11]، ما أخبرنا عن العدد الآن، لكن دار نقاشٌ طويل بعدُ حول العدد في هذه القصة، عدد هؤلاء، عدد السنوات التي لبثوها، لأنها قصة عجيبة، في البداية ما أخبرنا عن العدد، انتظر يا متعلم حتى يأتي الوقت المناسب لتصل المعلومة إليك.


(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ): الحزبين الَّذَيْن اختلفا، أيهما (أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) [الكهف:12] الله يعلم الحق، ولكن ليظهر علمه في الواقع، وهذا معنى "يعلم" و"ليعلم"، (وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ) [آل عمران:140]، (وَلَمَّا ِيَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:142] وهو يعلم قبل أن يخلقهم، ولكن ليظهر علمه في الواقع.


(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ) [الكهف:12-13]؛ لأن هناك مصادر كثيرة تقص على الناس، هناك إعلام وأخبار وكتب قديمة وروايات وقصص وفيس بوك وتويتر ومصادر معلومات كثيرة الآن.

لكن؛ أين المعلومة الصحيحة؟!


كل واحد يتكلم؛ فأين المعلومة الصحيحة؟!

إنها التي تأتي من الوحي، المصدر الوحيد للمعلومة الصحيحة عن الغيب، سواء كان غيبًا ماضيًا أو غيبًا حاضرًا غاب عنا الآن أو غيبًا مستقبليًا، لا يوجد مصدر صحيح لكل المعلومات عن الغيب إلا الوحي فقط؛ الباقي رجمٌ بالغيب، استنباطات قد تخطئ وقد تصيب، وقد تكون مجرد مجازفات خالية من الاستنتاج أصلاً.

إذًا؛ (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ) وليس غيرنا، اعتمِدْ مصدرنا لا المصادر الأخرى، لا كتب أهل الكتاب المحرفة، ولا كتب التاريخ التي كتبها علماء الآثار والأخبار، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)، نحن فقط.


(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) [الكهف:13]، هذا ملخص القصة، الله كريم، العبد يريد الخير فيعطيه الله أكثر، يريد هدى الله فيعطيه الله هُدَىً وزيادة، يريد علمًا فيعطيه الله الذي أراد وزيادة، وهكذا.


(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) [الكهف:13] كل هذا أعطاهم، إذًا؛ ناموا في الكهف واطمأنوا وسكنوا، وذهب الخوف، وجاءت الراحة بعد التعب النفسي والجسدي من هذا الانتقال، وزالت الوحشة من هذا الكهف.


(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) بعد أن زادهم هدى، ربط على قلوبهم، إذ قاموا في البداية لما آمنوا واتفقوا وتعارفوا فيما بينهم في بلدهم، وترجع القصة للبداية، وهذه قضية تفصيلٍ في منتصف القصة ثم العودة للبداية ثم العودة للإتمام، عملية نقل الذهن والقلب وجذب الذهن والقلب في سياق تشويقي حتى يتنقل السامع بين المُدد الزمنية في هذه القصة.


فهو يقول عن الذي فعله لهم في الكهف، ثم يرجع إلى أصل القصة ويقول: إنهم فتية اجتمعوا في بلدهم وتعارفوا، والذي جمعهم هو الإيمان، (آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، لا الصنم ولا الوثن ولا البشر ولا الكواكب، (رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) [الكهف:14]، ابتعدنا عن الحق لو فعلنا ذلك، هذه كبيرة، هذه مصيبة كبيرة وبعد عن الحق، ولن نمشي مع ركاب الضالين ولو كثروا، ولو كانوا أقاربنا، ولو كانوا مَن حولنا، البيئة كلها فاسدة: (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً).


لا تساير الواقع إذا كان الواقع منحرفًا -يا عبد الله-، هذا درس لنا، فلو قالت المرأة على سبيل المثال: أكثر القادمات أو الحاضرات في العرس لباسهم غير شرعي، فيه تعرٍّ... ما أكثر المنكرات في بعض الأماكن! والمناسبات قد تكون عامة يحضرها أهل المعاصي، فهل نساير؟! هل "نمشِّي" الحال؟!

هل نتابع؟!
هل نكون مع الخيل كما يقولون؟!
لا!

(هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً).

ولا يمكن أن نتابع قومنا ولو كانوا أكثر منا، ولو كانت علاقتهم بنا ما كانت، لكن لا يمكن، (لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ)، أين الدليل على ما ادعوه من إله غير الله؟! أين السلطان البين؟! أين الدليل؟!


(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) [الكهف:15]، فما هو الحل؟!

آمنا وأكثر من حولنا على الشرك، لن يقبلوا دعوتنا، سوف يعذبوننا ويفتنوننا، فما هو الحل؟!
إذًا؛ فالحل: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ).

أنت إذا غُلبت في مكان عملك، في مكان دراستك، في مكان إقامتك، من قوم حولك، من بيئة فاسدة، حتى لو كنت عاملاً بين عمال في بيئة ما فيها صلاة، وربما فيها أفلام، مخدرات، فاستقم وحدك.


(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته) [الكهف:16]، عند الفتية إيمان بأنه سيأتيهم خيرٌ عظيم، (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته)، وفي هذه الحالة فإنه -سبحانه وتعالى- سيهيئ لهم من أمرهم مرفقًا، وييسر لهم، إنه جواد كريم.


أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو الملك الحق المبين، خلَق الأولين والآخرين، والسماوات والأرضين، ربنا ورب كل شيء، مالك الملك، يفعل ما يشاء، الحي القيوم، القائم على كل نفس بما كسبت، يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، العليم الخبير، القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر.


هو الله، عرفنا بنفسه، وعرفه المؤمنون، ومنهم هؤلاء الفتية، بعض الناس يقولون اليوم: الطبيعة هي التي خلقتهم! وبعضهم يزعمون الكواكب، وبعضهم يزعمون أن مع الله آلهة أخرى! وبعضهم يقولون بأن هناك قوة خافية في الكون هي الخالقة ولا يعرفون ما هي، وبعضهم يقولون الطاقة.


الله عرفنا بنفسه: (اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [الحشر:22]، (اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:255]، (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى) [الحشر:23-24]، هو الله وليس هو خافيًا ولا طاقة، لقد عرف أصحاب الكهف من هو.


وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وذريته الطيبين، وأزواجه وخلفائه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


عباد الله: من أوى إلى الله، وتوكل على الله، وفوّض أمره إلى الله، ودعا الله، ولجأ إلى الله، لا يضيعه الله؛ بل يعتني به، انظروا للعناية: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ) [الكهف:17]، جعلهم الله في مكان، وفَّقهم إلى مكان، ساقهم إلى مكان، حتى المكان الذي أنامهم فيه مختار بعناية من الله.


الله يختار التفاصيل لعبده المؤمن: (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) [الكهف:17]، ثم العناية: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) [الكهف:18].


وألقى الله عليهم مهابة: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) [الكهف:18]، فمن الذي سيجترئ على الاقتراب؟!

هذا هو الحفظ، هذه هي الصيانة، هذه هي العناية.

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) [الكهف:19]، إذًا؛ ما أحسوا كم لبثوا، هذا من تمام النعمة، ولكن فوضوا أمرهم إلى الله على عقيدة التوحيد: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ)، هذه عقيدة التوحيد، ردُّ الأمر إلى الله في المختلف الذي لا نعرف حقيقته.


وهكذا أعثر الله عليهم بعد ذلك، وتنازع الناس في عددهم، والراجح أنهم -كما قال ابن عباس- سبعة، لأن الله ذكر قولين أعقبهما بوصف الرجم بالغيب والثالث سكت عنه: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف:22]، ما قال عن هذا: إنه رجم بالغيب، وأفرده عن الأولين، وليس هنالك قول رابع، فلم يذكر ربنا إلا ثلاثة أقوال، قال عن اثنين: إنهما رجم بالغيب، وهذا هو الثالث. لكن؛ ما هي قيمة العدد؟!

وما أهمية العدد؟!

وقد قال -جل وعلا-: (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ). انتهينا.

المهم العبرة في القصة، لقد خرجوا وعرف الناس حالهم وأمرهم، وكان قد شاع خبرهم وتناقلته الأجيال وقيل عن العملة التي معهم، المهم؛ أن الله أعثر عليهم حتى يعرف الناس الآية، ويعرف الناس العبرة، ويعرف الناس الكرامة وخرق العادة التي نالها هؤلاء الفتية الصالحون.


لم تنمُ أظفارهم وشعورهم كما يتصور البعض، فهم لم يشعروا بذلك، وإلا لكان منظرهم كئيبًا، ولما قالوا عن المدة التي ناموا فيها: إنها كانت يومًا أو بعض يوم! عدم الإحساس هذا من تمام عناية الله بهم.


الغلو بالصالحين بدعة وطريقة شيطانية، حتى هؤلاء أصحاب الكهف ما ترك الشيطان الناس فيما يتعلق بهم، لقد أغرى بعضهم بأن يبنوا عليهم مسجدًا، ونحن نعلم أنه لا يجوز بناء المساجد على القبور، وأن القبر إذا كان في مسجد يُخْرَجُ القبر إذا كان المسجد أولاً، وإذا كان القبر قبل المسجد فما بني على باطل فهو باطل، فيزال المسجد، ويُكْشَف القبر، ولا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر، كما أخبرنا النبي -عليه الصلاة والسلام-.


عباد الله: إن الله -سبحانه- يخبرنا بأخبار مَن قبلنا لنتعظ، وليكون عندنا من العلم والهدى ما نهتدي به، وهذه قصة تصلح -يا مسلم- لتربي عليها أولادك، ماذا نقول للمراهقين؟!

خذها هدية -يا مسلم- من رب العالمين، واستعن بها في تربية أولادك، وتثبيت نفسك وآل بيتك.

اللهم أحينا مؤمنين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين...

الشيخ محمد صالح المنجد


زهره الاسلام
جزاك الله الجنه حبيبتى عبير
أسأل الله ان يجعل هذا الموضوع فى ميزان حسناتك يوم القيامه
سلمت يداكِ
سناء مصطفى
جزااااك الله خير
دكتورة سامية
أختي الغالية
أحسن الله إليكِ
اللهم اجعلها تحبك بقلبها كله
وترضيك بجهدها كله
اللهم اجعل حبها لك كله
وسعيها كله في مرضاتك
اللهم ما زويت عنها مما تحبفاجعله قوة لها فيما تحب
واجعلها لك كما تحباللهم حببها إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك وجميع خلقك وصلِ اللهُ على سيِّدِنا مُحمَّد وَعلى آلِهِ وصحبه وَسلّم
دمـتِ برعـاية الله وحفـظه
|| (أفنان) l|
جزآك الله جنه عرضهآ السموآت والآض
وبآرك الله فيك على الطرح القيم
آسآل الله آن يزين حيآتك بـ الفعل الرشيد
ويجعل الفردوس مقرك بعد عمر مديد
دمتي بـ طآعة الله


التالي

شعبان فضائل وأحكام

السابق

السنة والبدعة في شعبان - الشيخ أحمد الزومان

كلمات ذات علاقة
مسجات , حكم , وعبر , وفوائد , قصة