مجتمع رجيمالنقاش العام

أتقن معادلات الربح المشترك !



جرت العادة في مباريات الكرة أن يكون هناك فائز واحد .
كما أنه في المحكمة يقف القاضي ليعلن في نهاية الجلسة حكما

يعتبر انتصارا لطرف من المتنازعين وهزيمة للطرف الأخر .
فهل الحياة كمباراة الكرة أو ساحة المحكمة لا تعترف في معادلاتها سوى بربح طرف وخسارة الاخر؟
هل على المرء أن يعمل بمبدأ ( أنا وليذهب الجميع إلى الجحيم ) نظرا لأن فوز الأخرين يعد هزيمة له ؟



أستاذ الإدارة الشهير ستيفن كوفي في كتابه الرائع و المعنون بـ
(العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية )
أكد أن هناك ستة احتمالات لمعادلات الحياة:

أنا أربح / أنت تخسر: أصحاب هذا المنهج يؤمنون أن الحياة لعبة مجموعها صفر، ولا يتحقق النجاح بالشكل المرضي إلا بخسارة الطرف الأخر ، وأصحاب هذا المبدأ أشخاص لا تنقصهم الشراسة ، شرهون للفوز دون النظر لأطراف اللعبة .

أنا أخسر / أنت تكسب: لعلك تتعجب من أن يكون هناك شخص يعمل على خسارته مقابل ربح الأخرين ، ولكن للأسف كثيراً ما يحدث ذلك في حالات عدّة ، منها الإحباط الشديد وعدم الرغبة في الفوز ، أو الترف الزائد وعدم توفر الحماسة ، وهذا المبدأ يفتقر إلى الإيجابية ، ومعتنقوه دائما ما يتصفون بالسلبية وقلة الحيلة.


أنا أخسر / أنت تخسر: هؤلاء الذين يتبنون قاعدة شمشون ( عليّ وعلى أعدائي)، معتنقو هذا المبدأ تركيزهم دائما مصوب نحو المنافس ، همهم الأول أن يردوه خاسرا ، ومعتنقو هذا المبدأ اتكاليون يخففون وجع الفشل بالنظر إلى فشل الأخرين لذا فهم أشخاص سلبيون، بنيت مداركهم على أسس هشة.

أنا أربح / أنت لك الله: ما يهم الذي يتبنى هذا المبدأ أن يربح دون النظر إلى منافسه ، نعم قد لا يتعمد إفشاله لكنه في المقابل لا يحاول أن يشاركه النجاح .

لا أخسر / لا تخسر: بمعنى أن تتم التسوية السلمية بين الطرفين دون خسائر، وليذهب كل منا في طريقه .

أنا أكسب / أنت تكسب: كلنا نربح، كلنا نلتزم بالاتفاقيات المشتركة، كلنا نبحث عن المصلحة المشتركة .
أصحاب هذا المبدأ ينظرون إلى مصلحة الأخر تماما كنظرهم إلى مصلحتهم ، يؤمنون بأن مكسب طرف دون النظر للأخر يعد أنانية وخطأ .

هذه هي المعادلات الست التي نعمل وفقها ، ونلتزم بأحدها في الحياة ، وبالطبع الخيار الأخير (أنا أكسب / أنت تكسب ) هو ما قد نوافق على فاعليته وقوته ، لما يوفره لجميع الأطراف من مكاسب مشتركة ، بيد أن ستيفن كوفي أكد - رغم إيمانه الشديد بمبدأ المكاسب المشتركة - بأننا قد نلجأ للنماذج الأخرى في بعض الأوقات حيث تكون فاعليتها أقوى ، فنموذج الربح والخسارة هو الفعال في التنافس الرياضي ، وقد نلجأ لنموذج ( أنا أخسر / أنت تكسب ) إذا وجدنا أن تنافسنا في أمر ما قد لا يستحق ما ننفقه عليه من جهد ومال .
وأن خسارة قريبة بسيطة أفضل من الصمود والخسارة الكبيرة فيما بعد .

لكن في الأصل يظل نموذج

( أنا أكسب أنت تكسب )
هو أفضل الخيارات التي يمكن أن يتبناها المرء منا ويعمل وفقها .


المتأمل في المنهج الإسلامي سيجد أنه قد ركز على هذا المبدأ بقوة ،
مهيبا بأبنائه العمل به و تبنيه، ولعل حديث رسول الهدى:
( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )
تأكيد على أن الإسلام ، لم يجعل الأمر اختياريا ، بل جعله عقديا ،
فالعمل بقاعدة ( أكسب / تكسب ) شرط في إيمان المسلم ، و لا يتم إلا به .


و تحديك لأعظم لها يكون في الإيمان بأن خزائن الله مليئة ،

و بأن فضله يسع كل البشر، يقول تعالى في سورة ( المنافقون ):
"وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ".


التحدي الأكبر لا يكون في الانتصار الشخصي المجرد بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى سوى الفوز، بل يكون في الانتصار الشريف الذي تتحقق فيه اركان المعادلة (أنا أربح – أنت تربح )، حينها ستتمتع بصدرٍ صافٍ ، و قاعدة اجتماعية طيبة و ذهن إيجابي فعال .

و خلاصة ما قلناه أن الربح لا يعني أن نهمل الآخرين ، بل يجب أن نعمل على أن يشاركوننا الربح ، و يقاسموننا الفوز، و يغنوا معنا أنشودة النصر .



فصل من كتاب "ما لم يخبرني به أبي عن الحياة" لـ كريم الشاذلي

كلمات ذات علاقة
أتقن , معادلات , الربح , المشترك , !