مجتمع رجيمالنقاش العام

عاتكة بنت زيد العدوية والشهادة الحاضرة




هي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية، أخت سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، هاجرت إلى المدينة مع من هاجر إليها استجابة لله ورسوله. صيّنة، ديّنة، عفيفة، أديبة بليغة، ذات حسن وجمال يزينهما خُلق رفيع جعل الشباب يقبلون متنافسين على الزواج بها، وكان ممن تقدّم لها عبد الله بن أبي بكر فآثرته على غيره لخلقه ودينه، وجمع الله بينهما على الخير ، فنمت أفنان المحبة بينهما وترعرعت، فأحبها عبد الله حباً قوياً أخذ بمجامع قلبه حتى كان لا يشعر بمرور الوقت وهو يجالسها في بيتهما، تقرّ عينه بملاطفتها، وتطرب نفسه بحسن حديثها وصباحة وجهها ، حتى قيل إنها شغلته عن مغازيه، بل رُوي أنه في إحدى الجمع مرّ به أبو بكر ليصطحبه إلى الصلاة ، فسمعه يناجيها ويدللها، فتركهما وانصرف، فلمّا انقضت الصلاة، ولم يره بين الصفوف، عاد إليه فوجده على حاله تلك التي تركه عليها، فعلم أن حبّه لعاتكة قد شغله عن نفسه،فناداه فأمره بتطليقها أمراً، فما كان منه إلا أن استجاب لأبيه وطلّقها على غير ذنب جنته.



لكنّ نفسه المحبة أبت إلا وأن تشاغله بها، فلبث حزيناً والهاً ينشد أشعار الندم واللوعة حتى سمعه أبو بكر ذات يوم وهو ينشد:
أعاتكُ لا أنساكِ ما ذرَّ شارقٌ وما ناحَ قُمْريُّ الحمام المطوّقُ(1)
أعاتكُ قلبي كلَّ يومٍ وليلةٍ إليكِ بما تُخفي النفوس معلّقُ
ولم أرَ مثلي طلّقَ اليومَ مثلَها ولا مثلَها في غير جُرْمٍ تُطَلَّقُ
لها خُلُقٌ جزْلٌ وراْيٌ ومَنْصِبٌ وخَلْقٌ سَوِيٌّ في الحياءِ ومَصدَقٌ(2)
فرقّ أبو بكر له وأمره بمراجعتها، فسارع عبد الله إليها وهو يكاد يطير من شدة الفرح، فأجابته بعد دُلٍّ، وعادت مشوقة إلى الزوج الوفي والعشّ الهانئ، فاستقبلها قائلاً:
أعاتكُ قَدْ طُلِّقْتِ في غيرِ ريبةٍ ورجعتِ للأمر الذي هو كائِنُ
كذلك أمرُ الله غادٍ ورائحٌ على النَّاسِ فيه أُلفةٌ وتباينُ
وما زال قلبي للتّفرقِ طائراً وقلبي لِما قد قرّب الله ساكنُ
ليهنَك أَنّي لا أرى فيكِ سَخْطَةً وأنّكِ قد تمّت عليكِ المحاسنُ
وأنّك ممّن زيَّن اللهُ وجْهَهُ وليس لوجهٍ زانهُ اللهُ شائنُ
وعاشا ردحاً من الدهر يطيعان الله ورسوله ويستجيبان لأمرهما، حتى شاء الله أن يفترقا ثانية إلى غير رجعة، فقد أُصيب عبد الله بسهم في حصار المسلمين للطائف أودى بحياته، فحزنت عليه حزناً شديداً لكنها صبرت واحتسبت لفقده وقالت تبكيه منشدة:
رُزِئتُ بخيرِ النّاسِ بعدّ نبيهمْ وبعدَ أبي بكرٍ وما كانَ قصّرا
فآليتُ لا تنفكُّ عيني حزينةً عليكَ ولا ينفكُّ جلدِيَ أغبرا
فللهِ عيْنَا مَنْ رأى مثلَهُ فتًى أكرَّ وأحْمى في الهياجِ وأصْبرا
إذا شُرِعَتْ فيهُ الأَسِنَّةُ خاضَها إلى الموتِ حتى يتركَ الرُّمحَ أحمرا
فلما آذنت عدّتها بالانقضاء، خطبها عمر بن الخطاب لنفسه، فأنبأته أن عبد الله كان قد اشترط عليها ألا تتزوج بعده وأنه أعطاها حديقة على ذلك، فأشار عليها عمر بأن تردّ على أهله حديقتهم، وأن تتزوج، ففعلت ما أمرها به وتزوجت منه حتى استشهد، فبكته بكاء مريراً وقالت ترثيه:
عينُ جودي بعَبْرةٍ ونحيبِ لا تَملّي على الإمامِ النجيبِ
فجعتْني المنونُ بالفارسِ المُعلمِ يومَ هياجِ والتّثويبِ (3)
قلْ لأهلِ الضّرّاء والبؤْسِ موتوا قد سقَتْهُ المنونُ كَأْسَ شَعُوبِ(4)
وقالت:
مُنع الرُّقادَ فعادَ عيني عائدٌ ممّا تضمّنَ قلبيَ المعمودُ (5)
قدْ كانَ يُسْهرُني حذاركَ مرَّةً فاليومَ حقّ لعينيَ التَّسْهيدُ
أبكي أميرَ المؤمنينَ ودونَهُ للزائرينَ صفائحُ وصعيدُ (6)



ثم تزوجها الزّبير بن العوّام، وكانت قد اشترطت عليه ألاّ يمنعها من الصلاة، فكان كما أرادت، لكنّها كلما تهيّأت إلى الخروج للصلاة، قال لها: والله إنّك لتخرجين وإنّي لكاره، فتقول: فامنعني أجلسُ! فيقول: كيف وقد شرطت لك ألاَ ألا أفعل؟! ، وظلَّ على حاله تلك حتى ارتأى ذات يوم أن يحتال عليها ؛ فلما ذهبت لصلاة العشاء كَمن لها، فلمّا مرّت ضرب كفْلها ومضى، فاسترجعت وانصرف إلى منزلها ولم تخرج بعدها، فلما سألها الزبير: مالك لا تخرجين إلى الصلاة ؟ قالت: فسد الناس، واللهِ لا أخرج من منزلي! فعلم أنها ستفِ بما قالت، حتى إذا قُتل الزبير يوم الجمل، قالت ترثيه:
غَدَر ابنُ جرموزٍ بفارس بُهْمةٍ يوم الّلقاء وكان غير معرِّدِ (7)
يا عمرو لو نبّهتَهُ لوجدته لا طائشاً رعْشَ الجَنانِ ولا اليدِ
كم غمْرةٍ قد خاضَها لمْ يُثْنِهِ عنها طرادٌ يالْبن فقْعِ القَرْددِ (8)
ثكلتْك أمُّك إنْ ظفرتَ بمثلهِ ممّن يروح ويغتدي
والله ربِّك إن قتلتَ لمسلماً حلَّت عليكَ عقوبة المتعمِّدِ



فخطبها علي بن أبي طالب لنفسه فقالت له: يا أمير المؤمنين، أنت بقية الناس وسيد المسلمين، وإني لأضنّ بك يا ابن عم رسول الله عن القتل، فقال علي: مَن أراد الشهادة حاضرة فليتزوج من عاتكة، ولم يتزوجها.
فتزوجت من الحسين بن علي وكانت خير معين له فيما مرَّ به من بلاء، واستشهد فبكته، ولم تتزوج بعده فكان آخر أزواجها


كلمات ذات علاقة
عاتكة , بنت , زيد , العدوية , والشهادة , الحاضرة