مجتمع رجيمالنقاش العام

الاحتفال بالمولد النبوي

وردة ورديه 03:50 PM 11-29-2017
الاحتفال بالمولد النبوي

[FT=tahoma]الخطبة الأولى:

لك الحمد ربنا أنت رب السموات والأرض ومَنْ فيهن، ولك الحمد ربنا أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ربنا أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، لك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله غيره ولا رب سواه، عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب وذلت له الأعناق وسجدت له الجباه ورغمت له الأنوف، وأذكى صلوات الله وتسليماته على معلم الناس الخير، وهادي البشرية إلى الرشد وداعي الخلق إلى الحق، ومُخْرج الناس من الظلمات إلى النور نبي الرحمة وإمام الهدى، البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا وإمامنا وقدوتنا وحبيبنا محمد عبد الله ورسوله، البشير النذير والسراج المنير اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأنصاره وأتباعه إلى يوم الدين.

وأحيينا اللهم على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

ثم أما بعد: درج المسلمون في كثير من بقاع العالم أن يحتفوا بمولده -عليه الصلاة والسلام- الذي كان مولدا للإنسانية، أخرجها من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، وها هنا سؤال يطرح عند مطلع كل احتفاء بمولده -صلى الله عليه وسلم-: هل يشرع الاحتفاء بمولده -صلى الله عليه وسلم-؟ أم أن ذلك من البدع المحدثة عن المسلمين؟ سؤال يقع فيه الاختلاف، كشأن المسلمين في كثير من فروع الدين، كهلال رمضان وهلال شوال، ونحو ذلك، ونود أن نقف وقفة متأنية بين المانعين الذين يقولون: إن أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- وهم أكمل الخلق بعد نبيهم -صلى الله عليه وسلم- لم يتحقق لهم هذا المعنى فلم يخصصوا أياما بعينها احتفاء به -عليه الصلاة والسلام- بل كان هديهم وسيرتهم وسنتهم وهجيراهم ليلا نهارا سرا وعلانية أن يحققوا الاحتفاء على الدوام، وأن الصيغ التي عرفها مجتمع المسلمين اليوم لم تكن مأثورة عند سلف الأمة الصالح من أهل القرون الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان، وآخرون يقولون: بأن مولد النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يكن حدثا عاديا فهو -عليه الصلاة والسلام- كما وصفه رب العزة والجلال رحمة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 107]، رؤوف رحيم، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: “إنما أنا رحمة مهداة”، وقد أمرنا أن نعبر عن فرحتنا بهذه الرحمة كما قال الله -تعالى-: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يُونُسَ: 58]، وقالوا: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- شرع صيام يوم الإثنين من كل أسبوع وقال في تعليله لصيام يوم الإثنين: “ذلك يوم ولدت فيه”، أي عبر عن تخصيص الصيام في هذا اليوم بتعليل يوم الولادة فيه، وهذا دليل على أن هذا اليوم ليس من الأيام العادية والأمر الثالث: قالوا كذلك: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان في هديه وسيرته ما يجدد للأمة أن تجعل من هذه المناسبات العظات والدروس والعبر المستفادة وقد قال -عليه الصلاة والسلام- وهو يشير إلى عمه أبي لهب الذي قطع القرآن الكريم بأنه من أهل النار، و أن يده قد تبت فإنه يوم مولد النبي -عليه الصلاة والسلام- أعتق جارية فيخفف عنه العذاب في هذا اليوم بفرحه وبعتقه جارية استبشارا بقدوم النبي -عليه الصلاة والسلام-

والأمر الآخر: أن الاحتفاء بالمولد وذكرى الهجرة والإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان، وفتح مكة وغزوة بدر وغير ذلك من المناسبات إنما هي منطلقات لتجديد الإيمان وتجدد العهد واستلهام العظات والعبر كلما غشيت المسلمين غواشي الغفلة والبعد عن منهج الله فكانت هذه أشبه بالمحفِّزات والمنشِّطات والمنبِّهات التي تذكِّر المسلمين بماضيهم التليد ليأخذوا من هذه السنة الغراء ومن هذه الأسوة الحسنة ما يستضيئون به في هديهم وحياتهم؛ ولهذا دأب المسلمون أن يحتفوا بمثل هذه المناسبات ليجددوا العهد بما تثيره من حقائق الإيمان ونوازع التزكية وتجديد العهد مع الله -تعالى-، صحيح أن هذه الصيغة لم تكن مألوفة عند المسلمين الأوائل ولكن نحن في زمان كثرت فيه المغريات وزاد فيه السعار المادي جراء اجتياح الحضارة الغربية لعقولنا وثقافتنا وهويتنا وآدابنا وفنوننا بأدوات بالغة التأثير على حياة الناس وحياة الأجيال والشباب، ومن هنا لا بد من الأمصال الواقية ولا بد من المحصنات التي تقي هؤلاء الشباب فيعودون إلى دوحة الإيمان وظل الإسلام بالاقتداء بنبي الرحمن، ومن هنا كان تجدد هذه الذكرى إنما يؤدي إلى تحقيق هذه المعاني الفياضة.

وما الذي يحدث في الاحتفاء؟ إنه تلاوة لسيرته العطرة، ومدح لمقامه -عليه الصلاة والسلام- بما هو أهله، وذكر لشمائله وخصائصه التي اصطفاه الله -تعالى- عليها، وإذا وقع شيء مما ينكر هنا وهناك فليس الأصل في مبدأ الاحتفاء وإنما ننبه على بعض ما يصاحب هذا الاحتفاء من مخالفات أو منكرات هنا وهناك، أما التذكير بهذا فهذا هو واجب شرعي يتأتى علينا؛ فالتضيق في هذا بحجة حرمان المسلمين من التعاطي مع هذا الاحتفاء بهذا المعنى الرباني لا أرى له مسوغا شرعيا، فهذه الأمور ليس من باب التعبديات التوقيفية وإنها من باب الإشارة لاستجلاء العظات والمعاني والمقاصد والعبر في مولده -عليه الصلاة والسلام-، الذي كان في ربيع الأول كما كان مبعثه في ربيع الأول وكما كانت هجرته في ربيع كذلك، فالمولد والهجرة والمبعث كل ذلك استجلاء لهذه المقاصد والمعاني والعظات والعبر.

أيها المسلمون: إن معنى الاحتفاء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- تتعد مقاصده عند الناس؛ فمن الناس من يقف عند حد المديح والقصيد والثناء عليه بما هو أهله، وهذا حسن لا ريب فيه، كما قال البوصيري:

دع ما ادعته النصارى في نبيهم … واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

أي لا نغلو فيه غلو النصارى كما قال -عليه الصلاة والسلام-: “لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، وَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ“، كيف لا نمدحه وقد مدحه رب العزة والجلال، فأثنى عليه ثناء لم يستحقه أحد من الخلق لا من قبله ولا من بعده، زكى الله -تعالى- عقله: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)[التَّكْويرِ: 22]، وزكى فؤاده: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)[النَّجْمِ: 11]، وزكى بصره: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)[النَّجْمِ: 17]، وزكى خلقه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[الْقَلَمِ: 4]، وزكى هدايته: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الشُّورَى: 52]، زكى كل شيء فيه -عليه الصلاة والسلام-.

كيف ترقى رقيك الأنبياء … يا سماء ما طاولتها سماء

لم يساووك في علاك وقد حا…ل سنى منك دونهم وسناء

قرن محبته بمحبته فقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)[آلِ عِمْرَانَ: 31]، وقرن رضوانه برضوانه فقال: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)[التَّوْبَةِ: 62]، وقرن بيعته ببيعته فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ)[الْفَتْحِ: 10]، وقرن استجابته باستجابته فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[الْأَنْفَالِ: 24]، وقرن طاعته بطاعته فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)[النِّسَاءِ: 80]، بل إن الله -تعالى- سد كل الطرق إلى جنته إلى من أتى خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعل المرجعية في الانتهاء إلى حكمه، دون أن يصيب المسلم حرج في صدره، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[النِّسَاءِ: 65]، أبعد مدح الله -تعالى- رب العزة والجلال هنالك من مدح يرقى إلى هذا الرقي، إن الله -تعالى- ذكر في شأن موسى عليه السلام حين قال: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)[طه: 84]، هكذا قال موسى عليه السلام كليم الله وصفيه وخليله أما الله قال عز وجل لنبيه: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)[الضُّحَى: 5] والفرق بين، والبون شاسع بين قول موسى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)[طه: 84]، وبين قول المولى -تعالى-: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)[الضُّحَى: 5]، (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)[الْبَقَرَةِ: 144] قال في شأن موسى عليه السلام: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)[طه: 39]، وقال عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)[الطُّورِ: 48] ولذلك: “أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ“، هو الماحي الذي محا الله به الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس تحت قدميه، والمقفى الذي لا نبي بعده، وأحمد المحمود في السماء والأرض.

إننا نشير إلى أن مقصودية الاحتفاء به من المدح مقصد جليل عظيم، وقد مدحه أصحابه قال حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه … كما قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد

وابن رواحة الذي قال:

وفينا رسول الله يتلو كتابه … إذا انشق معروف من الفجر ساطع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

الله أكبر إن دين محمد وكتابه أهدى وأقوم قيلا لا تذكر الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئوا القنديلا

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم

مدحه الشعراء فالمدح سنة محمودة، وكذلك من الناس من يقتفي ويحتفي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- تأسيا بهديه في العبادة وهذا حسن بيد أن الأمر أوسع من المدح والثناء وأوسع كذلك من الاقتداء به في العبادة، نحن مأمورون أن نقتدي به في العبادة، “صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي“، “خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ“؛ لأن الله -تعالى- لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا صوابا، خالصا أن يكون لله، صوابا أن يكون موافقا للسنة الصحيحة، ومن الناس من يقتدي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في المعاملة بينه وبين الناس، “الدين المعاملة”، وهذا حسن بيد أن الأمر أوسع من ذلك، إذن الاقتداء به -عليه الصلاة والسلام- ينبغي أن يتسم بسمة الشمول؛ لأن أسوته وقدوته كانت شاملة، إذا أردت أن تنظر إليه فهو النبي المرسل المبلغ عن ربه عز وجل، وهو القائد قائد الأمة وإمام الدولة الذي أرسى قواعد العدل، ورد المظالم وحفظ الحقوق، وولى الأكفاء الأخيار وساوى بين الناس في الحقوق والواجبات وإذا أردت أن تنظر إليه القائد المربي الذي أحسنت التربية فقد خرج جيل الصحابة ذلك الجيل القرآني الفريد الذي مدحه الله -تعالى- في قرآنه: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)[التَّوْبَةِ: 100] رأينا آثار هذه التربية في تعامله مع أزواجه؛ “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي“، وفي التعامل مع الأبناء والأحفاد: “اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ“، وفي العناية بالجار وفي العناية بالرحم، فهو المربي الذي أقام قواعد التربية على أصولها وكمالها وتوازنها وشمولها ورعاية أولوياتها.

وإذا أردنا أن ننظر إليه بصفة القائد العسكري حين يخوض المعركة: كان الصحابة يقولون: “كَانَ إِذَا حَمِيَ الْوَطِيسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ“، كيف لا وهو القائل: “أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ“، وإذا أردنا أن ننظر إلى تواضعه وخفض جناحه وجدنا المثل والقدوة والأسوة في تمامها وكمالها، يدخل الداخل فلا يكاد يميزه عن أصحابه ويقول: أيكم محمد؟ يخلف رجلا على رجل يذهب إلى السوق يشتري الشيء يعلقه بطرف ثوبه، يقبل على الناس يسلم على الصغير والكبير والغني والفقير والشريف والوضيع وإن الأمة لتأخذ بيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتنطلق حيث شاءت.

هكذا كان يعلم التواضع وخفض الجناح ويقدم هذا النموذج لأمته، وإذا أردنا أن ننظر إلى مكارم الأخلاق التي بعث بها، وقال: “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ“، وجدنا أن الله -تعالى- أعطاه الذروة العليا من الكمال الإنساني البشري الذي لم يتح لأحد من الخلق؛ كما قال أمير الشعراء:

المصلحون أصابع جمعت يدا … هي أنت بل أنت اليد البيضاء

يا من له الأخلاق ما تهوى العلا … منها وما يتعشق الكبراء

زانتك في الخلق العظيم شمائل … يغرى بهن ويولع الكرماء

فإذا سخوت بلغت بالجود المدى … وفعلت ما لا تفعل الأنواء

وإذا أخذت العهد أو أعطيته … فجميع عهدك ذمة ووفاء

وإذا رحمت فأنت أم أو أب … هذان في الدنيا هما الرحماء

وإذا عفوت فقادرا ومقدَّرًا … لا يستهين بعفوك الجهلاء

وإذا خطبت فللمنابر هزة … تعرو الندي وللقلوب بكاء

يا من له عز الشفاعة وحده … وهو المنزه ما له شفعاء

عرش القيامة أنت تحت لوائه … والحوض أنت حياله السقاء

هكذا كان يمثل الخلق الذي ليس فيه مجال للضغائن ولا للأحقاد ولا للثأر ولا للانتقام إنما كان يدفع السيئة بالحسنة يعفو عمن ظلمه، يصل من قطعه ويؤدي ويقول: ليس الواصل بالمكافئ، هكذا كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه، وإذا أردنا أن ننظر إليه في جانب آخر من جوانب التكافل رعايته للضعفاء والفقراء والأيتام والأرامل، وإحياء التكافل الاجتماعي وجدنا في ذلك المثل الأعلى.

إذن نحن نتحدث عن قدوة وأسوة حقق الله -تعالى- لها الكمال والشمول في كل شيء؛ في العبادة، في عبادته كان إذا قام إلى الصلاة سُمِعَ لجوفه أزيز كأزيز المرجل، ويقول: “أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ“، ويعبد ربه حتى تتورم قدماه وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وتأخر، ولكنه يريد أن يقدم مثال العبد الشكور، فكان هذه القدوة في عبادته ومعاملته في هجرته وجهاده، في حربه وسلمه، في يقظته ونومه، في حركته وسكونه، في حبه وبغضه، في ولائه ومعاداته، كان يمثل النموذج في كل هذا العطاء، والمسلمون ينبغي وهم يسعون للاحتفاء وللتأسي ألا يكون احتفاؤهم به احتفاء موسميا، يبدأ من زفة المولد وينتهي بانتهاء ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، بل ينبغي أن تكون هذه الأيام دافعة ليكون الاحتفاء احتفاء باقتداء دوما للنبي -عليه الصلاة والسلام- في كل حركة الحياة سكونها، في كل يقظتنا ومنامنا فالخير كله ما أتى عنه -عليه الصلاة والسلام-.

والمعنى الثاني أيضا: أن نتعلم فيما يجب علينا تجاه نبينا -عليه الصلاة والسلام-، من محبته ومن توقيره، “ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الْإِيمَانِ، مَنْ كَانَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لاَ يُحِبُّهُ إِلاَ لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ الله كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ“، محبته وتعظيمه وتوقيره وتجليله هذا واجب كل مسلم وهو من مقتضى الإيمان الذي لا يصح الإيمان إلا به، وكذلك تستلزم هذه المحبة تعظيم أمره ونهيه، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الْحَجِّ: 32] .

تعصي الإله وأنت تزعم حبه … هذا لعمري في القياس بديع

لو كنت صادقا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع

فإن من ثمرة هذه المحبة الانقياد والتذلل والمتابعة والاقتفاء لأثره -عليه الصلاة والسلام-، فهذا واجب أيضا من ثمرات هذه المحبة.

ومن الثمرات كذلك: كثرة الصلاة عليه؛ لأن الله -تعالى- بدأ بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بالملائكة المسبحة بقدسه، (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، وقال: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا“، وصلاة الله على نبيه ليس كما يفهما كثير من الناس؛ أنها بمعنى الرحمة، الرحمة جاءت عامة، وقد قال الله -تعالى- في شأن الصابرين: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)[الْبَقَرَةِ: 157]، فعطف الصلاة على الرحمة، والعطف في لغة العرب يقتضى المغايرة فلا يمكن أن يكون المعنى: أولئك عليهم رحمة من ربهم ورحمة، السياق البلاغي يأبى هذا التفسير ولكن صلاة الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.

ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء، فهذا معنى الصلاة، نكثر منها بلساننا وبقلوبنا وبجنانا وبجوارحنا، وكذلك من تمام الاحتفاء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- أن نعظم من قدر آله وأصحابه وأمهات المؤمنين؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: “اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمُ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ“، وقال: “أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، إِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى كَذَلِكَ أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ“، والأمنة جمع أمين؛ أي أنهم مؤتمنون على هذا الدين، وقد بلغوه إلينا كاملا غير منقوص، صحيحا غير مبتدع، وكذلك هم أيضا أمان لهذه الأمة من الفتن وظهور الأهواء والبدع، فلا بد من تعظيم قدر الصحابة وإنزالهم المنزلة اللائقة بهم لأنهم ثمار غرس النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهم جهد تربيته -عليه الصلاة والسلام-؛ ولذلك قال علماؤنا: “إذا جاء ذكر الله -تعالى- أثنينا عليه بما يليق بمقام الجلال وصفات الكمال، وإذا جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- صلينا عليه صلاة كاملة لا نكتبها مختصرة “ص” أو “صلعم”، وإذا جاء ذكر الصحابة ترضينا عليهم ومن فاته ذلك فقد فوت خيرا عظيما وحرمه الله -تعالى- أجرا كثيرا، فكيف بمن يتهجم على الصحابة أو يقدح في عدالتهم أو يقدح في شيء مما كانوا عليه من الإمامة والفضل والهدى، قال الشافعي رحمه الله: “إن الله قد أثنى على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في التوراة والقرآن والإنجيل وسبقت لهم من الله الحسنى وهم فوقنا في كل علم وورع وأدب، وآراؤهم أولى وأحمد لنا من رأينا لأنفسنا“، وكان ابن مسعود يقول: “إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- خير قلوب العباد فاصطفاه لدينه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن؛ أي الصحابه، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح وقد رأى المسلمون جميعا أن يستخلفوا أبا بكر”، وقال ابن مسعود أيضا: “من كان مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها إيمانا وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم إنهم كانوا على الهدى المستقيم.

ومن تمام الاحتفاء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- اعتقاد عصمته، (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)[الْمَائِدَةِ: 67] النبي -عليه الصلاة والسلام- ليس بشرا عاديا؛ فهو بشر موحى إليه اقترنت البشرية بالنبوة واقترن عنده عالَم الشهادة بعالَم الغيب واقترن عنده النسبي بالمطلق، واقترن عنده الزمني بالخلود واقترنت العادة عنده بخرق العادة واقترن الاجتهاد عنده بالعصمة فهو معصوم فيما يبلغه عن الله عز وجل وهو معصوم من كبائر الذنوب ومن صغائرها فلا يقفن امرؤ وهو يتشكك في هذه القاعدة الكبرى، وما ورد من سياق آيات يتحدث القرآن فيها: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)[غَافِرٍ: 55]، فإياك وإياك أن تحسب أن الأمر كذنبي وذنبك وإنما الأمر كما قال العلماء: “حسنات الأبرار سيئات المقربين”، وقد قال أبو العلاء المعري:

تعب كلها الحياة وما أعجب إلا من راغب في ازدياد

فإن التعب الذي يعاني منه أبو العلاء المعري ليس هو التعب الذي يعاني منه الحمالون والشيالون من ثقل الأمتعة على ظهورهم، ذلك تعب جسدي وهذا تعب نفسي معنوي، فنبينا -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل الخلاء لم يذكر الله في هذا الموطن، وإذا خرج قال: “غُفْرَانَكَ“، يستغفر هنا في أن الموطن الذي دخل فيه إلى بيت الحمام ليس الموضع الذي يذكر فيه اسم الله -تعالى-، فالفارق كبير بين ما نجد في آيات ينبغي أن نضعها في سياقها بما يليق بعظمته ومحبته وتوقيره.

أيها المسلمون: أمتنا تشهد في هذه الأيام دعوة للتحرر وللكرامة، لتستعيد منهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولتستعيد ريادة النبي -عليه الصلاة والسلام- ولتحاول أن تضع عن نفسها الإصر والإغلال من الكبت والطغيان ومن التضييق على المتدينين ومن محاربة الدين في أصوله وجذوره، وتمكين النظم العلمانية هنا وهناك، قامت ثورات تدعو إلى التحرر وإلى الانعتاق وإلى عودة الكرامة وإلى حفظ الحقوق وإلى إقرار العدل وإلى استعادة الهوية؛ هوية الأمة التي أصابها من الغربة ما أصابها، نحن نستبشر بمثل هذه الأيام أن يكون مولده ميلاد أمة، هذه الأمة التي جعلها الله أمة مرحومة وجعلها أمة مجعولة، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)[الْبَقَرَةِ: 143]، وهي الأمة المخرجة التي أخرجها الله -تعالى- لهذه البشرية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)[آلِ عِمْرَانَ: 110] عليها أن تجدد من احتفائها بميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- عهدا مع النبي ألا تخون رسالته ولا دعوته ولا هدايته، وأن تنتصر للقيم التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قيم الرحمة والتراحم قيم العدل والعدالة، قيم التكافل بين أبناء المجتمع، القيم التي يرسي بها الحقوق ويقيم بها أمر الله ويعز بها أمر الدين ويثبت بها قانون الحق والخير والهدى والجمال، أن نحق هذا العهد وأن نغرسه في أبنائنا وبناتنا وأن نؤكد أن كل قيادة أوحكم في العالم إذا لم يكن موصولا مع الله، إذا لم يكن موصولا بحبل من الله وحبل من الناس فإن الدائرة تدور عليه، إن القوة ليست في قوة البطش ولا في الطغيان ولا في كل ذلك إنما القوة الحقيقية هي قوة الحق وقوة العدل وقوة الرحمة وقوة الخير وقوة الجمال التي بعث الله بها محمدا -صلى الله عليه وسلم-.

والشرعية إنما تأتي حينما يكون الإنسان موصولا بحبل من الله وحبل من الناس، فإذا فقد هاتين الشرعيتين فالقرآن الكريم يقول: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) [الدُّخَانِ: 25-29]. ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار فعلينا أن نجدد عهد الإيمان مع ربنا عز وجل ومع نبينا -صلى الله عليه وسلم-، أن نكون ناصرين لدينه ناصرين لسنته مُعْلِينَ لشريعته مقدمين قيم العدل والحق والرحمة والخير والجمال لنكون قدوة للناس نقيم القدوة في أنفسنا ليحتذي بنا الآخرون، هذا وصلوا على النبي الكريم حيث أمركم الله بذلك.

ملتقى الخطباء
[/FT]
: منتدى الحياة الزوجية | دليل النساء المتزوجات | الثقافة الزوجية والعائلية - من قسم: الشريعة والدراسات الاسلامية - منتدى الشريعة الإسلامية

hghpjthg fhgl,g] hgkf,d
كلمات ذات علاقة
الاحتفال , بالمولد , النبوي