مجتمع رجيمالنقاش العام

سيرة

سيرة

[FT=tahoma]الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان، إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم، أما بعد:

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فالمسلم العاقل يتحرَّى سلامة المنهج، باتباع هدي القرآن والسنة؛ وما أحوجنا في واقعنا المعاصر لتتبع سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والوقوف على دروسها وعبرها، وقد أنعم الله على هذا المنبر منذ عامين تقريبا بالبدء بخطب السيرة النبوية وتطبيقاتها المعاصرة والتي بفضل الله أتممنا منها مرحلتين من مراحل هذا المشروع المبارك بنحو ستٍ وعشرين خطبة؛ فكانت المرحلة الأولى: من ولادته صلى الله عليه وسلم وامتدت إلى مبعثه.

والمرحلة الثانية: بدأت من مبعثه صلى الله عليه وسلم إلى هجرته، ثم بدأنا بخطب المرحلة الثالثة: التي تمتد من هجرته إلى وفاته صلى الله عليه وسلم؛ فانتهينا من ثلاثٍ وعشرين خطبة، كان آخرها في شهر شعبان الماضي، حيث كانت الخطبة التاسعة والأربعون، والتي كان الحديث فيها امتدادا لغزوة أحد والنصر المبين الذي كان في بدايتها بعد أن قُتل عدد من قادة جيش المشركين وأصحاب ألويتهم وانكشف المشركين منهزمين، وبدأوا بالفرار لا يلون على شيء؛ فأنزل الله نصره على المؤمنين وصدقهم وعده، لكن الله بحكمته وعظيم تدبيره قدّر وهو العليم الحكيم حدث غير مجرى المعركة ونتيجتها ليكون درسا عمليا للأمة كلها في معنى الاتباع وأهمية طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا حفظ الله لنبيه حيث التف الصحابة حول نبيهم صلى الله عليه وسلم في شِعبِ أُحُد، وعادت إليهم حماستهم، وارتفعت معنوياتهم؛ فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم معه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية على الجبل، وكان على تلك الخيل خالد بن الوليد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللَّهمّ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا“؛ “فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل” (سيرة ابن هشام).

وهكذا أعاد النبي القائد صلى الله عليه وسلم تنظيم الجند بين يديه، وأصدر تعليماته لهم بتعقب جند المشركين، وإنزالهم عن الجبل، وهذا درس منه صلى الله عليه وسلم في الشجاعة والثبات واليقظة، وهي الصفات التي يجب أن يتحلى بها القادة، قال أنس رضي الله عنه: “كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشْجَعَ النَّاسِ” (البخاري).

وعاد المسلمون بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشعرون بالألم والغم؛ لما أصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وما أصابهم، رغم نجاحهم في رد المشركين؛ فأنزل الله عليهم النعاس؛ فناموا يسيرًا، ثم أفاقوا آمنين مطمئنين، قال سبحانه وتعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ) [آل عمران:154].

قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: “أُلْقِيَ عَلَيْنَا النّعَاسُ؛ فَكُنْتُ أَنْعَسُ حَتّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي، وَكَانَ النّعَاسُ لَمْ يُصِبْ أَهْلَ النّفَاقِ وَالشّكِّ يَوْمَئِذٍ؛ فَكُلُّ مُنَافِقٍ يَتَكَلّمُ بِمَا فِي نَفْسِهِ، وَإِنّمَا أَصَابَ النّعَاسُ أَهْلَ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ” (مغازي الواقدي)؛ فكأنه عز وجل أراد أن يخفف عنهم بهذا النعاس؛ تثبيتًا لقلوبهم، وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون، وأما الطائفة الأخرى الذين،(قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ)، لَا يَغْشَاهُمُ النُّعَاسُ مِنَ الْقَلَقِ وَالْجَزَعِ وَالْخَوْفِ” (تفسير ابن كثير).

وأراد أبو سفيان قبل أن ينصرف أن يكتشف وضع المسلمين؛ فعلا الجبل وصاح: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ؟ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلاَءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ؛ فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ، قَالَ أبو سفيان: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “أَلاَ تُجِيبُوا لَه“، صلى الله عليه وسلم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: “قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ“، قَالَ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ“، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: “قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ” (البخاري).


وهذا من دروس وعبر هذه الغزوة، التي نحتاج إلى أن نتأملها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم “أَمَرَهُمْ بِجَوَابِهِ عِنْدَ افْتِخَارِهِ بِآلِهَتِهِ، وَبِشِرْكِهِ تَعْظِيمًا لِلتَّوْحِيدِ، وَإِعْلَامًا بِعِزَّةِ مَنْ عَبَدَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَقُوَّةِ جَانِبِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُغْلَبُ، وَنَحْنُ حِزْبُهُ وَجُنْدُهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِجَابَتِهِ حِينَ قَالَ: أَفِيكُمْ مُحَمَّدٌ؟ أَفِيكُمُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَفِيكُمْ عمر؟” (زاد المعاد).

إنه وضوح الهدف؛ فالقضية قضية التوحيد، ورفع رايته، وليست قضية شخص، ورفع مكانته، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب؛ فقال: “اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَا يُرِيدُونَ فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنَّبُوا الْخَيْلَ، وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ؛ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنَّ إلَيْهِمْ فِيهَا، ثُمَّ لَأُنَاجِزَنَّهُمْ“؛ قال علي رضي الله عنه: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة” (سيرة ابن هشام).

تأملوا عباد الله: هذه يقظة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائد الجيش، ومراقبته لتحركات العدو، وقدرته صلى الله عليه وسلم على تقدير الأمور، وقوته المعنوية العالية؛ فهو صلى الله عليه وسلم مستعدٌ لمقاتلة المشركين لو أرادوا المدينة، وهذه ثقته صلى الله عليه وسلم بعلي رضي الله عنه ومعرفته بمعادن الرجال، وهذه شجاعة علي رضي الله عنه؛ لأن هذا الجيش لو أبصره ما تورع عن محاولة قتله.

وتلكم معاشر المسلمين الصفات التي ينبغي أن يكون عليها القادة المسلمون دائمًا، ولما انصرف المشركون عن أُحُدٍ أقبل المسلمون على شهدائهم؛ فكان حمزة بن عبد المطلب؛ فِيمَنْ أُتِيَ بِهِ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولًا؛ فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُغَسّلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا من الشّهَدَاءَ، وقال: “لُفّوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَجِرَاحِهِمْ، فَإِنّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُجْرَحُ فِي اللهِ إلّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِجُرْحِهِ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ“. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ضَعُوهُمْ، أَنَا الشّهِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَة” (مغازي الواقدي).
الله أكبر! مكانة عظيمة، ودرجة رفيعة، دفعوا لأجلها أرواحهم، ودماءهم، هذه الدماء التي سطَّروا بها أعظم البطولات في تلك الغزوة؛ فهذا: “حمزة أسد الله قاتل قتالًا ضاريًا، وأثخن في المشركين حتى قتله وحشي غلام جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وقد مُثِّلَت جثته” (سيرة ابن هشام).

وهذا: “أنس بن النضر وَجد به أصحابُهُ بضعًا وثمانين ضربةً بسيف، أو طعنة برمح، ولم يُعرف إلا ببنانه” (البخاري).

وهذا: “مصعب بن عمير قُتل ولم يُوجد له ما يُكفن فيه إلا بُردة” (البخاري).

وهذا: “سعد بن الربيع يَسأل عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ويتفقده، ويجده أُبيُّ بن كعب في أنفاسه الأخيرة، وهو يوصيه بأن لا عذر لكم إن خَلُصَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيكم عينٌ تطرف” (سيرة ابن هشام)


وهذا: “عبد الله بن جحش؛ يدعو الله أن يُقتلَ في سبيله، وأن يبقروا بطنه وأن يجدعوه؛ فيستجيب الله دعاءه” (طبقات ابن سعد).

وهذا: “حنظلة يخرج جُنُبًا لما سمع الهاتفة؛ فتغَسِّلُهُ الملائكة من جنابته بعد استشهاده” (سيرة ابن هشام).

وهذا: “عبد الله بن حرام يشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة لا زالت تظله بأجنحتها حتى رفعتها (البخاري).

وهذا: “عمرو بن الجموح لم تمنعه رجله العرجاء القعودَ عن الجهاد، وقاتل حتى قُتل” (مسند أحمد).

وهذا: “الْأُصَيْرِمُ رزقه الله الشهادة ولَمْ يُصَلِّ قَطُّ (ابن هشام)”؛ فهؤلاء وغيرهم جادوا بأنفسهم في سبيل الله دون تردد أو وجل، حتى اصطفاهم ربهم عز وجل، ورضي عنهم رسولهم صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله فيهم: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)[آل عمران: 140]؛ فأعظم بها من منقبة!

معاشر المسلمين: ولم تكن البطولة حكرًا على الرجال، بل قامت النساء بدور عظيم في ساحة المعركة؛ فكانت عائشة وَأُمُّ سُلَيْمٍ تنقلان القِرَبَ؛ لسقي العطشى” (انظر البخاري).

وهذه: “أم عمارة راحت تقاتل أشد القتال؛ دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جُرحتْ ثلاثة عشر جُرحًا” (مغازي الواقدي)؛ ثم نتعلم درسًا جديدًا، وهو: أن المشاركة في المعركة، ليست قاصرة على الميدان وحده، بل كل واحد يقاتل ببذل ما يحسنه، وما مكنه الله منه؛ فهذا كعب بن مالك رضي الله عنه يجاهد بلسانه وبيانه؛ فيصدح قائلًا:
أَبْلِغْ قُرَيْشًا وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ*وَالصِّدْقُ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ مَقْبُولُ
إنْ تَقْتُلُونَا فَدِينُ الْحَقِّ فِطْرَتُنَا * وَالْقَتْلُ فِي الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَفْضِيلُ
وَإِنْ تَرَوْا أَمْرَنَا فِي رَأْيِكُمْ سَفَهًا * فَرَأْيُ مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ تَضْلِيلُ

عباد الله، لقد كانت غزوة أُحُد شاهدًا حيًّا على تضحياتهم وبطولاتهم رجالًا ونساءً رضي الله عنه؛ يقول ابن عباس رضي الله عنه ما: “لَمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ وَبَلَغُوا الرَّوْحَاءَ، قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمُوهُ، وَلَا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، وَبِئْسَ مَا صَنَعْتُمُ ارْجِعُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَنَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسْدِ” (النسائي في الكبرى).

وفي هذا دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستطلع أعداءه، وأن أعين مخابراته كانت تنقل خبر العدو وتحركاته، حتى بعد انتهاء المعركة؛ لئلا يبغتهم العدو على حين غرة، وهو ما عَزَمَ المشركون على فعله، وحال بينهم، وبين ما أرادوا يقظته صلى الله عليه وسلم. وتحرك النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بأصحابه الذين حضروا أُحُدًا معه، واستأذنه جابر بن عبد الله م في الخروج معهم؛ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، “وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُرْهِبًا لِلْعَدُوِّ، وَلِيُبَلِّغَهُمْ أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ؛ لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً، وَأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يُوهِنْهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ” (سيرة ابن هشام).

وأقام المسلمون ثلاث ليالي (سيرة ابن هشام)، وكانوا يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار حتى تُرى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه” (طبقات ابن سعد)؛ إنها الحرب الإعلامية؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يدرك أهميتها وأثرها في وهن العدو وهذا ما تحقق، وَكَانَ مِمّا رَدّ اللهُ تَعَالَى أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ كَلَامُ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيّةَ، قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ مَعْبَدُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا قَوْمِ، لَا تَفْعَلُوا! فَإِنّ الْقَوْمَ قَدْ حَزِنُوا وَأَخْشَى أَنْ يَجْمَعُوا عَلَيْكُمْ مَنْ تَخَلّفَ مِنْ الْخَزْرَجِ، فَارْجِعُوا وَالدّوْلَةُ لَكُمْ، فَإِنّي لَا آمَنُ إنْ رَجَعْتُمْ أَنْ تَكُونَ الدّوْلَةُ عَلَيْكُمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “أَرْشَدُهُمْ صَفْوَانُ وَمَا كَانَ بِرَشِيدٍ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سُوّمَتْ لَهُمْ الْحِجَارَةُ، وَلَوْ رَجَعُوا لَكَانُوا كَأَمْسِ الذّاهِبِ!”.

وسبحان الله، يشاء الله برحمته في هذه الأثناء أن “َأَقْبَلَ معبد بن أبي معبد الخزاعي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بأبي سفيان، فَيُخَذِّلُهُ، فَلَحِقَهُ بِالرَّوْحَاءِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ، فَقَالَ مَا وَرَاءَكَ يَا معبد؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ تَحَرَّقُوا عَلَيْكُمْ، وَخَرَجُوا فِي جَمْعٍ لَمْ يَخْرُجُوا فِي مِثْلِهِ، وَقَدْ نَدِمَ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِمْ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى يَطْلُعَ أَوَّلُ الْجَيْشِ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَكَمَةِ، وَقَالَ أبو سفيان: وَاللَّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي لَكَ نَاصِحٌ. فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ إِلَى مَكَّةَ” (زاد المعاد)؛ فعزز كلام معبد كلام صفوان؛ فدفع الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين في أحلك الظروف الحرب والقتل، لله جنود لا يعلمها إلا هو وبيده مقاليد الأمور، (وَاللَّهُ غَالِبٌ على أَمْرِهِ ولكن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:21].

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.

اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويهدى فيه أهل المعصية ويذل فيه الظالمين والمعتدين.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

ملتقى الخطباء
[/FT]

: منتدى الحياة الزوجية | دليل النساء المتزوجات | الثقافة الزوجية والعائلية من قسم: السنة النبوية هدى الصحابة والتابعين الكرام

sdvm