مجتمع رجيمالنقاش العام

أيكون أبي قد عاد يا أمي

12-19-2017, 08:50 AM
[FT=simplified arabic]أرجوك يا أمي أسرعي افتحي الباب، فقد يكون هذا والدي عاد إلينا.[/FT][FT=simplified arabic]
[/FT]
[FT=simplified arabic] صدمتني عبارته تلك، ولم أتوقع أن يخرج من فم هذا الصغير كلاماً كهذا، تأملت في وجهه الذي يشبه والده كأنه نسخة مصغَّرة عنه، عدُّت إلى الوراء، يا إلهي.. وكأن ذلك قد حدث قبل بضع دقائق ليس إلا.
عمتي، منذ ما يزيد عن ساعة وأنا أتصل بمحمد، هاتفه يرن ولا أتلقى ردَّاً، القلق يعصف بي ويكاد يحطم قلبي.
لا تخافي يا حبيبتي، هو في رعاية الله.
ولكن، ماذا تعتقدين أن يكون السبب؟
إن شاء الله خير، ولكن كوني مطمئنة النفس، فالله يختار لعبده الأفضل دائماً.
مرت دقائق أخرى حسبتها دهراً.. يا إلهي، طمئني عن محمد. فتحت التلفاز، كانت فضائية الأقصى تنقل وببث مباشر حدثاً ما، لم أنتبه في البداية ما هو، ففكري المشتت يحول دون أن أدرك ما يقوله الصحفي. سمعت كلمات مبعثرة لا معنى لها، نفق، انهيار، إصابات... الخ. جاءت عمتي وجلست إلى جانبي وراحت تصغي.. "لطفك بنا يا الله، ربي يرجعكم لأهلكم سالمين". نهضت من مكانها فتوضأت وراحت تصلي وتبتهل إلى الله. شاهدت دموعها تنساب بغزارة على وجهها، ولكنها كانت متماسكة إلى أبعد الحدود.
ماذا هناك يا عمتي؟ أتخفين عني شيئاً؟ هل تعلمين شيئاً عن محمد ولا تريدين إخباري به؟
أبداً يا بنيَّتي، أنا لا أخفي شيئاً، وكوني واثقة أن الله هو ألطف بعبادة من أنفسهم فلا تجزعي.
حاولت إزاحة القلق جانباً، ورحت أقرأ الشريط الأحمر الذي يبث أخباراً عاجلة.. "انهيار نفق على الشريط الحدودي الشرقي لقطاع غزة إثر استهدافه من قِبَل طائرات العدو، ومنع جيش الاحتلال لأي طواقم إنقاذ من الاقتراب من المكان لتقديم المساعدات للمقاومين المحتجزين داخله". شعرت بدوار يلف رأسي، وغمامة سوداء تغطي عيناي، رحت أنوح بصوت مرتفع.. حدثني قلبي أن محمد هو أحد هؤلاء المقاومين.
لم يكن يكلمني عن عمله تحديداً، كل ما علمته عنه حين تقدم لخطبتي أنه يعمل في حفر الأرض، ظننت أنه يحفرها لبناء البيوت والعمارات، ولكنه صحح معلومتي في لقائي الأول به قائلاً: أنا أحفر لبناء وطن حر. لم أفهم قصده، وعندما استوضحت منه أكثر قال لي: "لا أريد أن أخدعك، وقبل أن تربطي مصيرك بي، اعلمي بأنني مشروع شهيد. دون أن يوَضِّح أكثر. أدركت حينها أن له علاقة ما بالمقاومة، فقبلت الزواج منه دون تردد.
كان يعود مساء كل يوم حين يغوص النهار في ظلمات الليل، منهكاً، غارقاً في الأتربة والغبار من قمة رأسه وحتى أخمص قدمه. ورغم ذلك، كانت البسمة لا تفارق شفتيه، والكلمة الطيبة لا تفارق لسانه.
محمد، ماذا ستسمى ابنك؟
إن قُدِّر لي أن أحمله بين يدي، سأؤذن في أذنه بمجرد ولادته، وأحنكه كما كان يفعل رسولنا وقدوتنا، عليه الصلاة والسلام وسأسميه عبد الله، ليكون شجاعاً ومقداماً مثل عبد الله بن الزبير.
أيكون هناك ولي عهد على الطريق؟
لا أدري، ولكني أشعر بتغيرات لم أعهدها سابقاً.
رفع محمد يديه إلى السماء مناجياً ربه:
ربي لا تحرمني نعمة الولد الصالح، واجعله عوناً لأمه، وقائداً يزلزل أعداءك أعداء الدين.
استوصي خيراً بأمي يا سلمى.
أمك هي أمي، وهل لي سواها بعد أن رحلت أمي إلى بارئها؟
جزاك الله خيراً، وأنعم عليك.
ولكن لماذا تتحدث هكذا يا محمد، ربي يخليك لي ولها.
لا شيء، ولكن لا أحد يعلم ما تخفي له الأقدار.
ربي يحفظك من كل سوء.
راح عبد الله يهزني بيديه بقوة قائلاً:
أمي.. أمي.. أرجوك افتحي الباب بسرعة.. ما بالك لا تسمعينني.. فربما يكون أبي من بالباب.
ضممته إلى صدري، وأفلتت من عيني دمعة بذلت جهدي لأواريها عنه، وقلت له:
والدك في جنات الفردوس يا حبيبي، هو عند الله، ولن يعود إلينا، نحن نذهب إليه عندما يشاء الله لنا ذلك.
ولماذا لا نذهب الآن؟ أنا مشتاق لأبي كثيراً، فأنا لم أره أبداً.
أمامك درب طويل يا عبد الله عليك اجتيازه قبل أن تذهب إلى والدك، فكن شجاعاً بطلاً مثله حتى يفخر بك عندما يراك.
أعدك بذلك يا أمي، فأنا ابن أبي، وعلى دربه أسير.
[/FT]
</ul>
كلمات ذات علاقة
أيكون , أبي , قد , عاد , يا , أمي