مجتمع رجيمالنقاش العام

قصة هارون وعلاقته بموسى عليهما السلام نسبا ودينا


ٱلْسَلآمّ ٍعَلْيّكَمُ وٍرٍحَمُةٌ اللَّــْـْہ ۆبُركَاته
أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ من هَمْزِهِ، ونَفْثِهِ، ونَفْخِهِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
اللَّهُمَّ صَلِ وسَلِّم وبَارك على سَيِّدِنا مُحَمَّد الصَادِق الوَعد الأَمِين
تحية من عند الله طيبة مباركة



علاقة هارون بموسى نسباً وديناً السؤال
هل سيدنا هارون أخو سيدنا موسى هو نفسه أخو السيدة مريم بنت عمران ( أخت هارون )؟

الإجابــة
فإن هارون نبي الله أخ لموسى نبي الله وكليمه عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام ؛كما جاء في كتاب الله تعالى في عدة مواضع ، وهارون أخو موسى ليس أخا لمريم عليها السلام ؛لأن مريم هي أم عيسى عليه السلام , وموسى سبق عيسى بمئات السنين


وهارون عليه السلام من الأنبياء الذين لا يكاد يعرف كثير من الناس عنه شيئاً ولا يعرفون قدره، وهو نبي عظيم شقيق لموسى عليه السلام ، وُلد في عام ترك قتل الأبناء، وأرسله الله تعالى مع موسى عليه السلام كما قال الله عز وجل :ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ سورة المؤمنون:4546.


لقد كان الفراق طويلاً جداً بين موسى وأخيه هارون في مبدأ الأمر، فإنه افترق عنه نحواً من عشر سنين ربما لا يدري عن خبره شيئاً، فإن موسى عليه السلام منذ ولادته فارق بيته، وأُخذ إلى قصر فرعون وتربى هنالك، ولم يرَ أمّه إلا عندما كانت تأتي لترضعه، ثم بعد ذلك لم يكن يرى أخاه هارون كما يريد؛ لأنه في قصر فرعون، وذاك في مساكن بني إسرائيل، ثم إن موسى قد هرب من هؤلاء إلى مدين، ولبث فيهم عشر سنين، لم يرَ أهله فيها، فلما سار موسى بزوجته من مدين وناداه ربه عند الشجرة في البقعة المباركة دخل موسى بعد ذلك مصر ولقيَ أخاه هارون، وكان لقاءً عظيماً.

لا يُعرف أحد أعظم في منته على أخيه من موسى عليه السلام
ولا يُعرف أحد أعظم في منته على أخيه من موسى عليه السلام فإنه لم يزل يسأل ربه حين أوحى إليه أن يجعل معه أخاه حتى أجاب الله دعاءه وجعل معه أخاه هارون نبياً.

وهذه العلاقة العظيمة المتمثلة في أخوة النسب التي تقطعت بها الأسباب اليوم بين كثير من الناس وأشقائهم في فرقة من أجل دنيا من ميراث وزوجات ونحو ذلك من الأسباب نجد أن موسى عليه السلام قد حفظ تلك الوشيجة والعلاقة وهو يقبل على الله سائلاً أن يجعل معه أخاه هارون نبياً.

والله عز وجل وهب له أخاه هارون نبياً رحمة منه عز وجل قال الله تعالى:وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّاسورة مريم:53فكان هذا الأخ الصالح والشقيق الطيِّب، والنبي المؤازِر، والر المعاوِن، واليد اليمنى، والساعد الكبير والنصير باللسان، والمعين بالرأي والبدن له تلك المشاركة العظيمة بين أخوين في مهمة جليلة جداً هي النبوة والرسالة ومواجهة المعاندين.

ميزات هارون عليه السلام – ومنزلته
تميز هارون عليه السلام بالفصاحة، قال الله عن موسى:وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًاسورة القصص:34ومعنى ذلك أنه أحسن بياناً وأدرى من موسى بلهجة القوم الذين تركهم موسى هذه السنين العشر.

ومن ميزات هارون عليه السلام أنه كان رفيقاً ليِّن الجانب، ولذلك لما خاطب موسى في قصة العجل ماذا قال؟قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِيسورة طـه:94.

وكان قلب هارون عليه السلام رؤوفاً رحيماً رؤوماً مشفقاً، تميز بالرفق، وكان يتحلى بالحكمة والصبر، ولذلك حاول أن يجمع ما تبقى من بني إسرائيل في قصة العجل رغم اضطهادهم له، قال الله تعال:قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِيسورة الأعراف:150كما أنه تحلَّى بالشجاعة في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أولئك الفراعنة.

وقد قيل: إن هارون عليه السلام كان أكبر من موسى عليه السلام بسنة، وقيل بثلاث، وهو في الخبرة ببني القبط وقوم فرعون يفوق موسى عليه السلام من جهة أنه كان قبله في مخالطتهم وأكثر منه في مدة المكث معهم ومعايشتهم، وهذه الخبرة مهمة في الدعوة لهؤلاء القوم.

جمع الله لهارون عليه السلام بين الصفات الدينية والأخلاقية، فكان صادقاً، أميناً، تقياً، صالحاً، هيّناً، ليّناً، سهلاً، مطيعاً لموسى عليه السلام ، ويندر أن تجد أخاً أكبر يلين مع أخيه الأصغر ويطيعه، فموسى هو الأمير وهارون هو الر، فهو وإن كان أكبر من موسى لكنه يسلم له في القياد.

وقد بلغ من منزلة هارون عليه السلام أن نبينا صلى الله عليه وسلم لما لقيه ليلة المعراج في السماء الخامسة قال له: (مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح).

أثبت الله أثر هارون في الدعوة إليه فقال تعالى عن السحرة:فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىسورة طـه:70،وهذا يدل على جهده.

وقد تفاوت صفات الأنبياء ومقاماتهم، فلا شك أن موسى عليه السلام أفضل وأعلى، قال الله تعالى:تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍسورة البقرة:253وموسى كليم الله.

وقد كان موسى صاحب شجاعة وبأس وشدة، وكان هارون ذا حلم ورفق هائباً لموسى مسلساً القيادة له، وهذا المزيج من قوة موسى وحلم هارون ورفقه كان ضرورياً جداً في قيادة بني إسرائيل،

إن مما يحتاج إليه القائد إذا كان شديداً أن يختار ولاة ومعاونين له فيهم لين ورأفة ورقة، وإذا كان هيناً ليناً اختار معه من يكون فيه قوة وبأس؛ حتى تعتدل الأمور ولا ينفلت الزمام
ولذلك فإن مما يحتاج إليه القائد إذا كان شديداً أن يختار ولاة ومعاونين له فيهم لين ورأفة ورقة، وإذا كان هيناً ليناً اختار معه من يكون فيه قوة وبأس؛ حتى تعتدل الأمور ولا ينفلت الزمام، وهذا يفسر استعمال أبي بكر الصديق لخالد بن الوليد القوي، ثم مات أبو بكر فتولى عمر فعيَّن أبا عبيدة بدلاً من خالد في بعض المواقع.

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله : "كان عمرو بن العاص أحد الأمراء، وأبو عبيدة الجراح أيضاً، وقدم أبو بكر عليهم خالد بن الوليد لشجاعته ومنفعته في الجهاد، فلما توفي أبو بكر ولى عمر بن الخطاب أبا عبيدة أميراً على الجميع؛ لأن عمر كان شديداً في الله، فولى أبا عبيدة لأنه كان ليناً، وكان أبو بكر ليناً وخالد شديداً على الكفار، فولى اللين الشديد، وولى الشديد اللين؛ ليعتدل الأمر، وكلاهما فعل ما هو أحب إلى الله في حقه".[انتهى كلامه رحمه الله ].

واجعل لي راً من أهلي
لما كان التعاون في إقامة الدين والدعوة إليه درجة عظيمة طلبها موسى لأخيه، فقال:وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًاسورة القصص:34، ومن ذا الذي يذكر اليوم ميزة أخيه عليه؟ قال: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِيسورة القصص:34ردءاً يصدقني يعني معيناً يصدقني؛ لأن مواجهة هؤلاء المعاندين الجبابرة تحتاج إلى من يؤيد على الحق ويصدق عليه ويؤمِّن.

وقال الله سبحانه عن موسى عليه السلام :وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا* إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًاسورة طـه:2935.

فأجاب الله هذا الدعاء الخالص من ذلك الشقيق والأخ المحب لشقيقه فقال الله عز وجل :قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىسورة طـه:36.

لقد ناشد موسى ربه فقال: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًاسورة طـه:29 يعني مؤازراً يؤازرني ومعيناً يعاونني ومساعداً يساعدني على من أرسلت إليهم، ويتحمل معي الأعباء، ويحمل معي الأثقال، ويا لها من مسؤولية كبيرة في الدعوة إلى الله ومواجهة هؤلاء الطغاة.

والر مع الملك أو الأمير يحمل ثقله، ويعينه برأيه، وهو مشتق من الوزر الذي هو الثقل، لأنه يحمل الثقل عن أميره، ويعتصم الأمير برأيه ويلجأ إليه في أموره، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له ر صدق، إن نسي ذكَّره، وإن ذكَر أعانَه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له ر سوء، إن نسي لم يذكِّره وإن ذكر لم يعِنْه)،ولذلك قال العلماء: ومن سعادة السلطان أن يسهل الله له راً صالحاً ومشيراً ناصحاً.

قال موسى عليه السلام :وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِيسورة طـه:29بكونه أشفق وأوثق وأقرب وأعون، فمعه علاقة إضافية في أخوة الدين وهي أخوة النسب، وإنها لقريبة جداً، وسأله أن يكون من أهله؛ لأنه من باب البر وأحق ببر الإنسان قرابته، فأراد موسى الخير لنفسه والخير لأخيه.

ثم بين من هو فقال:هَارُونَ أَخِيسورة طـه:30؛ لأنه أجدر بالمناصرة، وأوثق ليتحمل العبء معي، وهكذا استجاب الله عز وجل كما قال تعالى:وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّاسورة مريم:53أي: فأجبنا سؤاله وجعلناه معه، ولم يكن لموسى عليه السلام ر سوى أخيه هارون عليه السلام كما ذكر ابن كثير رحمه الله ، قال الله عز وجل :وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًاسورة الفرقان:35.

وقد كان هارون عند القوم طاهر النفس، سليم الطوية، شريفاً في قومه معروفاً، ليس له إساءة حتى مع القبط، وقد قضى بينهم عمراً طويلاً لم يعثروا له على زلة.

وكان طلب موسى عليه السلام المعاونة للمهمة العظيمة في الدعوة، سواء دعوة بني إسرائيل، أو دعوة أولئك القبط الأشداء، وهذه مهمة تحتاج إلى قوة وثبات، ولذلك قال موسى في سبب الطلباشْدُدْ بِهِ أَزْرِيسورة طـه:31أي: قوتي وظهري،وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِيسورة طـه:32يعني في النبوة، فتجعله معي رسولاً أيضاً فأستشير به واستأنس ويكون له وحي أيضاً يسدده فيعاونني بذلك.

تكليف وتشريف
لماذا هذه المشاركة؟ هل هي لشيء من الدنيا، أو لمجرد القرابة فقط؟ كلا، وإنماكَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا* إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًاسورة طـه:3335تعلم حالنا وضعفنا وعجزنا وافتقارنا إليك، أنت أبصر بنا من أنفسنا وأرحم، فمُنَّ عليَّ بأخي هارون، وأجب دعائي في هذا الطلب، وهكذا كان.

ومع قوة موسى عليه السلام إلا أنه احتاج إلى مساعد،

لا يغتر الإنسان بقوته ولا يكون معجباً بنفسه، وهذا العمل في الفهم والعلم والدعوة والصبر على الأذى فيها يحتاج إلى شخصيات عظيمة
وهكذا فلا يغتر الإنسان بقوته ولا يكون معجباً بنفسه، وهذا العمل في الفهم والعلم والدعوة والصبر على الأذى فيها يحتاج إلى شخصيات عظيمة، ولذلك كان هارون هو الساعد الأيمن لموسى عليهما السلام ولما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً على المدينة لما خرج بالجيش إلى تبوك، قال علي رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام متألماً: (أتخلفني في الصبيان والنساء)يعني أنت تذهب مع أصحابك في هذه المهمة الشريفة في الجهاد لمواجهة هذا العدو الخطير الروم وأنا أبقى مع النساء والصبيان؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً المهمة العظيمة التي سيقوم بها علي رضي الله عنه في غياب النبي عن المدينة: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي).

فيالها من منقبة عظيمة لعلي رضي الله عنه ويا لها من منزلة شريفة لابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون من نبينا بمنزلة هارون من موسى، وقد كان أبو بكر رضي الله عنه وعمر هما الران الملازمان للنبي صلى الله عليه وسلم .

إن موسى عليه السلام لم يستأثر بأعلى مقامات الدنيا النبوة بل إن نفسه سمحت وطلبت وأرادت وأحبت المشاركة وقليل من الناس من يحب أن يشاركه غيره في الخير؛ فإن النفس تريد الاستئثار والتفرد، وتكره المشاركة والمنافسة، فأي نفس عظيمة هذه التي كانت بين جنبي موسى عليه السلام ليطلب المشاركة في هذا الأمر العظيم وهو أشرف منصب على الإطلاق منصب النبوة والرسالة وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُسورة القصص:68والله عز وجل هو الذي بيده أمر النبوة وليس ذلك خاضعاً لرغبة بشر أو طلبه، ولكن وافقت رغبة موسى عليه السلام مشيئة الله واختياره سبحانه وتعالى .

قالت عائشة رضي الله عنها : "سمعت أعرابياً يقول: أي أخ كان أنفع في الدنيا لأخيه؟ قالوا: لا ندري، قال: أنا والله أدري، موسى حين سأل النبوة لأخيه، فقال الجماعة صدق والله".

قال بعض السلف: "ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبياً".

موسى في موعد مع ربه
وبعد أن أقام بنو إسرائيل في سيناء بعد الرحلة الطويلة من الدعوة الشاقة في المواجهة، أراد الله إنزال كتابه على موسى فواعده جبل الطور، فذهب موسى وترك أخاه هارون خليفة له في قومه، وأوصاه قائلاً:اخْلُفْنِي فِي قَوْمِيسورة الأعراف:142واختصر الوصية بقوله: وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَسورة الأعراف:142.

وهكذا المستخلف ينوب والوكيل يقوم بالمهام على فعل الأصلح وهذا فيه ملاك الأمر والقيام بمحور الإصلاح واجتناب المفسدين وسبيلهم، وهكذا ينبغي أن تكون النصيحة العظيمة والتذكير بالمهام قبل الانصراف: وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَسورة الأعراف:142.

لما غاب موسى عن قومه وذهب لمناجاة ربه زين لهم السامري عبادة العجل فأطاعته الأغلبية، قال الله سبحانه :وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌسورة الأعراف:148أي: له صوت أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَسورة الأعراف:148.

لقد عاش بنو إسرائيل مع الكفرة الفراعنة وتطبعوا بطباع منهم، وتأثروا بصفات لهم، وكانوا أذلاء خانعين تحت قهرهم، وكانت النفوس الأبية تقودهم بين موسى وهارون وهما يتنقلان بين بيوت بني إسرائيل يصبّران القوم، كما أوصى الله موسى وهارون أن يتخذا ويتبوءا لقومهما من مصر بيوتاً، وأن يجعلا البيوت قبلة لإقامة الصلاة؛ فلم يكن هنالك مساجد يسمح بإنشائها من قبل أولئك الفراعنة، فكان موسى وهارون يدوران بين بيوت بني إسرائيل، وما آمن لموسى إلا ذرية من قومه من ذوي الأسنان الحديثة على خوف؛ إذ لم يكن الإيمان هنالك إيماناً آمناً، وإنما كان كما قال الله تبارك وتعالى :عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْسورة يونس:83.

كان دور موسى وهارون بين بني إسرائيل عظيماً في إعدادهم لرحلة النجاة، وقام موسى عليه السلام مع أخيه بدورين هما: إعداد قومهما وإنذار القوم الآخرين ومواجهة الفراعنة الشداد، فرعون ومن معه من ملئه الأشراف والكبراء والظلمة والسحرة، ومن استعانوا بهم، وكان مشهداً عظيماً حضره موسى وهارون وغلب الوحيُ السحرَوَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَسورة الأعراف:118.

ثم أمر الله موسى وهارون بأخذ بني إسرائيل، فكانت تلك الرحلة، وعبر بنو إسرائيل البحر، وأغرق الله فرعون ومن معه، ولكن بقايا الوثنية لا تزال في نفوس القوم، فقد مروا على قوم قد اتخذوا لهم صنماً فقالوا:يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌسورة الأعراف:138!!

سبحان الله بعد هذه الرحلة الطويلة، والتربية العظيمة، والعبادة، والمحنة، والنجاة من العدو، والنعمة الكبيرة، وهذه المجاوزة للبحر والنجاة من الغرق بعد النجاة من العدو الكبير، تقولون: اجعل لنا إلهاً؟!!

يا أيها اليهود، ما أكفركم! يا أيها اليهود، ما أبغضكم! يا أيها اليهود، ما أشد جحدكم وجهلكم بالله!

ويبقى موسى وهارون ثابتين على الطريق في بني إسرائيل، يأمرانهم بالمعروف، وينهيانهم عن المنكر، ويقيمان دين الله فيهم، خطوة بخطوة، فلما صار الموعد للقاء الله وتأهلت وتأهبت تلك المجموعة لتلقي الوحي، وكانت التوارة التي ستقام في بني إسرائيل، وهذا الفضل العظيم والنزول الكبير للألواح المسطر فيها الوحي من الله عز وجل كما قال الله:وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍسورة الأعراف:145استخلف موسى أخاه هارون، وذهب في تلك الرحلة بعدما أوصاه، فانتهز السامري غياب موسى فأخذ من الذهب الذي مع بني إسرائيل ما شكل به تمثالاً على هيئة عجل من ولد البقر له فتحتان إحداهما وهي الأكبر من دبره بحيث تدخل منها الريح ثم تخرج من الفتحة الثاني الأصغر في رأسه على هيئة خوار البقر، ومن مهر بالصنعة استطاع أن يفعل من أنواع الأصوات ما يشابه الواقع بواسطة دخول الهواء وخروجه، فهذا الذهب معبودهم الذي فتنوا به من قبل، وهكذا صنع السامري، وما أسرع تهافت بني إسرائيل عليه حيث إنه تمثال عجل من ذهب يوافق تلك الآلهة التي كان عليها القوم، فقد وجدوا الآن بغيتهم في هذا الذي صنعه السامريفَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَسورة طـه:88.

كم حاول هارون عليه السلام أن يبين للقوموَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِيسورة طـه:90لقد كان بياناً واضحاً وكلاماً صادعاً، ولكن هيهاتقَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىسورة طـه:91هذه هي حجتهم وهي انتظار موسى ليفصل! أليس الذي قاله هارون كافياً في البيان.

لقد ناشدهم هارون بقوله: يا قومِ، يذكرهم وشيجة القرابة وهو يدعوهم إلى عبادة الله،يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِسورة طـه:90وهكذا يكون استعطاف القلوب من الداعية للمدعوين يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِسورة طـه:90هذه فتنة، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُسورة طـه:90فوق سبع سماوات وليس هذا التمثال المصنوع، فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِيسورة طـه:90.

حاول هارون عليه السلام مراراً وتكراراً، وثبت على الحق ودعاهم جهاراً، وخلف موسى بمثل ما أوصاه، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على هارون، وعلى سائر أنبيائك ورسلك، وصلِّ اللهم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

وصف اليهود للأنبياء عليهم السلام في التوراة المحرفة:
زعموا أن هارون عليه السلام هو الذي صنع لهم العجل ودعاهم إلى عبادته فقالوا في (سفر الخروج) (32/1): ( ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا... فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها.... فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل).
فهل يعقل أن نبيًّا أرسله الله لدعوة قومه إلى عبادة الله وحده يصنع لقومه عجلاً، ويدعوهم إلى عبادته ؟! حاشا أنبياء الله من ذلك. وقد بيَّن الله عزَّ وجلَّ في القرآن أن الذي صنع لهم العجل هو السامري، فقال عزَّ وجلَّ: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طـه: 85]. أما هارون عليه السلام فقد قام بواجبه من ناحية نهيهم عن عبادة العجل، قال جلَّ وعلا: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طـه: 90].

وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَىَ وأَعْلَمُ

وأنا مُلْتَمِسٌ من قارئ حازَ من هذا السِّفر نَفْعَاً ألا ينساني بدعوة صالحة خالصة في السَّحَر ، وليعلم أن ما في هذا الكتاب مِن غُنْم فحلال زُلال له ولغيره ، وما كان مِن غرم فهو عَلَى كاهلي وظهري ، وأبرأ إلى الله من كل خطأ مقصود ، وأستعيذه من كل مأثم ومغرم ‏.‏

فدونك أيها القارئ هذا الكتاب ، اقرأه واعمل بما فيه ، فإن عجزت فَأَقْرِأْهُ غيرَك وادْعُه أن يعمل بما فيه ، فإن عجزتَ – وما إِخَالُكَ بِعَاجِزٍ – فبطْن الأرض حينئذ خيرٌ لك من ظاهرها ‏.‏
ومن سويداء قلبي أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعك بما فيه وأن يقوّيَك على العمل بما انتفعت به ، وأن يرزقك الصبر على ما قد يلحقك من عَنَتٍ وأذى ، وأن يتقبل منك سعيك في خدمة الدين ، وعند الله اللقاء ، وعند الله الجزاء
ونقله لكم الامة الفقيرة الى عفو الله ومرضاته . غفر الله لها ولوالديها ولاخواتها وذرياتها ولاهلها ولامة محمد اجمعين ويجعلنا من عباده وامائه الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِوَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَالْمُحْسِنِينَ والْمُتَّقِينَ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ويجمعنا اجمعين فى اعلى درجات الجنة مع نبينا محمد وجميع النَّبِيِّينَ والْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
تحققت الآمال و توفر لهم كل شئ فلم يبق إلا الثناء دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتهمْ فِيهَا سَلَام وَآخِر دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللهُ أَكْبَرُ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، الحَيُّ القَيُّومُ، وَأتُوبُ إلَيهِ
حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير
وأخيرًا أسأل الله أن يتقبلني انا وذريتى ووالداى واخواتى واهلى والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات وامة محمد اجمعين صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاحياء منهم والاموات شهيدًا في سبيله وأن يلحقناويسكنا الفردوس الاعلى من الجنة مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا أسألكم أن تسامحوني وتغفروا لي زلاتي وأخطــائي وأن يرضى الله عنا وترضــوا عنــا وتهتمــوا وأسال الله العظيم ان ينفع بمانقلت للمسلمين والمسلمات
اللَّهُمَّ انصر واعز الاسلام والمسلمين واعلي بفضلك كلمتي الحق والدين
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
آميــٍـِـِـٍـٍـٍنْ يـــآرّبْ العآلميــــن