الميثاق الذي أخذه الله على العباد

قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا...

مجتمع رجيم / الأخبار المصورة
قايدات المها
اخر تحديث
الميثاق الذي أخذه الله على العباد

قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأعراف: 172 - 174].

وقد اختلف العلماء في حقيقة هذا الميثاق على قولين:
القول الأول: أنه على ظاهره كما ورد في الآية:
وذلك بأن الله كلمهم، وكلموه، وأخذ عليهم الميثاق، وأشهدهم على أنفسهم، ويؤيد هذا ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنَعْمانَ يوم عرفة، فأخرج من صُلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قِبَلًا: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 172، 173][1].
ومعنى "قِبَلًا": أي مواجهة.

القول الثاني: أنه ميثاق الفطرة:
قال ابن كثير رحمه الله: "وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية: على هذه الملة - فأبواه يهوِّدانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟!))[2].
و"الجمعاء": الكاملة الخلقة، و"الجدعاء": مقطوعة الأنف.

وعلى هذا التقرير، فيكون معنى الآية: أن الله أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين بلسان حالهم لا بالمقال؛ [لأن الشهادة تكون بالحال كما تكون بالقول؛ كقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ [التوبة: 17]؛ أي: حالهم شاهد بذلك][3].

الجمع بين القولين:
قال الشيخ حافظ أحمد حكمي - رحمه الله - في كتابه "معارج القبول": (ليس بين التفسيرين منافاة، ولا مضادة، ولا معارضة؛ فإن هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة:
الأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم عليه السلام، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ [الأعراف: 172] الآيات، وهو الذي قاله جمهور المفسرين - رحمهم الله - في هذه الآيات، وهو نصُّ الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما.

الثاني: ميثاق الفطرة، وهو أنه - تبارك وتعالى - فطَرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ [الروم: 30]، وهو الثابت في حديث أبي هريرة، وعياض بن حمار، والأسود بن سريع رضي الله عنهم[4]، وغيرها من الأحاديث في الصحيحين.

الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب؛ تجديدًا للميثاق الأول، وتذكيرًا به: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 165]، ففيه تفصيل:

فمن أدرك هذا الميثاق وهو باقٍ على فطرته التي هي شاهدة بما ثبت في الميثاق الأول، فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف؛ لأنه جاء موافقًا لما في فطرته، وما جبله الله عليه؛ فيزداد بذلك يقينه، ويقوى إيمانه، فلا يتلعثم ولا يتردد.

ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله عليه من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول، بأن كان قد اجتالته الشياطين عن دينه، وهوَّده أبواه أو نصَّراه أو مجَّساه - فهذا إن تداركه الله برحمته فرجع إلى فطرته وصدَّق بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، نفعه الميثاق الأول والثاني، وإن كذب بهذا الميثاق، كان مكذبًا بالأول والثاني، فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه.

ومن لم يدرك هذا الميثاق، بأن مات صغيرًا قبل التكليف، مات على الميثاق الأول، على الفطرة، فإن كان من أولاد المسلمين، فهم مع آبائهم، وإن كان من أولاد المشركين، فالله أعلم بما كانوا عاملين)[5]؛ اهـ.

قلت: فعلى هذا فإن الله برحمته لم يؤاخذ الخلق بمجرد الميثاق الأول، وإن كان وحده - أي الميثاق الأول - يكفي في إقامة الحجة عليهم، لكنه لا يؤاخذهم حتى يرسل الرسل، ويقيم عليهم الحجة بهم؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15]، وسوف نسوق بإذن الله تعالى ما يتعلق بأصول الإيمان التي ينبغي للمسلم أن يكون على إلمام بها، وهي ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر، وهي الأصول الواردة في حديث جبريل، حيث سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: ((الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))؛ رواه مسلم.
:
الشيخ عادل يوسف العزازي </ul>



</p>
<span id="twitter_btn" style="margin-left: 6px; ">

</div>

التالي
السابق