حاملو نوبل وأردوغان..!!

مجتمع رجيم / الموضوعات المميزة فى العلوم الطبيعية
كتبت : بتول الغلا
-
وأردوغان..!! -1373قضت محكمة تركية، قبل ثلاثة أيام، بحبس الكاتب والروائي التركي، أحمد ألتان، ستة أعوام بتهمة إهانة الرئيس التركي أردوغان، والترويج لحزب العمال الكردستاني، وهذا هو الحكم الثاني بحق المذكور، بعد حكم بالسجن المؤبد قبل أسبوعين. وكان ألتان، الذي يعتبر من الروائيين والصحافيين البارزين في تركيا، قد اعتُقل بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، قبل عامين، وأفرج عنه، وأُعيد اعتقاله، وكذلك شقيقه محمد وهو أكاديمي وصحافي معروف، ليحاكم بتهمة التعاطف مع الانقلابيين، والتآمر على قلب نظام الحكم، من خلال رسائل رمزية أرسلها خلال مقابلة تلفزيونية، قبل وقوع المحاولة الانقلابية بيوم واحد.

وفي سياق التعبير عن التضامن مع ألتان، والمعتقلين من الكتّاب والصحافيين والأكاديميين، في سجون النظام الأردوغاني، وقّع 38 من الحائزين على جائزة نوبل، في الآداب والعلوم، رسالةً مفتوحةً إلى الرئيس أردوغان أشاروا فيها إلى الاعتقال التعسفي، والأحكام الصورية، بحق الكتاب والمفكرين في تركيا، وإلى حقيقة ما تُلحقه ممارسات كهذه من ضرر بسمعة الجمهورية التركية، وحياة وكرامة المواطنين الأتراك.

وهذه الرسالة تُضاف إلى قائمة طويلة من الملاحظات، والتحفظات، والمخاوف، والشكوك، التي تبديها جهات مختلفة في العالم، وفي تركيا نفسها، إزاء ما يتهدد الحريات العامة، وحقوق الإنسان، من مخاطر، وقد تسارعت بشكل ملحوظ، ومُقلق، بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، وكأن النظام الأردوغاني كان في انتظار فرصة كهذه لمصادرة الحريّات العامة، وتكريس سلطة أردوغان المُطلقة، وإرساء دعائم النظام الشمولي في تركيا.

وإذا كان في رسالة حاملي نوبل المفتوحة إلى أردوغان ما لا يُضيف جديداً إلى سجّل الانتهاكات، وحقيقة الميول الشمولية للنظام الأردوغاني، فإن فيها ما يمكن أن يُضاف إلى سجال متواصل منذ 16 عاماً، أي منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم، بشأن مدى التزام الأحزاب الإسلاموية باللعبة الديمقراطية، واحترامها للحريات العامة، وحقوق الإنسان.

وهذا السجال وثيق الصلة بنا، أيضاً، فقد تحوّل النظام الأردوغاني إلى وسيلة إيضاح، لدى أحزاب الإسلام السياسي، وداعميها، في العالم العربي، للتدليل على أن الأحزاب المعنية تغيرت، وتصالحت مع الدولة الحديثة، ودليلها على ذلك تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، الذي تمكن من الوصول إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع، وأعلن التزامه بالدستور العلماني للدولة الكمالية، وبرهن على جدارته في انتخابات ديمقراطية لاحقة، وأسهم في النهوض الاقتصادي للبلاد.

والمُلاحظ أن عدداً من المثقفين الليبراليين والعلمانيين العرب تبنوا فرضيات كهذه، وخاضوا نقاشات حامية، خاصة في السنوات القليلة التي أعقبت الربيع العربي، وصعدت فيها تلك الأحزاب والجماعات والقوى بشكل ملحوظ.

وجاء هذا كله معطوفاً على حقيقة أن قوى نافذة في العالم، خاصة في الولايات المتحدة، راهنت على احتمال الشراكة مع الأحزاب المعنية، لإنشاء نظام جديد في العالم العربي، على غرار النموذج التركي، حليفها المضمون، وشريكها في حلف الناتو.

ولكن هذا كله أصبح في حكم الماضي الآن. ففي اللحظة التي بدت فيها حظوظ النموذج التركي وكأنها مرشحة للنسخ والاسترشاد والتماهي في مناطق مختلفة من العالمين العربي والإسلامي، كان النظام الأردوغاني نفسه، الذي أسكرته نشوة الفوز، قد دخل سلسلة رهانات داخلية وخارجية رسمت، مجتمعة، خطاً بيانياً هابطاً لم تتضح صورته النهائية بعد، ولكن فيها ما يكفي للتدليل على حقيقة أن الرهان على النموذج التركي كان متسرعاً، ويبدو الآن خاسراً إلى حد بعيد.

فهل نجم ما نرى من تجليات الخسارة، الآن، عن طموحات سلطانية وسلطوية، أفلتت من عقالها، لدى فرد بعينه، أم عن تناقضات بنيوية في تكوين وصميم أيديولوجيا الحزب الإسلاموي الحاكم، أم عن مزيج من الاثنين معاً؟ في هذه الأسئلة ما يعني أن السجال لن يتوقف في وقت قريب.

وتبقى ملاحظة أخيرة: التقيت قبل أيام بشخص زار تركيا، وكان لديه ما يكفي من الوقت، هناك، لتكوين انطباعات عامة، منها أن الوضع الاقتصادي جيد، والنظام يسيطر على أركان الدولة، وأن التزاوج بين النزعتين القومية والإسلاموية في صعود، وأن ثمة معارضة، ولكن أردوغان يشتغل بنفس طويل، فهو لا يراهن على كل منْ هم فوق الخمسين، فهؤلاء لا أمل في كسبهم إلى جانب النظام، ورهانه الرئيس على طلاّب الجامعات، والشباب، الذين يمكن تأهيلهم وتثقيفهم بما يخدم مصلحة النظام.

وعلى ضوء تحفظات، وشكوك، ومخاوف، آخرها رسالة حاملي نوبل المفتوحة إلى أردوغان، لا يبدو من الصعب استنتاج أن ما يخدم مصلحة النظام لا يتماشى، بالضرورة، مع الالتزام بالحريات العامة، واللعبة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، بل يُسهم في تجريد النموذج التركي من مزاعم كثيرة، ويُخرج وسيلة الإيضاح الأردوغانية من دائرة الرهان. لن يتوقف الكلام عن النموذج الإسلاموي التركي، ولكن ما كان براهين على جدارته في يوم مضى، يبدو اليوم مجرّد أوهام.