هناك فوق الغيوم

هناك فوق الغيوم كالآلة كانت وراء منضدتها الحديدية ..تعاطف مبهم بينها وبين أنين الآلة الكاتبة التي تنساب عليها أصابعها..بحركة لاشعورية تتوقف أصابعها...

مجتمع رجيم / القصص والروايات الادبية
منى صبحي الهنداوي
اخر تحديث
هناك فوق الغيوم

هناك فوق الغيوم

كالآلة كانت وراء منضدتها الحديدية ..تعاطف مبهم بينها وبين أنين الآلة الكاتبة التي تنساب عليها أصابعها..بحركة لاشعورية تتوقف أصابعها عن الحركة ..ويسكت الأنين.ترفع إلى زميلتها عينين يرقص فيهما سؤال حائر:(ماذا حدث؟!)
تقول لها: انتهى الدوام.
تخرج إلى الشارع يبدو سحيقا مغرقا في البعد ..تتحرك فيه قطعان ضالة تسير بسرعة ....وكأنها تصر على استنفاذ كل ثانية في ضياع تام ...إلى أين يذهبون ؟
ماذا في الدروب التي يمشون فيها ؟..سوى الخيبة والعبث ...سوى الصقيع والوحدة..يبتلعها الشارع المزدحم ...الوحدة تعوي بكيانها ..تتمطى في أحداقها ..الظلام يتفجر في صدرها ....ينسكب في دربها ويغمره بصقيع رمادي... الوحشة,السأم ....ذئب يعوي في دمها....تضيع في الشوارع ...حيث يتحرك كل شيء حولها بسرعة جنونية كسراب يمتد إلى مالا نهاية له ...أذناها تمتصان ضجيج العالم كله ...الحركة المسعورة تلطم رأسها ... الأصوات المجنونة تنسل في عروقها ,وتنفجر لوعة في مسامها وحرقة في شعرها وأظافرها وضلوعها...إنها تضيع تتلاشى ..تتلاشى في الصخب الأبله...ببطء ينطق بالأسى تقف تنتظر الباص الذي سيقلها إلى البيت ...الناس يمرون أمامها ...لاترى سوى أجسامهم تمر بها بسرعة,لاتنتبه لأحد ...ولماذا تنتبه ؟من يهمها في هذا العالم .
بهدوء تقترب من الباص وتجلس في كرسي منفرد وتنظر من النافذة ...وهناك قرب الغيوم تلمح عيادة الطبيب الذي سيعالج أمها المريضة,وستشتري لها الدواء ولإخوتها الصغار الثياب والطعام والحلوى,فشاهدت أمها تضحك وأخوتها يلعبون...ولكن للأسف أفاقت من أحلامها على صوت السائق يعلن وصولها,ونزلت تجر قدميها ودخلت إلى البيت ,وتجمد البؤس أمام عينيها,وبضجيج هذا البؤس الساكن نسيت تعبها ومللها بالوظيفة ...هذا البؤس الذي يتواجد بعيني أمها المريضة ,وبزجاجة الخمر بيد أبيها, وبثوب أختها الممزق,وباصفرار وجه أخيها الجائع...ياإلهي ماذا تفعل ؟منذ أن فتحت عينيها على الدنيا, وهي بائسة ,حزينة ...صراخ...زمجرة... بكاء....جوع...مرض...ليل بارد طويل.
وعند المساء تحاول أن تنام يجافيها النوم ...فأنين أمها كوخز الأبرتتساقط فتزيد جراحها, وتمتزج دموعها بدمها وألمها,فتدعو ربها أن يأتي آخر الشهر بسرعة لتشتر لأمها الدواء ,وتبكي بحرقة أكثر لأنه لم يمض من الشهر سوى أيام...وما أطول هذه الأيام...بل ما أطول الساعات....وما أطول أنات أمها....وما أتعسها هي الضائعة...غفت قليلاً,فرأت أمها بثياب بيضاء معافاة ضاحكة,وهي تقترب منها ...تتلمس شعرها بحنان وتضمها إليها بكل حب ...ورأت أباها يبكي توبة ,ويصلي بخشوع التائبين...ورأت إخوتها الصغار يلعبون حول أمهم ..ولكن هبت من نومها مذعورة على آخر أنة من أنات أمها التي أودعت بها آخر رمق لها..

فصرخت المسكينة وإخوتها ,بكت نفسها لأنها لم تشتر لأمها الدواء وأخذت تعاتب ربها لما لم يمهلها أياما قليلة لتأخذ أمها إلى الطبيب وتعمل الذي عليها وتشتري الدواء ومن خلال دموعها رأت أباها يترنح سكرا والزجاجة بيده ,وإخوتها يتباكون حولها ,فتيبس فيها كل شيء ,,,ولم يبق جاريا سوى دموعهاا ,وماذا تملك سوى الدعاء والدموع تفرغ بها قطرات من بحر حزنها الدفين وهناك قرب الغيوم

بقلم:منى صبحي الهنداوي
jannah1






لمياء الزيادي العتيبي
ماشاءالله عليك أسلوبك راقي ومبدعة بمعنى الكلمة
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
طيور النورس
didi21
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
بسكوتة حلوة
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

التالي
السابق