كيف يهلك الله الأمم؟

مجتمع رجيم / النقاش العام
{*زينب*}
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يمكنك أن ترى آثار هذه الهموم في ملامح الناس التي لفحتها أشعة الشمس الحارقة، وجعدتها سنوات من التعب والشقاء، بعد أن غابت في عيونهم نظرات الأمل. بإمكانك سماع تلك الأحاديث التي تعودت أذناك على سماعها أينما ذهبت، كلمات تشتكي مرارة العيش وصعوبة الحياة، تسمعها من هذا الشيخ، وتلك الفتاة وهذا الشاب.


ما السبب في هذا؟ دعونا ننظر إلى الجانب الآخر من الموضوع، فمن الطبيعي أن لكل شيء سبب، فلا شيء يأتي من الفراغ. أهو بلاء أم ابتلاء؟ أهو اختبار وتمحيص من الله لعباده أم أنه عقاب وعذاب ألحقه بهم؟

ولكن لماذا يحدث هذا على الرغم من كوننا مسلمون؟ في حين أن شعوب الدول الغربية تتمتع وتمرح وتلهو وتستمتع بملذات الحياة ولا نسمع أن لديهم مثل هذه المشكلات فما السبب؟

يقول تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (117) هود

"يخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة [لنفسها] ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [ هود: 101]، وقال وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46]"[1]

يقول الإمام الرازي: والمعنى أن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات. أ.ه. وقال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. أ.ه.[2] ولهذا قيل: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام.[3]

أيعني هذا أن الظلم هو أول أسباب هذا الهلاك؟ هل كوننا مسلمين لا يعفينا من هذا الهلاك؟ ولكن دعونا نتعرف على معنى لظلم وأنواعه حتى نستكمل موضوعنا بصورة أوضح.
ما هو الظلم؟ وما هي أنواعه؟
"الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والتصرف في حق الغير، ومجاوزة حد الشرع،والظلم ينقسم إلى عدة أقسام:

الأول: ظلم العبد فيمايتعلق بجانب الله، وهو الشرك وهذا أعظمها.
الثاني: ظلم العبد لنفسه.
الثالث: ظلم العبدلإخوانه.
أما الظلم الذي يتعلق بجانب المولى تبارك وتعالى: فهو أن تعبد غير الله،قال سبحانه وتعالى على لسان لقمان لابنه:{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَأَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَفَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ* وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَيَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان:12-13، وفي البخاري وغيره، عن عبد الله قال:سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله، قال:"أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي، قال:وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك، قلت: ثم أي، قال:أن تزاني حليلة جارك"
أما ظلم العبد لنفسه: فيدخل فيه الشرك والمعاصي، كبيرها وصغيرها، جليلها وحقيرها، فكل معصية فهي ظلم بحسبها على العبد.
وأما ظلمالعبد لإخوانه: فهو أن يأخذ من حقوقهم أو أعراضهم أو أموالهم أو دمائهم، ومن هذايعلم أن من تعدى على حق الغير من مال أو عرض بأن اغتابه أو سبه أو بهته إلى غير ذلك من جميع المخالفات تجاه الآخرين فقد ظلمه."[4]
سبق وذكرنا أن ما من شيء إلا وله سبب، وها قد عرفنا الأسباب في خطوط عريضة تحت مسمى الظلم، سأحاول أن أسرد بعض هذه المسببات والتي أرجو أن تسعفني ذاكرتي بها:
رشاوى، سرقة، قتل، زنا، عقوق والدين، استهزاء بالدين، أغاني وموسيقى، عري وترك للحجاب الشرعي، اختلاط وما يصاحبه، هجر المصاحف، غيبة ونميمة، سب وقذف، التوسل بأصحاب القبور، بناء المساجد على القبور والأضرحة، كهانة وعرافة وسحر، أكل مال اليتيم، قطع صلة الرحم، كذب وزور وبهتان، شذوذ، حلف بغير الله، احتفالات بأعياد وموالد ليس لها أصل في الدين، بدع وخرافات، فساد إداري على جميع المستويات، خيانة ونفاق وعدم وفاء بالأمانة، أخلاق سيئة وعادات ذميمة، مجاهرة بالمعصية، إضاعة للصلوات، تدخين، وغيرها الكثير مما لا يحضرني الآن.
كل ما سبق يسمى ظلماً وسأترك لكم تصنيفها تحت الأقسام الثلاثة السابقة.ولكن دعوني أسأل: هل اتضحت الصورة أكثر؟ هل تبيّنت أسباب هذا الخراب الحاصل والهلاك الواقع على هذه الأمة؟ هل علمت أننا السبب الأول والرئيسي لما يحدث؟ ألم تتفكر في أسباب هلاك الأمم السابقة؟ {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمر51
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (117) هود
{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} (59) الكهف
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } القصص59
{وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ } الأنبياء11
{فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} الحج45
{إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } العنكبوت34

{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } الأنعام45
{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ }آل عمران11
هذه بعض الآيات والتي أعتقد أنها قد وفّت بالغرض، فكل ما نحن فيه وما نعيشه ونشكو منه ونعانيه، ما هو إلا صنع أيدينا، وما جنيناه على أنفسنا.ولكن بفضل الله فالحل أيضاً بأيدينا، يقول تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(96) الأعراف
"قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا) أي: آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات"[5]
وَاتَّقَوْا: أتعلم ما هي التقوى؟ أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. كيف؟ بإتباع أوامره واجتناب نواهيه. فتركك لأداء ما أمرك الله به يعرضك للعذاب، وارتكابك لما قد نهاك عنه يعرضك أيضاًَ لعذابه. فكيف تتقي الله؟ بأن تلتزمي أخيتي الفاضلة بحجابك الذي أمرك به رب العالمين، بأن تلتزم أخي الكريم بصلاتك في المسجد، وأن تبتعد عن أصدقاء السوء وعن التدخين، أن تتجنب معاكسة الفتيات ومحاولة التودد إليهن ومرافقتهن لأنك لا ترض بهذا لأهل بيتك، أن تقوم على مصالح الناس من وظيفتك، رافضاً أي رشوة قد تغطي عينيك ببريقها لتبرر فعلاً لا يرتضيه ضميرك. أن تصل رحمك، أن تجتهد في مجال عملك ودراستك، أن تحسني تربية أبناءك على نهج الكتاب والسنة لا على ما يريده المضللون المدّعون للانفتاح والتحرر، أن تتحلى بالأخلاق الإسلامية السمحة، وأن تعيد حساباتك وتراجع نفسك حينما تكون رأسك على وسادتك وضميرك يسترجع ما قد فعلت ويؤنبك على عملٍ حاربت الكل من أجله مدّعياً أنه الصواب ولكن شيئاً ما بداخلك يؤكد لك أنك مخطئ تماماً. أن تجاهد نفسك لأن ما ينتظرك في الآخرة أغلى وأثمن من أن تبيعه بدنيا فانية.
يقول تعالى:{وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ }هود، ويقول: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ }هود52
الحل في توبة صادقة واستغفار. هل تعلم أن توبتك تمحو ما سبقها؟ ليس هذا فقط، بل يبدل الله هذه الذنوب والخطايا بحسنات، يقول تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ
غَفُوراً رَّحِيماً}الفرقان70
ومهما عظمت ذنوبك فلا تقنط ولا تيأس لأن الله تعالى يقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الزمر53
فماذا ننتظر؟ صنعنا المشكلة بأيدينا، فلماذا لا نعزم على حلها الآن، لا تترد في القيام بما عليك ومراجعة نفسك وحساباتك، استعن بالله وتوكل عليه وابدأ بنفسك، فكلنا مسئول.
أسأل الله أن يجعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا صالحين مصلحين غير ضالين ولا مضلين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين

ايهان محمد
|| (أفنان) l|
سنبلة الخير .
{*زينب*}
simoahamed
جزاك الله خيرا شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية . موفق بإذن الله ...
الصفحات 1 2 

التالي

قنفوذ الجميل

السابق

فندق ابو ظبي

كلمات ذات علاقة
لماذا , محمد , أرجو , موقع , الله , الثالث , التي , الدنيا , السلام , الناس , النبي , الكريم , بجانب , بناء , دعونا , سيئة , شعوب , على , عليه , عليكم , ولكن , وبركاته , ورحمة , وسلم , نفسك