الرد على أصول الرافضة الجزاء الأول

مجتمع رجيم / عــــام الإسلاميات
بنتـي دنيتـي

جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد :

فهذا كتاب مختصر جمعته من هنا وهناك لأردَّ به على أصول الرافضة ، التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة ، وذلك لنشاطهم الحميم اليوم بنشر إفكهم بكل وسائل الإعلام ، وغالب المسلمين في غفلة مما يمكر هؤلاء المجرمون الأفاكون ليل نهار ، وكتبهم توزع بالمجان في كل مكان ، ومن لم يطَّلع على كيفية نشأة الإسلام ، وكيفية انتشاره قد ينفق عليه شيء من بهرجهم ، لأنهم عمدوا إلى أخصِّ خصائص هذا الدين فحرفوها :

فقد حرفوا معاني القرآن الكريم كما فعل اليهود والنصارى بكتبهم ، بل صرح كثير منهم بأن القرآن الذي بين أيدي الناس اليوم محرف !!!

وحرفوا السنة النبوية فلم يأخذوا إلا بما ورد عن بضعة صحابة مع كذبهم على الجميع ، فصارت السنة عندهم لا علاقة لها بالإسلام أصلا

وكذلك حرفوا مفهوم الإمامة عندما ادعوا النص على الأئمة ووجوب الإيمان بهم ، وادعوا العصمة لهم فصاروا أنبياء ورسل في حقيقة الأمر

وقام دينهم على التقية والكذب والمتعة

وهم مع كل عدو لهذه الأمة عبر تاريخها الطويل

وليس لهم عدو سوى أهل السنة والجماعة الذين يسمَّونَ عندهم زورا وبهتاناً(( بالنواصب ))

والناصبي عندهم نجس حلال الدم والمال

وهذا الكتاب قد تضمن الموضوعات التالية :

تهميد حول نشأة الشيعة وجذورها التاريخية…

ثم قسمته إلى أبواب متعددة وهي :

الباب الأول- الإمامة والولاية…

الباب الثاني- تحريف القرآن…

الباب الثالث- الطعن في الصحابة…

الباب الرابع- المهدي المنتظر…

الباب الخامس –تزييف دعوات التقريب…

الباب السادس- آل البيت عليهم السلام…

الباب السابع- الشيعة والسنة…

الباب الثامن - من عقائد الشيعة الباطلة…

الباب التاسع- الغلو في الأئمة…

الباب العاشر- الحسينيات…

قال تعالى :{ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) [التوبة/100] }

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين

جمعه ونسقه وفهرسه

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

في 24 ربيع الأول 1428 هـ الموافق 11/4/2007 م



***************

تهميد حول نشأة الشيعة وجذورها التاريخية
إن الشيعة بأصولها ومعتقداتها لم تولد فجأة، بل مرت بمراحل كثيرة ونشأت تدريجياً.. وانقسمت إلى فرق كثيرة. ولاشك أن التتبع التاريخي والفكري للمراحل والأطوار التي مر بها التشيع يحتاج إلى بحث مستقل، ولهذا سيكون الحديث هنا عن: أصل النشأة وجذورها التاريخية، ولا يعنينا تتبع مراحلها ونشوء فرقها.. وسنبدأ بعض رأي الشيعة من مصادرها المعتمدة عندها، ثم نذكر بعد ذلك آراء الآخرين.

فالمنهج العلمي والموضوعية توصي بأخذ آراء أصحاب الشأن فيما يخصهم أولاً.

رأي الشيعة في نشأة التشيع:

لم يكن لهم رأي موحد في هذا، ونستطيع أن نستخلص ثلاثة آراء في نشأة التشيع كلها جاءت في كتبهم المعتمدة، وسنتعقب كل رأي بالمناقشة والنقد.

الرأي الأول:

إن التشيع قديم ولد قبل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ما من نبي إلا وقد عرض عليه الإيمان بولاية علي.. وقد وضع الشيعة أساطير كثيرة لإثبات هذا الشأن، ومن ذلك ما جاء في الكافي عن أبي الحسن قال: "ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد - صلى الله عليه وآله -، ووصية عليّ عليه السلام" [الكليني/ أصول الكافي: 1/437.].

وعن أبي جعفر في قوله الله عز وجل: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه، آية: 115.] قال: "عهدنا إليه في محمد والأئمة من بعده فترك ولم يكن له عزم [وهذا التفسير بعيد عن الآية.. بل إلحاد في آيات الله. وقد جاء تفسير الآية عن السلف وغيرهم: "ولقد وصينا آدم وقلنا له: {إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ} فنسي ما عهد إليه في ذلك (أي ترك) ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس الذي حسده. قال قتادة : {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} أي صبراً". (تفسير الطبري: 16/220-222).]، وإنما سمي أولو العزم أولي العزم لأنه عهد إليهم في محمد والأوصياء من بعده، والمهدي وسيرته، وأجمع عزمهم على أن ذلك كذلك والإقرار به" [الكليني/ الكافي: 1/416، وانظر: ابن بابويه القمي/ علل الشرائع: ص 122، الكاشاني/ الصافي: 2/80، تفسير القمي: 2/65، هاشم البحراني/ المحجة ص: 635-636 ، المجلسي/ البحار: 11/35، 26/278، الصفار/ بصائر الدرجات: ص 21.].

وجاء في البحار: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - كما يزعمون -: يا علي، ما بعث الله نبياً إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعاً أو كارهاً [انظر: البحار: 11/60 ، البحراني/ المعالم الزلفى ص: 303 ، وهذه الرواية موجودة في بصائر الدرجات للصفار، وفي الاختصاص للمفيد.]. وفي رواية أخرى لهم عن أبي جعفر قال: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين بولاية علي [المعالم الزلفى ص: 303.].

وعن أبي عبد الله قال: ولايتنا ولاية الله لم يبعث نبي قط إلا بها [النوري الطبرسي/ مستدرك الوسائل: 2/195، المعالم الزلفى ص: 303.]. وعقد لذلك شيخهم البحراني باباً بعنوان: باب أن الأنبياء بعثوا على ولاية الأئمة [المعالم الزلفى ص: 303.]، وقالوا: ثبت أن جميع أنبياء الله ورسله وجميع المؤمنين كانوا لعلي بن أبي طالب مجيبين، وثبت أن المخالفين لهم كانوا له ولجميع أهل محبته مبغضين.. فلا يدخل الجنة إلا من أحبه من الأولين والآخرين فهو إذن قسيم الجنة والنار [الكاشاني/ تفسير الصافي: 1/16.].

وجاءت رواياتهم في هذا المعنى في كثير من كتبهم المعتمدة عندهم: في الكافي [الكليني/ أصول الكافي: 2/8.]، والوافي [الكاشاني/ الوافي: المجلد ج‍2 ص 155، ج‍3 ص 10.]، والبحار [المجلسي/ البحار: 35: 151، القمي/ سفينة البحار: 1/729.]، ومستدرك الوسائل [النوري/ مستدرك الوسائل : 2/195.]، والخصال [الصدوق/ الخصال: 1/270.]، وعلل الشرائع [الصدوق/ علل الشرائع ص: 122، 135، 136، 143، 144، 174.]، والفصول المهمة [الحر العاملي/ الفصول المهمة ص : 158.]، وتفسير فرات [تفسير فرات: ص 11، 13.]، والصافي [تفسير الصافي: 2/80.]، والبرهان [البحراني: 1/86.]، وغيرها كثير. حتى قال الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة - أحد مصادرهم المعتمدة في الحديث - بأن رواياتهم التي تقول: بأن الله حين خلق الخلق أخذ الميثاق على الأنبياء تزيد على ألف حديث [الفصول المهمة ص: 159.]

ولم تكتف مبالغات الشيعة بالقول بما سلف، بل قالت بأن: "الله عز اسمه عرض ولايتنا على السماوات والأرض والجبال والأمصار" [النوري/ مستدرك الوسائل: 2/195.]. ولهذا قال شيخهم هادي الطهراني - أحد آياتهم ومراجعهم في هذا العصر -: "تدل بعض الروايات على أن كل نبي أمر بالدعوة إلى ولاية علي - رضي الله عنه -، بل عرضت الولاية على جميع الأشياء فما قبل صلح، وما لم يقبل فسد"[هادي الطهراني/ ودايع النبوة ص: 155.].

نقد هذا الرأي:

هناك من الآراء والمعتقدات ما يكفي في بيان فسادها مجرد عرضها، وهذا الرأي من هذا الصنف، إذ إن فساده وبطلانه من الأمور المعلومة بالضرورة.. وكتاب الله بين أيدينا ليس فيه شيء من هذه المزاعم.

لقد كانت دعوة الرسل - عليهم السلام - إلى التوحيد لا إلى ولاية علي والأئمة - كما يفترون -.

قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء، آية: 25.]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل، آية : 36.]. فكل رسل الله وأنبيائه كانوا يدعون قومهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

فقد قال نوح، وهود، وصالح، وشعيب - عليهم السلام - لقومهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف، آية: 59، 65، 73، 85.].

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله..." [رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} (1/11)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله (1/51-52)، وغيرهما.].

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل..." [رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة، وما ذكر لفظ مسلم، انظر: صحيح البخاري كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة (2/108)، وصحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين (1/50-51).].

فلم يرد في السنة الصحيحة إلا ما ينقض هذا الرأي. كما أن "أئمة السلف متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان" [شرح الطحاوية ص: 75.].

فأين ما يزعمون من أمر ولاية عليّ؟

وإذا كانت ولاية عليّ مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، فلماذا ينفرد بنقلها الروافض، ولا يعلم بها أحد غيرهم؟ ولماذا لم يعلم بذلك أصحاب الديانات؟ بل لماذا لم تسجل هذه الولاية في القرآن وهو المهيمن على الكتب كلها، والمحفوظ من لدن رب العزة جل علاه؟!.

إن هي إلا دعوى بلا برهان، والدعاوى لا يعجز عن التنطع بها أحد إذا لم يكن له من دينه أو عقله أو حيائه ما يحميه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه كتب الأنبياء التي أخرج الناس ما فيها من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ليس في شيء منها ذكر عليّ.. وهؤلاء الذين أسلموا من أهل الكتاب لم يذكر أحد منهم أنه ذكر عليّ عندهم، فكيف يجوز أن يقال: إن كلاً من الأنبياء بعثوا بالإقرار بولاية علي، ولم يذكروا ذلك لأممهم، ولا نقله أحد منهم ؟!" [منهاج السنة: 4/64.].

وكيف تتطاول هذه الأساطير على الأنبياء فتزعم أن آدم - عليه السلام - وبقية الأنبياء - ما عدا أولي العزم - قد تركوا أمر الله في الولاية؟!، إن هذا إلا بهتان عظيم، فالولاية باطلة والافتراء على الأنبياء باطل.

ومن المفارقات العجيبة: ذلك الغلو الذي لا يقف عند حد في مسألة عصمة الأئمة.. وهذا الجفاء في حق صفوة الخلق وهم الأنبياء، أليس ذلك دليلاً على أن واضعي هذه الأساطير هم قوم قد فرغت عقولهم ونفوسهم من العلم والإيمان، وشحنت بالحقد والتآمر على المصلحين والأخيار، وأرادوا الدخول على الناس لإفساد أمرهم من طريق التشيع؟، بلى: إنه لا يتجرأ على مثل هذه الافتراءات إلا زنديق، وكأنهم بهذه المقالة يجعلون أتباع الأئمة أفضل من أنبياء الله – ما عدا أولي العزم – لأن الأتباع اتبعوا، والأنبياء تركوا، إن هذا لهو الضلال المبين..

لقد أخذ الله الميثاق على الأنبياء - عليهم السلام - لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، هكذا قال ابن عباس [انظر: تفسير الطبري: 6/557 وما بعدها (من الأجزاء المحققة).] وغيره. قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران، آية: 81.].

فكأن هؤلاء أرادوا - كعادتهم - أن يجعلوا ما للنبي صلى الله عليه وسلم هو من حلق عليّ، ثم إن الإيمان بتفصيل ما بعث به محمد لم يؤخذ عليهم، فكيف يؤخذ عليهم موالاة واحد من الصحابة دون غيره من المؤمنين ؟!.

وقد أجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأطاعه، ومات في حياته قبل أن يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً لم يضره ذلك شيئاً، ولم يمنعه من دخول الجنة. فإذا كان هذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يقال: إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة [انظر: منهاج السنة: 4/46.]؟!.

وأين عقول هؤلاء القوم الذين يصدقون بهذه الترهات! كيف يؤخذ على من قبلنا من الأنبياء وأممهم الميثاق على طاعة علي في إمامته "هذا – كما يقول شيخ الإسلام – كلام المجانين، فإن أولئك ماتوا قبل أن يخلق الله علياً فكيف يكون أميراً عليهم؟!، وغاية ما يمكن أن يكون أميراً على أهل زمانه، أما الإمارة على من خلق قبله، وعلى من يخلق بعده، فهذا من كذب من لا يعقل ما يقول، ولا يستحي مما يقول.. وهذا من جنس قول ابن عربي الطائي وأمثاله من ملاحدة المتصوفة الذين يقولون: إن الأنبياء كانوا يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء والذي وجد بعد محمد بنحو ستمائة سنة، فدعوى هؤلاء في الإمامة من جنس دعوى هؤلاء في الولاية، وكلاهما يبني أمره على الكذب والغلو والشرك والدعاوى الباطلة، ومناقضة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة" [منهاج السنة: 4/78.].

فما الغاية والهدف من هذه المقالة التي لا يخفى كذبها على أحد؟

هل الغاية صد الناس عن دين الله ؟!

لأن هذا معلوم بطلانه بداهة، فإذا رفعوا هذه الدعوى ونسبوها للإسلام، واطلع عليها أصحاب تلك الديانات وغيرهم، ورأوا بطلانها في العقل والنقل شكوا في الإسلام نفسه!!

ثم ماذا يقول أهل العلم والعقل عن هذا التحليل الغريب لفساد الأشياء أو صلاحها من الجمادات والنباتات والمياه... إلخ، وأن هذا بسبب موقفها من ولاية علي.

ماذا يقول العالم عن هذا..؟! هل هذا هو الدين الذي يريدون أن يقدموه للناس؟!

أو أن الهدف تشويه الإسلام والصد عنه!!

ولا يستغرب هذا الرأي من الشيعة، فهم أهل مبالغات غريبة، يكذبون بالحقائق الواضحات، والأخبار المتواترات، ويصدقون بما يشهد العقل والنقل بكذبه... وإذا كانوا يقولون بهذا الرأي فيمن يدعون إمامته، فإنهم أيضاً يقولون في أعداء الأئمة وأعداء الشيعة - في اعتقادهم - ما يقارب هذا الرأي فقد قالوا في الخليفتين الراشدين العظيمين: أبي بكر وعمر، قالوا - مثلاً -: "وقع في الخبر أن القائم - رضي الله عنه - إذا ظهر يحييهم ويلزمهم بكل ذنب وفساد وقع في الدنيا، حتى قَتْل قابيل وهابيل، ورَمْي إخوة يوسف له في الجب، ورمي إبراهيم في النار وسايرها"، وكذا روي عن الصادق: "أنه ما أزيل حجر من موضعه، ولا أريقت محجمة دم إلا وهو في أعناقهما - يعني الخليفة الأول والثاني-" [البحراني/ درة نجفيه ص: 37، وانظر: رجال الكشي ص: 205-206، وانظر: الأنوار النعمانية: 1/82.].

الرأي الثاني (من آراء الشيعة) :

ويزعم بعض الروافض في القديم والحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي وضع بذرة التشيع، وأن الشيعة ظهرت في عصره، وأن هناك بعض الصحابة الذين يتشيعون لعليّ، ويوالونه في زمنه صلى الله عليه وسلم.

يقول القمي: "فأول الفرق الشيعة، وهي فرقة علي بن أبي طالب المسمون شيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود الكندي، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمار بن ياسر المذحجي.. وهم أول من سمو باسم التشيع من هذه الأمة [المقالات والفرق ص: 15.]. ويشاركه في هذا الرأي النوبختي [فرق الشيعة ص: 17، وقد وَهِمَ الشيبي في نقله لرأي النوبختي، حيث نسب إليه أنه يقول بأن التشيع نشأ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم (انظر: الصلة بين التصوف والتشيع ص: 22).]، والرازي [انظر: الرازي (من شيوخ الإسماعيلية) الزينة ص: 205 (مخطوط).].

ويقول محمد حسين آل كاشف الغطا (المتوفى سنة 1373ه‍) : إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة –؛ يعني أن بذرة التشيع وضعت في بذرة الإسلام [لاحظ أن هذا اعتراف منه بأن بذرة التشيع غير بذرة الإسلام.] جنباً إلى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والري حتى نمت وازدهرت في حياته، ثم أثمرت بعد وفاته [أصل الشيعة: ص 43.]. وقال بهذا الرأي طائفة من الشيعة المعاصرين [انظر: محسن العاملي/ أعيان الشيعة: 1/13، 16، محمد جواد مغنية/ الاثنا عشرية وأهل البيت ص: 29، هاشم معروف/ تاريخ الفقه الجعفري ص: 105، الوابلي/ هوية التشيع ص: 27، الشيرازي/ هكذا الشيعة ص: 4، محمد الحسني/ في ظلال التشيع ص: 50-51، الزين/ الشيعة في التاريخ ص: 29، 30، المظفر/ تاريخ التشيع ص 18، الصدر/ بحث حول الولاية ص: 63، أحمد تفاحة/ أصول الدين: ص 18، 19.].

مناقشة هذا الرأي:

أولاً: يلاحظ أن أول من قال بهذا الرأي القمي في كتابه «المقالات والفرق» والنوبختي في كتابه "فرق الشيعة". وقد يكون من أهم الأسباب لنشوء هذا الرأي هو أن بعض علماء المسلمين أرجع التشيع في نشأته وجذوره إلى أصول أجنبية، وذلك لوجود ظواهر واضحة تثبت ذلك - سيأتي الحديث عنها [انظر: ص(101) من هذا الكتاب.] -. فبسبب ذلك قام الشيعة بمحاولة إعطاء التشيع صفة الشرعية، والرد على دعوى خصومهم برد التشيع إلى أصل أجنبي، فادعوا هذه الدعوى، وحاولوا تأييدها وإثباتها بكل وسيلة؛ فوضعوا روايات كثيرة في ذلك [في كتب الموضوعات عند أهل السنة روايات كثيرة من وضع الروافض في هذا الباب (انظر -مثلاً -: الموضوعات لابن الجوزي: 1/338 وما بعدها، الشوكاني/ الفوائد المجموعة ص 342 وما بعدها، الكتاني/ تنزيه الشريعة: 1/351 وما بعدها، ولهم وسائل الطرق ومسالك في الاستدلال والاحتجاج على أهل السنة كتبت عنها في رسالتي: فكرة التقريب ص: 51 وما بعدها.]، ونسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنها رويت من طرق أهل السنة، وهي روايات "لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة" [ابن خلدون/ المقدمة: 2/527، تحقيق د. علي عبد الواحد وافي.].

ثانياً: إن هذا الرأي لا أصل له في الكتاب والسنة، وليس له سند تاريخي ثابت، بل هو رأي يجافي أصول الإسلام وينافي الحقائق الثابتة، فقد جاء الإسلام لجمع هذه الأمة على كلمة سواء، لا ليفرقها شيعاً وأحزاباً، ولم يكن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيعة ولا سنة، والله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران، آية: 19.] لا التشيع ولا غيره، وهم يعترفون في قولهم: "إن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب..." إن التشيع غير الإسلام. والله يقول: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران، آية: 85.].

ومن الحقائق التاريخية المتواترة والتي تكشف خطأ هذا الرأي ومجانبته للحقيقة أنه لم يكن للشيعة وجود زمن أبي بكر وعمر وعثمان [يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ففي خلافة أبي بكر وعمر لم يكن أحد يسمى من الشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد». (منهاج السنة: 2/64 تحقيق د. محمد رشاد سالم).]. وقد اضطر بعض شيوخ الشيعة للإذعان لهذه الحقيقة وهم الذين مردوا على إنكار الحقائق المتواترات.

يقول آيتهم ومجتهدهم الأكبر في زمنه محمد حسين آل كاشف الغطاء: "... ولم يكن للشيعة والتشيع يومئذ (في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما) مجال للظهور؛ لأن الإسلام كان يجري على مناهجه القويمة..." [أصل الشيعة: ص 48.]. وبمثل هذا اعتراف شيخهم الآخر محمد حسين العاملي، فقال: "إن لفظ الشيعة قد أهمل بعد أن تمت الخلافة لأبي بكر، وصار المسلمون فرقة واحدة إلى أواخر أيام الخليفة الثالث" [الشيعة في التاريخ ص: 39-40.].

ونحن نقول: إنه أهمل لأنه لم يوجد أصلاً، إذ كيف يهمل، ولا يظهر، والحكومة كافرة في نظركم، كما هو متواتر في كتبكم - كما سيأتي نقله وبيانه - وهل كان المسلمون شيعاً في عهد الرسول... وفرقة واحدة في عهد الخلفاء الثلاثة؟!

ثالثاً: زعموا أن الشيعة كانت تتألف من عمار، وأبي ذر، والمقداد، فهل قال هؤلاء بعقيدة من عقائد الشيعة من دعوة النص، وتكفير الشيخين: أبي بكر وعمر وأكثر الصحابة، أو أظهروا البراءة والسب لهم أو كراهيتهم..؟ كلا، لم يوجد شيء من ذلك.. وكل ما قاله الشيعة من دعاوى في هذا وملأوا به المجلدات لا يعدو أن يكون وهماً من الأوهام نسجته خيالات الحاقدين والأعداء [كقولهم: "إن الزبير والمقداد وسلمان حلقوا رؤوسهم ليقاتلوا أبا بكر.." (رجال الكشي رقم 210 ص: 133). وأخبارهم في هذا تملأ مجلدات.. ويلاحظ في الرواية السابقة: أنهم ذكروا الزبير، والزبير كان ممن حارب علياً فيما بعد، ونسوا ذكر أبي ذر، وعمار، وآل البيت.].

قال ابن المرتضى (وهو شعي زيدي) : "فإن زعموا أن عماراً، وأبا ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي كانوا سلفهم؛ لقولهم بإمامة علي – عليه السلام – أكذبهم كون هؤلاء لم يظهروا البراءة من الشيخين ولا السب لهم، ألا ترى أن عماراً كان عاملاً لعمر بن الخطاب في الكوفة [انظر: ابن الأثير/ أسد الغابة: 4/64، ابن حجر/ الإصابة: 2/506، ابن عبد البر/ الاستيعاب: 2/473.]، وسلمان الفارسي في المدائن" [طبقات ابن سعد: 4/87.] [المنية والأمل ص: 124، 125.]. وهذه الحقائق التاريخية الثابتة تنسف كل ما شيده الشيعة من دعاوى في هذا عبر القرون.

رابعاً: يرى الشيخ موسى جار الله أن هذه المقالة من الشيعة مغالطة فاحشة خرجت من حدود كل أدب، وأنها افتراء على النبي صلى الله عليه وسلم ولعب بالكلمات، ويتعجب من قولهم: "إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة"، فيقول: "أي حبة بَذَرَ النبي حتى أنبتت سنابل اللعن والتكفير للصحابة وخير الأمة، وسنابل الاعتقاد بأن القرآن محرف بأيدي منافقي الصحابة، وأن وفاق الأمة ضلال، وأن الرشاد في خلافها، حتى توارت العقيدة الحقة في لجّ من ضلال الشيعة جم" [الوشيعة ص: مه.].

الرأي الثالث:

يجعل تاريخ ظهور الشيعة يوم الجمل. قال ابن النديم [محمد بن إسحاق بن محمد بن أبي يعقوب النديم ، كان معتزلياً متشيعاً. من تصانيفه: الفهرست، توفي سنة (438ه‍).

(لسان الميزان: 5/72).]: إن علياً قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل اسمه، فسمى من اتبعه على ذلك الشيعة، فكان يقول: شيعتي، وسماهم - عليه السلام - الأصفياء الأولياء، شرطة الخميس، الأصحاب [ابن النديم/ الفهرست ص: 175.].

هذا رأي انفرد به ابن النديم - حسب علمي - وهو فيما يبدو ويشير إلى تاريخ ظهور الشيعة بمعنى الأنصار والأتباع، وتاريخ إطلاق لقب الشيعة على أنصار علي - رضي الله عنه - وأن علياً - عليه السلام - هو الذي لقبهم بذلك حيث يقول: "شيعتي".

ولاشك أن هذا القول لا يدل على بداية الأصول الفكرية للتشيع، فهو يعني هنا المعنى اللغوي للشيعة وهو الأنصار، ولهذا استخدم أيضاً ألقاباً أخرى تدل على ذلك كالأصحاب والأولياء، كما أن الوثائق التاريخية - كما سلف - أثبتت أن لقب "شيعتي" والشيعة كما استعمله علي - رضي الله عنه - قد استعمله معاوية - رضي الله عنه -.

ويصف د. مصطفى كامل الشيبي - شيعي معاصر - رأي ابن النديم هذا بالغربة، حيث جعل التشيع لقباً أطلقه عليّ بنفسه على أصحابه [الصلة بين التصوف والتشيع ص: 18.].. وما أدري ما وجه الغرابة، في أن يدعو علي أنصاره بقوله: "شيعتي".

أما د. النشار فيرى في كلام ابن النديم بعض الغلو [نشأة الفكر الفلسفي: 2/32.] ولا يذكر النشار وجه الغلو الذي يصف به كلام ابن النديم.

يتبع

بنتـي دنيتـي
آراء غير الشيعة في نشأة التشيع:

القول الأول:

إن التشيع ظهر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث وجد من يرى أن أحقية علي - رضي الله عنه - بالإمامة. وهذا الرأي قال به طائفة من القدامى والمعاصرين، منهم العلامة ابن خلدون، وأحمد أمين، وبعض المستشرقين، وهذا القول منهم مبني على ما نقله البعض من وجود رأي يقول بأحقية قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلافة بعده.

يقول ابن خلدون: "اعلم أن مبدأ هذه الدولة - يعني دولة الشيعة - أن أهل البيت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون أنهم أحق بالأمر، وأن الخلافة لرجالهم دون من سواهم" [العبر: 3/107-171.].

ويقول أحمد أمين: "كانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه" [فجر الإسلام ص: 266، وانظر: ضحى الإسلام: 3/209، وقال د. علي الخربوطلي: "ونحن نرى أن التشيع بدأ بعد أن آلت الخلافة إلى أبي بكر دون علي بن أبي طالب" (الإسلام والخلافة ص: 62). كما يقول بهذا الرأي محمد عبد الله عنان (انظر: تاريخ الجمعيات السرية ص: 13).]. كما قال بمثل ذلك بعض المستشرقين [انظر: دائرة المعارف الإسلامية: 14/58.].

مناقشة هذا الرأي:

وهذا الرأي يستند القائلون به إلى الرأي القائل بأحقية القرابة بالإمامة. ولا شك أنه إذا وجد من يرى أحقية عليّ بالإمامة، وأن الإمامة ينبغي أن تكون في القرابة، فقد وجد رأي يقول باستخلاف سعد بن عبادة، وأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأنصار، وهذا لا دلالة فيه على ميلاد حزب معين، أو فرقة معينة، وتعدد الآراء أمر طبيعي، وهو من مقتضيات نظام الشورى في الإسلام، فهم في مجلس واحد تعددت آراؤهم "وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يعد نزاعاً" [ابن تيمية/ منهاج السنة: 1/36.]، "وقد اندرجوا تحت الطاعة عن بكرة أبيهم لأبي بكر - رضي الله عنه - وكان علي - رضي الله عنه - سامعاً لأمره، وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد، ونهض إلى غزو بني حنيفة" [الجويني/ الإرشاد ص: 428.] "وكانوا - على حال ألفة، واجتماع كلمة - يبذلون في طاعة أئمتهم مهج أنفسهم، وكرائم أموالهم على السبيل التي كانوا عليها مع نبيهم.." [الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص: 15.].

ولو كان هذا الرأي القائل بأحقية القرابة بالإمامة يمثل البذرة والنواة للتشيع لكان له ظهور وودود زمن أبي بكر وعمر، ولكنه رأي إن ثبت فهو كسائر الآراء التي أثيرت في اجتماع السقيفة، ما إن وجد حتى اختفى بعد أن تمت البيعة.. واجتمعت الكلمة.. واتفق الرأي من الجميع. وموقف أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - ينفي استمرار مثل هذه الآراء أو بقائها بين الصحابة، فقد تواتر عنه - رضي الله عنه، من وجوه كثيرة - أنه قال على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" [قال ابن تيمية: "روي عن علي من نحو ثمانين وجهاً وأكثر أنه قال على منبر الكوفة هذا القول - كما مر - وقد ثبت في صحيح البخاري من رواية رجال همدان خاصة التي يقول فيها علي: لو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان: ادخلي بسلام، من رواية سفيان الثوري عن منذر الثوري وكلاهما من همدان، قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان ، حدثنا جامع بن أبي راشد، حدثنا أبو يعلى عن محمد بن الحنفية قال: "قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟" قال: أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين". (صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر ج‍ص20).

قال ابن تيمية: وهذا يقوله لابنه الذي لا يتقيه.. (الفتاوى: 4/407-408، منهاج السنة: 4/137-138).]. فكيف يرى غيره من الصحابة فيه ما لم يره في نفسه؟!

والشيعة ليس لها ذكر أو وجود في عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، فكيف يقال بنشأتها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم [وما ذكره بعضهم من ظهور جماعة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ترى أحقية علي بالإمامة.. ليس له أصل تاريخي ثابت، ويبدو أن عمدته رواية اليعقوبي في تاريخه والتي تقول: بأن جماعة منهم سلمان وأبو ذر وعمار والمقداد تخلفوا عن بيعة أبي بكر ومالوا إلى علي. ( تاريخ اليعقوبي: 2/124). وروايات اليعقوبي، ومثله المسعودي يجب الاحتزازوالحذر منهما - لجنوحهما للرفض - ولاسيما فيما يوافق ميولهما المذهبية، وفيما ينفردان به من نقول. يقول القاضي أبو بكر بن العربي: "لا تسمعوا لمؤرخ كلاماً إلا للطبري، وغير ذلك هو الموت الأحمر والداء الأكبر". وقال في المسعودي المؤرخ: "إنه مبتدع محتال". (العواصم من القواصم ص: 248-249).

وأيضاً لأن الطبري يروي بالسند فيسهل فحص رواياته والتحقق منها.]؟! وقد أقر بهذه الحقيقة بعض شيوخ الشيعة كما سلف [انظر: ص: ( 166).].

القول الثاني:

أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان - رضي الله عنه، يقول ابن حزم: "ثم ولي عثمان، وبقي اثني عشر عاماً، وبموته حصل الاختلاف، وابتدأ أمر الروافض" [الفصل: 2/8، وبمثل قول ابن حزم هذا قال طائفة من العلماء والباحثين مثل: الشيخ عثمان بن عبد الله الحنفي صاحب الفرق المتفرقة بين أهل الزيغ والزندقة (انظر: الفرق المفترقة ص :6) ومثل المستشرق: فلهوزن (انظر: الخوارج والشيعة ص: 112).]. والذي بدأ غرس بذرة التشيع هو عبد الله بن سبأ اليهودي [عبد الله بن سبأ رأس الطائفة السبئية وكانت تقول بألوهية علي، كما تقول برجعته وتطعن في الصحابة... أصله من اليمن وكان يهودياً يتظاهر بالإسلام، رحل لنشر فتنته إلى الحجاز فالبصرة فالكوفة، ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر وجهر ببدعته. قال ابن حجر: "عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل، أحسب أن علياً حرقة بالنار" اه‍. وقد تكاثر ذكر أخبار فتنته وشذوذه وسعيه في التآمر هو وطائفته في كتب الفرق والرجال والتاريخ وغيرها من مصادر السنة والشيعة جميعاً.

انظر في ذلك: الملطي/ التنبيه والرد ص: 18، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/86، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص 233، الشهرستاني/ الملل والنحل: 1/174، الإسفراييني/ التبصير في الدين ص: 71-72، الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين ص: 86، ابن المرتضى/ المنية والأمل ص: 29، ابن حجر/ لسان الميزان: 3/289، ابن عساكر/ تهذيب تاريخ دمشق: 7/431، السمعاني/ الأنساب: 7/46، ابن الأثير/ اللباب: 1/527، المقدسي/ البدء والتاريخ: 5/129، تاريخ الطبري: 4/340، ابن الأثير/ الكامل: 3/77، ابن كثير/ البداية والنهاية: 7/167، ابن خلدون/ العبر: 2/160،161، الطبري/ تبصير أولي النهى الورقة (14) (مخطوط).

ومن مصادر الشيعة: الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص 22-23، القمي/ المقالات والفرق ص: 20، النوبختي/ فرق الشيعة ص: 22، وأورد الكشي عدة روايات في ابن سبأ (رجال الكشي، انظر الروايات رقم: 170-171، 172، 173، 174، من ص 106-108)، ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة: 2/308.]، والذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان، وأكد طائفة من الباحثين القدماء والمعاصرين على أن ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه [انظر - مثلاً - : ابن تيمية الذي يعتبر ابن سبأ أول من أحدث القول بالعصمة لعلي، وبالنص عليه في الخلافة، وأنه أراد إفساد دين الإسلام، كما أفسد بولس دين النصارى (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية/ جمع عبد الرحمن بن قاسم: 4/518). وكذا ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل ص: 125، ومن المعاصرين - مثلاً - أبو زهرة الذي ذكر أن عبد الله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي، وأنه وصي محمد، ودعا إلى ذلك.

وذكر أبو زرهة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي (انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية: 1/31-33)، وسعيد الأفغاني الذي يرى أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية (تلمودية) غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل لحساب دولة الروم (انظر: عائشة والسياسة ص: 60)، وانظر: القصيمي في الصراع: 1/41.]. وقد تواتر ذكره في كتب السنة والشيعة على حد سواء.

ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مبرر واقعي، أو دليل قاطع [وهو: مرتضى العسكري في كتابه "عبد الله بن سبأ.." ص: 35 وما بعدها.]، بل ادعى البعض منهم أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر [وهو: علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) ص: 274، وقلده في هذا الشيعي الآخر: مصطفى الشيبي في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) ص: 40-41، ويرى الأستاذ علي البصري أن الوردي هذا مقلد للأستاذ هدايت الحكيم الهلي أستاذ بجامعة لندن في تلك الآراء والذي نشرها في كتابه: "تخس إمام" أي: الإمام الأول. وأن الوردي قام بنشر ترجمتها تقريباً في كتابه "وعاظ السلاطين".

(انظر: مجلة الثقافة الإسلامية/ بغداد/ العدد (11)، السنة الأولى، مقال علي البصري بعنوان "من طلاب الشهرة علي الوردي").]. وهذه الدعوى هي محاولة أو حيلة لتبرئة يهود من التآمر على المسلمين.. كما هي محاولة أو حيلة لإضفاء صفة الشرعية على الرفض.. والرد على دعوى خصومهم برد أصل التشيع إلى أصل يهودي.

وقد اتفق القدماء من أهل السنة والشيعة على السواء على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعية، وشخصية تاريخية، فكيف ينفى ما أجمع عليه الفريقان؟! أما القول بأن ابن سبأ هو عامر بن ياسر فهو قول يرده العقل والنقل والتاريخ، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر، وهل هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟!.

ولست بحاجة إلى دراسة هذه المسألة فقد خرجت دراسات موضوعية ومستوفية لهذه القضية [من أبرز هذه الدراسات وأهمها: رسالة "عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة" للدكتور/ سليمان العودة، وقد توفرت لديه أدلة قاطعة على وجود ابن سبأ وسعيه في الفتنة. وهذه دراسة جادة ومستوفية وقد ناقش المشككين والمنكرين والقائلين أن ابن سبأ هو عمار بن ياسر، وأثبت زيف هذه الأقوال بالحجة والبرهان.

وكذلك د. عمار الطالبي أثبت بطلان هذه الأقوال في كتابه: "آراء الخوارج" ص: 74 –81. وللدكتور عزت عطية مناقشة لهؤلاء وتزييف لأقوالهم في كتابه "البدعة" ص: 64 وما بعدها. وقدم الدكتور سعدي الهاشمي محاضرة قيمة في هذا الموضوع أثبت فيها وجود ابن سبأ بالأدلة من الفريقين (انظر: محاضرات الجامعة الإسلامية عام 1398-1399ه‍: "ابن سبأ حقيقة لا خيال" ص: 201-223).]، فلا حاجة للوقف عندها طويلاً.. ويكفي – هنا – الاستشهاد بما جاء في كتب الشيعة المعتمدة عن ابن سبأ تمشياً – أولاً – مع خطة البحث في الاعتماد على أصولهم، وثانياً: لأن الإنكار لوجود ابن سبأ جاء من جهة الشيعة، فالاحتجاج عليهم من كتبهم المعتمدة يسقط دعواهم من أساسها. وثالثاً: لأن في عرض آراء ابن سبأ من كتب الشيعة تصويراً لأهل الشيعة وجذورها من كلام الشيعة أنفسهم، وهو موضوع هذا البحث.

فماذا تقول كتب الشيعة عن ابن سبأ؟.. فالشيعي سعد بن عبد الله القمي شيخ الطائفة وفقيهها ووجهها، كما ينعته النجاشي [رجال النجاشي ص: 126.] (المتوفى سنة 229-301) يقر بوجود ابن سبأ، ويذكر أسماء بعض أصحابه الذين تآمروا معه، ويلقب فرقته بالسبئية، ويرى أنها أول فرقة في الإسلام قالت بالغلو، ويعتبر ابن سبأ "أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وادعى أن علياً – رضي الله عنه – أمره بذلك"، ويذكر القمي أن علياً بلغه ذلك فأمر بقتله ثم ترك ذلك واكتفى بنفيه إلى المدائن [المقالات والفرق ص: 20.].

كما ينقل عن جماعة من أهل العلم - كما يصفهم -: "أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي بمثل ذلك، وهو أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب وأظهر البراءة من أعدائه.. وأكفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية [المقالات والفرق ص: 20.]. ثم يذكر القمي موقف ابن سبأ حينما بلغه نعي علي حيث ادعى أنه لم يمت وقال برجعته، وغلا فيه [المقالات والفرق ص: 21.].

هذا ما يقوله القمي عن ابن سبأ، والقمي عند الشيعة ثقة واسع المعرفة بالأخبار [انظر: الطوسي/ الفهرست ص: 105، الأردبيلي / جامع الرواة : 1/352.]، ومعلوماته - عندهم - مهمة نظراً لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعداً القمي كما روى شيخهم الملقب عندهم بالصدوق قد لاقى في إمامهم المعصوم - في نظرهم - الحسن العسكري وسمع منه [انظر: ابن بابويه القمي/ إكمال الدين ص: 425-453.]. ونجد شيخهم الآخر النوبختي يتحدث عن ابن سبأ ويتفق فيما يقوله عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها [انظر: فرق الشيعة للنوبختي ص: 22-23.]، والنوبختي ثقة معتمد عندهم [انظر: الطوسي/ الفهرست ص: 75، الأردبيلي/ جامع الرواة : 1/228، عباس القمي/ الكنى والألقاب: 1/148، الحائري/ متقبس الأثر: 16/125.]. وعالمهم الكشي [وهو عندهم "ثقة بصير بالأخبار والرجال" (الطوسي/ الفهرست: 171).] يروي ست روايات في ذكر ابن سبأ [رجال الكشي ص: 106-108، 305.] وذلك في كتابه المعروف "برجال الكشي" والذي هو من أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال، وتشير تلك الروايات إلى أن ابن سبأ ادعى النبوة وأنه زعم أن أمير المؤمنين هو الله - تعالى الله وتقدس - وأن علياً استتابه فلم يتب، فأحرقه بالنار، كما ينقل الكشي لعن الأئمة لعبد الله ابن سبأ، وأنه كان يكذب على علي، كقول علي بن الحسين: "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله، كان علي - رضي الله عنه - والله عبداً لله صالحاً أخو رسول الله ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته" [المصدر السابق: ص: 108.].

ثم قال الكشي بعد ذكر تلك الروايات: "ذكر أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي - رضي الله عنه - مثل ذلك، وكان أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية" [المصدر السابق ص : 108-109.]. هذه مقالة الكشي وهي تتفق مع كلام القمي والنوبختي وكلهم يوثقون قولهم هذا بنسبته إلى أهل العلم.

ثم إن هذه الروايات الست كلها جاءت في رجال الكشي، والذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي شيخ الطائفة عندهم بتهذيب الكتاب، فصار عندهم أكثر ثقة وتحقيقاً حيث اجتمع في تأليفه الكشي الذي هو عندهم ثقة، بصير بالأخبار وبالرجال مع الطوسي وهو صاحب كتابين من صحاحهم الأربعة، ومؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعول عليها في علم الرجال عندهم [وما نقلناه عن الكشي هو من تذهيب الطوسي واختياره؛ لأن الأصل – كما يقولون – مفقود لا يعرف له أثر. (انظر: مقدمة رجال الكشي ص 17-18، يوسف البحراني/ لؤلؤة البحرين ص: 403).].

ثم إن كثيراً من كتب الرجال الأخرى عندهم جاءت على ذكر ابن سبأ [لعل أقدم مصدر عند الشيعة تحدث عن ابن سبأ والسبئية وهو كتاب: مسائل الإمامة ص: 22-23 لعبد الله الناشئ الأكبر (المتوفى سنة 293ه‍).

(راجع ترجمته في وفيات الأعيان: 3/91-92، أنباء الرواة: 2/128-129).

ومن كتبهم في الرجال التي جاءت على ذكر ابن سبأ: المازندراني/ منتهى المقال (غير مرقم الصفحات)، الاستراباذي/ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال ص: 203-204، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/485، ابن داود الحلي/ الرجال: 2/71، التستري/ قاموس الرجال: 5/461 وما بعدها، رجال الطوسي ص: 51.

ومن كتبهم في الحديث والفقه التي جاء فيها ذكر ابن سبأ: ابن بابويه القمي/ من لا يحضره الفقيه: 1/213، الخصال ص: 628، الطوسي، تهذيب الأحكام: 2/322، المجلسي/ بحار الأنوار: 25/286 وما بعدها.]، كما جاء ذكر ابن سبأ في أهم وأوسع كتبهم الرجالية المعاصرة وهو تنقيح المقال [تنقيح المقال: 2/183.] لشيخهم عبد الله الممقاني [انظر: الأعلمي/ مقتبس الأثر: 21/230.] (المتوفى سنة 1351ه‍).

ولهذا يلحظ أن ثمة اتجاهاً أخيراً لدى بعض شيوخ الشيعة المعاصرين إلى العدول عن إنكاره، يقول - مثلاً - محمد حسين الزين: "وعلى كل حال فإن الرجل - أي: ابن سبأ - كان في عالم الوجود، وأظهر الغلو، وإن شك بعضهم في وجوده وجعله شخصاً خيالياً.. أما نحن - بحسب الاستقراء الأخير - فلا نشك بوجوده وغلوه" [الشيعة في التاريخ ص: 213.].

ذلك أن إنكار وجود ابن سبأ هو تكذيب منهم - وإن لم يصرحوا - لشيوخهم الذين ذكروا ابن سبأ، ولكتبهم في الرجال التي تكاثر فيها ذكره، وهو اعتراف منهم - وإن لم يشعروا - أن كتب الرجال لديهم ليست مرجعاً يوثق به وإجماعها لا يعتد به.

وهكذا تعترف كتب الشيعة بأن ابن سبأ هو أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة.. وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي، وذلك حينما صيغت هذه الآراء وغيرها على شكل روايات وأحاديث ونسبت لآل البيت زوراً وبهتاناً، فوجدت القبول لدى كثير من العوام وغيرهم ولا سيما العجم.

القول الثالث:

ويقول بأن منشأ التشيع كان سنة 37ه‍، ومن أشهر القائلين بهذا الرأي صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية حيث يقول: "إن ظهور اسم الشيعة كان عام 37ه‍" [مختصر التحفة ص : 5.]. كما يقول بهذا الرأي الأستاذ وات منتوجمري (Montgomery Watt) حيث يذكر "أن بداية حركة الشيعة هي أحد أيام سنة 658م (37ه‍)" [Montgomery Watt, Islam and the Integration of Society p,104.]. ويبدو أن هذا القول يربط نشأة التشيع بة صفين، حيث وقعت سنة 37ه‍بين الإمام علي ومعاوية - رضي الله عنهما - وما صاحبها من أحداث، وما أعقبها من آثار، ولكن هذا الرأي لا يعني بداية الأصول الشيعية؛ حيث إننا لا نجد في أحداث هذه السنة فيما نقله المؤرخون من نادى بالوصية، أو قال بالرجعة، أو دعا إلى أصل من أصول الشيعة المعروفة، كما أن أنصار الإمام علي لا يمكن أن يقال بأنهم على مذهب الشيعة، أو أصل من أصول الشيعة، وإن كان في أصحاب الإمام علي كما في أصحاب معاوية من أعداء الإسلام الذين تظاهروا بالإسلام ليكيدوا له بالباطن ما لا ينكر، وقد كان للسبئيين أثر في إشعال الفتنة لا يجحد، وهم وجدوا قبل ذلك، كما أننا نلحظ أنه بعد حادثة التحكيم وفي بنود التحكيم أطلق لفظ الشيعة على الجانبين بلا تخصيص – كما سبق – [انظر: (ص 38).].

القول الرابع:

بأن التشيع ولد إثر مثل الحسين. يقول شتروتمان [رودلف شتروتمان من المستشرقين المتخصصين في الفرق ومذاهبها، وله عنها مباحث. من آثاره: الزيدية، وأربعة كتب إسماعيلية.

(انظر: نجيب العقيقي/ المستشرقون: 2/788).] (Strotnmann, R) "إن دم الحسين يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة" [دائرة المعارف الإسلامية: 14/59.].

الرأي المختار:

عرضنا فيما سبق معظم الآراء في نشأة التشيع، وناقشنا ما يحتاج إلى مناقشة.. والذي أرى أن الشيعة كفكر وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طوراً زمنياً، ومرت بمراحل.. ولكن طلائع العقيدة الشيعية وأصل أصولها ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأن علياً وصي محمد - كما مر - وهذه عقيدة النص على علي بالإمامة، وهي أساس التشيع كما يراه شيوخ الشيعة كما أسلفنا ذكره في تعريف الشيعة. وشهدت كتب الشيعة بأن ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرحامه وخلفائه وأقرب الناس إليه - رضي الله عنهم - والطعن في الصحابة الآخرين، وهذه عقيدة الشيعة في الصحابة كما هي مسجلة في كتبهم المعتمدة. كما أن ابن سبأ قال برجعة علي [انظر: القمي/ المقالات والفرق ص: 21، النوبختي/ فرق الشيعة ص: 23، الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص: 22-23، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/86، الملطي/ التبيه والرد ص: 18، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: 237، الإسفراييني/ التبصير في الدين ص: 72، الرازي/ محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص: 242، الإبجي / المواقف ص: 419.] والرجعة من أصول الشيعة كما سيأتي. كما أن ابن سبأ قال بتخصيص علي وأهل البيت بعلوم سرية خاصة. كما أشار إلى ذلك الحسن بن محمد بن الحنفية [قال ابن حجر: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، أبو محمد المدني ، وأبوه يعرف بابن الحنفية. له رسالة في الإرجاء أخرجها محمد بن يحيى العدني في كتاب الإيمان. انظر تهذيب التهذيب: 2/32.] ( ت 95 أو 100ه‍) في رسالة الإرجاء [رسالة الإرجاء (ضمن كتاب الإيمان، لمحمد بن يحيى العدني ص 249-250).].

وهذه المسألة أصبحت من أصول الاعتقاد عند الشيعة، وقد ثبت في صحيح البخاري ما يدل على أن هذه العقيدة ظهرت في وقت مبكر، وأن علياً - رضي الله عنه - سئل عنها، وقيل له: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ومما ليس عند الناس؟، فنفى ذلك نفياً قاطعاً [وقد أخرج الإمام البخاري هذا الحديث في باب كتابة العلم (البخاري مع الفتح: 1/204) وباب حرم المدينة (البخاري مع الفتح 4/81) وباب فكاك الأسير (6/167)، وباب ذمة المسلمين وجوارهم (6/273) وباب إثم من عاهد ثم غدر (6/279-280) وباب إثم من تبرأ من مواليه (12/41-42) وباب العاقلة (12/246) وباب لا يقتل مسلم بكافر (12/260)، وباب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو (13/275-276). وأخرجه مسلم في باب فضل المدينة وبيان تحريمها (مسلم مع النووي: 9/143-144) وكتاب الذبائح (مسلم مع النووي 13/141). وأخرجه النسائي (المجتبى: 8/19). والترمذي (4/668). وأحمد (المسند: 1/100).].

هذه أهم الأصول التي تدين بها الشيعة [مما ينبغي أن يلحظ أن ربط نشأة التشيع بابن سبأ هو في التشيع المتضمن لهذه الأصول الغالية، أما "التشيع المتوسط والذي مضمونه تفضيل علي وتقديمه على غيره ونحو ذلك فلم يكن هذا من إحداث الزنادقة، بخلاف دعوى النص والعصمة فإن الذي ابتدع ذلك كان منافقاً زنديقاً".

(ابن تيمية/ مجموعة الفتاوى: 20/466) وهو ابن سبأ وعصابته من اليهود والمنافقين والحاقدين والموتورين.]، وقد وجدت إثر مقتل عثمان – رضي الله عنه – في عهد علي – رضي الله عنه – ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معنية معروفة، بل إن السبئية ما كادت تطل برأسها حتى حاربها علي – رضي الله عنه – [فقد أمر بإحراق أولئك الذين ادعوا فيه الألوهية. (انظر: ابن تيمية/ منهاج السنة: 1/219 تحقيق د. محمد رشاد سالم، فتح الباري: 2/270، الملطي/ التنبيه والرد ص: 18، الإسفراييني/ التبصير في الدين: ص 70). وأما السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر فإن علياً لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل: إنه أراد قتله، فهرب منه. وأما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر فروي أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري". (منهاج السنة: 1/219-220).]، ولكن ما تلا ذلك من أحداث هيأ جواً صالحاً لظهور هذه العقائد، وتمثلها في جماعة وذلك كمعركة صفين، وحادثة التحكيم التي أعقبتها، ومقتل علي، ومقتل الحسين.. كل هذه الأحداث دفعت القلوب والعواطف إلى التشيع لآل البيت، فتسلل الفكر الوافد من نافذة التشيع لعلي وآل بيته، وصار التشيع وسيلة لكل من أراد هدم الإسلام من ملحد ومنافق وطاغوت، ودخلت إلى المسلمين أفكار ومعتقدات أجنبية اكتست بثوب التشيع وتيسر دخولها تحت غطائه، وبمرور الأيام كانت تتسع البدعة ويتعاظم خطرها، حيث قد وجد لابن سبأ خلفاء كثيرون.

ولم يكن استعمال لقب "الشيعة" في عهد علي - رضي الله عنه - إلا بمعنى الموالاة والنصرة، ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة اليوم.. ولم يكن يختص إطلاق هذا اللقب بعلي - رضي الله عنه - يدل على ذلك ما جاء في صحيفة التحكيم من إطلاق اسم الشيعة على كل من أتباع علي وأتباع معاوية كما سلف [انظر ص: ( 38).].

فإذن كانت الأحداث التي جرت على آل البيت (مقتل علي، مقتل الحسين، إلخ) هي من العوامل المؤثرة للاندفاع إلى التشيع لآل البيت، وكان التعاطف والتأثر لما حل بالآل هو شعور كل مسلم، ولكن قد استغل هذا الأمر من قبل الأعداء الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر فدخلوا من هذا المنفذ، وأشاعوا الفرقة في صفوف الأمة، وحققوا بالكيد والحيلة ماعجزوا عنه بالسلاح والسنان، ودخل أتباع الديانات الأخرى، والمتآمرون، والمتربصون في التشيع، وبدأوا يضعون أصولاً مستوحاة من دينهم، ألبسوها ثوب الإسلام.. كما سندرس هذا في أصل التشيع.

أصل التشيع ( أو أثر الفلسفات القديمة في المذهب الشيعي )

اختلف أنظار العلماء والباحثين في مرجع الأصول العقدية للتشيع؛ فمن قائل بأنها ترجع لأصل يهودي، ومن قائل بأنها ترجع لأصل فارسي، ومن قائل بأن المذهب الشيعي كان مباءة للعقائد الآسيوية القديمة كالبوذية [البوذية: هم أتباع بوذا، ولها انتشار بين عدد من الشعوب الآسيوية، وتتباين عقائد الأتباع حول هذه النحلة؛ فتجعل البوذية اليابانية «بوذا» جوهراً إلهاً حالاً في الكون، وبوذية الهند – وهي الأصل – لا إله لها، وبوذية الصين مالت إلى الاعتقاد بفكرة كائن مطلق يتمثل في شخصيات مختلفة بوذا واحد منها. وانظر عن البوذية (محمد سيد كيلاني/ ذيل الملل والنحل ص 13، 26، 31، محمد أبو زهرة/ الديانات القديمة ص: 53، سليمان مظهر/ قصة الديانات ص: 73).] وغيرها:

القول بالأصل اليهودي:

من الباحثين من يرى أن أصل التشيع ذو صبغة يهودية وذلك باعتبارين:

الأول:

أن ابن سبأ كان أول من قال بالنص والوصية، والرجعة، وابن سبأ يهودي، وهذه الآراء صارت من أصول المذهب الشيعي، ولهذا أشار القمي، والنوبختي والكشي، وهم من شيوخ الشيعة القدامى إلى هذا، وذلك حينما استعرضوا آراء ابن سبأ والتي أصبحت فيما بعد من أصول الشيعة، قالوا: "فمن هنا قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض كان مأخوذاً من اليهودية" [انظر: القمي/ المقالات والفرق ص: 20 النوبختي/ فرق الشيعة ص: 22، رجال الكشي ص: 108.].

الاعتبار الثاني:

هو وجود تشابه في الأصول الفكرية بين اليهود والشيعة، ولعل أول بيان لذلك وأشمله هو ما روي عن الشعبي [عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي، راوية من التابعين، يضرب المثل بحفظه، (ت 102ه‍). (تهذيب التهذيب: 5/5).] في هذا الباب [رواه الخلال في كتابة السنة، قال محقق الكتاب: إسناده لا يصح، لأن فيه عبد الرحمن بن مالك بن مغول متروك، ولكن الأمور المذكورة واقعة من الرافضة (السنة للخلال: 2/563-565)، وانظر: منهاج السنة لابن تيمية: 1/6-10، اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة. (انظر: كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنة ص611)، ابن الجوزي/ الموضوعات: 1/338، ابن بكر/ التمهيد والبيان: ص 233-234، (القسم المخطوط).]. كما أشار ابن حزم إلى شيء من ذلك حينما قال: "سار هؤلاء الشيعة في سبيل اليهود القائلين.. إن إلياس -عليه السلام -، وفنحاس بن العازار بن هارون - عليه السلام - أحياء إلى اليوم" [الفصل: 5/37.]. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن في الشيعة من الجهل والغلو واتباع الهوى ما أشبهوا فيه النصارى من وجه واليهود من وجه، وأن الناس مازالوا يصفونهم بذلك، ثم نقل ما روي عن الشعبي من مشابهة الشيعة لليهود والنصارى [منهاج السنة: 1/6.]... وقد قال بهذا الرأي جمع من الباحثين [من هؤلاء الأستاذ أحمد أمين، حيث قال: "فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة، وقالت الشيعة: إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلاً كما قال اليهود: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً}. والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم: إن نسبة الإمام إلى الله كنسبة المسيح إليه..." انظر: فجر الإسلام ص: 276، ويرى جولد تسيهر أن فكرة الرجعة تسربت إلى التشيع من طريق المؤثرات اليهودية والنصرانية (انظر: العقيدة والشريعة ص 215). وكذلك يرى فريد لندر أن التشيع قد استمد أفكاره الرئيسة من اليهودية. (انظر: المصدر السابق: ص 100 وما بعدها)، ويقول فلهوزن بالأصل اليهودي، ويشير إلى بعض أوجه التشابه في الأفكار بين اليهود والشيعة (أحزاب المعارضة ص: 170).].

القول بالأصل الفارسي ( فارسية التشيع ):

يقرر بعض الباحثين أن التشيع نزعة فارسية، وذلك لعدة اعتبارات:

الأول: ما قاله ابن حزم والمقريزي من أن الفرس كانت من سعة الملك، وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسها بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، كان العرب عند الفرس أقل الأمم خطراً، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله الحق.. فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع، بإظهار محبة أهل البيت، واستبشاع ظلم علي - بزعمهم – ثم سلكوا بهم مسالك حتى أخرجوهم عن طريق الهدى [ابن حزم/ الفصل: 2/273، وانظر: المقريزي/ الخطط: 2/362.].

الثاني: أن العرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالملك والوراثة في البيت المالك، ولا يعرفون معنى الانتخاب للخليفة، وقد انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ولم يترك ولداً، فأولى الناس بعده ابن عمه علي بن أبي طالب، فمن أخذ الخلافة كأبي بكر وعمر وعثمان، فقد اغتصب الخلافة من مستحقها، وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى التقديس، فنظروا هذا النظر نفسه إلى علي وذريته، وقالوا: إن طاعة الإمام واجبة، وطاعته طاعة الله سبحانه وتعالى [انظر: محمد أبو زهرة/ تاريخ المذاهب الإسلامية: 1/37، أحمد أمين/ فجر الإسلام: ص277، عرفان عبد الحميد/ دراسات في الفرق: 23، فلهوزن/ أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام: ص 168، فلوتن/ السيادة العربية: ص 76.]. وكثير من الفرس دخلوا في الإسلام ولم يتجردوا من كل عقائدهم السابقة التي توارثوها أجيالاً، وبمرور الزمان صبغوا آراءهم القديمة بصبغة إسلامية، فنظرة الشيعة إلى علي وأبنائه هي نظرة آبائهم الأولين إلى الملوك الساسانيين.

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: "إنا نعتقد أن الشيعة قد تأثروا بالأفكار الفارسية حول الملك والوراثة، والتشابه بين مذهبهم ونظام الملك الفارسي واضح، ويزكي هذا أن أكثر أهل فارس من الشيعة، وأن الشيعة الأولين كانوا من فارس" [محمد أبو زهرة/ تاريخ المذاهب الإسلامية: 1/38.].

الثالث: حينما فتح المسلمون بلاد الفرس تزوج الحسين بن علي - رضي الله عنه - ابنه يزدجرد أحد ملوك إيران، بعدما جاءت مع الأسرى فولدت له علي بن الحسين، وقد رأى الفرس في أولادها من الحسين وارثين لملوكهم الأقدمين، ورأوا أن الدم الذي يجري في عرق علي بن الحسين وفي أولاده دم إيراني من قبل أمه ابنة يزدجرد والذي من هو من سلالة الملوك الساسانيين المقدسين عندهم [انظر في أن أم علي بن الحسين هي ابنة يزدجرد: تاريخ اليعقوبي: 2/247، صحيح الكافي: 1/53. وانظر في أثر ذلك: سميرة الليثي/ الزندقة والشعوبية: ص 56، عبد الله الغريب/ وجاء دور المحبوس: ص 77، النشار/ نشأة الفكر الفلسفي: 2/11، عبد الرزاق الحصان/ المهدي والمهدوية: ص 82، رونلدسن/ عقيدة الشيعة: ص101.]، أضف إلى ذلك أن اسم فاطمة - فيما يقال - اسم مقدس عند الفرس، لأن لها مقاماً محموداً في تاريخ الفرس القديم [لأن لفاطمة أثراً جميلاً - كما يعتقدون - في الكشف عن سمرديس المجوسي الذي استولى على عرش الكيانيين، فكانت فاطمة بطلة، وكانت فاطمة مقدسة ، ولولاها لما علم شيء من أمر سمرديس المجوسي هذا، ولولاها لما دبر أبوها أوتانس وصحبه مؤامرة عليه. (انظر: عبد الرزاق الحصان/ المهدي والمهدوية: ص 84، عن هيرودوتس: 2/462، المقدسي/ البدء والتاريخ: 4/134، 6/95).].

الرابع: وتلمح الأصل الفارسي أيضاً في روايات عديدة عند الاثني عشرية، تفرد سلمان الفارسي - رضي الله عنه وبرأه الله مما يفترون - بخصائص وصفات فوق مرتبة البشر، حيث جاء في أخبارهم: "أن سلمان باب الله في الأرض، من عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً" [رجال الكشي: ص 15.]. وهذا الوصف لسلمان اعتاد الشيعة في رواياتهم على إطلاقه على أئمتهم الاثني عشر، كما أثبتت رواياتهم بأن سلمان "يبعث الله إليه ملكاً ينقر في أذنه يقول كيت وكيت" [رجال الكشي: 16.] و"عن الحسن عن منصور قال: قلت للصادق - عليه السلام -: أكان سلمان محدثاً؟ قال: نعم. قلت: من يحدثه؟ قال: ملك كريم. قلت: إذا كان سلمان كذا فصحابه أي شيء هو؟ قال: أقبل على شأنك" [رجال الكشي: ص 19.]. فهي تثبت الوحي لسلمان وتوحي بأن صاحبه وهو علي فوق ذلك؟! بل أثبتت أخبارهم لسلمان علم الأئمة والأنبياء، كما جعلت له أمر الإمام والنبي، فقالت: "... سلمان أدرك علم الأول وعلم الآخر" ثم فسرت ذلك، فقالت: "يعني علم النبي صلى الله عليه وسلم، وعلم علي، وأمرالنبي صلى الله عليه وسلم وأمر علي" [رجال الكشي: ص 16.].

وجاء في رواياتهم أن سلمان أحد الشيعة الذين بهم - كما يفترون "ترزقون، وبهم تنصرون، وبهم تمطرون" [رجال الكشي: ص 6-7.]. بل بلغ الغلو ببعض الفرق الشيعية أن قالت بتأليه سلمان، وقد وجدت هذه الفرقة في عصر أبي الحسن الأشعري (المتوفى سنة 330ه‍)، وأشار إليها في مقالاته حيث قال: "وقد قال في عصرنا هذا قائلون بألوهية سلمان الفارسي" [مقالات الإسلاميين: 1/80.]. وقد تكون هذه الروايات في كتب الاثني عشرية هي من آثار هذه الفرقة، لأن كتب الاثني عشرية قد استوعبت معظم آراء الفرق الشيعية بكل ما فيها من شذوذ.. وبقاؤها في كتبهم قد يؤذن بخروج طوائف منها مرة أخرى.

بل نلحظ أن هناك اتجاهاً داخل الدوائر الشيعية لتعظيم بعض العناصر الفارسية التي شاركت في التآمر والكيد ضد دولة الخلافة الراشدة وهو أبو لؤلؤة الفارسي المجوسي قاتل الخليفة العظيم عمر بن الخطاب، فقد أطلق عليه عندهم "بابا شجاع الدين" [انظر: عباس القمي/ الكنى والألقاب: 2/55.] ، واعتبروا يقوم مقتل عمر - رضي الله عنه - بيد هذا المجوسي عيداً من أعيادهم، وقد ساق شيخهم الجزائري روايات لهم في ذلك [انظر: الأنوار النعمانية: 1/108.] ، كما يعظمون يوم النيروز، كفعل المجوس [انظر: الأعلمي/ مقتبس الأثر: 29/202-203، المجلسي/ بحار الأنوار، باب عمل يوم النيروز: 98/419، وانظر: وسائل الشيعة، باب استحباب صوم يوم النيروز والغسل فيه، ولبس أنظف الثياب والطيب: 7/346.]، وقد اعترفت أخبارهم بأن يوم النيروز من أعياد الفرس [انظر: بحار الأنوار: 48/108.].

القول بأن المذهب الشيعي مباءة للعقائد الآسيوية القديمة:

ويضيف البعض أن المذهب الشيعي كان مباءة ومستقراً للعقائد الآسيوية القديمة كالبوذية وغيرها [انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة: 1/37.]. يقول الأستاذ أحمد أمين: "وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح [تناسخ الأرواح: انتقال الروح بعد الموت من بدن إلى آخر؛ إنساناً أو حيواناً. قال بهذه النظرية بعض الهنود، وفيثاغورس من اليونان، وتسربت للعالم الإسلامي. (انظر: المعجم الفلسفي ص 55، التعريفات للجرجاني: ص93).] ، وتجسيم الله [المقصود وصف الله جل شأنه بصفات المخلوقين، وقد وجد هذا عند طوائف من الشيعة كالهشامية أتباع هشام بن الحكم وغيرها - كما سيأتي - أما لفظ الجسم فإن للناس فيه أقوالاً متعددة اصطلاحاً غير معناه اللغوي.

انظر في ذلك: ابن تيمية/ التدمرية: ص 32-33 (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام – ج‍) منهاج السنة: 2/97 وما بعدها، 2/145 وما بعدها، درء تعارض العقل والنقل: 1/118-119، التعريفات للجرجاني: ص 103.]، والحلول [الحلول: هو الزعم بأن الإله قد يحل في جسم عدد من عباده، أو بعبارة أخرى أن اللاهوت يحل في الناسوت (المعجم الفلسفلي: ص 76 ).] ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة [البراهمة: هم المنتسبون إلى رجل مهم يقال له: براهم (الملل والنحل : 2/251) أو: برهام من ملوك الفرس (المنية والأمل: ص 72). يقرون بالله، ويجحدون الرسل.. وهم فرق مختلفة (انظر نفس الموضع من المصدرين السابقين).] والفلاسفة والمجوس [المجوس: هم عبدة النار، ويقولون بأصلين؛ أحدهما: النور، والآخر: الظلمة. والنور أزلي، والظلمة محدثة. ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين، إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج مبدأ، والخلاص معاداً. (انظر: الملل والنحل: 1/232 وما بعدها، الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 134، وانظر: أخبار أمم المجوس/ الكسندر سيبيل).] قبل الإسلام" [فجر الإسلام: ص 277.]. ويشير بعض المستشرقين إلى تسرب الكثير من العقائد غير الإسلامية إلى الشيعة ويقول: "إن تلك العقائد انتقلت إليها من المجوسية، والمانوية [المانوية: أصحاب ماني بن فاتك، كان في الأصل مجوسياً، ثم أحدث ديناً بين المجوسية والنصرانية، وقد خالفته المجوس وسعت في قتله، حتى قتله بهرام بن هرمز بن سابور وذلك بعد عيسى - عليه السلام - وبقي مذهبه في أتباعه. والمانوية يقولون بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، وأن النور خير من الظلمة وهو الإله المحمود.

(انظر: الملل والنحل: 1/244 وما بعدها، المنية والأمل: ص 60، شرح الطحاوية: ص 18، الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: ص 138).] ، والبوذية وغيرها من الديانات التي كانت سائدة في آسيا قبل ظهور الإسلام" [فلوتن/ السيادة العربية: ص 83-84.].

ويذكر صاحب مختصر التحفة: "أن مذهب الشيعة له مشابهة تامة مع فرق اليهود والنصارى والمشركين والمجوس"، ثم يذكر وجه شبه المذهب الشيعي بكل طائفة من هذه الطوائف [انظر: مختصر التحفة ص 298 وما بعدها.].

كما يذكر البعض أنه تتبع مذاهب الشيعة فوجد عندها كل المذاهب والأديان التي جاء الإسلام لمحاربتها [انظر: بركات عبد الفتاح/ الواحدانية: ص 125.].

الرأي المختار في أصل التشيع:

والذي أرى أن التشيع المجرد من دعوى النص والوصية ليس هو وليد مؤثرات أجنبية، بل إن التشيع لآل البيت وحبهم أمر طبيعي، وهو حب لا يفرق بين الآل، ولا يغلو فيهم، ولا ينتقص أحداً من الصحابة، كما تفعل الفرق المنتسبة للتشيع، وقد نما الحب وزاد للآل بعدما جرى عليهم من المحن والآلام بدءاً من مقتل علي، ثم الحسين.. إلخ.

هذه الأحداث فجرت عواطف المسلمين، فدخل الحاقدون من هذا الباب، ذلك أن آراء ابن سبأ لم تجد الجو الملائم؛ لتنمو وتنتشر إلا بعد تلك الأحداث.. لكن التشيع بمعنى عقيدة النص على علي، والرجعة، والبداء، والغيبة، وعصمة الأئمة.. إلخ فلا شك أنها عقائد طارئة على الأمة، دخيلة على المسلمين، ترجع أصولها لعناصر مختلفة، ذلك أنه قد ركب مطية التشيع كل من أراد الكيد للإسلام، وأهله، وكل من احتال ليعيش في ظل عقيدته السابقة باسم الإسلام، من يهودي، ونصراني، ومجوسي، وغيرهم. فدخل في التشيع كثير من الأفكار الأجنبية والدخيلة – كما سيتبين في الدراسة الموسعة لأصولهم -، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن المنتسبين للتشيع قد أخذوا من مذاهب الفرس والروم، واليونان، والنصارى، واليهود، وغيرهم أموراً مزجوها بالتشيع، ويقول: وهذا تصديق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وساق بعض الأحاديث الواردة في أن هذه الأمة ستركب سنن من كان قبلها…، وقال بأن هذا بعينه صار في المنتسبين للتشيع [منهاج السنة: 4/147، وانظر الأحاديث في ذلك في: صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم": 8/151، وفي صحيح مسلم، كتاب العلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" رقم (2669)، المسند 2/450-511، 527.].

*****************

يتبع
بنتـي دنيتـي
الباب الأول- الإمامة والولاية
الإمامة .. الدعاوى والبينات
** المقدمة ** • منزلة الإمامة عند الرافضة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المعصومين وأشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن علماء أهل السنة مازالوا قديماً وحديثاً يردون على العقائد المنحرفة عموماً، وعلى الرافضة خصوصاً، فيزيلون شبههم ويكشفون أباطيلهم في كتبهم.
فمن ضمن هذه الكتب كتاب "منهاج السنة النبوية في نقض دعاوى الرافضة والقدرية " لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، والذي كتبه رداً على أحد الروافض المسمى ابن المطهر في كتاب " منهاج الكرامة في معرفة الإمامة" وقد قام باختصار الكتاب -منهاج السنة- الشيخ عبد الله الغنيمان لما رأى من تقاصر الناس في الرجوع إلى المطولات، فجزاهما الله خيراً لخدمة السنة النبوية الشريفة.
والإمامة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية، الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة من صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ([1]).
فالإمامة عند الرافضة أصل من أصول الدين بل هي أعظم الأركان وأن الله لا يقبل ممن أخل بها، وزعموا أن الله قد أوصى نبيه بالإمامة أكثر من أي شيء آخر، وأن الله قد أخذ المواثيق من الأنبياء عند بعثتهم بالولاية، ففضلوا الأئمة على الأنبياء والملائكة ([2]) ونسبوا إليهم العصمة، وأنهم يعلمون الغيب كل ذلك مسطرة في كتبهم الموثوقة ([3]) وهذه العقيدة الخبيثة منشأها الأول اليهودي الخبيث ابن السوداء عبد الله بن سبأ ([4]) ومن زعم أن هذه العقائد ليست موجودة قد اندرست، أو أن مذهب الرافضة لا يخرج في أهم أوضاعة عن حيز الاجتهاد المسموح به ([5]) فقد فحش غلطه، حتى وإن كان ممن يذكر من أهل العلم، لأن النار قد تخبو، وأن الجواد قد يكبو وأن الصارم قد ينبو فالكمال لله الواحد القهار. فإنهم ما زلوا يعادون أصحاب رسول الله ويشتمونهم وينكرون القرآن الموجود أو يثبتون له التحريف والتبديل ([6]) وإن كانوا يلبسون أحياناً لباس التقية فيخدعون به من جهلهم وكل ذلك ورثوه كابراً عن كابر -هل تلد الحية إلا الحية! فإذا كان مثل هذه الأشياء تظهر من علمائهم فكيف بأتباعهم؟ ولقد صدق من قال:
إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
** زعم الرافضي أن الإمامة من أهم أصول الدين **
يزعم الرافضي أنه ألف كتابه منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ليبين أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين وهي الإمامة والتي بها نيل درجة الكرامة و الخلود في الجنان. ونقل المذاهب في المسألة. ووجوب اتباع مذهب الإمامية، والأدلة على إمامة علي. وفي الاثنى عشر وإبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.
الجواب: إن مسألة الإمامة لم تكن أهم المطالب اتفاقاً. لا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بعده، لأن الإيمان بالله ورسوله، هو أول ما يؤمر به المرء إذا أراد الإسلام. بل عليه قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفار كما ثبت أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) ([7]).
وقد قال تعالى: (( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ))[التوبة:5] وقال أيضاً: (( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ ))[التوبة:11] فجعلهم إخوانا في الدين بالتوبة، والكفار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا أسلموا أجرى عليهم أحكام الإسلام ولم يذكر لهم الإمامة بحال.
فكيف تكون أهم المطالب في أحكام الدين؟
وكل من بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة إلى الكفار وأهل الكتاب إنما يقول له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله،و أن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك... إلخ) وليس فيه شيء عن الإمامة، ولو كان ركناً من أركان الدين لذكره الرسول صلى الله عليه وسلم.
فالطاعة إنما تجب لله ورسوله ولمن أمرت الرسل بطاعتهم.
واعلم أن طاعة الله ورسوله هي الطريق لدخول الجنة لا غير، قال تعالى: (( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ))[النساء:69]... (( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))[النساء: 13].
وأما من علق نجاته بالإمام الغائب فقد خاب وخسر لمخالفته الكتاب والسنة، فالحصول على درجة الكرامة إنما تنال بأداء الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات، لا بمجرد معرفة الإمام وإدراك وقته، ومن زعم أن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، فقد عدل عن الصراط المستقيم. وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإن من خرج من السلطان شبراً، مات ميتة جاهلية) فهذا يدل على وجوب الطاعة للأمير الموجود، لا الغائب المفقود، وعدم الخروج عليه.
ويذكر الرافضي أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن الخليفة بعده علي ثم الحسن ثم الحسين... إلى أن ينتهي بالإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي المزعوم، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عن وصية، وأهل السنة ذهبوا على خلاف ذلك كله.
فقول الرافضي عن أهل السنة: إنهم يقولون: إن النبي لم ينص على إمامة أحد وأنه مات من غير وصية.
فالجواب: ليس هذا قول جميعهم لأن منهم من يقول: إنها ثابتة بالنص الظاهر وهو قول جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية واختاره القاضي أبو يعلى وغيره.
وقال جماعة من أهل الحديث وبعض الخوارج: إنها تثبت بالنص الخفي والإشارة، وهو قول الحسن البصري.
ومن أدلتهم على ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم قال: (أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك – كأنها تريد الموت – قال: إن لم تجديني فائتي أبا بكر) قالوا: هذا نص على إمامته.
ومن ذلك حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (دخل عليّ رسول الله اليوم الذي بدأ فيه، فقال: ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتاباً، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر -وفي لفظ- فلا يطمع في هذا الأمر طامع) ([8]) متفق عليه. وكذلك تقديمه صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ([9]) واحتج من قال: بأنه لم يستخلف ببعض الآثار، كقول عمر: [[إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر- وإلا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم]] ([10])-. وما روي عن عائشة: [[أنها سئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلف لو استخلف؟]] ([11]) فالدلالة اللغة يدل على أن الخليفة هو من استخلفه غيره، وليس الذي يخلفه دون أن يستخلف هو.
وإجماع الصحابة على أبي بكر أيضاً كنص، إذاً فلا يقاوم الأثران الموقوفان النصوص الظاهرة، وربما قد يخفى على عمر كما خفي عليه بعض الأشياء، وخبر عائشة جاء كسؤال سائل فلا يعارض روايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأهل السنة يثبتون الخلافة لأبي بكر بنص خفي أو جلي وبعضهم يقولون:" إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على إمامة أحد، وأنه مات من غير وصية.
وأما دعوى الرافضة النص على علي فليس إلا كدعوى الراوندية النص على العباس وولده إلى أن تقوم الساعة. وهي دعوى باطلة لعدم نص صحيح على ذلك. وربما استدل بعضهم بما لا حجة فيه أصلا من الأحاديث الصحيحة، مثل حديث: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) وحديث: (من كنت مولاه فعلي مولاه) كما هو صنيع الرافضي هنا.
الأول في الصحيحين قال ذلك صلى الله عليه وسلم لعلي لما تركه مع النساء والصبيان في المدينة وذهب لغزوة تبوك، ولم يكن علي يحب ذلك، بل يبكى فاسترضاه وهدأه بهذه الكلمات، والاستخلاف لم يكن خاصاً لعلي إنما وقع لبعض الصحابة مثل عثمان وبشير بن عبد المنذر وابن أم مكتوم وغيرهم، والتشبيه هنا لا يقتضى المساواة في كل شيء، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم شبه أبا بكر بإبراهيم وعيسى وشبه عمر بنوح وموسى كما هو في الصحيحين من حديث الأسارى لما استشار أصحابه. فهذه الفضيلة عامة ولست خاصة فيحتج بها على خلافة علي. ومع هذا كان في غزوة تبوك لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الموسم وأردفه بعلي.
فكان أبو بكر أميراً عليه. وأما حديث: (من كنت مولاه فعلي مولاه.. اللهم وال من والاه) فإنه قد ثبت بعضه عند الترمذي وغيره والشطر الثاني لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو (اللهم وال من والاه...) ومعنى الحديث: من كان النبي مولاه فعلي والمؤمنون مواليه، كما قال تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ )) فالموالاة ضد المعاداة، وهي تثبت من الطرفين. ولو كان المقصود به الإمارة لقال: (من كنت واليه فعلي واليه) وإنما اللفظ من كنت مولاه... فلا حجة فيه.
فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله له بها، وانعقدت باجتماع المسلمين ومبايعتهم له كلهم ([12]) -إلا ما كان من سعد بن عبادة- وأما علي فقد بايعه أيضاً وإن تأخرت مبايعته على أحد القولين ([13]) ولكنها حاصلة. فهذا أبلغ من مجرد العهد بها. وأما إذا كان ما فعله الصحابة من اختياره –الصديق- من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم في ذلك ورضا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أن الصحابة يعرفون فضلهم عليهم واستحقاقه لها قبل غيره فلا حاجة إذاً إلى عهد خاص.
فلذلك لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرسل إلى أبي بكر ويعهده ترك لما علم أن الله والمؤمنين لا يرضون لهذا الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم أحداً غير أبي بكر. فهذا أمر واضح لا يخفى على من له أدنى علم فضلاً عن جمهور الأمة وهم خير القرون.
** ثبوت خلافة الخلفاء الراشدين **
وأما قول الرافضي: إنهم يقولون: الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر بمبايعة عمر برضا أربعة.
فيقال: ليس هذا بقول أئمة أهل السنة، وإن كان بعض أهل الكلام يرون انعقاد البيعة بأربعة، أو اثنين بل ببيعة واحد. بل الإمامة عند أهل السنة تثبت بموافقة أهل الشوكة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان فمن بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان فهو إمام تجب طاعته ما لم يأمر بمعصية الله. فالإمامة ملك وسلطان والملك لا يصير ملكاً بموافقة واحد أو اثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة غيرهم بحيث يصير ملكاً بذلك.
وأما قول الرافضي: ثم عثمان بن عفان بنص عمر على ستة هو احدهم فاختاره بعضهم.
فيقال له أيضاً: ما صار عثمان إماماً إلا بعد مبايعة جميع المسلمين له. وما تخلف عنها أحد، لذلك يقول الإمام أحمد: ما كان في القوم أوكد من بيعة عثمان، كانت بإجماعهم. فعمر رضي الله عنه جعلها شورى في ستة: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف أنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وابن عوف، واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولي أحد الرجلين. فمضى ثلاثة أيام يستشير فيهما المسلمين إلى أن وقع الاختيار على عثمان رضي الله عنه. فمن قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. هذا قول أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم.
وأما قول الرافضي: (ثم علي بمبايعة الخلق له).
فيجاب عنه: بأن تخصيص علي بمبايعة الخلق له دون أبي بكر وعمر وعثمان أعظم بكثير من اتفاقهم على بيعة علي، والذين بايعوا عثمان أفضل من الذين بايعوا علياً، لأن منهم علياً والعباس، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب، وأمثالهم مع سكينة وطمأنينة وبعد مشاورة المسلمين يوماً بعد يوم، وأما علي فبويع بعد مقتل عثمان، والمسلمون في اضطراب واختلاف، وافتراق أكابر الصحابة، بل قيل: إن طلحة بايع كرهاً وما بايعه عبد الله بن عمر، فالناس انقسموا إلى ثلاثة أصناف: قوم قاتلوا معه وقوم قاتلوه وتوسط قوم فلم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه. وأما ما وقع من تخلف سعد في مبايعة أبي بكر فلأنهم قد عينوه لإمارة فوقع في نفسه شيء، ومع هذا لم يعارض ولم يعاون على باطل. بل روى أحمد بن حنبل أن الصديق قال: [[ولقد علمت يا سعد! أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: (قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم) قال: فقال له سعد: صدقت! نحن الوزراء وأنتم الأمراء]] ([14]) فيفهم من هذا أن سعداً نزل عن ما يدعيه من الإمارة، وخضع لإمارة الصديق رضي الله عنهم أجمعين. فأهل السنة والجماعة يرون خلافة علي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم: (خلافة النبوة ثلاثون سنة) فلا ريب أن دخول خلافة الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان -من باب أولى لأنهم سبقوه- ونصوص أخرى تدل على صحة خلافته، وخلافة غيره أكثر نصاً. ولو قارنا بين زمن علي وزمنهم لرأينا أن المقصود من الإمامة حصل في زمنهم وفتحوا البلاد وقاتلوا الكفار، ولم يكن ذلك في زمنه بل السيف كان بين المسلمين أنفسهم فيما بينهم.
وأما النص الذي تدعيه الرافضة فليس إلا دعوى كدعوى الراوندية في العباس وكلاهما باطل عند من له أدنى علم. ويزعم الرافضي أن أهل السنة اختلفوا: هل الخلافة بعد علي لمعاوية أم للحسن؟
فنقول: بل ليس هناك نزاع بين أهل السنة في ذلك؛ لأنه معلوم أن أهل العراق بايعوا الحسن مكان أبيه، وأهل الشام كانوا مع معاوية قبل ذلك.
وقوله: "ثم ساقوا الإمامة في بني أمية ثم في بني العباس".
فنقول له: لا نقل بأن هؤلاء يجب توليتهم وطاعتهم في كل أمر وإنما نرى أن كل من حصل له الملك والسلطان فتجب طاعته في المعروف ولا نرى عدم استحقاق غيرهم في الولاية إن استطاعوا القيام بمصالح الناس، ومعلوم أن الناس لا بد لهم من قائد يقودهم وإلا وقعوا في الفوضى، كما قال علي رضي الله عنه: [[لابد للناس من إمارة. برة كانت أو فاجرة، قيل له: هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ قال: يؤمن بها السبيل ويقام بها الحدود ويجاهد بها العدو ويقسم بها الفيء ]] ذكره علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية لله، فهذا يعني وجودهم خير من عدمهم. وكذلك لا فائدة في المعدوم المنتظر.فغاية ما في الأمر يقال: قد ولي المفضول مع وجود الفاضل في تلك العصور ما عدا عصر الخلفاء الأربعة، كما حدث في عصر عمر بن عبد العزيز هو يريد تولية القاسم بن محمد فلم يوافقه أهل الحل والعقد.
فتولية الأصلح عند أهل السنة هو الواجب، وقال بعضهم: هو المستحب، هذا كله عند القدرة على ذلك. فطاعة أولي الأمر واجب في البر والتقوى دون الإثم والعدوان، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس يخرج عن السلطان شبراًُ فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية).
** دعوى أن مذهب الإمامية واجب الاتباع **
قال الرافضي: الفصل الثاني في أن مذهب الإمامية واجب الاتباع، ذكر الرافضي أن الناس وقعوا في اختلاف بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيجب النظر في الحق. وأن مذهب الإمامية واجب الاتباع، لأنه أحقها وأصدقها، وباينوا جميع الفرق في الأصول والعقائد وجزموا النجاة لأنفسهم لأخذهم دينهم عن الأئمة المعصومين، وطعن في الصحابة بأنهم بايعوا من طلب الولاية بغير حق -أبا بكر وتركوا من طلبها بحق- علي فضل أكثرهم طلبا للدنيا.
فالجواب: متى يكون مذهب الإمامية واجب الاتباع إذا نبذوا طريق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وراء ظهورهم، فهؤلاء الصحابة هم أقرب الناس للهدى كما وصفهم الله تعالى في ما آية من كتابه، فقال: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))[التوبة:100]، وقال: (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ))[الحديد:10] وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ([15]) فهذه الآيات وأمثالها والحديث تدل على فضلهم وصلاحهم ورضوان الله لهم وتتفاوت درجاتهم، وأنه لايجوز التعرض لهم بأذى بل يجب الاستغفار لهم: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[الحشر:10].
وأما ذكره بأن أبا بكر طلبها بغير حق فكذب محض؛ لأن الصحابة هم الذين اختاروه بعد اختيار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا أنه طلب لنفسه، وقولهم منهم من طلبها بحق يعنى علي، فهذا أيضاً افتراء على الله بغير علم، وليس هذا بصحيح بل هو كذب على علي؛ لأنه لم يطلبها بحق، وما ذكر علي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى له. بل هي من الأكاذيب التي عُرفوا بها. فهب أن الصحابة قصروا في النظر فقدموا أبا بكر وعمر فكيف التابعون ومن بعدهم من الذين فضلوا أبا بكر وعمر على غيرهما من الصحابة. وكيف لا تكون الشيعة مباينة عن بقية الفرق والأديان إذ كانت أصول عقيدتهم مبنية على (التقية -وليس هي إلا الكذب المحض والنفاق الخالص ونسبوا إلى جعفر الصادق قولهم: [[التقية ديني ودين آبائي]] ([16]) فكيف يكون الكذب ديناً وطريقاً للنجاة، واعلم أن النجاة مدارها الإيمان والعمل الصالح والتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ))[يونس:9] وقال تعالى عن الصدق: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ))[التوبة:119]، وقال عن الكذب: (( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ))[النحل:105] وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) ([18]).
** العصمة بين الأنبياء والأئمة **
قال الرافضي: ذهب جميع من عدا الإمامية والإسماعيلية إلى أن الأنبياء والأئمة غير معصومين، فجوزوا بعثة من يجوز عليه الكذب والسهو والخطأ والسرقة. فأي وثوق يبقى للعامة في أقوالهم؟ وكيف يحصل الانقياد إليهم؟ وكيف يجب اتباعهم مع تجويز أن يكون ما يأمرون به خطأ؟ ولم يجعلوا الأئمة محصورين في عدد معين، بل كل من بايع قريشاً انعقدت إمامته عندهم، ووجب طاعته على جميع الخلق إذا كان مستور الحال وإن كان على غاية من الكفر والفسوق والنفاق.
الجواب عليه: هذا الذي قلت عن الجمهور من نفي العصمة عن الأنبياء كذب، لأن الأمة متفقون على أن الأنبياء معصومون في التبليغ ولا يقرهم الله على شيء من الخطأ، والكذب، لذلك يجب طاعتهم في كل ما أمروا به أو نهوا عنه. ولا تلتفت إلى قول الخارجي في هذه المسألة بل وحتى من أجاز الكبائر والصغائر متفقون على أنهم لا يصرون على الخطأ لأنهم قدوة لأمتهم.
وقوله: بأن الإمامية والإسماعيلية هم فقط الذين ذهبوا إلى عصمة الأئمة، فهو كما قال.. لكن أين دليليهم من الكتاب والسنة؟ وما ذكر من أن العالم لم يخل من أئمة معصومين لما في ذلك من المصلحة واللطف، فأين اللطف والمصلحة من إمام غائب مزعوم مفقود؟
والذي أمرنا الله به عند التنازع هو العودة إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقط، فدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المعصوم لا غيره، يقول تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ))[النساء:59] ولو كان ولاة الأمور لهم عدد معين لذكره الله لكن لم يوقتهم بعدد معين في هذه الآية السابقة الذكر. كذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدد كما في حديث أبي ذر قال: (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) ([19]) وكذلك يفهم من الآية والحديث وجوب طاعة من بويع إماماً ولكن طاعته ليست مستقلة بل تابعة لطاعة الله ورسوله، يعني يجب طاعته إذا أمر بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإن كان فاسقاً، ولا يطاع في معصية الله ورسوله وإن كان عادلاً. يقول صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف) ([20]) وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
** نقض دعوى أن الإمامية هم الفرقة الناجية **
قال الرافضي: "الوجه الثاني: في الدلالة على وجوب اتباع مذهب الإمامية: ما قاله شيخنا الإمام الأعظم خواجة نصير الملة والحق والدين محمد بن الحسن الطوسي، قدس الله روحه، وقد سألته عن المذاهب فقال: بحثنا عنها وعن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية والباقي في النار) ([21]) وقد عين الفرقة الناجية والهالكة في حديث آخر صحيح متفق عليه وهو قوله:" مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق "فوجدنا الفرقة الناجية هي فرقة الإمامية، لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركوا في أصول العقائد".
الجواب: كيف هذا الرافضي يستدل بقول المنجم المتعاون مع المشركين للاستيلاء على المسلمين وقتلهم. وهو القائل: "بأن الله موجب بالذات" فهل نسي الرافضي أنه كفر من قال بهذا القول فقدسه وبجله؟ فكيف يحتج بقوله مع ما حكمت عليه؟ ومعلوم أن أتباعه اشتهروا بانتهاك حرمات الله واستهتار بواجباته. وهذا عادة الرافضة في الغالب، تعظيم أهل الفساد وتكفير أهل الصلاح والخير كما نرى في اعتقادهم في الصحابة رضوان الله عليهم.
الحديث الذي ذكرته من افتراق الأمة -الذي رواه أصحاب السنن- قد ورد تفسيره من وجهين:
1- سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية فقال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) وفي رواية قال: (هم الجماعة).
فلا يرد ما قلته ونسبته إلى الشيخين زوراً وبهتاناً. فكل من التفسيرين يعارض قول الإمامية ويقتضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، حيث أنهم ليسوا مع جماعة المسلمين ولا على ما عليه الرسول وأصحابه بل هم أبعد الناس في ذلك.
وأما قوله بأن الرافضة باينوا جميع الفرق: فإن كان يعني به فيما اختصوا به فنعم.. فهذا شأن المذاهب كلها. ألا ترى أن الخوارج اختصوا بتكفير مرتكب الكبيرة وإلا فلا، لأن الرافضة يوافقون المعتزلة في الصفات والقدر.
وعلى أية حال فإنهم اختصوا بأشياء وشاركتها غيرها في أشياء أخرى.
ومجرد انفراد طائفة بشيء لا يدل على أنها على الحق، وليس في الحديث المذكور ما يدل على أن الثنتين وسبعين اشتركت في الأصول والعقائد. وأما أهل السنة والجماعة فهم على منهج السلف الصالح وعقيدتهم وسط بين الإفراط والتفريط، خلافاً لما عداها من الفرق كالشيعة والخوارج والمعتزلة وخير الأمور أوسطها كما نقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما جزم الإمامية بنجاتهم هم وأئمتهم فقط فباطل، وليس هذا إلا كقول اليهود والنصارى: (( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ))[البقرة:111-112] وأهل السنة والجماعة لا يقطعون لأحد بالدخول في الجنة تعييناً وإطلاقاً إلا بمستند، فشهادتهم لأئمتهم أكثر من شهادة الرافضة لأئمتهم. فالصحابة والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أهل الجنة، منهم العشرة، وأهل بدر قال الله لهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) بل يقولون: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ([22]) لورود ذلك من معصوم الحق: رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أكثر من ألف وأربعمائة إمام لأهل السنة.
وكذلك كل من توفي على طاعة الله ورسوله فهو من أهل الجنة، كما يقول تعالى: (( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ))[النساء:69] وأما إن كانت الطاعة المطلقة للأئمة موجبة للنجاة فقد كان أتباع خلفاء بني أمية على ذلك بل هم أحق منكم إذ طاعتهم للحاضر لا الغائب.
فنحن ليس لنا من تجب طاعته طاعة مطلقة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم فهو إمامنا وأما غيره من الأمراء فطاعتهم في طاعة الله ورسوله هذا خلاف ما كنتم عليه من الطاعة المطلقة كطاعة النصارى لشيوخهم (( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ )) وادعاؤكم لهم بالعصمة وجزمكم لهم بالنجاة فهوى وغرور وبعد عن حقيقة التوحيد الذي هو مدار النجاة.
** إبطال دعوى الإمامية أنهم أخذوا مذهبهم عن الأئمة المعصومين **
قال الرافضي: "الوجه الرابع: أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن الأئمة المعصومين المشهورين بالفضل والعلم والزهد والورع والاشتغال في كل وقت بالعبادة والدعاء وتلاوة القرآن والمداومة على ذلك من زمن الطفولة إلى آخر العمر، ومنهم من يعلم الناس العلوم، ونزل في حقهم: "هل أتى" وآية الطهارة، وإيجاب المودة وآية الإبتهال وغير ذلك. وكان علي يصلى في كل يوم وليلة ألف ركعة، ويتلوا القرآن مع شدة ابتلاءه بالحروب والجهاد" وذكر أن أولهم علي بن أبي طالب وأنه أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وجعله الله نفس رسول الله وآخاه وزوجه ابنته وظهرت منه معجزات كثيرة حتى ادعى قوم فيه الربوبية، وكان ولداه سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي صلى الله عليه وسلم، وفدى رسول الله الحسين بابنه إبراهيم. وأسرد أسماء هؤلاء الأئمة مع فضلهم واحداً تلو الآخر. فذكر علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، ثم ابنه محمد الباقر ثم جعفر الصادق ثم موسى الكاظم.. إلخ.
فالجواب: نحن نعلم علماً يقينياً أن الإمامية لم يأخذوا مذهبهم من هؤلاء الأئمة فالأئمة، يعتقدون كل ما يعتقده أهل السنة من التوحيد كإثبات صفات الله والقدر وإثبات خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والدعاء لهم بالخير وغير ذلك. ومعروف لدى الجميع أن الشيعة اختلفوا اختلافاً شديداً في مسائل الإمامة ([23]) والصفات والقدر فأي من الأقوال مأخوذ من الأئمة المعصومين؟؟ لا شك أن الأقوال المتناقضة لا تكون من الإمام المعصوم، وإلا فأين العصمة؟
لو فرضنا أن علياً معصوم والشيعة في هذه الاختلافات والتنازع وكل يدعي الأخذ من المعصوم فأين السند حتى ننظر فيه فنحكم على القول بالصحة أو عدمه؟ لا يوجد!! بل منقولاتهم منقطعة ومروية عن طائفة شيمتها الكذب. فدعوى الرافضة العصمة في علي ليس إلا كدعوى النصارى الألوهية في المسيح مع أنه برئ مما نسب إليه. إن لعلي فضائل عظيمة ومناقب جمة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عدل عنها هذا الرافضي وعمد إلى الأكاذيب والأباطيل.وأما استدلاله بالآية "هل أتي" بأنها نزلت في حقهم فكذب ظاهر، لأن الآية مكية باتفاق العلماء ولم يكن زواج علي وفاطمة إلا بعد الهجرة ولم يولد الحسن والحسين إلا في السنة الثالثة والرابعة بعد الهجرة فكيف تكون نزلت في حقهم؟؟
وأما آية الطهارة فلا تدل على طهارة أهل البيت وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم ويذهب الرجس عنهم، وهي قوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ))[الأحزاب:33]، فالإرادة هنا إرادة شرعية وليس إرادة كونية، وهي التي تتضمن الأمر والمحبة والرضا،وليست هي المشيئة التي يستلزم بها وقوع المراد. ونحوها قوله تعالى: (( مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ ))[المائدة:6]، فإرادة الله المؤمنين هنا إرادة شرعية بالتطهير كما في الآية التي ذكرت قبلها. ولو أن مفهوم الآية كما تزعمون لما احتاج الرسول إلى أن يدعو لهم فيقول لما أدار الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) رواه مسلم وأصحاب السنن ([24]). وكذلك سياق الكلام يدل على أن الآية متضمنة للأمر والنهي: (( يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا *يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا *... )) والآيتان بعدها.
فمفهوم السياق أن الله يريد منهن بفعل هذه المأمورات وترك هذه المنهيات تطهيرهن وإذهاب الرجس عنهن، والآيات دليل على أنهن من أهل البيت ليس كقول الشيعة بالعكس، وأما ذكر ضمير المخاطبين (ليذهب عنكم.... ويطهركم) حتى يعم غيرهن وإلا لكنّ مختصات في الآية. والله أعلم.
وأما إيجاب المودة فقد ثبت في الصحيح عن سعيد بن جبير أن ابن عباس سئل في قوله تعالى: (( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ))[الشورى:23] قال: فقلت: أن تودوا ذوي قربى محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: عجبت إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم قرابة، فقال: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم. وابن عباس إمام في هذا الفن والآية لم تنزل في حقهم لأنها مكية ولم يتزوج علي بفاطمة حينذاك فضلا عن أن يولد له الحسن والحسين.
وأما آية الابتهال فقد ثبت أنه لما نزلت أخذ النبي بيد علي وفاطمة والحسن والحسين يباهلهم وما ذلك إلا لأنهم أقرب الناس إليه فليس له ولد ذكر يمشي معه ويقول للحسن (إن ابني هذا سيد) وفاطمة هي الوحيدة التي بقيت من بناته صلى الله عليه وسلم حينذاك. ولا يقتضى ذلك كونهم أفضل من بقية الناس وأعلمهم فكمال الفضل يكون بالإيمان والتقوى لا بالقرب والنسب، يقول تعالى: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ))[الحجرات:13]، وأبو بكر الصديق هو أتقى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ([25]) ووصفه علي بأنه يصلي ألف ركعة وهذا ذم له؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على ثلاثة عشر ركعة ([26]) ومخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) ([27]).
وقوله: إن علياً أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوى مجردة؛ بل ينازعه جمهور المسلمين من المتقدمين والمتأخرين والمؤاخاة إنما كان بين المهاجرين والأنصار لا غير.
وأما قوله: (وأنفسنا وأنفسكم) فهي مثل قوله تعالى: (( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا )) يعني: أن الواحد من المؤمنين من أنفس المؤمنين والمؤمنات وإن كان تزويجه صلى الله عليه وسلم لعلي، فاطمة فضل لعلي، فإن عثمان تزوج بابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي (ذو النورين) فهذه فضيلة لعثمان وكذلك في تزويجه صلى الله عليه وسلم بنت أبي بكر الصديق وبنت عمر فضيلة لهما.
وأما ما ادعاه من ظهور المعجزات لعلي فإن كان يعني به الكرامات كما جرى ذلك عند كثير من الناس -إطلاق المعجزات على الكرامات- فقد حصلت الكرامات لكثير من عوام الناس فضلاً عن علي ما دل ذلك على فضلهم على غيرهم.
ثم لو كان ظهور المعجزات الكثيرة سبباً لادعاء الناس الألوهية في الشخص لادعى الصحابة الألوهية للرسول صلى الله عليه وسلم لأن معجزاته أكثر بكثير من معجزات علي،ولم يفعلوا. وكذلك معجزات إبراهيم وموسى عليهما السلام أكثر من معجزات علي ولم يدعى فيهما الألوهية.
وأما قول الرافضي: (وكان والده سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي صلى الله عليه وسلم).
فيقال له: الذي ورد في الصحيح في شأن الحسن هو قوله صلى الله عليه وسلم: (إن ابني هذا سيد وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) ([28]) وهذا مدح له من الرسول صلى الله عليه وسلم لترك القتال على الإمامة وكان أيضاً يدعو لهما هو مع أسامة بن زيد فيقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما) ([29]) وكان لحسن والحسين من الفضل العظيم وقد أدخلهما الرسول صلى الله عليه وسلم تحت الكساء مع أبويهما وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً).
وقوله: أنهما أزهد الناس فمما لا دليل عليه. "وإنهما جاهدا في الله حق جهادهما حتى قتلا" فكذب لأن الحسن ما اختار القتال وإنما سلم الأمر لمعاوية، ومات الحسن مسموماً، ولم يمت مقاتلاً. وأما الحسين فإنه أيضاً ما خرج يريد القتال ولكن ظن أن الناس يطيعونه فلما انصرفوا عنه أراد العودة إلى بلده إلى الثغر أو إلى يزيد فلم يمكنه أولئك الظلمة أحد الأمور الثلاثة إلا أن يأخذوه أسيراً إلى يزيد فأبي فتقاتلوا إلى أن قتل مظلوما وما أراد القتال ابتداء.
• ** دفع افتراءات عن زين العابدين والباقر والصادق **
أما علي بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علماً وديناً، قال عنه محمد بن سعد في الطبقات: "كان ثقة مأموناً كثير الحديث عالياً رفيعاً" وقال عنه يحي بن سعيد:" هو أفضل هاشمي رأيته في المدينة " وأما كونه يصلي ألف ركعة كل ليلة فقد تقدم فساده في علي فلا فرق، وأما ما ذكره من تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيد العابدين فلا أصل له عند العلماء. وكذا أبو جعفر محمد بن علي من خيار أهل العلم والدين، وقيل: سمي بالباقر لأنه بقر العلم لا لأجل بقر السجود جبهته وأما تسميته بالباقر بأن ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فلا، وليس هذا عند أهل العلم بل هو موضوع كذلك حديث تبليغ جابر له السلام كل ذلك موضوع وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما جعفر الصادق فهو أيضاً من خيار أهل العلم والدين، وقال عمرو بن أبي المقدام:" كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين " ففي قوله: إنه اشتغل بالعبادة عن الإمامة ظاهر التناقض إذ الإمامة عندهم واجب ولا يخلو وقت من إمام، فلو كان واجباً فلماذا عدل عن الواجب إلى النوافل؟
وأما قوله: "هو الذي نشر فقه الإمامية والمعارف الحقيقية والعقائد اليقينية".
الجواب: هذا فيه أحد الأمرين: إما أن يكون ابتدع علوماً لم يكن لسابقه، أو أن الذين سبقوه قصروا جداً في نشر هذا العلم مما هو واجب عليهم وهذا غلط كبير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين لأمته كل ما يجب عليهم من أمور دينهم وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ثم أخذ الصحابة في نشر الدين بعده وبلغوه إلى الأمة. ونسبوا إلى جعفر الصادق ما لم ينسبوها لغيره من الأقاويل والأباطيل.
• ** موسى بن جعفر الكاظم **
موسى بن جعفر هو الذي جاء بعد أبيه ويقول عنه أبو حاتم الرازي: "ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين" ولد بالمدينة وذهب إلى بغداد ثم عاد إلى المدينة وأخيرا عاد إلى بغداد وحبس إلى أن توفي هناك. والذين جاءوا بعده ليس لهم ذكر في العلم ولكن لهم من الفضل مالهم وقد اشتهر بالعبادة ومع هذا فإن الحكاية المذكورة عن شقيق البلخي لاتصح كما لايصح قوله" تاب على يديه بشر الحافي " متى رآه وهو محبوس في السجن؟
• ** علي بن موسى الرضا **
قال الرافضي: "وكان ولده علي الرضا أزهد أهل زمانه وكان أعلمهم، وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيراً وولاه المأمون بعلمه بما هو عليه من الكمال والفضل، ووعظ يوماً آخاه زيداً، فقال: يا زيد! ما أنت قائل لرسول الله إذا سفكت الدماء وغرك حمقي أهل الكوفة؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار..... فلا يكون الإحصان سبباً لتحريم ذريتها على النار وأنت تظلم، والله مانالوا ذلك إلا بطاعة الله، فإن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوه بطاعته إنك إذا لأكرم على الله منهم. وذكر أيضا " وقيل لأبي نواس: لم لاتمدح الرضا؟ فأجاب بأبيات منها:
قلت لا أستطيع مدح إمام كان جبريل خادماً لأبيه
فيقال: من المصائب التي ابتلي بها ولد الحسين يمدحهم الشيعة بما هو للذم أقرب ويتركون مكارمهم المعروفة الثابتة، وهذا الذي ذكره الرافضي من أنه أزهد الناس وأعلمهم، فدعوى مجردة بلا دليل ويعلم الناس أنه كان في زمانه من هو أعلم منه وأزهد منه كالشافعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيرهم.
وكذلك قوله: إنه أخذ عنه فقهاء الجمهور كثيراً "فكذب ظاهر؛ لأن جمهور الفقهاء المشهورون ما أخذوا عنه، إلا أن يكون طلبة الفقهاء إنهم قد يأخذون عنهم لأنهم يأخذون عن المتوسطين في العلم بل ربما أخذوا ممن دونهم.
والحديث الذي ذكره الرافضي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن فاطمة فكذب باتفاق علماء الحديث بل حتى من لم يكن من أهل الصنعة يعرف ذلك إن قوله: { إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار } يقتضي أن إحصان فرجها هو السبب لتحريم ذريتها من النار، وهذا باطل قطعاً، فإن سارة أحصنت فرجها ولم يحرم الله جميع ذريتها على النار.
وأما تسمية جبريل بخادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعبارة من لا يعرف قدر الملائكة، وأما الحكايات والأشعار التي يروونها من دون أصل فهذا هو المتعارف عندهم بل هو شعارهم.
• ** محمد الجواد **
قال الرافضي: "كان ولده محمد بن علي الجواد على منهاج أبيه في العلم والتقوى والجود ولما مات أبوه الرضا شغف بحبه المأمون وزوجه ابنته أم الفضل بعد أن أمتحنه في مسالة: المحرم إذا قتل صيدا " فأجاب: بما حير السائل الموكل وهو يحيى بن أكثم ([30])"
الجواب: أن يقال: إن محمد بن الجواد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم وهو معروف بالسخاء والسؤدد، ولهذا سمي بالجواد، وعاش خمساً وعشرين سنة، وزوجه المأمون ابنته وكان يرسل ألف ألف درهم واستقدمه المعتصم بغداد ومات بها سنة (120) هـ تقريباً.
• ** علي بن محمد الهادي **
قال الرافضي: "وكان ولده علي الهادي ويقال له: العسكري.... لأنه أقام بموضع يقال له: العسكر في سر من رأى، وبلغ المتوكل مقامه بالمدينة وميل الناس إليه فخاف منه فدعى يحيى بن هبيرة وأمره بإحضاره وضج أهل المدينة لذلك خوفاً عليه لأنه كان محسناً إليهم ملازماً للعبادة في المسجد، فحلف يحيى أنه لا مكروه عليه، ثم فتش منزله ولم يجد سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عينه وتولى خدمته بنفسه، ولما قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطائي والي بغداد فقدم إلى المتوكل فأكرمه، ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفي تصدق بدراهم كثيرة،فسأل الفقهاء فلم يجد عندهم جواباً، فبعث إلى علي الهادي فسأله، فقال: تصدق بثلاثة وثمانين درهما، فسأله المتوكل عن السبب، فقال: لقوله تعالى: (( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ))[التوبة:25]، وكانت المواطن هذه الجملة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزاة وبعث ستاً وخمسين سرية.
ونمي إلى المتوكل بعلي بن محمد فبعث إليه فجيء به وهو في مجلس الشراب... وقال: أسمعني صوتا! فقال: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) وأنشده شعراً منها:
باتوا على قلل الأجيال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم وأسكنوا حفراً يابئس ما نزلوا
........... إلخ فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته.
فيقال: هذا الكلام يسرده بلا مستند، ومما يدل على فساد قوله ذكره والي بغداد، وأنه كان إسحاق بن إبراهيم الطائي، ومعروف أنه ليس طائياً بل هو خزاعي، فإنه إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب، وابن عمه عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب أمير خراسان المشهور، وابن هذا محمد بن عبد الله بن طاهر كان نائباً على بغداد في خلافة المتوكل وغيره، وهو الذي صلى على أحمد بن حنبل لما مات، وإسحاق بن إبراهيم هذا كان نائباً لهم في إمارة المعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل، وهؤلاء كلهم من خزاعة وليسوا من طيء.
وأما ذكره من إفتاء للمتوكل بأن يتصدق بثلاثة وثمانين درهماً - لما نذر من أنه سيتصدق بدراهم كثيرة إن عوفي، فقد حكى عن علي بن موسى مع المأمون، وعلى أية حال: إما أن يكون كذباً أو جهلاً من المفتي بذلك. والأدلة المذكورة على ذلك باطلة ! لان الغزوات التي شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ هذا العدد اتفاقاً، ولا السرايا أيضا بلغ العدد المذكور. وهذه الآية نزلت يوم حنين فينبغي أن يكون المعدود فقط غزوات التي وقعت قبلها لا بما حدثت بعدها - ومعلوم أن غزوة الطائف وتبوك وكثير من السرايا وقعت بعدها. وكذلك لو صح الاستدلال لوجب استثناء الغزوات التي ما انتصر فيها المسلمون كغزوة أحد وسرية مؤته وغيرها. ولفظ " الكثير " عام يناول العشرات ومئات بل الآلاف وأكثر، قال تعالى: (( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً )) والله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة كما نص القرآن، وقال تعالى: (( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )).
• **محمد بن الحسن المنتظر**
قال الرافضي: وولده مولانا المهدي محمد عليه السلام. وروى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فذلك هو المهدي).
فيقال: ذكر المؤرخون وأهل العلم بالأنساب كابن جرير الطبري وابن قانع وغيرهما: أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسب ولا عقب، خلافاً لمن يدعي ذلك من الإمامية، وعلى اختلاف فيما بينهم منهم من يقول له ولد دخل السرداب بسامراء وله سنتان من العمر، وقيل: ثلاث، وقيل: خمس، هذا ولو ثبت وجوده لوجب أن يكون تحت حضانة أم أو أخ أو قريب ونحوهم ويحفظ له ممتلكاته شرعا قال تعالى: (( وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ ))[النساء:6]، فهذا الذي لا يجوز تسليم ماله إليه حتى يبلغ الرشد فكيف يكون إماما لجميع المسلمين؟! وسواء كان موجوداً أو غير موجود فإنه لم يحصل منه شيء من مقاصد الإمامة؛ لأن الأمة لم تستفد منه ديناً ولا دنيا. وقد يقال: إنه احتجب من الناس لظلمهم، فلو كان هذا هو السبب لخفائه لاختفى من كان قبله من آبائه؛ لأن الظلم أيضاً في زمنهم منتشر.
وما زالت تدعوا له بالخروج من مدة أكثر من أربعمائة وخمسين سنة ([31]) ولم يحصل شيء من هذا، ومعلوم اضطراراً أنه لا تكاد تجد من يعيش هذه السنوات في هذه الأمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد) ([32]).
فمن احتج بحياة الخضر على حياته فقد أخطأ لأن المحققين أثبتوا على أن الخضر قد مات، وبتقدير عدم وفاته فإنه ليس من هذه الأمة ومعلوم أن أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين كما ثبت في الحديث. ([33]).
وأما ما استدل به الرافضي عن خروج المهدي في آخر الزمان... عن ابن عمر مرفوعا.
فيقال له: كيف تستدل بما لا تعتبره حجة لديك -الحديث المروي من كتب أهل السنة- فربما قال: حجة عليهم، فنذكر كلامهم فيه.
ثم هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به؟
ثم إن لفظ الحديث حجة عليكم لا لكم فإن لفظه: (يواطي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي) يعني: اسمه محمد بن عبد الله لا محمد بن الحسن، وذكر عن علي أنه من ولد الحسن لا من ولد الحسين.
وقد روى علماء أهل السنة الأحاديث الصحيحية عن المهدي منها حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل من أهل بيته يواطي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت ظلما وجورا) ([34]).
وأما الحديث الذي ذكره الرافضي: (اسمه كاسمي وكنيته كنيتي) فكذب بهذا اللفظ؛ لأن الوارد هو: (يواطي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي) كما سبق.
وأما نسبة الحديث إلى ابن الجوزي إن أراد أبا الفرج صاحب المصنفات الكثيرة فكذب، وإن أراد سبطه يوسف بن قزاوغلي صاحب التاريخ المسمى "بمرآة الزمان" فهو كحاطب ليل يجمع بين الغث والسمين في مؤلفاته ويكثرها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة.
وأما ما ذكر الرافضي من أن الأئمة هؤلاء معصومون فهلا ذكر دليلاً؟ وأما كون الأرض لا تخلو من إمام، الشاهد يكذب هذا والواقع عندكم على خلافه، إذ كيف تتصورون حضور مفقود غائب.
وبالنظر إلى جميع ما استدل به الرافضي يظهر لنا أنه يعتمد على الأباطيل والأحاديث الضعيفة والموضوعة وقصص واهية وكاذبة، وإن استدل بما هو صحيح إما أن يكون لا حجة فيه أصلاً أو فسره على هوى.
إن أصول الدين هو أهم المطالب وليس مسألة الإمامة التي هي من الوسائل فتوحيد الله هو أول شيء، ثم بقية أركان الإسلام الخمسة من الصلاة والزكاة والصوم والحج، والطاعة إنما تجب لله ورسوله، وطاعة أولي الأمر مقيدة بما هو في طاعة الله أو في المعروف والطاعة لله والرسول هي الطريقة للسعادة والنجاة من النار ليس معرفة الإمام، ولا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، ويجب موالاة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء لهم وكذلك أهل بيتهم ويشمل نساءهم ونشهد لهم بالخير والصلاح.
===============00000
[1] انظر الإمامة العظمى لعبدالله بن عمر بن سليمان الدميجي.
[2] اشتهر عند متأخريهم قولهم:" إن لائمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، انظر الخميني في تفضيل الأئمة على الأنبياء لمؤلفه مال الله." من عقائد الشيعة " لعبدالله السلفي ص:25
[3] انظر: الإمامة والنص / فيصل نور ص:33 فما بعدها، وكتاب: علماء الشيعة يقولون، لمركز إحياء التراث.
[4] انظر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعدى الهاشمي.
[5]انظر: الرد الكافي على مغالطات الدكتور علي عبدالواحد وافي في كتابه بين الشيعة وأهل السنة: لإحسان إلهي ظهير.
[6] كتاب الإمامة والرد على الرافضة للحافظ أبي نعيم الأصفهاني ص:122- 141 وكتاب: الشيعة والقرآن لإحسان إلهي ظهير
[7] البخاري 1/10 ومسلم 1/52-53
[8]انظر البخاري ( 7/119) ومسلم (4/1857)
[9]أحمد (5/383) والترمذي (5/371)
[10]البخاري (9/83) ومسلم (3/1454).
[11]مسلم (4/1856).
[12]يقول علي ابن أبي طالب:" إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على مابايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب ان يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج على أمرهم خارج بطعن أو بدعه" ردوه إلى ماخرج منه فإن أبي قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ماتولى " نقله إحسان إلهي ظهير من نهج البلاغة، انظر كتابه الشيعة وأهل البيت ص 58.
[13]القول الثاني هو أنه بايعه في أول الأمر كما يشهد لذلك حديث أبي سعيد الخدري وغيره:" ان عليا بايع أبا بكر في أول الأمر " وصححه ابن حبان، وهو قول الحافظين ابن كثير وابن حجر. انظر الإنتصار للصحب والآل للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي ص334/337
[14]( المسند 1/164) تحقيق أحمد شاكر
[15]( المسند 1/164) البخاري (5/8) ومسلم ( 4/1967)
[16]انظر كتاب الرد الكافي على مغالطات الدكتور عبدالواحد وافي
[17] يونس 9
[18]انظر: البخاري (1/12)، ومسلم (1/78)
[19]مسلم (1/448) (3/1467) أبو داود (2/955)
[20]المسند ( 4/426،427، 436 )
[21]سنن أبي داود ( 4/276 )، والترمذي (4/134)
[22]اانظر البخاري (3/46) ومسلم (3/833)
[23]انظر: الشيعة والتشيع فرق وتايخ للأستاذ احسان إلهي ظهير / وتاريخ فرق الشيعة للنوبختي.
[24]مسلم (4/1883) والترمذي (5/30) (5/328) والمسند (6/292-398)
[25]البخاري (1/96- ) ومسلم (4/1854)
[26]البخاري (3/51) ومسلم (1/508)
[27] البخاري (4/161) (2/50) ومسلم (2/816) وغيرهما
[28]البخاري (3/186) ومواضع آخرى منه. وسنن أبي داود ( 4/299)
[29]المسند (5/205-210)
[30]بتحريف يسير
[31]هذا في عصر شيخ الإسلام ( المؤلف ) والآن يزيد على إحدى عشر قرن ولم يظهر.
[32]البخاري (1/119) مسلم (4/1965)
[33]انظر سنن الترمذي (5/123-124) وقال حسن غريب من هذا الوجه.
[34]انظر سنن أبي داود (4/151) والترمذي (3/343) والمسند (2/117).
--------------------نقض الآيات التي استدل بها الرافضي على إثبات الإمامة والأفضلية
نقض الآيات التي استدل بها الرافضي على إثبات الإمامة والأفضلية (1)
*الدليل الأول: قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ))[المائدة:67]:
قال الرافضي: اتفقوا على نزولها في علي، وروى أبو نعيم بإسناده عن عطية قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي بن أبي طالب، ومن تفسير الثعلبي قال: معناها: بلغ ما أنزل إليك من ربك في فضل علي، فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد علي فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) والنبي صلى الله عليه وسلم مولى أبي بكر وعمر وباقي الصحابة بالإجماع، فيكون علي مولاهم فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أما ما يرويه أبو نعيم في الحلية أو في فضائل الخلفاء، والنقّاش والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير، فقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن فيما يروونه كثيراً من الكذب والموضوع.
2) هذه الآية -مع ما علم من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم- تدل على نقيض ما ذكروا وهو: أن الله لم ينزلها عليه، ولم يأمره بها، فإنها لو كانت مما أمره بتبليغه لبلغه، فإنه لا يعصي الله في ذلك ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: [[من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد كذب، والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ...) الآية]]، ولكن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ شيئاً من إمامة علي، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم.
3) أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فلو كان له أصل لنقل، كما نقل أمثاله من حديثه، لاسيما مع كثرة ما ينقل في فضائل علي من الكذب الذي لا أصل له، فكيف لا ينقل الحق الصدق الذي قد بلغ للناس؟! ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه.
*الدليل الثاني: قوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ))[المائدة:3]:
قال الرافضي: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وبالولاية لعلي من بعدي) ثم قال: (من كنت مولاه، فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه! وانصر من نصره واخذل من خذله!)
الجواب:
1) أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالموضوعات، وهذا يعرفه أهل العلم بالحديث والمرجع إليهم في ذلك، ولذلك لا يوجد هذا في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها.
2) أن هذه الآية ليس فيها دلالة على علي ولا إمامته بوجه من الوجوه، بل فيها إخبار الله بإكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين، ورضا الإسلام دينا، فدعوى المدعي أن القرآن يدل على إمامته من هذا الوجه كذب ظاهر.
*الدليل الثالث: قوله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى))[النجم:1-2].
قال الرافضي: روى الفقيه علي بن المغازلي الشافعي بإسناده عن ابن عباس قال: كنت جالساً مع فتية من بني هاشم عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ انقضّ كوكب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من انقضّ هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي) فقام فتية من بني هاشم فنظروا فإذا الكوكب قد انقضّ في منزل علي، قالوا: يا رسول الله! قد غويت في حب علي، فأنزل الله: (( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ))[النجم:1-2].
الجواب:
1) أن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وهذا المغازلي ليس من أهل الحديث كأبي نعيم وأمثاله، ولا هو أيضا من جامعي العلم الذين يذكرون ما غالبه حق وبعضه باطل كالثعلبي وأمثاله، بل هذا لم يكن الحديث من صنعته، فعمد إلى ما وجده من كتب الناس من فضائل علي فجمعها.
2) أنه مما يبين أنه كذب: أن فيه ابن عباس شهد نزول سورة النجم حين انقض الكوكب في منزل علي، وسورة النجم باتفاق الناس من أول ما نزل بمكة، وابن عباس حين مات النبي صلى الله عليه وسلم كان مراهقاً للبلوغ لم يحتلم بعد، فعند نزول هذه الآية: إما أن ابن عباس لم يكن ولد بعد وإما أنه كان طفلاً لا يميز فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر كان عمر ابن عباس نحو خمس سنين، والأقرب أنه لم يكن ولد عند نزول سورة النجم.
3) أن أهل العلم بالتفسير متفقون على خلاف هذا، وأن النجم المقسم به إما نجوم السماء وإما نجوم القرآن ونحو ذلك، ولم يقل أحد إنه كوكب نزل في دار أحد بمكة.
4) أن من قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (غويت) فهو كافر.
*الدليل الرابع: قوله تعالى: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ))[النور36-37]:
قال الرافضي: قال الثعلبي بإسناده عن أنس وبريدة قالا: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله ! هذا البيت منها؟ يعني: بيت علي وفاطمة، قال: نعم. من أفضلها) وصف فيها الرجال بما يدل على أفضليتهم فيكون علي هو الإمام وإلا لزم تقديم المفضول على الفاضل.
الجواب:
1) أن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، ولهذا لم يذكره علماء الحديث في كتبهم التي يعتمد في الحديث عليها كالصحاح والسنن والمسانيد، مع أن في بعض هذه ما هو ضعيف بل ما يعلم أنه كذب، لكن هذا قليل جداً، وأما هذا الحديث وأمثاله فهو أظهر كذباً من أن يذكروه في مثل ذلك.
2) أن يقال: الآية باتفاق الناس هي في المساجد كما قال تعالى: (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ))[النور:36] وبيت علي وغيره ليس موصوفاً بهذه الصفة.
3) أن يقال: بيت النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من بيت علي باتفاق المسلمين، ومع هذا لم يدخل في هذه الآية لأنه ليس في بيته رجال، وإنما فيه هو والواحدة من نسائه، ولما أراد بيت النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ.. ))[الأحزاب:53] وقال: (( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ))[الأحزاب:34].
4) أن يقال: إن أريد ببيوت الأنبياء ما سكنه النبي صلى الله عليه وسلم، فليس في المدينة من بيوت الأنبياء إلا بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يدخل فيها بيت علي، وإن أريد ما دخله الأنبياء فالنبي صلى الله عليه وسلم قد دخل بيوت كثير من الصحابة.
*الدليل الخامس: قوله تعالى: (( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ))[الشورى:23]:
قال الرافضي: روى أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: (يا رسول الله! من قرابتكم الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال علي وفاطمة وابناهما) وغير علي من الصحابة والثلاثة لا تجب مودتهم فيكون علي أفضل، فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) إن قوله: (إن أحمد روى هذا في مسنده) كذب بين، فإن مسند أحمد موجود، به من النسخ ما شاء الله وليس فيه هذا الحديث.
2) أن يقال: إن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
3) أن يقال: إن هذه الآية في سورة الشورى، وهي مكية باتفاق أهل السنة، ومن المعلوم أن علياً إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة للهجرة، والحسين في السنة الرابعة فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة.
4) أن يقال: إن تفسير الآية التي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك.
*الدليل السادس: قوله تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ))[البقرة:207]:
قال الرافضي: قال ابن عباس: إنما نزلت في علي لما هرب النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين إلى الغار ) وهذه فضيلة لم تحصل لغيره تدل على أفضلية علي على جميع الصحابة؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر هو وأبو بكر إلى المدينة لم يكن للقوم غرض في طلب علي وإنما كان مطلوبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر.
2) أن هذه الآية في سورة البقرة وهي مدنية بلا خلاف، وإنما نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم تنزل وقت هجرته وقيل نزلت في صهيب رضي الله عنه لما هاجر.
3) أن يقال: ولا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيرها من الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع؛ فيكون هو الإمام.
*الدليل السابع: قوله تعالى: (( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ...))[آل عمران:61] الآية:
قال الرافضي: نقل الجمهور كافة أن (أبناءنا) إشارة إلى الحسن والحسين، و(نساءنا) إشارة إلى فاطمة، و(أنفسنا) إشارة إلى علي، وهذه الآية دليل على ثبوت الإمامة لعلي.
الجواب:
1) أن قوله: (نساءنا) لا يختص بفاطمة، بل من دعاه من بناته كانت منزلتها في ذلك، لكن لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقية وأم كلثوم وزينب كن قد توفين قبل ذلك.
2) كذلك (أنفسنا) ليس مختصاً بعلي، بل هذه صيغة جمع كما أن (نساءنا) صيغة جمع وكذلك (أبناءنا) صيغة جمع، وإنما دعا حسناً وحسيناً لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالبنوة سواهما.
*الدليل الثامن: قوله تعالى: (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ... ))[البقرة:37] الآية:
قال الرافضي: روى ابن المغازلي بسنده عن ابن عباس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، قال: (سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن يتوب عليه فتاب عليه) وهذه فضيلة لم يلحقه أحد من الصحابة فيها؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
2) أن الكلمات التي تلقاها آدم قد جاءت مفسرة في قوله تعالى: (( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ))[الأعراف:23].
3) أن يقال: إن هذا لو كان مشروعاً فآدم نبي كريم، كيف يقسم على الله بمن هو أكرم عليه منه؟ ولا ريب أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل من آدم، لكن آدم أفضل من علي وفاطمة والحسن والحسين.
*الدليل التاسع: قوله تعالى: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.. ))[البقرة:124].
قال الرافضي: روى ابن المغازلي عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (انتهت الدعوة إليّ وإلى علي؛ لم يسجد أحدنا لصنم قط؛ فاتخذني نبياً واتخذ علياً وصياً) وهذا نصٌ في الباب.
الجواب:
1) أن هذا الحديث كذب موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث.
2) أنه لو قيل: إنه لم يسجد لصنم لأنه أسلم قبل البلوغ فلم يسجد بعد إسلامه، وهكذا كل مسلم والصبي غير مكلف.
*الدليل العاشر: قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا))[مريم:96]:
قال الرافضي: وفي تفسير الثعلبي عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: (يا علي! قل: اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودةً) فأنزل الله: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ... ))[البقرة:277] الآية. ولم يثبت لغيره ذلك؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا الحديث كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
2) أن قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ... )) عام في جميع المؤمنين، فلا يجوز تخصيصها بعلي، بل هي متناولة لعلي وغيره والدليل عليه أن الحسن والحسين وغيرهما من المؤمنين الذين تعظمهم الشيعة داخلون في الآية، فعلم بذلك الإجماع على عدم اختصاصها بعلي.
*الدليل الحادي عشر: قوله تعالى: (( إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ))[الرعد:7]:
قال الرافضي: من كتاب الفردوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا المنذر وأنت الهادي، بك يا علي يهتدي المهتدون) وهو صريح في ثبوت الولاية والإمامة.
الجواب:
1) أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، فيجب تكذيبه ورده.
2) أن الله تعالى قد جعل محمداً هادياً فقال: (( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ))[الشورى:52] فكيف يجعل الهادي من لم يوصف بذلك دون من وصف به؟!
3) أن قوله: (بك يهتدي المهتدون) ظاهره أن كل من اهتدى من أمة محمد فبه اهتدى، وهذا كذب بين، فإنه قد آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم خلق كثير، واهتدوا به، ودخلوا الجنة، ولم يسمعوا من علي كلمة واحدة.
*الدليل الثاني عشر: قوله تعالى: (( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ))[الصافات:24]:
قال الرافضي: عن ابن عباس قال في قوله تعالى: (( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ))[الصافات:24] عن ولاية علي، وإذا سئلوا عن الولاية وجب أن تكون ثابتة له، ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا كذب موضوع بالاتفاق.
2) هذا خطاب عن المشركين المكذبين بيوم الدين، وهؤلاء يسألون عن توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر. وأي مدخل لحب عليٍّ في سؤال هؤلاء؟ تراهم لو أحبوه مع هذا الكفر والشرك أكان ذلك ينفعهم؟
*الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: (( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ))[محمد:30]:
قال الرافضي: روى أبو نعيم بإسناده عن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى: (( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ))[محمد:30] قال: ببغضهم علياً) ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك، فيكون أفضل منهم؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا من الكذب على أبي سعيد عند أهل المعرفة بالحديث.
2) أنا نعلم بالاضطرار أن عامة المنافقين لم يكن ما يعرفون به من لحن القول هو بغض علي، وتفسير القرآن بهذا فرية ظاهرة.
3) أن علياً لم يكن أعظم معاداة للكفار والمنافقين من عمر، بل ولا نعرف أنهم كانوا يتأذون منه كما يتأذون من عمر.
*الدليل الرابع عشر: قوله تعالى: (( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ))[الواقعة:10-11]:
قال الرافضي: روى أبو نعيم عن ابن عباس في هذه الآية: سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب، وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا باطل عن ابن عباس ولو صح عنه لم يكن حجة إذا خالفه من هو أقوى منه.
2) قوله: (وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة) ممنوع، فإن الناس متنازعون في أول من أسلم، فقيل: أبو بكر أول من أسلم فهو أسبق إسلاماً من علي، وقيل: إن علياً أسلم قبله لكن علي كان صغيراً وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء، ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع؛ فيكون هو أكمل سبقاً بالاتفاق .
*الدليل الخامس عشر: قوله تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ))[التوبة:20]:
قال الرافضي: روى رزين بن معاوية أنها نزلت في علي لما افتخر طلحة بن شيبة والعباس، وهذه لم تثبت لغيره من الصحابة؛ فيكون أفضل؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) المطالبة بصحة النقل، ورزين قد ذكر في الكتاب أشياء ليست في الصحاح.
2) أن الذي في الصحيح ليس كما ذكره عن رزين، بل الذي في الصحيح ما رواه النعمان بن بشير قال: تماروا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله تعالى: (( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ))[التوبة:19] الآية رواه مسلم.
*الدليل السادس عشر: قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً... ))[المجادلة:12] الآية:
قال الرافضي: ومن طريق أبي نعيم إلى ابن عباس قال: إن الله حرم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بتقديم الصدقة، وبخلوا أن يتصدقوا قبل كلامه، وتصدق علي ولم يفعل ذلك أحد من المسلمين غيره. وهذا يدل على فضيلته عليهم؛ فيكون هو أحق بالإمامة.
الجواب:
أن يقال: أما الذي ثبت فهو أن علياً رضي الله عنه تصدق وناجى ثم نسخت الآية قبل أن يعمل بها غيره، لكن الآية لم توجب الصدقة عليهم؛ لكن أمرهم إذا ناجوا أن يتصدقوا ومن لم يناج لم يكن عليه أن يتصدق. وإذا لم تكن المناجاة واجبة لم يكن أحد ملوما إذا ترك ما ليس بواجب ومن كان فيهم عاجزاً عن الصدقة ولكن لو قدر لناجى فتصدق فله نيته وأجره.
*الدليل السابع عشر: قوله تعالى: (( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا... ))[الزخرف:45] الآية:
قال الرافضي: قال ابن عبد البر: وأخرجه أبو نعيم أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به جمع الله بينه وبين الأنبياء ثم قال: سلهم يا محمد علام بعثتم؟ قالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله، وعلى الإقرار بنبوتك، وعلى الولاية لعلي بن أبي طالب) وهذا صريح بثبوت الإمامة لعلي.
الجواب:
1) أن مثل هذا مما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع.
2) قد أجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأطاعه ومات في حياته ولم يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً لم يضره ذلك شيئاً، ولم يمنعه ذلك من دخول الجنة، فإذا كان هذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يقال: إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة.
*الدليل الثامن عشر: قوله تعالى: (( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ))[الحاقة:12]:
قال الرافضي: في تفسير الثعلبي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سألت الله عز وجل أن يجعلها أذنك يا علي) وهذه الفضيلة لم تحصل لغيره فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا موضوع باتفاق أهل العلم.
2) أذن علي من الآذان الواعية كأذن أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وحينئذ فلا اختصاص لعلي بذلك، وهذا مما يعلم بالاضطرار أن الآذان الواعية ليست أذن علي وحده، أترى أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست واعية؟ ولا أذن الحسن والحسين وعمار وأبي ذر والمقداد وسلمان الفارسي وسهل بن حنيف وغيرهم ممن يوافقون على فضيلتهم وإيمانهم؟ وإذا كانت الأذان الواعية له ولغيره لم يجز أن يقال هذه الفضيلة لم تحصل لغيره.
*الدليل التاسع عشر: قوله تعالى: (( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ))[الزمر:33]:
قال الرافضي: من طريق أبي نعيم عن مجاهد في قوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) محمد صلى الله عليه وسلم، (وَصَدَّقَ بِهِ) قال: علي بن أبي طالب) وهذه فضيلة اختص بها؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا ليس منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقول مجاهد وحده ليس بحجة يجب اتباعه على كل مسلم لو كان هذا النقل صحيحاً عنه، فكيف إذا لم يكن ثابتاً عنه؟!
2) أن هذا معارض بما هو أشهر منه عند أهل التفسير، وهو أن الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به أبو بكر، فإن هذا يقوله طائفة وذكره الطبري بإسناده إلى علي.
3) أن يقال: إن لفظ الآية مطلق لا يخص بأبي بكر ولا بعلي، بل كل من دخل في عمومها دخل في حكمها.
*الدليل العشرون: قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ... ))[الأنفال:62]:
قال الرافضي: ومن طريق أبي نعيم عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي بن أبي طالب) وهذه من أعظم الفضائل التي لم تحصل لغيره من الصحابة فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل الحديث.
2) أن الله تعالى قال: (( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ... )) الآية. وهذا نص في أن المؤمنين عدد مؤلف بين قلوبهم، وعلي واحد منهم ليس قلوباً يؤلف بينها، والمؤمنون صيغة جمع.
3) أن يقال: من المعلوم بالضرورة والتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان قيام دينه بمجرد موافقة علي، فإن علياً كان من أول من أسلم وكان الإسلام ضعيفاً، فلولا أن الله هدى من هداه إلى الإيمان والهجرة والنصرة لم يحصل بعلي وحده شيء من التأييد.
4) أنه لم يكن لعلي في الإسلام أثر حسن إلا ولغيره من الصحابة مثله، ولبعضهم آثار أعظم من آثاره، وهو معلوم لمن عرف السيرة الصحيحة الثابتة بالنقل.
*الدليل الحادي والعشرون: قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ))[الأنفال:64]:
قال الرافضي: من طريق أبي نعيم قال: نزلت في علي) وهذه فضيلة لم تحصل لأحد من الصحابة غيره فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا ليس بحجة.
2) أن يقال: هذا الكلام من أعظم الفرية على الله ورسوله، وذلك أن قوله: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ))[الأنفال:64] معناه: أن الله حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين فهو وحده كافيك وكافي من معك من المؤمنين.
3) قد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية: أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون: (من اتبعك) رفعاً عطفاً على الله وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر، فإن الله وحده حسب جميع الخلق.
*الدليل الثاني والعشرون: قوله تعالى: (( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ))[المائدة:54].
قال الرافضي: قال الثعلبي: إنما نزلت في علي) وهذا يدل على أنه أفضل فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا كذب على الثعلبي فإنه قال في تفسيره في هذه الآية: قال علي وقتادة والحسن: أنه أبو بكر وأصحابه، وقال مجاهد: هم أهل اليمن.
2) أن هذا قول بلا حجة فلا يجب قبوله.
3) أن هذا معارض بما هو أشهر منه وأظهر وهو: أنها نزلت في أبي بكر وأصحابه الذين قاتلوا معه أهل الردة، وهذا هو المعروف عند الناس.
4) قوله: (( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ))[المائدة:54] لفظ مطلق ليس فيه تعيين، وهو متناول لمن قام بهذه الصفة كائناً ما كان، لا يختص ذلك بأبي بكر ولا بعلي، وإذا لم يكن مختصاً بأحدهما لم يكن هذا من خصائصه، فبطل أن يكون بذلك أفضل ممن يشاركه فضلاً عن أن يستوجب بذلك الإمامة.
* الدليل الثالث والعشرون: قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ))[الحديد:19]:
قال الرافضي: روى أحمد بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصديقون ثلاثة: حبيب بن موسى النجار مؤمن آل ياسين، الذي قال يا قوم اتبعوا المرسلين. وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ وعلي بن أبي طالب الثالث وهو أفضلهم)، وهذه فضيلة تدل على إمامته.
الجواب:
1) هذا الحديث ليس في مسند أحمد، ومجرد روايته له في الفضائل لو كان رواه لا يدل على صحته عنده باتفاق أهل العلم، فإنه يروي ما رواه الناس وإن لم تثبت صحته، فكيف وهذا الحديث لم يروه أحمد لا في المسند ولا في كتاب الفضائل، وإنما هو من زيادات القطيعي؟!
2) أن هذا الحديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3) أن في الصحيح من غير وجه تسمية غير علي صديقا كتسمية أبي بكر الصديق فكيف يقال: الصديقون ثلاثة؟
4) أن يقال: إن كان الصديق هو الذي يستحق الإمامة فأحق بكونه صديقا أبو بكر فإنه الذي ثبت له هذا الاسم بالدلائل الكثيرة، وبالتواتر الضروري عند الخاص والعام.
* الدليل الرابع والعشرون: قوله تعالى: (( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ))[البقرة:274]:
قال الرافضي: من طريق أبي نعيم بإسناده عن ابن عباس: نزلت في علي كان معه أربعة دراهم فأنفق درهماً بالليل، ودرهماً، بالنهار، ودرهماً سراً، ودرهماً علانية) ولم يحصل لغيره فيكون أفضل؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا كذب ليس بثابت.
2) أن هذه الآية عامة في كل من ينفق بالليل والنهار سراً وعلانية، فمن عمل بها دخل فيها سواء كان علياً أو غيره، ويمتنع أن يراد بها واحد بعينه.
3) أن ما ذكر من الحديث يناقض مدلول الآية، فإن الآية تدل على الإنفاق في الزمانين اللذين لا يخلو الوقت عنهما، وفي الحالين اللذين لا يخلو الفعل منهما.
* الدليل الخامس والعشرون: قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... )):
قال الرافضي: روى أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال: ليس من آية في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...) إلا وعلي رأسها وأميرها وشريفها وسيدها، ولقد عاتب الله تعالى أصحاب محمد في القرآن وما ذكر علياً إلا بخير) وهذا يدل على أنه أفضل فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) ليس هذا في مسند أحمد ولا مجرد روايته له لو رواه في الفضائل يدل على أنه صدق، فكيف ولم يروه أحمد لا في المسند ولا في الفضائل وإنما هو من زيادات القطيعي؟!
2) أن هذا كذب على ابن عباس، والمتواتر عنه أنه كان يفضل عليه أبا بكر وعمر، وله معايبات يعيب بها علياً، ويأخذ عليه في أشياء من أموره.
3) أن هذا الكلام ليس فيه مدح لعلي، فإن الله كثيراً ما يخاطب الناس بمثل هذا في مقام عتاب كقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ))[الصف:2-3] فإن كان علي رأس هذه الآية فقد وقع منه هذا الفعل الذي أنكره الله وذمه.
4) أن قول القائل: لقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن وما ذكر علياً إلا بخير، كذب معلوم، فإنه لا يعرف أن الله عاتب أبا بكر في القرآن ولا أنه ساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في خطبه: (أيها الناس! اعرفوا لأبي بكر حقه فإنه لم يسؤني يوماً قط).
* الدليل السادس والعشرون: قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ))[الأحزاب:56]:
قال الرافضي: من صحيح البخاري عن كعب بن عجرة قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله علمنا كيف نسلم؟ قال: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد) ولا شك أن علياً أفضل آل محمد؛ فيكون أولى بالإمامة.
الجواب:
1) أنه لا ريب أن هذا الحديث صحيح متفق عليه، وأن علياً من آل محمد الداخلين، ولكن ليس هذا من خصائصه، فإن جميع بني هاشم داخلون في هذا كالعباس وولده والحارث بن عبد المطلب وولده.
2) ومعلوم أن دخول هؤلاء في الصلاة والتسليم لا يدل على أنه أفضل من كل من لم يدخل في ذلك ولا أنه يصلح بذلك للإمامة فضلاً عن أن يكون مختصاً بها.
* الدليل السابع والعشرون: قوله تعالى: (( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ))[الرحمن:19-22]:
قال الرافضي: من طريق أبي نعيم عن ابن عباس: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) قال: علي وفاطمة (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ): النبي صلى الله عليه وسلم: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) الحسن والحسين) ولم يحصل لغيره من الصحابة هذه الفضيلة، فيكون أولى بالإمامة.
الجواب:
1) أن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن.
2) أن هذا في سورة الرحمن وهي مكية بإجماع المسلمين، والحسن والحسين إنما ولدا في المدينة.
3) أن تسمية هذين بحرين، وهذا لؤلؤاً، وهذا مرجان، وجعل النكاح مرجاً أمر لا تحتمله لغة العرب بوجه لا حقيقة ولا مجازاً.
* الدليل الثامن والعشرون: قوله تعالى: (( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ))[الرعد:43]:
قال الرافضي: من طريق أبي نعيم عن ابن الحنفية قال: هو علي بن أبي طالب) وهذا يدل على أنه أفضل؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا كذب.
2) أن هذا باطل قطعاً وذلك أن الله تعالى قال: (( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ))[الرعد:43] ولو أريد به علي لكان المراد أن محمداً يستشهدً على ما قاله بابن عمه علي، ومعلوم أن علياً لو شهد له بالنبوة وبكل ما قال لم ينتفع محمد بشهادته له، ولا يكون ذلك حجة له على الناس.
3) أن الله تعالى قد ذكر الاستشهاد بأهل الكتاب في غير آية كقوله تعالى: (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ... ))[الأحقاف:10] أفترى علياً هو من بني إسرائيل؟!
* الدليل التاسع والعشرون: قوله تعالى: (( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ))[التحريم:8]:
قال الرافضي: روى أبو نعيم مرفوعاً إلى ابن عباس قال: أول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم عليه السلام بخلته من الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم لأنه صفوة الله، ثم علي يزف بينهما إلى الجنان، ثم قرأ ابن عباس: (( يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ))[التحريم:8] قال: علي وأصحابه) وهذا يدل على أنه أفضل من غيره؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
2) أن هذا باطل قطعاً؛ لأن هذا يقتضي أن يكون علي أفضل من إبراهيم ومحمد؛ لأنه وسط وهما طرفان، وأفضل الخلق إبراهيم ومحمد، فمن فضّل عليهما علياً كان أكفر من اليهود والنصارى.
* الدليل الثلاثون: قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ))[البينة:7]:
قال الرافضي: روى أبو نعيم بإسناده إلى ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي خصماؤك غضاباً مفحمين) وإذا كان خير البرية وجب أن يكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا مما هو كذب موضوع باتفاق العلماء.
2) أن يقال: قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...) عام في كل من اتصف بذلك فما الذي أوجب تخصيصه بالشيعة؟
3) أن يقال: من المعلوم المتواتر أن ابن عباس كان يوالي غير شيعة علي أكثر مما يوالي كثيراً من الشيعة، حتى الخوارج كان يجالسهم ويفتيهم ويناظرهم.
* الدليل الحادي والثلاثون: قوله تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ))[الفرقان:54]:
قال الرافضي: في تفسير الثعلبي عن ابن سيرين قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب، زوّج فاطمة علياً....) ولم يثبت لغيره ذلك فكان أفضل؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا كذب على ابن سيرين بلا شك.
2) أن يقال: هذه الآية في سورة الفرقان وهي مكية، وهذا -من الآيات المكية باتفاق الناس- قبل أن يتزوج علي بفاطمة، فكيف يكون ذلك قد أريد به علي وفاطمة؟!
3) أنه لو فرض أنه أريد بذلك مصاهرة علي فمجرد المصاهرة لا تدل على أنه أفضل من غيره باتفاق أهل السنة والشيعة، فإن المصاهرة ثابتة لكلٍ من الأربعة.
* الدليل الثاني والثلاثون: قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ))[التوبة:119]:
قال الرافضي: أوجب الله علينا الكون مع المعلوم منهم الصدق، وليس إلا المعصوم لتجويز الكذب في غيره، فيكون هو علياً إذ لا معصوم من الأربعة سواه، وفي حديث أبي نعيم عن ابن عباس أنها نزلت في علي.
الجواب:
1) أن الصديق مبالغة في الصادق، فكل صديق صادق وليس كل صادق صديقاً، فأبو بكر رضي الله عنه قد ثبت أنه صديق بالأدلة الكثيرة فيجب أن تتناوله الآية قطعاً.
2) أن يقال: هذه الآية نزلت في قصة كعب بن مالك لما تخلف عن تبوك، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم في أنه لم يكن له عذر، وتاب الله عليه ببركة الصدق.
3) أنه قال: (مَعَ الصَّادِقِينَ) وهذه صيغة جمع، وعلي واحد فلا يكون هو المراد وحده.
* الدليل الثالث والثلاثون: قوله تعالى: (( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ))[البقرة:43]:
قال الرافضي: من طريق أبي نعيم عن ابن عباس: أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي خاصة وهما أول من صلى وركع ) وهذا يدل على فضيلته؛ فيدل على إمامته.
الجواب:
1) أن هذا كذب موضوع.
2) أنه لو كان المراد الركوع معهما لانقطع حكمها بموتهما، فلا يكون أحد مأموراً أن يركع مع الراكعين.
3) أن قول القائل: علي أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ممنوع. بل أكثر الناس على خلاف ذلك وأن أبا بكر صلى قبله.
* الدليل الرابع والثلاثون: قوله تعالى: (( وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ))[طه:29]:
قال الرافضي: من طريق أبي نعيم عن ابن عباس قال: (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي وبيدي ونحن بمكة..... وأنا محمد نبيك أسألك أن تشرح لي صدري، وتحلل عقدة من لساني؛ يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي علي بن أبي طالب أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، قال ابن عباس: سمعت منادياً ينادي: يا أحمد! قد أوتيت ما سألت) وهذا نص في الباب.
الجواب:
1) أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم.
2) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بمكة في أكثر الأوقات لم يكن ابن عباس قد ولد.
3) صرحوا هنا بأن علياً كان شريكه في أمره كما كان هارون شريك موسى، وهذا قول من يقول بنبوته، وهذا كفر صريح، وليس هو قول الإمامية وإنما هو من قول الغالية.
* الدليل الخامس والثلاثون: قوله تعالى: (( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ))[الأعراف:172]:
قال الرافضي: عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس متى سمّي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله، سمّي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..) الآية. قالت الملائكة: بلى، فقال تبارك وتعالى: أنا ربكم ومحمد نبيكم وعلي أميركم)، وهذا صريح في الباب.
الجواب:
1) أن هذا الحديث كذب موضوع.
2) أن الذي في القرآن أنه قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) وليس فيه ذكر النبي ولا الأمير.
3) أن الميثاق أخذ على جميع الذرية فيلزم أن يكون عليٌ أميراً على الأنبياء كلهم، من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا كلام المجانين.
* الدليل السادس والثلاثون: قوله تعالى: (( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ))[التحريم:4]:
قال الرافضي: أجمع المفسرون أن صالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب، واختصاصه بذلك يدل على أفضليته فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) قوله: (أجمع المفسرون...) كذب مبيَّن فإنهم لم يجمعوا على هذا ولا نقل الإجماع على هذا أحد من علماء التفسير.
2) أن يقال: كتب التفسير مملوءة بنقيض هذا، قال ابن مسعود وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم: هو أبو بكر وعمر.
3) أن يقال: قوله: (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) اسم يعم كل صالح من المؤمنين، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين) متفق عليه.
* الدليل السابع والثلاثون: قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ))[المائدة:55]:
قال الرافضي: وقد أجمعوا أنها نزلت في علي، والولي هو المتصرف وقد أثبت له الولاية في الآية كما أثبتها الله لنفسه ولرسوله.
الجواب:
1) قوله: (قد أجمعوا أنها نزلت في علي) من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه.
2) نقل الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس يقول: نزلت في أبي بكر، ونقل عن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر قال: [[هم المؤمنون. قلت: فإن الناس يقولون: هو علي. قال فعلي من الذين آمنوا]].
3) أنا نعفيه من الإجماع ونطالبه أن ينقل ذلك بإسناد واحد صحيح.
4) أنه لو أراد الولاية التي هي الإمارة لقال: (إنما يتولى عليكم الله ورسوله والذين آمنوا) ولم يقل: (ومن يتولى الله ورسوله)، فإنه لا يقال لمن ولي عليهم والٍ: إنهم تولوه. بل يقال: تولى عليهم.
* الدليل الثامن والثلاثون: قوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ))[الأحزاب:33]:
قال الرافضي: روى أحمد بن حنبل في مسنده عن واثلة بن الأسقع قال: طلبت علياً في منزله فقالت فاطمة: (ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فجاءا جميعاً فدخلا ودخلت معهما، فأجلس علياً عن يساره وفاطمة عن يمينه والحسن والحسين بين يديه ثم التفع عليهم بثوبه وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ...) اللهم إن هؤلاء أهلي حقاً)، وفي هذه الآية دلالة على العصمة، وقد نفى الرجس عنه فيكون صادقاً فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا الحديث صحيح في الجملة.
2) إن إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد ولا أنه قضاه وقدره، ولا أنه يكون لا محالة.
3) المقصود: أن القرآن لا يدل على ثبوت الطهارة وإذهاب الرجس فضلاً عن أن يدل على العصمة والإمامة.
4) وبالجملة فالتطهير الذي أراده الله والذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو العصمة بالاتفاق، فإن أهل السنة يقولون: لا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم والشيعة يقولون: لا معصوم غير النبي صلى الله عليه وسلم والإمام، وقد وقع الاتفاق على انتفاء العصمة المختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، والإمام عن أزواجه وبناته وغيرهن من النساء.
* الدليل التاسع والثلاثون: قوله تعالى: (( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ... ))[الإنسان:1] الآيات:
قال الرافضي: في تفسير الثعلبي من طرق مختلفة أنه مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعامة العرب وقالوا: يا أبا الحسن! لو نذرت على ولديك، فنذر صوم ثلاثة أيام، وكذا نذرت أمهما فاطمة، وجاريتهم فضة... إلى قوله: فهبط جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد خذ ما هنأك الله في أهل بيتك فقال: ما آخذ يا جبريل؟ فأقرأه: (( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ... ))[الإنسان:1]. وهي تدل على فضائل جمة لم يسبقه إليها أحد ولا يلحقه أحد فيكون أفضل من غيره؛ فيكون هو الإمام.
الجواب:
1) أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
2) سورة الإنسان مكية باتفاق أهل التفسير والنقل، ولم يقل أحد منهم أنها مدنية، وإذا كانت السورة نزلت في مكة قبل أن يتزوج علي بفاطمة تبين أن نقل أنها نزلت بعد مرض الحسن والحسين من الكذب والمين.
3) قوله: (فعادهما جدهما وعامة العرب) فإن عامة العرب لم يكونوا بالمدينة، والعرب الكفار ما كانوا يأتونهما يعودونهما.
4) قوله: (فقالوا: يا أبا الحسن ولو نذرت على ولديك) وعلي لا يأخذ الدين من أولئك العرب، بل يأخذه من النبي صلى الله عليه وسلم.
5) أن علياً وفاطمة لم يكن لهما جارية اسمها فضة، بل ولا لأحد من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم.
* الدليل الأربعون: قوله تعالى: (( إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ))[الحجر:47]:
قال الرافضي: من مسند أحمد بإسناده إلى زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، فذكر قصة المؤاخاة..... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي بعثني بالحق نبياً ما اخترتك إلا لنفسي وأنت مني بمنزلة هارون إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، وأنت معي في قصري في الجنة، ومع ابنتي فاطمة، فأنت أخي ورفيقي ثم تلا: (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)). فلما اختص علي بمؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام.
الجواب:
1) ليس هذا الحديث في مسند أحمد قط لا في المسند ولا في الفضائل ولا رواه ابنه.
2) إن قوله (أنت أخي ووارثي) باطل.
3) أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت الأخوة لغير علي كما في الصحيحين أنه قال لزيد: (أنت أخونا ومولانا) وقال له أبو بكر لما خطب ابنته: ألست أخي؟ قال: (أنا أخوك وبنتك حلال لي).
يتبع
بنتـي دنيتـي
==================

الرد على الشيعة في وجوب الإمامة لآل البيت

الشيخ / محمد لبيب
• استدلالات الشيعة على وجوب الإمامة لآل البيت وبيان بطلانها:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
ذكرنا فيما سبق استدلال الشيعة ببعض الآيات على إمامة علي رضي الله عنه، وأنهم أولوا هذه الآيات على غير وجهها الصحيح، وكذلك لهم أحاديث ثبتت بالسنة يستشهدون بها، وفيما يلي الرد على هذا الاستشهاد.
** استدلال الشيعة بحديث الغدير والرد عليهم:
فأخبار الغدير تعتبر المستند الأول من السنة عند الشيعة، فهم يرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم عند غدير خم بعد منصرفه من حجة الوداع بين للمسلمين أن وصيه وخليفته من بعده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد جاء في الموطأ للإمام مالك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم) هذا الحديث في موطأ الإمام مالك، وصله ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله عن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، وفي فيض القدير شرح الجامع الصغير نجد رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض) هذا الحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (3282).
قال المناوي في شرحه: إنهم الأصلان –يعني: الكتاب والسنة- اللذان لا عدول عنهما، ولا هدي إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما واعتصم بحبلهما، وهما الفرقان الواضح، والبرهان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما والمبطل إذا خلاهما، فوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة متعين معلوم من الدين بالضرورة، وقد نطق بهذا الكتاب النجيب في مثل قوله تعالى: (( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ))[الحشر:7]، وفي مثل قوله تعالى: (( مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ))[النساء:80]، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ))[النساء:65].
ولكننا نجد روايات أخرى تذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الكتاب والعترة، وفي بعضها الأمر بالتمسك بهما حتى لا نضل، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، قال: { خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خماً بين مكة والمدينة، فقال: يا أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله فيه الهدى، وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقيل لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ فقال: أهل بيته من حرم الصدقة: آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل } وهذه الرواية وغيرها تحثنا معشر المسلمين على أن نرعى حقوق آل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم، فنحبهم ونوقرهم وننزلهم منازلهم، فحبنا لرسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم يدفعنا لحب آله الأطهار، وعلينا أن نصلهم، ورحم الله تعالى أبا بكر الصديق رضي الله عنه حيث قال: [[والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي]] رواه البخاري.
وبالطبع لا تدل هذه الرواية على وجوب الإمامة لآل البيت، ولا لأحد بعينه، فلا صلة بين التذكير بأهل بيته والنص على خلافة بعضهم، ثم هل الرسول صلى الله عليه وسلم أو صاهم أم أو صى بهم؟
لو أوصاهم لكانوا هم الخلفاء، لكن لو أوصى بهم لم يكونوا هم الخلفاء، ولكن أوصى بهم الخلفاء، وقال العلامة المناوي في فيض القدير: إن ائتمرتم بأوامر كتابه، وانتهيتم بنواهيه، واهتديتم بهدي عترتي، واقتديتم بسيرتهم اهتديتم ولن تضلوا.
وفي متن هذه الروايات نجد الإخبار بأن الكتاب وأهل البيت لن يفترقا حتى يردا على الحوض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أجل هذا وجب التمسك بهما، ولكن الواقع يخالف هذا الإخبار من المتشيعين لأهل البيت وأكثر الفرق التي كادت للإسلام وأهله وجدت من التشيع لأهل البيت ستاراً يحميها، ووجدت من المنتسبين لأهل البيت من يشجعها لمصالح دنيوية.
** استدلال الشيعة باستخلاف علي على المدينة والرد عليهم:
هناك روايات أخرى يرى بعض الشيعة أنها تؤيد مذهبهم، وإليك الجواب على هذه النصوص التي يستدلون بها: روى الشيخان البخاري ومسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف علياً بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي)، وهذا الحديث لا شك في صحته، فقد رواه البخاري ومسلم، لكن هل يستنبط منه إمامة الإمام علي رضي الله عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة؟
هذا الحديث بلا شك يدل على فضل الإمام علي رضي الله عنه، وقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة آخرين، استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، لما خرج لحرب بني النضير، وفي غزوة الخندق، واستخلف عثمان بن عفان لما خرج لغزوة ذات الرقاع، واستخلف أبا لبابة بن عبد المنذر حينما خرج لغزة بدر، ومثل هذا الاستخلاف في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقتضي بالخلافة في الأمة بعد مماته، ولو أراد الرسول صلى الله عليه وسلم الخلافة العظمى لقالها، فما الذي يمنعه؟! وواضح من شكوى الإمام علي رضي الله عنه في جعله مع الخوالف مع النساء والصبيان، أن في قوله عليه الصلاة والسلام تسلية له وتهدئه لخاطره، فموسى استخلف هارون عليهما السلام عندما توجه إلى جبل الطور، كما أن هارون لم يلِ أمر بني إسرائيل بعد موسى عليهما السلام، وإنما ولي الأمر بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليه السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه الذي سافر معه إلى المدينة.
** استدلال الشيعة بحصر الأئمة في اثني عشر إماماً والرد عليهم:
روى البخاري عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يكون اثنا عشر أميراً، كلهم من قريش)، وروى مسلم عن جابر بن سمرة أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) وفي رواية: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً) وفي رواية: (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة) رواه مسلم.
وتحديد الخلفاء -اثنا عشر- هو الذي جعل الشيعة الإثني عشرية يحتجون بهذه الروايات، ولكن من الواضح أن هذه الروايات تشير إلى المدة التي تظل فيها عزة الإسلام والدين، وصلاح حال المسلمين، وعلى قول الشيعة: تظل هذه العزة وهذا الصلاح إلى يوم القيامة، كما يظهر من قولهم في الإمام الثاني عشر، وواقع الأمر ودلالة الروايات يدلان على غير هذا، ومن الواضح كذلك أن الأمة لم تجتمع على أئمة الشيعة الإثني عشرية، بل لم يتولوا الخلافة أيضاً باستثناء الإمام علي رضي الله عنه.
** استدلال الشيعة بعزم النبي على الكتابة بخلافة علي والرد عليهم:
أخرج البخاري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما احتضر النبي صلى الله عليه وسلم قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده، فقال عمر رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله تعالى، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: قوموا عني قوموا عني) ولا تبدو صلة بين هذه الروايات وبين الإمامة، ولكن من الشيعة من يقول بأن الصحابة علموا أنه صلى الله عليه وسلم إنما أراد توثيق العهد بالخلافة، وتأكيد النص بها على علي رضي الله عنه خاصة، وعلى الأئمة من عترته عامة، فالصحابة صدوه عن ذلك كما اعترف به الخليفة الثاني، وهذا قول الشيعة!!
وإذا تأملت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده) وتأملت في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الثقلين: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي) تعلم أن المقصود في الحديثين واحد، وأنه صلى الله عليه وسلم أراد في مرضه أن يكتب لهم تفصيل ما أوجب عليهم في حديث الثقلين، ولسنا في حاجة إلى الحديث عن كبار الصحابة رضي الله عنهم، وتنزيههم عن مثل هذه المفتريات، ولكن يكفي أن نقول: إن هذه الرواية ليست دليلاً قائماً بذاته، وإنما يحتاج إلى أدلة أخرى لترجيح احتمال الوصية وما أريد كتابته، ولذلك احتج بحديث الثقلين للاستدلال، ولعل المراد حديث التمسك بالكتاب والسنة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي رضي الله عنه فهو ضال باتفاق عامة الناس من علماء السنة ومن علماء الشيعة، أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن علياً كان هو المستحق للإمامة فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصاً جلياً ظاهراً معروفاً، وحينئذٍ لم يكن يحتاج إلى كتاب يكتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• الإمامة بالاختيار لا بالنص والتعيين:
وهناك روايات أخرى لها صلة بموضوع الإمامة، روى الإمام أحمد بسند صححه الشيخ أحمد شاكر، عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: (قيل: يا رسول الله! من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا علياً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الطريق المستقيم)، فهذا الحديث يدل على أن الإمامة بالاختيار وليست بالتعيين، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين أحداً، وإنما جعل هذا الأمر للمسلمين، وذكر ثلاثة يصلحون لخلافته.
الرواية الثانية: روى الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: [[قيل لعمر: ألا تستخلف؟ فقال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأثنوا عليه –على عمر- وقالوا: إنه راغب راهب، ووددت أني نجوت منها كفافاً -هذا قول عمر رضي الله عنه- وودت أني نجوت منها كفافاً لا لي ولا علي، وأنا لا أتحملها حياً وميتاً، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه غير مستخلف، بل ترك الأمر شورى في ستة من الصحابة، مات عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ]].
وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، وهذا الحديث الشريف يدل على أن الخلافة لو كانت بالنص لكانت لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو الأولى بها، وقد تم ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أبى الله سبحانه والمؤمنون إلا أبا بكر.
• إشارات وتلميحات مهدت لخلافة الصديق:
وقد مهد النبي صلى الله عليه وسلم لخلافة الصديق بعدة أمور منها:
جعله أمير الحج في العام التاسع، ولما أرسل علياً بسورة براءة لم يرسله أميراً، بل جعله تحت إمرة الصديق، وذلك أن كانت عادة العرب أن من كان له عهد مع العرب لا يذيع نقض هذا العهد إلا من أبرم العهد نفسه أو رجل من أهل بيته، فبعث علياً من أجل نقض العهد مع المشركين، لكن كان أمير الحج أبا بكر رضي الله عنه، وكان علي تحت إمرته رضي الله عن الجميع.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر) رواه أحمد والترمذي.
ومنها أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤم المسلمين في الصلاة عندما اشتد المرض ولم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمهم أمر أن يؤمهم أبو بكر رضي الله عنه.
ومنها ما رواه الشيخان -البخاري ومسلم- عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: (أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئتك ولم أجدك كأنها تريد الموت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن لم تجديني فائتي أبا بكر).
• بيان بطلان مهدية محمد بن الحسن العسكري:
أما الأحاديث التي وردت في المهدي الذي سيخرج في آخر الزمان عدة أحاديث، منها ما أخرجه الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة)، وفي رواية: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله عز وجل رجلاً منا يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً).
وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي).
وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم عليه السلام، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله تعالى على هذه الأمة) وعقب الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله على كلمة أميرهم بقوله: هو المهدي محمد بن عبد الله، كما تضافرت بذلك الأحاديث بأسانيد بعضها صحيح، وبعضها حسن.
وفي سنن ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع، وإلا فتسع) يعني: حكمه ما بين سبع سنين وتسع سنين، فهذه الأحاديث لا تدل على أنه المهدي الذي قالت به الشيعة، وإنما هو رجل من أهل البيت يبعث قبيل الساعة، ولا توجد أحاديث أخرى تبين أنه الإمام الثاني عشر المعين بالنص عند الشيعة الذي بقي من القرن الثالث الهجري إلى قيام الساعة، الذي ينتظرونه عند باب السرداب، بل وجدنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين أحداً للخلافة من بعده كما ذكرنا من قبل، ووجدنا المهدي اسمه: محمد بن عبد الله، وليس هو محمد بن الحسن، وينتهي نسب محمد بن عبد الله إلى الحسن بن علي، لا إلى الحسين بن علي، وهكذا ما ورد في السنة في أمر الإمامة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
=========================0

الإمامة بين السنة والشيعة

الشيخ/ محمد لبيب
• تفنيد أباطيل الشيعة في الإمامة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
أراد الشيعة أن يستدلوا على أن الإمامة لعلي رضي الله عنه، وليست لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فاستدلوا على ذلك بآيات من القرآن، وأولوها على غير تأويلها الصحيح، فكان مما ذكرنا سابقاً استشهادهم بقوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ))[المائدة:55] فقالوا: هذه الآية نزلت في الإمام علي، أنه أعطى الزكاة وهو راكع، وذكرنا ضعف الآثار الواردة في ذلك.
• استدلال الشيعة بآية المباهلة على أحقية علي بالخلافة والرد عليهم:
ومما استدلوا به أيضاً آية المباهلة، وهي قوله تعالى: (( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ))[آل عمران:61] قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم باهل بأهل الكساء وهم: علي وفاطمة، والحسن والحسين رضي الله عنهم، فهم أحب الناس إلى الله تعالى، وهم أحق بالإمامة والخلافة من الثلاثة الذين سبقوا الإمام علياً رضي الله عنه، قالوا: وقوله تعالى: (( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ))[آل عمران:61] تدل على أن علياً رضي الله عنه كنفس الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن كان كذلك فمن ذا الذي يتقدمه؟
والجواب على هذا:
أولاً: أن الآية الكريمة لا تنص على إمامة أحد، وهي لا تشير إلى شيء من هذا، ولا تتعرض للخلافة على الإطلاق، وإنما تذكر الأبناء والنساء والأنفس في مجال التضحية لإثبات صحة الدعوى، وهؤلاء المذكورون من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتحقق للمعاندين صحة دعواه لتقديمه للمباهلة أقرب الناس إليه، وفرق شاسع بين مجال التضحية ومجال الإمامة، ففي التضحية يمكن أن يقدم النساء والصغار؛ ولكنهم لا يقدمون للخلافة والإمامة.
ثانياً: القول بأن الإمام علياً رضي الله عنه يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا لغلو لا يقبله الإمام علي رضي الله عنه نفسه، ويجب أن لا يذهب إلى ذلك مسلم.
ثالثاً: عقب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على قولهم: بأن الله تعالى جعل علياً رضي الله عنه كنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا خطأ، وإنما هذا مثل قوله سبحانه وتعالى: (( لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً ))[النور:12] ومثل قوله تعالى: (( وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ))[البقرة:84] يعني: لا يخرج بعضكم بعضاً من دياركم، فالمراد بالأنفس هنا الإخوان نسباً أو ديناً.
• الرد على الشيعة في استدلالهم بآية التطهير وحديث الكساء على الإمامة والعصمة:
وقد استدلوا أيضاً على أحقية علي رضي الله عنه بالإمامة بقوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33] قالوا: إن المراد بأهل البيت هنا علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، وهذه الآية الكريمة تدل على عصمتهم، والإمامة تدور مع العصمة.
الجواب: استدلالهم ينبني على ثلاث نقاط هي:
أولاً: تحديد المراد بأهل البيت في الآية الكريمة.
ثانياً: دلالة الآية على عصمتهم.
ثالثاً: التلازم بين العصمة والإمامة.
فأولاً: المراد بأهل البيت في هذه الآية زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن، ومن زوجات الرسول حفصة وعائشة اللتان لم تسلما من لسان الشيعة باللعن -والعياذ بالله- فهذه الآيات نزلت في زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن؛ فإنها بدأت بتخيير الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجاته بقوله: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ))[الأحزاب:28] ولا مانع أن يكون الخطاب في قوله تعالى: (عنكم) (ويطهركم) بالجمع للمذكر والمقصود بذلك الأهل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإفك: (من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي) وربما يقول الرجل للرجل: كيف أهلك؟ ويقصد بذلك زوجته، فبالرجوع إلى كتاب الله تعالى نجد قوله تعالى: (( قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ))[هود:73] (عَلَيْكُمْ) هنا للمذكر، والمقصود به أهل البيت، وهذا خطاب لامرأة إبراهيم عليه السلام.
وقال القرطبي رحمه الله: جاء في الأخبار: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين، فعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى كساء فلفه عليهم، ثم أومأ بيده إلى السماء، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) رواه الترمذي، وصححه الألباني رحمه الله.
فهذه دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها أزواجه عليه الصلاة والسلام، فذهب الكلبي ومن وافقه فصيرها لهم خاصة دون زوجات الرسول، وهي دعوة بعيدة خارجة عن أسباب النزول.
ثانياً: دلالة الآية الكريمة على العصمة، قد انفرد الشيعة الإثنا عشرية بهذا القول وهو أن المراد بالآية عصمة آل البيت، وخالفوا أهل التأويل جميعاً.
ثالثاً: في الأحاديث السابقة ما يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع أهل الكساء ودعا لهم بأن يذهب الله عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً، فإذا كان إذهاب الرجس قد حصل بنزول الآية، وحصل التطهير فلم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!!
رابعاً: آية التطهير واقعة بين آيات فيها الأمر والنهي، مما يؤيد إرادة فعل الطاعات واجتناب المعاصي؛ ليؤدي ذلك إلى إذهاب الرجس وحدوث التطهير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أما آية الأحزاب قوله تعالى: (( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33] فليس فيها إخبار بذهاب الرجس وبالطهارة، بل فيها الأمر لهم بما يوجب إذهاب الرجس والطهارة، وذلك كقوله تعالى: (( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ))[المائدة:6] في آخر آية الوضوء، فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا، الأمر بالتطهير والمحبة له، والرضا به، وليست هي الملزمة لوقوع المراد، ولو كان ذلك كذلك لتطهر كل من أراد الله طهارته. ثم أيد شيخ الإسلام رحمه الله رأيه بدعائه صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكساء علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم.
خامساً: أن آية التطهير في نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهن من أهل البيت، وهم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، ولا قائل بعصمة هؤلاء، فتأويل الآية بما يثبت العصمة لا دليل عليه؛ لأنهم يرون ثبوت الإمامة بثبوت العصمة.
• الرد على استدلال الشيعة بقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) على الإمامة والعصمة:
واستدلوا على عصمة الأئمة بقوله تعالى: -والخطاب لخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام- (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ))[البقرة:124] قالوا: تدل هذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصوماً عن القبائح -ونحن نعلم أن العصمة للأنبياء فقط- لأن الله سبحانه وتعالى نفى أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم، ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً، إما لنفسه وإما لغيره.
ثم قالوا: إن الله سبحانه وتعالى عصم اثنين فلم يسجدا لصنم، وهما: النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأحدهما كان رسولاً، والآخر كانت الإمامة له.
أما الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان فلم يعصموا قبل الإسلام من أن يسجدوا لصنم، فليسوا أهلاً للإمامة.
والجواب:
أولاً: في تأويل الآية الكريمة: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ))[البقرة:124] يحتمل جعله رسولاً يقتدى به، ويحتمل أن يكون إماماً من الأئمة، ومع هذا فلا خلاف بأن الظالم لا يصلح لإمامة المسلمين، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة؟! وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما جعل لكف الظلم؟!!
ثانياً: أنه لا يمكن التسليم بأن غير المعصوم لابد أن يكون ظالماً، أو أن غير الظالم لابد أن يكون معصوماً، فبين العصمة وعدم الظلم فرق شاسع، فالمخطئ قبل التكليف ليس ظالماً، ولا يحاسب باتفاق العلماء.
ثالثاً: نفي إمامة الصديق وصاحبيه عمر وعثمان رضي الله عنهم بسبب أنهم عاشوا مدة مديدة قبل الإسلام على الشرك، و(إن الشرك لظلم عظيم)، والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة، والجواب على ذلك: بأن غاية ما يلزم أن الظالم في حال ظلمه لا يناله الإمامة، ولا يناله عهد الله تعالى، والإمامة إنما نالتهم رضي الله عنهم في وقت كمال إيمانهم، وغاية عدالتهم.
رابعاً: الذين لم يسجدوا للأصنام كثيرون، فالصحابة الذين عاشوا في بيئة إسلامية، وولدوا في الإسلام ونشئوا على الإسلام، فلا اختصاص لأمير المؤمنين رضي الله عنه بهذا، إذا علم أنه ولد صحابة كثيرون على الإسلام ولم يعاصروا الجاهلية، فهؤلاء الذين ولدوا في الإسلام ولم يعاصروا الجاهلية ولم يسجدوا لصنم هل يكونوا أفضل من أبي بكر وعمر ومن عثمان وعلي؟!!
خامساً: الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه، والذين مدحهم الله تعالى في القرآن في أكثر من موضع، وبين أنهم خير أمة أخرجت للناس، كيف يستبيح مسلم لنفسه أن يصفهم بأنهم ظالمون باعتبار ما كان قبل الإسلام، والله عز وجل قال: (( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ))[المائدة:119].. (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ))[الفتح:18] وقال عنهم أنهم: (( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ))[آل عمران:110] فكيف يكونوا ظالمين؟
فعلى الشيعة إذاً أن يعيدوا النظر في تأويلهم وما بنوه على هذا التأويل، فالآية الكريمة على كل حال لا تدل على أن إمام المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون علي رضي الله عنه، ولا على إمامة أحد بعينه.
• آيات أخرى استدل بها الشيعة على أحقية على بالخلافة:
وقد استدلوا أيضاً بثلاث آيات تتصل بحادثة غدير خم، آيتان من سورة المائدة وآية من سورة المعارج.
آية التبليغ:
الآية الأولى: آية التبليغ من سورة المائدة: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ))[المائدة:67] فذكروا بأسانيد من عندهم –يعني الشيعة- أن الله لما أوحى للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستخلف علياً كان الرسول عليه الصلاة والسلام يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله هذه الآية تشجيعاً له على القيام بهذا الأمر، قالوا: فقوله: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) بنص على استخلاف علي رضي الله عنه.
والجواب: أن ظاهر النص لا يدل على هذا، والروايات التي رووها عن سلفهم الشيعة كلها أقصى ما تبلغه لا تصل إلى مرتبة السنة، وليست في حكم المرفوع، فليس فيها أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، على أننا لم نجد رواية صحيحة من طريق الجمهور تؤيد ما ذهب إليه الشيعة الإثنا عشرية، وهو أن المقصود بالبلاغ أن يبلغ بالوصية لعلي رضي الله عنه.
قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ):
الآية الثانية: قوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً ))[المائدة:3] يقولون: إن هذه الآية نزلت بعد أن نصب النبي صلى الله عليه وسلم علياً علماً للأنام يوم غدير خم عند منصرفه من حجة الوداع، ويروون هذا عن الإمامين الباقر والصادق، وهي إما بأسانيد واهية أو من غير أسانيد تماماً، فيقولون: قال الباقر ويقولون ما يريدون، ويقولون: قال الصادق ويقولون ما يريدون، ولم يقل بذلك الباقر ولا الصادق!!
ويرون أن الولاية هي آخر فريضة أنزلها الله تعالى، ثم لم ينزل بعدها فريضة، وفسر الطبرسي قوله تعالى: (( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ))[المائدة:3] يعني: بولاية علي رضي الله عنه، وهو ممكن أن يقولوا أي شيء في تأويل القرآن، فقد قالوا في قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ))[البقرة:67] يعني: عائشة وفي قوله: (( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ))[الرحمن:19] علي وفاطمة (( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ))[الرحمن:20] الحسن والحسين، وعندما تقول له: من الذي قال هذا؟
يقول: قال الباقر، قال الصادق، وهو كذب عليهما رحمهما الله وإنما قاله هو.
والجواب عليهما في قولهم أن قوله تعالى: (( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ))[المائدة:3] المراد به ولاية علي رضي الله عنه، أن روايات أهل السنة كقتادة والشعبي التي ذكرها الطبري تعارض ما قيل من أن هذه الآية الكريمة نزلت يوم غدير خم، وهناك روايات أخرى كثيرة صحيحة السند تثبت نزولها يوم عرفة يوم الجمعة، وليس يوم غدير خم، وأولى الأقوال في وقت نزول الآية القول الذي ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة لصحة سنده.
وهو: حينما جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: [[يا أمير المؤمنين! إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأي آية هي؟ قال: قوله: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ))[المائدة:3] فقال عمر رضي الله عنه: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها عشية عرفة في يوم جمعة]] رواه البخاري ومسلم.
قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ):
الآية الثالثة: قوله تعالى في أول سورة المعارج: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ))[المعارج:1]، وهذه السورة مكية والشيعة يقولون: نزلت في المدينة فإن ما ذكره بعضهم يستلزم أن تكون مدنية، بل من أواخر ما نزل بالمدينة بعد حجة الوداع قبيل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الطبرسي عن جعفر بن محمد عن آبائه من أهل البيت، قال: (لما نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً يوم غدير خم وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، طار ذلك الخبر في البلاد، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن الحارث الفهري، فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة ففعلناها، ثم لم ترض حتى نصبت علينا هذا الغلام، فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من عند الله تعالى؟
فقال: والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله سبحانه وتعالى، فولى النعمان بن الحارث الفهري وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فرماه الله تعالى بحجر على رأسه فقتله، فنزل قوله تعالى: (( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ))[المعارج:1]).
طبعاً خانه التوفيق أن الآية نزلت في مكة، فذكر أنها نزلت في المدينة، وحبك لها رواية تدل على ما يريد أو تخدم ما يريد. ولهذا يقول: وشيخ الإسلام ابن تيمية: ليست هناك طائفة تنتسب إلى الإسلام أكذب من طائفة الشيعة. فهم أ كذب الفرق التي تنتسب إلى الإسلام.
إذاً: ظهر أن عقيدة الإمامة عند الشيعة لا تستند إلى شيء من القرآن، واستدلالاتهم تنبي على روايات تتصل بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها، ولم يصح شيء من هذا ولا ذاك، بما يمكن أن يكون دليلاً يؤيد مذهبهم
===========================

رد أباطيل الشيعة في مسألة الإمامة
الشيخ / محمد لبيب
• نشأة الشيعة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
هذا هو اللقاء الثالث مع الشيعة الجعفرية الإثني عشرية.
أول من بذر هذه البذرة بذرة الشيعة عبد الله بن سبأ، كان يهودياً من يهود صنعاء، ثم أعلن إسلامه ووالى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه مثلما كان يقول في يوشع بن نون، وهو صاحب فكرة أن علياً هو وصي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ففي مجموع الفتاوى المجلد الرابع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأول من ابتدع القول بالعصمة لعلي وبالنص عليه بالخلافة هو رأس هؤلاء المنافقين عبد الله بن سبأ الذي كان يهودياً فأظهر الإسلام وأراد فساد دين الإسلام كما أفسد بولس دين النصارى).
** موقف الإمام علي من عبد الله بن سبأ:
وقد أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتل هذا الرجل لما بلغه أنه يسب أبا بكر وعمر، حتى هرب منه، كما أن علياً رضي الله عنه حرق الغالية الذين ادعوا فيه الألوهية، الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر، قال علي رضي الله عنه: [[لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري]].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -في كتابه المشهور في الرد على الشيعة، واسمه: منهاج السنة- قال: (وكان عبد الله بن سبأ شيخ الرافضة، لما أظهر الإسلام أراد أن يفسد الإسلام بمكره وخبثه كما فعل بولس بدين النصارى، فأظهر النسك ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان رضي الله عنه وقتله، ثم لما قدم على الكوفة أظهر الغلو في علي رضي الله عنه والنص عليه؛ ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك علياً رضي الله عنه فطلب قتله فهرب منه وخبره معروف).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في الفتاوى: (خرج ذات يوم من باب كندة، فسجد له أقوامٌ فقال: ما هذا ؟ فقالوا : أنت هو اللّه . فاستتابهم ثلاثًا –يعني: ثلاثة أيام- فلم يرجعوا فأمر في الثّالث بأخاديد فخدّت وأضرم فيها النّار ثمّ قذفهم فيها وقال:
لمّا رأيت الأمر أمرًا منكراً أجّجت ناري ودعوت قنبرا
وفي صحيح البخاري: أنّ علياً رضي الله عنه أتى بزنادقتهم فحرّقهم، فبلغ ذلك ابن عبّاس رضي الله عنهما فقال: أمّا أنا فلو كنت لم أحرّقهم؛ لنهي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعذّب بعذاب اللّه –وهو النار- ولضربت أعناقهم؛ لقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: (من بدّل دينه فاقتلوه).
• نظرة الشيعة إلى الإمام والخلافة :-
** معنى الإمامة:
الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية ركن من أركان الدين، والإمامة لغة: التقدم، أم القوم وأم بهم يعني: تقدمهم، والإمام: ما ائتم به الناس من رئيس أو غيره، هاديا ًكان أو ضالاً.
ويطلق لفظ الإمام على: الخليفة وهو السلطان الأعظم، وإمام الرعية ورئيسهم، ويطلق على: قيم الأمر المصلح له، ويطلق أيضاً على: قائد الجند.
ومن المفهوم اللغوي لكلمة إمام نستطيع أن ندرك سبب إطلاق هذا الاسم على حاكم المسلمين، كما وجدنا ترادفاً بين الإمامة والخلافة، وسميت خلافة: لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي محمد صلى الله عليه وسلم في إدارة شئون المسلمين.
** ما اتفق عليه جمهور أهل السنة في مسألة الإمامة والخلافة :-
واتفق جمهور أهل السنة على أنه لا خلاف حول وجوب إقامة خليفة، وإنما الخلاف بشأن من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: اتفق جمهور أهل السنة على أن الخلافة في قريش؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) وقال به أيضاً عمر بن الخطاب في سقيفة بني ساعدة، وقاله أبو بكر رضي الله عنه: [[لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش]]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين).
ثالثاً: اتفق جمهور أهل السنة على أن تنصيب الخليفة يكون بالبيعة، فإذا تمت البيعة وجب الوفاء بها.
رابعاً: اتفق جمهور أهل السنة أيضاً أنه ما دام الواجب الوفاء بالبيعة فلا بيعة إلا بمشورة المسلمين.
خامساً: أن البيعة تمت لأبي بكر بهذه السرعة التي حدثت في سقيفة بني ساعدة بغير تدبير سابقة وإنما كانت فلتة، نظراً لمكانته رضي الله عنه، فقد قال عمر بن الخطاب: [[ليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر رضي الله عنه]].
• موقف الإمام علي من بيعة الصديق:
علي وبيعة أبي بكر وبيعة عمر ومن سبقه، ما موقف الإمام علي من بيعة أبي بكر ومن بيعة عمر ومن بيعة عثمان؟
إن من الأمور ما يشتهر مخالفاً للحقيقة، فمما اشتهر أن الإمام علياً رضي الله عنه لم يبايع أبا بكر؛ لأنه كان يرى أحقيته للإمامة من غيره، ولكن المنصف يجد من أقوال الإمام علي ما يدل على أنه كان يرى أن لا يقضى مثل هذا الأمر دون أن يكون له فيه رأي، مع اعترافه بأفضلية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعدم إنكار أحقيته لإمامة المسلمين، أين الدليل على ذلك؟
** أدلة رضا الإمام علي ببيعة أبي بكر الصديق:
الدليل: روى الإمام البخاري رحمه الله، وذلك في كتاب المغازي في باب غزوة خيبر [[أن الإمام علياً رضي الله عنه عندما أراد مبايعة الصديق رضي الله عنه أرسل إليه فجاءه، فتشهد علي فقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله عز وجل، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر -أي: لم تشاورنا فيه- وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيباً –يعني: حق المشورة- حتى فاضت عينا أبي بكر رضي الله عنه، فلما تكلم أبو بكر رضي الله عنه قال: والذي نفسي بيديه لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها على الخير -يعني: لم أقصر عن الخير- ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته.
فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر، فتشهد وذكر شأن علي رضي الله عنه وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي رضي الله عنه فعظم حق أبي بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضله الله تعالى به، ولكنا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً فاستبد علينا، فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت أصبت]].
وقبل انتهاء فترة الخلافة القصيرة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، التي بارك الله تعالى فيها أيما بركة، كان الصديق رضي الله عنه قد استقر رأيه على استخلاف عمر، بعد تعرفه على آراء كثير من الصحابة الكرام، على أن بعض هؤلاء الصحابة قد تخوف من خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما اشتهر به من الشدة، وقالوا لأبي بكر: قد وليت علينا رجلاً فضاً غليظاً، فقال: لو سألني ربي يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم.
ومرت الخلافة العمرية الراشدة، ووقع فيها نبوءات للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، { أنه إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله } وقد أنفقت كنوزهما في سبيل الله، في عهد عمر بن الخطاب، وتحقق في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعد الله سبحانه وتعالى: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ))[التوبة:33]^ وتحقق في عهد عمر بن الخطاب وعد الله عز وجل الذي قال فيه: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ))[النور:55].
وانتهت الخلافة العمرية الراشدة وانتهى الأمر إلى الستة: علي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، قال عبد الرحمن: [[اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، ثم أخرج عبد الرحمن نفسه على أن يختار للأمة خير الاثنين، بعد مشورة كبار المهاجرين والأنصار]]، وكانت السنوات الأولى في عهد عثمان رضي الله عنه خيراً وبركة، ثم بدأت الفتنة التي أدت إلى مقتله رضي الله عنه، ولقد بذل الإمام علي رضي الله عنه كل ما استطاع في سبيل إخماد هذه الفتنة، ولكن هيهات هيهات.
وفي هذه الفترة بدأت الأنظار تتعلق بعلي رضي الله عنه، وتذكر ما له من فضل.
• عقيدة الإثني عشرية في الإمامة:
هذه الإمامة عند أهل السنة وهذه أحداثها، وهذا ترتيب وقائعها، أما عقيدة الإمامة عند الإثني عشرية الجعفرية وهم أكبر الفرق المعاصرة التي تنتسب إلى الإسلام، فلهم عقيدة خاصة في الإمامة، والإمامة عندهم كالنبوة في كل شيء باستثناء الوحي، ولذلك قالوا: (أن الإمامة أصل من أصول الدين، لا يتم الإيمان إلا باعتقادها).
وذكر علماؤهم بأن إنكار الإمامة شر من إنكار النبوة، حيث قال إمام لهم: (الإمامة لطف عام والنبوة لطف خاص، فبالإمكان خلو الزمان من نبي بخلاف الإمامة، وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص)، والصوفية تقلدهم في شيء من هذا، حيث يقولون: الولي أفضل من النبي -كيف يا جماعة!- قالوا: إن النبوة انتهت والولاية مستمرة إلى يوم القيامة.
وهل هذا وجه تفضيل؟
حتى ينسب إلى أبي يزيد البسطامي أنه قال: (لقد خضنا بحراً وقف الأنبياء في ساحله).
** افتراءت الشيعة على آل البيت:
وينسبون إلى جعفر بن محمد الصادق -من آل البيت- أنه قال -طبعاً! أي فرية يريد إثباتها إمام شيعي يقول: قال الصادق، أو قال الباقر، قال الرضا فينسبون إلى أهل البيت كلاماً لم يقولوه، والكلام بغير إسناد صحيح كما ذكرنا في الجلسة السابقة ليس عندهم أسانيد صحيحة عن آل البيت، إنما يفترون عليهم افتراءً- ينسبون إلى جعفر الصادق أنه قال: [[الناصبي شر من اليهودي]]. والناصبي: من ليس بشيعي، لأنه من ليس شيعياً عندهم يناصب آل البيت العداء، فنسبوا إلى جعفر الصادق: [[إن الناصبي شر من اليهودي، قيل: وكيف ذلك يا ابن رسول الله؟! قال: إن اليهودي منع لطف النبوة، وهو لطف خاص، والناصبي منع لطف الإمامة وهو لطف عام]]. وقالوا: [[إن الإمامة مرتبة فوق النبوة]]، كما قال الصوفية: (الولي أفضل من النبي).
وقال ابن بابويه القمي: (اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي والأئمة الإثني عشر من بعده كمن جحد نبوة جميع الأنبياء).
ثانياً: اعتقادهم بالإمامة يقولون: (الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه، فالإمام يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، ما كان عمداً وما كان سهواً، أما علم الإمام فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي، أو من الإمام الذي كان قبله، وإذا استجد شيء فلابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه).
وذهب بعضهم: إلى أن روح القدس الذي قبض النبي انتقل فصار إلى الإمام.
ثالثاً: قالوا: لابد أن يكون في كل عصر إمام هادٍ يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر، وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس بتدبير شئونهم ومصالحهم، وإقامة العدل، وعلى هذا فالإمامة هي استمرار للنبوة.
** اتفاق اعتقاد الشيعة مع بعض اعتقادات النصارى :-
رابعاً: قالوا: الأئمة هم أولوا الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، فأمرهم هو أمر الله تعالى، ونهيهم هو نهيه سبحانه وطاعتهم طاعته ومعصيتهم معصيته. وهذا يذكرنا بماذا؟ يذكرنا بسر الكهنوت ومعناه: أن كل، ما يعقده الكاهن على الأرض يكون معقوداً في السماء، وما يحله الكاهن على الأرض يكون حلالاً في السماء، كأن إرادة السماء تابعة لإرادة الكاهن على الأرض، لذلك قال الله تعالى: (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ))[التوبة:31]، لذلك هذا الوضع يفسر لك قول الشاعر الذي قال للحاكم بأمر الله الفاطمي -أول دولة شيعية تحكم مصر- الحاكم بأمر الله الفاطمي الشاعر كان يقول له:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
لأن هذا الكلام له أصول عندهم، فهم يقولون: (الأئمة هم أولوا الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، فأمرهم هو أمر الله تعالى، ونهيهم هو نهيه سبحانه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته).
** كيفية تنصيب الإمام عند الشيعة :-
خامساً: ما دامت الإمامة كالنبوة فهي لا تكون إلا بالنص من الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو لسان الإمام المنصوب بالنص، إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده، وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق، فليس للناس حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه، ويعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على خليفته ابن عمه علي رضي الله عنه ونصبه، ويقولون: كما أنه صلى الله عليه وسلم بين أن الأئمة من بعده اثنا عشر، نص عليه بأسمائهم، وهم: علي رضي الله عنه، ثم الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، والثاني عشر: محمد بن الحسن المهدي الغائب من سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين، وهم ينتظرونه ليخرج من السرداب ليحكم العالم.
إذن! كيف يستدلون على إمامة الإمام علي وأنها نص عليها؟
ما يستدل به الشيعة على إمام علي:
إذا قرأت في القرآن لم تجد أنت ذلك، لكنهم لما لم يجدوا نصاً بالاسم لعلي رضي الله عنه صاروا إلى التأويل، -تأويل القرآن- فقالوا: هناك أدلة من القرآن العظيم على ولاية علي رضي الله عنه والنص عليها.
ومن المعلوم أن القرآن ليس فيه نص يؤيد المذهب الجعفري لذلك لجأ معتنقوه إلى التأويل والاستدلال بروايات ذكرت في أسباب النزول، وأهم ما استدل به الشيعة قوله سبحانه وتعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ))[المائدة:55]^ لكن أين الإمام علي هنا؟!!!
قالوا: هذه الآية الكريمة آية الولاية، ويقولون: إنها تدل على أن إمام المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم بلا ريب هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأن لفظة (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)، (إنما) تفيد: الحصر، و(وليكم) تفيد: من هو أولى بتدبير الأمور ووجوب طاعته، ويقولون: إن الآية الكريمة نزلت في علي رضي الله عنه بلا خلاف -كما يقولون- عندما تصدق بخاتمه وهو راكع.
** رد أباطيل الشيعة في القول بإمامة علي:
والجواب على هذا التفسير وهذا التأويل كما يلي:
إن آية الولاية -كما يسمونها- والتي يعتبرونها نصاً صريحاً في إمامة علي، نجد أنهم يروون أنها نزلت في علي حينما سأله سائل وهو راكع في صلاته فأومأ بخنصره الأيمن إليه، فأخذ السائل الخاتم من خنصره، وقالوا -في معناها-: إن الله سبحانه وتعالى بين في الآية من له الولاية على الخلق، والقيام بأمورهم، ومن تجب طاعته عليهم.
قال الإمام الطبري: اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ))[المائدة:55] فقال بعضهم: عني به علي رضي الله عنه.
وقال بعضهم: عني به جميع المؤمنين.
فالذين قالوا: عني به علي ذكروا في ذلك روايتين، هاتين الروايتين ضعيفتين.
الرواية الأولى: عن إسماعيل بن إسرائيل، قال: حدثنا أيوب بن سويد، قال: حدثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ))[المائدة:55]^ قال: قالوا علي رضي الله عنه.
الرواية الثانية: وهي أيضاً عند الطبري- قال: حدثني الحارث، قال: حدثني عبد العزيز، قال: حدثنا غالب بن عبيد الله، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ ... ))[المائدة:55]^ قال: نزلت في علي رضي الله عنه تصدق وهو راكع.
أما الرواية الأولى: ففي إسنادها أيوب بن سويد، ضعفه الإمام أحمد وابن معين، وعتبة بن أبي حكيم ضعفه ابن معين، وكان الإمام أحمد يوهنه، فهذه الرواية إذاً ضعيفة السند.
والرواية الثانية: في إسنادها غالب بن عبيد الله، وهو منكر الحديث متروك، فروايته لا يؤخذ بها.
قال الحافظ بن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية: وأما قوله تعالى: (( وَهُمْ رَاكِعُونَ ))[المائدة:55]^ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله تعالى: (( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ))[المائدة:55]^ يعني: يؤتون الزكاة وهو راكع يدفع الزكاة، فاعتبروها حال من قوله تعالى: (( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ))[المائدة:55]^ أي: في حال ركوعهم، وهل هناك من يتصدق وهو راكع، وأين السائل الذي يسأل الناس وهم ركوع؟ أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حالة الركوع أفضل من دفع الزكاة في غير هذه الحال، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمهم من أئمة الفتوى، حتى أن بعضهم ذكر في هذا أثراً عن علي رضي الله عنه، أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه، وذكر ابن كثير رحمه الله الروايات ثم بين أنها لا يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها، وجهالة رجالها.
** معاني الركوع في اللغة:
وقال ثعلب -عالم اللغة-: (الركوع هو: الخضوع)، وقال الراغب الأصبهاني: (الركوع هو: الانحناء)، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة يستعمل في التواضع والتذلل إما في العبادة وإما في غيرها، فقوله تعالى: (( وَهُمْ رَاكِعُونَ ))[المائدة:55]^ يعني: يؤتون الزكاة وهم خاضعون لربهم سبحانه وتعالى منقادون لأمره، متواضعون متذللون في أدائهم الصلاة، وفي إيتائهم للزكاة، فمعنى (وهم راكعون) أي: وهم خاضعون كما هو معنى الكلمة في أصل اللغة.
فظهر أن سبب النزول غير صحيح، ثم ما هذا الأمر الذي لا يقبل التأخير بعد الصلاة؟ ألم يكن الأفضل أن يصلي السائل مع المصلين، أو أن ينتظرهم حتى تنتهي الصلاة؟! وكيف يذهب السائل لراكع يسأله الصدقة ويشغله عن الصلاة؟! ولو وجده هذا السائل فكيف نشجعه على ارتكاب خطأ جسيم مثل هذا، ومن المعلوم لدى جميع العلماء سنة وشيعة أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فلو صح ما ذكر في سبب النزول لطبقنا على كل من يتصف بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع.
** معنى اللفظة في القرآن إن كان لها أكثر من معنى يتحدد من السياق:
وكلمة: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ )) كلمة الولي: تأتي بمعنى المتولي لأمور الناس، والمتصرف فيها.
وتأتي أيضاً بمعنى: الناصر والخليل والمؤيد والنصير، والسياق يحدد المعنى المراد.
فعندها يأمر الله سبحانه وتعالى بموالاة المؤمنين، وينهاهم عن موالاة غير المؤمنين من الكفار وأهل الكتاب، فمن السياق نجد أن الموالاة لابد أن تكون بمعنى: النصرة والمحبة. فكيف وقد جاء الآية قبل هذه نهي عن موالاة اليهود والنصارى، ثم بينت الآية الكريمة من تجب موالاتهم، ثم جاء النهي مرة أخرى عن موالاة الكافرين، فهذه الآية: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ))[المائدة:55]^ جاء قبلها: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ))[المائدة:51]^، وجاء بعدها: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ))[المائدة:57]^، فهذه أول آية استدلوا بها على ولاية علي والنص عليها -وهو داخل فيها طبعاً- وتم الجواب على ما ذهبوا إليه، وهناك آيات أخر، إن شاء الله سبحانه وتعالى نستكملها بعد، وللحديث بقية.
أكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً لحسن استماعكم.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
========================

بطلان استدلال الشيعة بحديث الكساء على إمامة علي وعصمة آل البيت
الشيخ/ عثمان الخميس
*بطلان استدلال الشيعة بحديث الكساء على إمامة علي وعصمة آل البيت:
ومن الأدلة التي يستدلون بها على الإمامة: آية التطهير، وآية التطهير هي قوله تبارك وتعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33] يقولون: إن أهل البيت هم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، بدلالة حديث الكساء.
حديث الكساء ترويه أم المؤمنين عائشة التي يزعمون أنها تبغض آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الحديث يخرجه الإمام مسلم الذي يزعمون أنه يكتم أحاديث في فضائل آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
عائشة تروي: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءه علي فأدخله في عباءته –أي: في كسائه- ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاءه الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جللهم-أي: غطاهم-صلوات الله وسلامه عليه بالكساء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقالوا: هذا الحديث يفسر الآية وهي قول الله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33] .
ثم الاستدلال الآخر وهو: أن إذهاب الرجس والتطهير، أي: العصمة، فيكونون بذلك معصومين، ويكون علي رضي الله عنه معصوماً، وكذا الحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، فإذا كان الأمر كذلك فهم إذاً أولى بالإمامة من غيرهم، ثم أخرجوا فاطمة رضي الله عنها وقالوا: إن الإمامة في علي والحسن والحسين، ثم في أولاد الحسين كما هو معلوم عند الكثيرين.
هذه الآية هل هي فعلاً في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أو في غيرهم؟
كما قلنا في قول الله تبارك وتعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ))[المائدة:55] ثم اقرءوا ما قبل هذه الآية، تدبروا القرآن، فنحن لا نريد أكثر من ذلك، أفليس الله تبارك وتعالى يقول: (( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ))[محمد:24]؟ ويقول: (( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ))[النساء:82]؟ إن هذا الخطاب من الله جل وعلا ليس متوجهاً فقط إلى أناس معنيين هم الذين يحق لهم أن يتدبروا القرآن، بل إن الله تعالى يطلب من جميع المسلمين -بل ومن غير المسلمين- أن يتدبروا القرآن، ويتعرفوا على الله جل وعلا من خلال هذا القرآن، فإنهم إذا قرءوا القرآن وتدبروه وعرفوه حق المعرفة وعرفوا قدره ومكانته لن يجدوا بداً من الانصياع إليه واتباعه والإقرار بكماله وحسن رصه، وغير ذلك من الأمور.
كذلك الأمر هنا، نحن لا نريد منكم أكثر من أن تتدبروا القرآن -أنا أعنيكم يا عوام الشيعة- دعوا علماءكم جانباً، ارجعوا إلى كتاب ربكم جل وعلا واقرءوه، وافتحوا هذا القرآن الكريم، على سورة الأحزاب، فعندما نفتح الآن على سورة الأحزاب في الجزء الثاني والعشرين سنجد أن الله تبارك وتعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ))[الأحزاب:28-34] نجد أن كل الآيات متناسقة، آيات في نساء النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ)).. ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ)).. ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ)) ثم قال: (( وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ))[الأحزاب:33-34] فنجد الآيات في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف لأحد أن يدعي بعد ذلك أن هذه الآية، بل هذا المقطع من الآية؛ لأن قوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33] ليست آية إنما هي جزء من آية: ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)) تلكم الآية، فكيف تقبلون في كلام الله جل وعلا أن يكون الخطاب لنساء النبي صلى اللهعليه وسلم: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ))[الأحزاب:28] ثم يقول: (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ))[الأحزاب:30] .. (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:32-33] يا علي.. يا فاطمة .. يا حسين، ثم يعود مرة ثانية: (( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ ))[الأحزاب:34] ما الذي أدخل علياً والحسن الحسين وفاطمة في خطاب موجه لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما مناسبة هذه الفقرة بين هذه الآيات؟ لا توجد مناسبة؛ ماذا علينا أن نفعل؟ هل نطعن في كلام الله أو نطعن في الذين فهموا هذا الفهم وادعوا دعوى غير صحيحة؛ لأن قوله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ))[الأحزاب:33]؟ نقول: هذه دعوى باطلة، فهذه في نساء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك كان مجاهد رحمه الله تعالى -مجاهد بن جبر- يقول: [[هي في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء باهلته]]. أي: في هذه الآية.
* من هم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
القصد هذه الآية هي في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث الكساء لعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وبهذا نجمع بين الأمرين، أن علياً وفاطمة، والحسن والحسين من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدليل حديث الكساء، وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم والدليل: الآيات المذكورة سابقاً، وغيرهم يدخل أيضاً في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كالفضل بن العباس، والمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عم النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنه لما منعهما من الزكاة أن يكونا عاملين عليها وقال: (إنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) ويدخل كذلك في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آل جعفر وآل عقيل وآل العباس بحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه وأرضاه، فقصر هذه الآية على علي والحسن والحسين وفاطمة لا يستقيم معه نص الآية؛ ولذلك نقول: إن هذا القول مردود.
*حل إشكال ورد شبهة:
هنا إشكال وهو: إذا كان الأمر كذلك وهي في نساء النبي صلى الله عليه وسلم فما مفهوم: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ ))[الأحزاب:33] ولم يقل: عنكن؟ وهذا هو الذي يدندنون عليه، لماذا قال: عنكم، ولم يقل: عنكن؟ وهذه قد ذكر أهل العلم لها معانٍ كثيرة منها:
أولاً: -وهو أصح هذه الأقوال-: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم داخل معهن، وذلك أن الخطاب كان للنساء، ثم لما تكلم على البيت دخل سيد البيت وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا دخل صلوات الله وسلامه عليه مع النساء في الخطاب فطبيعي جداً أن تلغى نون النسوة وتأتي بدلها ميم الجمع: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ))[الأحزاب:33] أي: يا نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومعكن سيدكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وتصح أيضاً لما قال الله تبارك وتعالى لما قال عن امرأة إبراهيم: (( رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ))[هود:73] وهي امرأة إبراهيم، لم جاء بميم الجمع هنا: (عليكم) ولم يقل: (عليكن)، ولا (عليكِ) أيضاً، وإنما (عليكم)؟ يريد أهل البيت، يريد مراعاة اللفظ، واللفظ (أهل).
وعلى كل حال إن نون النسوة هنا لم يؤت بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل معهن.
*عدم دلالة آية التطهير على عصمة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كذلك بالنسبة للتطهير: الله سبحانه يريد أن يذهب الرجس، ويريد أن يطهر سبحانه وتعالى، فهل هم مطهرون خلقة أو يريد الله الآن أن يطهرهم؟ القوم يدعون أنهم مطهرون خلقة، أي: خلقوا مطهرون، فإذا كانوا خلقوا مطهرين فما معنى قوله وتعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ ))[الأحزاب:33] بعد أوامر ونواهٍ قال: يريد أن يذهب عنكم الرجس أي: طهركم وأذهب عنكم الرجس، إذاً: ما معنى حديث الكساء، وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جللهم بالكساء ثم قال: اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) لماذا يدعو وبماذا؟ يدعو بإذهاب الرجس الذي هو أصلاً ذاهب عنهم؛ لأنهم مطهرون خلقة؟! فكيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطلب من الله أن يذهب عنهم الرجس؟ تحصيل حاصل لا ينبغي أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إذاً: هذه الآية لا تدل على العصمة، كيف تدل على العصمة وعلي رضي الله عنه يقول: [[وإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن من أن يقع مني ذلك]] يقول ذلك في الكافي الجزء الثامن صفحة: (293)، ويقول للحسن ابنه: [[ ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم ]] وهذا في نهج البلاغة صفحة: (576)، وقال له أيضاً: [[ فاعلم أنك إنما تخبط خبط العشواء وتتورط الظناء ]] وهذا في نهج البلاغة صفحة: (577)، وقال له كذلك: [[ فإن أشكل عليك من ذلك-يعني: أمر-فاحمله على جهالتك به، فإنك أول ما خلقت جاهلاً ثم علمت، وما أكثر ما تجهل من الأمر، ويتحير فيه رأيك، ويضل فيه بصرك ]] وهذا في نهج البلاغة صفحة: (578).
وهذا من يسمونه بالشهيد الثاني: زين الدين بن علي العاملي، يقول: [[ فإن كثيراً منهم ما كانوا يعتقدون بعصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنهم علماء أبرار ]]. وهذا في حقائق الإيمان صفحة: (151).
*معنى الرجس:
يقول الله تعالى: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ ))[الأحزاب:33] ما هو الرجس؟ الرجس: قال أهل اللغة: هو القذر.. الذنب .. الإثم .. الفسق .. الشك ..الشرك .. الشيطان، كل هذا يدخل في مسمى الرجس.
وردت كلمة الرجس في القرآن في مواضع عدة، فقد وردت في قول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ))[المائدة:90] وقال تعالى: (( كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ))[الأنعام:125] وقال سبحانه وتعالى: (( قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ))[الأنعام:145]، وكذلك يقول سبحانه وتعالى على الكفار من اليهود: (( قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنتَظِرِينَ ))[الأعراف:71] ويقول تعالى: (( سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ))[التوبة:95] وجاءت آيات أخرى تبين معنى الرجس، وهو: الإثم.. الذنب.. القذر.. الشك.. الشيطان.. الشرك، وما شابهها من المعاني؛ ولذلك جاء عن جعفر الصادق رضي الله عنه ورحمه أنه قال: [[ (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ ))[الأحزاب:33] قال: هو الشك ]] وقال الباقر: [[ الرجس: هو الشك، والله لا نشك في ربنا ]]، وفي رواية: [[ في ديننا ]]. وفي رواية: [[ لا نشك في الله الحق ودينه ]]. إذاً: هذا هو الرجس.
ماذا كان عندما أذهب الله عنهم الرجس؟ هل كل من أذهب الله عنه الرجس يصير إماماً معصوماً؟ الله تعالى يقول عن جميع المؤمنين: (( إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ))[الأنفال:11] وقرئت: رجس، هل صاروا معصومين إذاً، كل هؤلاء صاروا أئمة ثلاثمائة وبضعة عشر كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هل كل من طهره الله تعالى يكون إماماً؟
يقول الله تعالى: (( وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ))[المائدة:6] يقوله لعموم المؤمنين: (( وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ))[المائدة:6] وقال تعالى سبحانه وتعالى: (( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ))[النساء:27] الله يريد سبحانه وتعالى، وهذه الإرادة كما قال أهل العلم تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية، وهي ما يحبه الله ويرضاه سبحانه وتعالى، وإرادة كونية قدرية، وهي ما يوقعه الله سبحانه وتعالى، والآية إنما هي فيما يحبه الله تعالى، ولذلك سبقت بأمر ونهي: (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ))[الأحزاب:32-33].. (( وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))[الأحزاب:33] ثم قال بعدها: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ ))[الأحزاب:33] مع هذه الأوامر وهذه النواهي (يريد الله) أي: يحب جل وعلا أن يذهب عنكم الرجس إذا التزمتم بفعل ما أمر وترك ما نهى وزجر، فهذه إرادة شرعية يحبها الله ويرضاها.
وهذه الإرادة الشرعية قد تقع وقد لا تقع؛ ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: (( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ))[النساء:27] هل جميع الناس تاب عليهم؟ لا، منهم من غضب عليهم سبحانه وتعالى، ومنهم من لعنهم جل وعلا، ومنهم من جعل منهم عبد الطاغوت وجعلهم حطب جهنم ولم يتب عليهم سبحانه وتعالى؛ لأنها إرادة شرعية وليست قدرية.
أما الإرادة القدرية الكونية فهي التي يوقعها الله سبحانه وتعالى، وهذه تقع على ما يحبه الله تعالى وما لا يحبه، ككفر الكافر مثلاً، هل كفر الكافر رغماً عن الله أو بإرادة الله؟ بإرادة الله سبحانه وتعالى، ما وقع شيء في هذا الكون أبداً إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى: (( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ))[الإنسان:30] فكفر الكافر ليس رغماً عن الله، بل هو بإرادة الله الكونية القدرية سبحانه وتعالى، وإن كان الله لا يحب هذا -أي: لا يحب الله أن يكفر الكافر- ولا يريد الله أن يمتنع إبليس عن السجود لآدم ولكن وقع هذا بإرادة الله الكونية القدرية ولا بإرادته الشرعية التي هي على ما يحبه ويرضاه؛ ولذلك يحاسب الله على ترك إرادته الشرعية ولا يحاسب على ترك إرادته الكونية القدرية؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يترك الإرادة الكونية القدرية ولا يستطيع أحد أن يتجاوزها.
*روايات عدة لحديث الثقلين:
ومن الأدلة التي استدلوا بها على الإمامة والعصمة: أدلة من السنة، أي: من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسوف نتكلم عن تسعة أحاديث تقريباً.
أولها: حديث الثقلين، حتى ألفت كتب عناوينها تحمل هذا المضمون، فحديث الثقلين أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. قال زيد: فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) هذا إخراج الإمام مسلم في الصحيح، ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إني تارك فيكم ثقلين).
الثقل الأول: كتاب الله، وكما هو وارد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأخذ به والتمسك به.
ثم الثقل الثاني: وهم أهل بيته، قال: (أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي .. أذكركم الله في أهل بيتي).
ظاهر الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر برعاية حقوق أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنهم لا يتوقفون عند هذا الحديث -حديث زيد بن أرقم- وإنما يتجاوزون ذلك إلى حديث أم سلمة، وحديث علي، وحديث أبي سعيد الخدري.
أما حديث علي ففيه: (إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، سببه بيد الله وسببه في أيديكم، وأهل بيتي) ظاهره: أنه أمر بالتمسك بأهل بيته، وهذا أخرجه أبو عاصم في السنة، ولكن مشكلته أنه لا يصح حيث أن في روايته الكثير بن زيد، ضعفه أبو حاتم والنسائي وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وابن المديني، فلا يمكن الاستدلال بمثل هذا الحديث، ندعه ونأخذ الحديث الذي بعده، وهو حديث أبي سعيد الخدري وفيه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وهذا أخرجه الترمذي وأبو يعلى وابن أبي عاصم، ولكن هذا أيضاً فيه عطية العوفي، وعطية ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، لأنه متفق على ضعفه عند أهل العلم، فلا يسلم هذا الحديث أيضاً.
الحديث الرابع: وهو حديث زيد بن ثابت، وفيه: (إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) أخرجه أحمد والطبراني، وفيه القاسم بن حسان، وثقه أحمد بن صالح والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه البخاري وابن قطان، وسكت عنه ابن أبي حاتم، وضعفه الذهبي، وقال ابن حجر: مقبول، وفيه شريك بن عبد الله وهو سيء الحفظ.
الحديث الخامس: حديث جابر بن عبد الله، وفيه: (يا أيها الناس! إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي) أخرجه الترمذي والطبراني، فيه زيد بن حسن الأنماطي، قال أبو حاتم منكر الحديث، وقال ابن حجر: ضعيف.
من هذه الروايات يظهر لنا أن حديث الثقلين إنما يصح من رواية زيد بن أرقم رضي الله عنه وليس فيه شيء من الأمر بالتمسك بالعترة، وإنما فيه الأمر برعاية حق العترة، والأمر إنما هو بالتمسك بكتاب الله؛ لذلك جاء حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح مسلم: (وقد تركتم فيكم ما لا تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله) فقط، ولم يتطرق لأهل البيت ولا للعترة، وهذا الحديث رواه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وحديث الأمر بالتمسك بالعترة ضعفه أحمد وابن تيمية، نعم صححه بعض أهل العلم كالألباني وغيره، ولكن العبرةَ بما يكون فيه البحث العلمي، وهو أن هذا الحديث لا يصح علمياً من حيث النظر في الأسانيد والدلالات، وهذه منهجية أهل السنة والجماعة، فإنهم لا يقلدون أحداً في هذه الأمور، بل يتبعون بحسب القواعد الموضوعة.
فإذا سلمنا بصحة هذا الحديث جدلاً، أمر بالتمسك بالثقلين -كتاب الله، وعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم- يقول ابن الأثير: سماهما ثقلين؛ لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل، ويقال لكل خطير: ثقل، فسماهما ثقلين إعظاماً لقدرهما وتفخيماً لشأنهما، وهذا قاله ابن الأثير في الجزء الأول صفحة (216) في غريب الحديث.
ومعنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحفظ حقوقهم؛ ولذلك الصحابة رضي الله عنهم أعطوا الثقلين حقهم، هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يقول: [[ ارقبوا محمداً في آل بيته ]] وهذا خرجه البخاري في صحيحه، وقال: [[ والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ]] وهذا أخرجه البخاري كذلك في صحيحه.
ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون معه أمروا بالتمسك بأشياء أخرى، قال الله تبارك وتعالى: (( وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ))[النساء:115].
==============================


يتبع
بنتـي دنيتـي
بطلان استدلال الشيعة بحديث: (يكون بعدي اثنا عشر خليفة..)
الشيخ / عثمان الخميس
بطلان استدلال الشيعة بحديث: (يكون بعدي اثنا عشر خليفة...)
ومن الأدلة التي يستدلون بها: حديث اثني عشر، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، وفي روايات أخرى لهذا الحديث عند أهل السنة والجماعة في الصحيحين وغيرهما: (لا يزال أمر هذا الدين قائماً حتى يلي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).
هذا الحديث يستدلون به على إمامة الاثني عشر عندهم، فهل الاثنا عشر في الحديث الشريف هم الاثنا العشر الذين يقول الشيعة: إنهم أئمتهم وأنهم هم المقصودون بهذا الحديث أو لا؟
هذه دعوى، لننظر هل هذه الدعوى صحيحة أو غير صحيحة؟
من هم أئمة الشيعة الاثني عشر؟
نعدهم: علي بن أبي طالب .. الحسن بن علي .. الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين، محمد بن علي بن الحسين(الباقر)، جعفر بن محمد (الصادق)، موسى بن جعفر (الكاظم)، علي بن موسى (الرضا)، محمد بن علي (الجواد)، علي بن محمد (الهادي)، ثم الحسن بن محمد العسكري، ثم محمد بن الحسن (المهدي) وهو الثاني عشر.
يقولون: هؤلاء هم الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (يكون بعدي اثنا عشر خليفة) قلنا: ننظر هل هذا الكلام صحيح أو غير صحيح؟
نقول أولاً: جاء في كتب القوم أن الأئمة ثلاثة عشر، قال في الكافي مثلاً: عن أبي جعفر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: (إني واثني عشر إماماً من ولدي وأنت يا علي زر الأرض) الاثنا عشر غير علي، يعني: هؤلاء ثلاثة عشر، وهذه في الكافي الجزء الأول صفحة (534)، وكذلك جاء عن جابر قال: [[دخلت على فاطمة وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر آخرهم قائمهم]] (اثني عشر من ولدها)، يعني: غير علي، فهو ليس من ولد فاطمة، إذاً: كلمة(اثني عشر) هذه غير صحيحة، ولذا جاء في حديث جابر هذا أنه قال: [[ فعددت اثني عشر آخرهم قائمهم، ثلاثة منهم محمد، وثلاثة منهم علي]] من هو محمد؟ محمد الباقر، محمد بن علي الجواد، محمد بن الحسن المهدي، هؤلاء الثلاثة محمد، من هم الثلاثة علي؟ علي بن الحسين السجاد، علي بن موسى الرضا، علي بن محمد الهادي، وهذا في الكافي صفحة (532)؛ ولذا ذكرت بعض كتب الشيعة التي تتكلم عن الفرق أن هناك فرقة من فرق الشيعة تسمت بالثلاثة العشر، اعتقدت ثلاثة عشر إماماً من هذا الحديث الذي في الكافي، وكما قلت: الحديثان في الكافي يقولان: إن الأئمة ثلاثة عشر، وليسوا اثني عشر كما يقولون.
وهنا نقطة مهمة جداً في هذه المسألة، هم يقولون: نحن الاثنا عشر، وأئمتنا هم فلان وفلان.. الذين ذكرناهم الآن، طيب، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بهذا في زمنه، بينما نجد أن كبار رواة الشيعة الذين عاصروا الباقر وعاصروا الصادق -فالباقر قلنا: الخامس، والصادق: السادس، هذان كان لهما تلاميذ أتباع وهم رواة- ما كانوا يعرفون أن الأئمة اثنا عشر؛ ولذلك كان يقع الخلاف بينهم كثير؛ ولذلك زرارة لما حضره الموت قال لعمته: [[ليس لي إمام إلا كتاب، وأشار إلى القرآن]] وهذا في رجال الكشي صفحة (139).
ونجد أن أقطاب الشيعة الكبار: زرارة بن أعين، هشام بن سالم الجواليقي، محمد بن نعمان الأحول...، عمار الساباطي، هؤلاء يذهبون ويبايعون عبد الله بن جعفر، ولم يبايعوا موسى بن جعفر، بل بايعوا عبد الله بن جعفر الذي هو الأفطح؛ ولذلك ذكر النوبختي وغيره أن جل رواة الشيعة فطحية، أي: أن جل الروايات عندهم عن جعفر الصادق ومحمد الباقر، وجل أتباع محمد الباقر وجعفر الصادق اتبعوا بعد ذلك عبد الله بن جعفر وبايعوه الذي هو الأفطح؛ لذا قالوا: جل رواتنا فطحية.
وهذا هشام بن سالم يقول: (خرجنا من عبد الله بن جعفر ضلالاً لا ندري إلى أين نتوجه ولا من نقصد) وهذا في الكافي الجزء الأول صفحة (351).
متى نشأت الاثنا عشرية:
إذاً: قضية أن القضية محسومة أنهم اثنا عشر ومعلومون أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا لم يكن يعرفه الشيعة الكبار؛ ولذلك فرق الشيعة لم تقل بالاثني عشر، فمتى جاءت تسمية اثني عشر هذه؟ أي: فرقة الاثني عشرية متى جاءت؟
أيام جعفر الصادق لا يوجد شيء اسمه اثنا عشرية، قبلهم من باب أولى: أيام الباقر، الحسن، الحسين... إلى آخرهم لم يكن هناك شيء اسمه الفرقة الاثنا عشرية، ولكن كان هناك شيعة، أيام علي بن الحسين كان يوجد شيعة، أيام الباقر كان يوجد شيعة، أيام جعفر كان يوجد شيعة، أيام موسى الكاظم يوجد شيعة، وفي زمن علي الرضا كان يوجد شيعة فقط، ولم يكن يوجد شيعة اثنا عشرية أبداً بل شيعة فقط، وكان في زمن الهادي وزمن العسكري شيعة فقط، فمتى خرجت هذه الفرقة؟ لما مات الحسن العسكري ولم يكن له ولد صدموا، ماذا نصنع ما عنده ولد، ونحن قلنا: الإمامة مستمرة، ماذا نصنع؟ قالوا: ألفوا له ولداً، ألفوا له ولد، فما صدقهم أحد؛ ولذلك أخذت الميراث مع أخيها جعفر، أصلاً: لم يظهر له ولد وإنما هي دعوى باطلة؛ ولذلك هم يردون على الإسماعيلي أنه ليس لإسماعيل ولد، والإسماعيلي يقول: لا. ويردون على الفطحية والفطحية يردون.. وهكذا.
وهنا كذلك يقال لهم في دعوى أن له ولداً: من يقول: إن له ولداً؟ ولذلك نقول: متى جاءت الفرقة الاثنا عشرية؟ أيام علي بن أبي طالب ما في شيء اسمه فرقة اثنا عشرية، ولا أيام الحسن، ولا أيام الحسين رضي الله عنهم أجمعين، ولا كذلك أيام علي بن الحسين، ولا أيام الباقر، ولا جعفر الصادق رضي الله عنهم، بل ولا أيام موسى الكاظم، ولا أيام علي الرضا، ولا محمد الجواد رضي الله عنهم، ما في شيء اسمه فرقة اثنا عشرية، بعد الجواد علي الهادي الحسن العسكري ولا توجد كذلك فرقة اسمها اثنا عشرية، طيب لماذا لم يتبنَ هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم من بداية الأمر وتبني بعد ذلك؟ لأنه مات الحسن العسكري وليس له ولد، فادعوا له ولداً، فما صدقهم الناس؛ ولذلك أخذت أمه ميراثه مع أخيه، أي: ميراث الحسن العسكري. فأين الولد إذاً؟ قالوا: ولد غائب.
وطبيعي جداً أن يكون غائباً؛ لأنه لا يمكن أن يحضر؛ ولأنه ليس موجوداً أصلاً.
طيب! هذا الولد أليس له ولد؟ طبيعي أن يكون له ولد؛ لأنه أصلاً لم يخلق، فكيف يخلق له ولد؟
فكان لابد أن يقفوا عند الثاني عشر؛ ولذلك تسموا بالاثني عشرية، ثم بعد ذلك إما أن يكون سول لهم الشيطان –سواء شيطان الجن أو شيطان من شياطين الإنس- فوجد حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم يخبر فيه أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة، فقالوا: بس، اثنا عشر واثنا عشر، الرقم نفس الرقم، إذاً: النبي يخبر عن الاثني عشر.
هذا لا شك أنه لعب بكتاب الله جل وعلا، ولعب بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولعب على عقول الناس.
روايات باسم القائم:
ولذلك جاء في روايات كثيرة عند الشيعة أن القائم ليس هو محمد بن الحسن المهدي، فهذه رواية مثلاً تقول: (تابعنا قائمنا) وهذا في الكشي صفحة (373)، وقال جعفر عن المهدي: (سمي فالق البحر) وهذا في الغيبة صفحة (46)، وكذلك قال عنه: (اسمه على حديدة الحلاق) وهذا في الغيبة صفحة (47)، فلو نظرنا لوجدنا أن السابع هو موسى الكاظم، ولنعدهم من البداية معي: علي، الحسن، الحسين، علي بن الحسين، محمد بن علي، جعفر، موسى، وهذا هو السابع، وهو سمي فالق البحر على اسم نبي الله موسى، وهو أيضاً الذي اسمه على اسم حديدة الحلاق موسى، الموس.
إذاً: هذا كان عندهم القائم، القائم هو السابع، فمن أين جاء الثاني عشر؟
وكذلك الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزال أمر هذا الدين قائماً ما ولي اثنا عشر خليفة) الثاني عشر يزعمون ويدعون أنه موجود حالياً من سنة 260هـ عندما مات الحسن العسكري، فهم يزعمون أنه ولد سنة 256، من سنة 260هـ إلى اليوم هو موجود، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يزال أمر هذا الدين قائماً- مانعاً.. قوياً .. عزيزاً- ما ولي اثنا عشر خليفة) هل ترون الآن منذ سقوط الخلافة إلى يومنا هذا أن الدين عزيز؟ انظروا إلى أحوال المسلمين اليوم، هل الدين عزيز؟ هل الدين منيع؟ هل الإسلام عالٍ في الأرض؟ أين يتحدث النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ نكذب النبي أو نكذب الذين يزعمون هذه الدعوى ويدعونها زوراً ويقولون: إنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالاثني عشر في هذا الحديث؟
كذلك هم يقولون: إن أئمتهم كانوا يتقون، وكانوا خائفين مستترين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: دين منيع، دين قوي، أين الدين المنيع والقوي مع خوف واستتار؟ إذا كان القائم على الدين خائفاً مستتراً متقياً فكيف يكون الدين قائماً عزيزاً منيعاً؟!
ثم إن الحديث ليس فيه حصر، يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في أثناء خلافة اثني عشر خليفة يكون الدين منيعاً، هل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وسيحكم غيرهم، وسيتوقف الأمر عند هؤلاء، وستقوم القيامة على الثاني عشر من هؤلاء؟ لا يوجد شيء من هذا الحديث أبداً، الحديث يتكلم بخبر يخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأمور مستقبلية والله قال سبحانه وتعالى: (( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ))[الجن:26-28] فيخبر الله جل وعلا نبيه ببعض غيبه فيخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببعض ما سيقع، وهذا من علامة صدق النبي صلوات الله وسلامه عليه.
كذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلهم من قريش) وهم يقولون: كلهم أولاد علي بن أبي طالب. نحن نعلم علم اليقين -ولا مرية عندنا في هذا- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وصدق، وأنه أوتي جوامع الكلم، فهل الذي أوتي جوامع الكلم يقول: كلهم من قريش وهم من أولاد علي أصلاً، وهو -كما نعلم علم اليقين كذلك أنه أنصح الناس للناس صلوات الله وسلامه عليه، فكيف يضيعنا؟ كيف يقول: من قريش، وهم من أولاد علي وأبنائه؟ كان الأولى أن يقول: علي وأبناء علي وانتهى الأمر، كان الأولى أن يذكر أسماءهم وينتهي الأمر، لكن أن يقول: كلهم من قريش. ويعمي المسألة على الناس، فهذا لا نؤمن به أبداً.
لو كان النبي يريد علياً وأولاده لقال: علي وأولاده، ولذلك لو جئت أنا وقلت مثلاً: سأعطي كل عربي مائة دينار، فجاءني العرب واجتمعوا على بابي، ماذا تريدون؟ قالوا: نريد مائة دينار، كل واحد منا يريد مائة دينار، قلت: لا، عفواً أنا سأعطي الليبيين فقط، قالوا: لماذا تعطي الليبيين فقط؟ قلت: لأنهم عرب، قالوا: ونحن عرب، قلت: إذاً: أنا ما أخطأت، قالوا: أنت لم تحسن الكلام، لو كنت تحسن الكلام لقلت: أعطي الليبيين، وهذا لا يحتاج إلى أن نأتي أصلاً، لو أنك قلت: سنعطي كل الليبيين فما كنا سنأتي، ولكن قلت: ستعطي كل عربي، فأنت لا تحسن الكلام، قلت لهم: طيب أنا آسف لكن لن أعطي إلا الليبيين اسمحوا لي بارك الله فيكم، فاجتمع عندي الليبيون فقالوا: خلا لنا الجو، فقلت: ماذا تريدون؟ قالوا: يريد كل واحد منا مائة دينار، قلت: لا، أنا سأعطي فقط أهل طرابلس أما غير أهل طرابلس فأعتذر لأني لن أعطيهم شيئاً، قالوا: لماذا؟ قلت: أنا أريد الآن أهل طرابلس فقط، قالوا: أنت قلت: كل ليبي، قلت: سأعطي الليبيين وهم الطرابلسيون، قالوا: لو أحسنت واخترت اختر ألفاظاً جيدة، فأنت في الأول أحرجتنا مع العرب، والآن أحرجتنا مع أنفسنا الآن وأخرجتنا من الحسبة وضيعت علينا وقتنا، فلو قلت: سأعطيها أهل طرابلس وانتهى الأمر، قلت: طيب آسف اسمحوا لي، وأعطيت أهل طرابلس.
فأنا هل ألام على اختيار هذه الكلمات أو لا ألام؟ أتريدون أن ننسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (كلهم من قريش) وهو يريد علياً وأبناءهم؟ أليس كان من الأفضل أن يقول: كلهم من بني هاشم؟ بل حتى هذه ما تصلح؛ لأن الهاشميين كثيرون، كان الأولى أن يقول عليه الصلاة والسلام: كلهم أولاد علي، بل ويحددهم بأسمائهم، يقول: الحسن والحسين؛ لأن علياً له تسعة عشر ولداً، رضي الله عنه ورحمه، وكذلك يقول: ذرية الحسين دون الحسن، فحدد هكذا حتى نقول: أوتي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه عليه، ولكن ليس الأمر كذلك، الأمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كلهم من قريش) ونحن نعتقد يقيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وأن الذين زعموا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يؤت جوامع الكلم نؤمن يقيناً كذلك أن قولهم مردود، فلا نقبل قولهم أبداً؛ لأنهم يريدون أن يطعنوا في نبينا، ونحن لا نقبل هذا في نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
القضية أنهم استدلوا العدد على العدد فقط، اثنا عشر خليفة ونحن نقول باثني عشر، إذاً: هؤلاء هم هؤلاء وانتهى الأمر.
نقول: فاتكم أنه جاء في صحيح مسلم: (سيكون في أمتي اثنا عشر منافقاً) فإذا كانت القضية قضية أن العدد يوافق، فكيف توفقون بين هذه وهذه وتلك؟ اثنا عشر خليفة، واثنا عشر إمام، واثنا عشر منافق، هل كل اثنا عشر هي في أئمتكم أم لا؟ تدبروا هذا الأمر.
لو رجعنا إلى كتاب الله جل وعلا لما وجدنا أن الله نص على إمامة أحد منهم أبداً، فقد مرت بنا أدلتهم من القرآن، وبينا أنه لا يصح منها شيء، فأين كتاب الله تعالى من هذه الإمامة التي هي عندهم أهم من الصلاة والحج، وأهم من كل شيء، فالله تبارك وتعالى لم يذكرها، وكذلك ما نص على هؤلاء الأئمة الاثني عشر في كتابه العزيز، فلما لم ينص الله تبارك وتعالى مع أهمية هذا الأمر الذي هو عندهم أهم ركن من أركان الإسلام؟!
ذكر الله جل وعلا الرسل ورسالاتهم، ذكر تبارك وتعالى أحوالهم مع أممهم، ولم يذكر شيئاً أبداً عن هؤلاء الأئمة لا من قريب ولا من بعيد، أتقصير من الله أم دعواهم باطلة؟ اختر أي الأمرين شئت.
ولذلك زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه هذا هو أخو محمد الباقر عم جعفر الصادق بن علي زين العابدين، تنتسب إليه طائفة الزيدية، يقولون: [[إنه جلس مع مؤمن الطاق -ويسميه أهل السنة: شيطان الطاق- على كل حال جلس معه محمد بن النعمان، فقال له: يا أبا جعفر! -مؤمن الطاق- بعد أن دعاه لي وكان مستخفياً، اخرج معي، يقول لشيطان الطاق، اخرج معي ساعدني إلى ما خرجت إليه، فقال له شيطان الطاق أو مؤمن الطاق كما يحبون أن يسموه قال: إن كان أباك أو أخاك خرجت معه، أما أنت فلا، قال: يا أبا جعفر! كنت أجلس مع أبي على الخوان -الخوان: طاولة الطعام- فيلقمني اللقمة السمينة ويبردها لي شفقة علي، ولم يشفق علي من حر النار حيث أخبرك بالإمامة ولم يخبرني أنا؟!]] كيف يحدث هذا بأن يخبرك ولا يخبرني أن الإمام بعد علي هو محمد وبعد محمد جعفر؟! علي بن الحسين أبي ما أخبرني بهذا على شفقته علي وحبه لي، فانظروا ماذا يكون الجواب، قال: [[جعلت فداك، من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك ألا تقبل فتدخل النار، وأخبرني أنا فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبالِ بي أن أدخل النار]] أهذا منطق؟! أهذا عقل؟! لا يخبر ولده بالإمامة التي هي أهم ركن من أركان الدين ويخبر الأجنبي البعيد؟ ولذلك صدق أهل السنة عندما سموه شيطان الطاق، فالذي يتكلم هكذا مع واحد من أئمة أهل البيت إنما هو زيد بن علي بن الحسين.
كذلك هنا قضية مهمة، هناك شخص اسمه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهذا يقال له: النفس الزكية، في سنة130هـ خرج هذا الرجل وقال بأنه المهدي، وتبعه أقوام كثير ومنهم من هو من أهل البيت، فهذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب جد أبيه الحسن بن علي بن أبي طالب، وليست القضية في خروجه، وإنما القضية في أن جعفر الصادق الذي هو في منزلته أمر ولديه موسى الكاظم وعبد الله الأسطح أن يخرجا معه تابعين له، فانضما إلى ثورته، وهذا في مقاتل الطالبيين صفحة (244)، مع أنهم يقولون: (كل بيعة قبل ظهور القائم كفر ونفاق وخديعة لعن الله المبايعُ والمبايع له). وهذا في بحار الأنوار الجزء (53) صفحة (8).
من أقوال الشيعية التي تنكر ولا تؤمن بالمهدي:
أحاديث المهدي لو نظرنا إليها في كتب الشيعة لوجدناها لا تحصى من كثرتها، لا أقول مئات بل تتجاوز المئات، ومع هذا نجد أن جل فرق الشيعة لا تؤمن بالمهدي وخاصة القديمة: فالفطحية لا تؤمن بالمهدي، والماووسية لا تؤمن بالمهدي، وكذلك البكرية لا تؤمن بالمهدي، والصالحية لا تؤمن بالمهدي، والكيسانية لا تؤمن بالمهدي، والإسماعيلية لا تؤمن بالمهدي، والجعفرية القديمة لا تؤمن بالمهدي، والموسوية القديمة لا تؤمن بالمهدي، فلماذا كلهم غافلون عن هذه الأحاديث الكثيرة؟ بل رواة أحاديث الشيعة الكبار وهذه أسماؤهم: عمار الساباطي، عبد الله بن يعفور، أبان بن تغلب، هشام بن الحكم، جميل بن البراد، هشام بن سالم، محمد بن النعمان، وأضف إليهم زرارة، واسأل بعد ذلك عن منزلتهم أو اقرأ عن هؤلاء ماذا يكونون في رواة الشيعة، كل هؤلاء يضيعون بعد جعفر الصادق ولا يدرون إلى أين يتوجهون؛ لأن هذه الروايات لم تكن توجد في زمانهم، بل هي روايات متأخرة وضعت وكذبت بعد ذلك.
وهذا البياضي عالمهم مثلاً يقول: (إن علياً لم يذكر النص للصحابة على نفسه لسببين: لو ذكره ثم أنكروه لكفروا وهو لم يرد ذلك، وأنهم قصدوا في الشورى تقديم الأفضل فشارك ليعترف بأنه الأفضل فقط) هذا في أن علياً أخفى النص ولم يذكره فكيف يكون ظهر النص لأحد عشر من ولده؟
وإذا كانت الإمامة نصاً في الاثني عشر هؤلاء فلماذا تنازل الحسن لمعاوية؟ اسألوا علماءكم، والله أنا نريد لكم الخير، اسألوهم: لماذا تنازل الحسن لمعاوية وهو إمام منصوص عليه من عند الله تعالى؟ يقولون: لأن الإمامة ليست في الحكم، والحكم ليس شرطاً، للإمامة ممكن أن يكون إماماً ولكن ليس بحاكم، طيب لماذا الحسين خرج على يزيد؟ الحسين إمام وليس بحاكم فلماذا خرج على يزيد؟ إذا كانت قضية الإمامة لا شأن لها بالحكم، أو لا يلزم من الإمامة الحكم، طيب الحسين كذلك كان سيظل إماماً من دون أن يخرج على يزيد، لماذا خرج على يزيد؟ اسألوهم.
واسألوهم سؤالاً آخر: لماذا خرج الحسين على يزيد ولم يخرج على معاوية؟ ما خرج على معاوية وإنما خرج على يزيد مع أنه عاش خلافة معاوية بعد موت الحسن إحدى عشرة سنة، سنة 49هـ توفي الحسن رضي الله عنه، وانتهت خلافة معاوية سنة ستين رضي الله عنه، من سنة تسعة وأربعين إلى سنة ستين لم يحرك الحسن ساكناً ضد معاوية، وإنما خرج على يزيد، فكروا لماذا؟ إما أن تقولوا: إن معاوية كان رجلاً صالحاً –وهذه جيدة نقبلها منكم- ويزيد ليس بصالح. فهناك كثير من أهل السنة يقولون: يزيد ليس بصالح، أنا أقول: يزيد ليس بصالح، لكن لا نسبه، ولا نتقرب إلى الله بسبه، نقول: ليس صالحاً، وهناك كثير أولى منه وأصلح منه بالخلافة، لكن لِمَ لم يخرج الحسين على معاوية؟ ولماذا تنازل الحسن لمعاوية والإمامة نص في اثني عشر؟ إما أن نقول: إن فعلهم خطأ، وإما أن نقول: لا يوجد نص وهذا هو الصحيح، إنه لا يوجد نص على اثني عشر.
إذاً: كان الأمر شورى كما قال علي رضي الله عنه: [[إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله...]] وذلك في نهج البلاغة صفحة (360)، وقال: [[بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد]] وهذا في نهج البلاغة صفحة (366)، وقال كذلك لمن جاءه يطلب منه أن يكون خليفة قال: [[دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقيلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن تركتموني فإني كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير مني لكم أميراً]] هل يغش الناس بهذا الكلام؟ لا والله ما يغش الناس رضي الله عنه وأرضاه، قاله في نهج البلاغة صفحة (336).
بطلان استدلال الشيعة بحديث الغدير على إمامة علي رضي الله عنه:
ومن الأدلة التي استدلوا بها كذلك: ما يسمى بحديث الغدير، أي: غدير خم. أين هذا الغدير؟ غدير من الجحفة التي بين مكة والمدينة، وكان هذا في حجة الوداع بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الحج، وقبل وفاته بثلاثة أشهر فقط.
هذه الحادثة أخرجها الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم، قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا خطيباً بماء يدعى خما، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد: ألا يا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، قال: فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: أذكركم الله في أهل بيتي..أذكركم الله في أهل بيتي..أذكركم الله في أهل بيتي) قال الحصين الراوي عن زيد: [[ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نعم، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم]].
هذا أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وجاءت زيادات في هذا الحديث عند أحمد، والنسائي في الخصائص، وعند الترمذي أيضاً، وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذلك المكان: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وجاءت كذلك زيادات أخرى منها: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار).
يمكننا أن نقسم هذا الحديث إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما جاء في صحيح مسلم وهو ليس فيه: (من كنت مولاه فعلي مولاه).
القسم الثاني: الزيادة خارج مسلم، وهي كما قلنا عند الترمذي وأحمد والنسائي في الخصائص وغيرهم وهي زيادة: (من كنت مولاه فعلي مولاه) ثم زيادة أخرى عند الترمذي وأحمد وهي: (اللهم وال من والاه، وعادِ من عاداه) وهذا هو القسم الثالث.
القسم الرابع: وهي زيادة عند الطبراني وغيره: (اللهم انصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار).
أما القسم الأول: فهو في صحيح مسلم وهم يسلمون بكل ما في صحيح مسلم.
القسم الثاني: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهذا حديث صحيح عند الترمذي وأحمد، ولا يلزم أن تكون الأحاديث الصحيحة فقط هي التي عند مسلم والبخاري، بل هذا حديث صحيح جاء عند الترمذي وأحمد وغيرهما.
أما زيادة: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه) هذه اختلف فيها أهل العلم، فمن العلماء من صححها، ومنهم من ضعفها، حتى أن الزيادة الأولى هناك من ضعفها من أهل العلم، وهي قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وهناك من ضعفها كإسحاق الحربي وابن تيمية وغيرهما وابن حزم وغيرهم.
وأما الزيادة الثانية وهي: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه) فهذه قد اختلف أهل العلم كما قلت فهناك من صححها وهناك من ضعفها.
أما الزيادة الأخيرة: (انصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار) فهذه كذب محض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا الحديث يستدلون بها على خلافة علي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة بدلالة: (من كنت مولاه فعلي مولاه) قالوا: المولى هو الحاكم والخليفة، إذاً: علي هو الخليفة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة.
أولاً: نريد أن نعرف لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام لعلي: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، وهل أوقف النبي صلى الله عليه وسلم الناس ليقول لهم هذا الكلام أم أوقفهم لأمر آخر؟
لابد أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان راجعاً في سفره من مكة إلى المدينة بعد أن أنهى حجه صلوات الله وسلامه عليه، ورحلة السفر كما هو معلوم تستغرق ما بين خمسة إلى سبعة أيام، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر أن يمشي في الليل ويرتاح في النهار، فهذه كانت مرحلة من مراحل السفر التي كان يتوقف فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً: لم يتوقف ليقول هذا الكلام، وإنما توقف لأن هذا من عادته، وهذا طبيعي، فمن المستحيل أن يسيروا من خمسة إلى سبعة أيام متصلة مع النساء والرجال وهم قادمون من حج وما وراءهم شيء أصلاً دون أن يستريحوا، فطبيعي أن يرتاح النبي صلى الله عليه وسلم في مراحل السفر، فكان يرتاح في النهار ويسير في الليل كما قلنا.
القضية الثانية: لمَ قال هذا الكلام؟ هم يقولون: قاله يريد الخلافة؛ لأن علي هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نحن نقول: لا، ليس كذلك وذلك لأمور، وما قلنا هذا رداً لخلافة علي رضي الله عنه، فنحن نتقرب إلى الله بحب علي رضي الله عنه، ولكن نرد هذا لأن هذا ليس بحق؛ لماذا ليس بحق؟
نقول أولاً: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد خلافة علي فليقل هذا في يوم عرفة، فالحجاج كلهم مجتمعون، حتى إذا غدر أهل المدينة شهد له باقي المسلمين، يقولون: النبي كان خائفاً أن يبلغ هذه الخلافة، يخاف أن يرد قوله، يخاف من أهل المدينة، عجباً لكم! يخاف من أهل المدينة، ثم يترك الناس كلهم ويخاطب أهل المدينة فقط! ما هذا التناقض؟! لا يقبل مثل هذا الكلام، ثم لماذا يخاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وممن يخاف؟ يخاف من الصحابة الذين تركوا أموالهم وبلادهم وديارهم وهاجروا في سبيل الله الذين.. يخاف من الذين قاتلوا في سبيل الله.. من الذين شاركوا في بدر، وأحد، الخندق، والحديبية، وخيبر، وحنين، وفتح مكة، وتبوك، أهؤلاء هم الذين يخاف منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ يخاف منهم وقد بذلوا المهج، وبذلوا الأموال في سبيل الله، أيخاف منهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقبلوا خلافة علي رضي الله عنه؟!
لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام لأهل المدينة خاصة ومن جاورها ولم يقل هذا الكلام لأهل الحج كلهم وخاصة إذا علمنا أن غدير خم يبعد عن مكة قريباً من مائتين وخمسين كيلو متر، ولذلك بعضهم يقول في حق هذا المكان: قال النبي في مجتمع الحديث. أين مجتمع الحجيج؟ مجتمع الحجيج مكة، مجتمع الحجيج عرفة، وليس في غدير خم الذي يبعد عن مكة خمسين ومائتي كيلو متر وهو أقرب إلى المدينة منه إلى مكة، وبين مكة والمدينة أربعمائة كيلو.
لم خص أهل المدينة؟ قال أهل العلم: لسببين:
السبب الأول: النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج إلى الحج كان في المدينة وكان قد أرسل خالد بن الوليد إلى اليمن للقتال، وقد انتصر خالد بن الوليد في جهاده، وأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنا انتصرنا وعندنا غنائم، فأرسل إلينا من يخمس هذه الغنائم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى اليمن ليخمس الغنائم، ثم أمره أن يدركه في مكة في الحج، إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وعلي في المدينة، ثم أمر علياً أن يخرج إلى اليمن والموعد مكة، فيلتقيان في مكة، وقد أرسل النبي علي بن أبي طالب إلى اليمن، وجاء إلى اليمن وقسمت الغنائم كما هو معلوم إلى خمسة أقسام، أربعة أخماس للجنود الذين قاتلوا وفتحوا وجاهدوا، وخمس واحد يقسم إلى خمسة أخماس: خمس لله ولرسوله، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل، قسمت الغنائم.
علي الآن سيذهب إلى مكة ليلتقي بالنبي صلى الله عليه وسلم هناك في حجة الوداع، فالذي وقع أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخذ الخمس الذي لذوي القربى -وهو سيد ذوي قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم- والخمس عبارة عن أموال وبهائم كالخيل والبغال، والإبل والبقر، والغنم، وسبي من نساء وأطفال ورجال، فماذا صنع علي رضي الله عنه؟ أخذ امرأة من السبي فدخل عليها-أي: جامعها-فغضب بعض الصحابة، فبريدة يقول: كيف يفعل علي ذلك، يخرج امرأة من السبي ومن نصيب ذوي القربى الذي يوزعه في المدينة وليس هنا؟ غضب بريدة عندما رآه خرج بعد أن دخل بهذه الجارية وقد اغتسل، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقال: يا رسول الله! حصل كيت وكيت، وذكر له ما حصل من علي، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، فرجع بريدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: حصل كذا وكذا من علي. أيضاً لم يرد عليه الصلاة والسلام، ثم رجع مرة ثالثة وقال: يا رسول الله! علي فعل كذا وكذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا بريدة! أتبغض علياً؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال له: لا تفعل فإن له من الخمس أكثر من ذلك) يقول بريدة: فأحببته بعد ذلك. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لا تفعل ذلك، فهم يطيعون النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك أحبه فدافع النبي عن علي صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: هذه المشكلة الآن داخلية بين بريدة وعلي، وبريدة وقد يكون شارك بريدة كخالد بن الوليد وغيره في هذه العملية، هذا أمر.
الأمر الثاني: لما خرج علي من اليمن إلى مكة والنبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو في الطريق، علي رضي الله عنه أخذ نوقاً للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: ساق الهدي معه، فلما كان في الطريق أمر أصحابه أن يتقدموا عليه، ونهاهم أن يركبوا على الإبل، و ألا يلبسوا بعض الثياب التي من الغنائم وسبقوه، فلما أدركهم علي وجد أن الإبل ركبت أو أن الملابس لبست، فغضب وهم رضي الله عنه، ولسان حاله: كيف لا تطيعون أمري؟ أنا أمرتكم ألا تركبوا وألا تلبسوا، كيف تفعلون كذا، فتضايقوا من هذه المعاملة ومنهم أبو سعيد الخدري، يقول: فلما لقينا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة اشتكيناه علياً، أي: أن علياً فعل كذا وكذا وكان قاسياً معنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأني علمت أن علياً قد أحسن، فلا تغضبوا علياً).
أيضاً هذه مشكلة داخلية من علي رضي الله عنه عندها لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الحج ورجع إلى المدينة وصار قريباً من المدينة وأثناء راحتهم وقف هناك في يوم من الأيام وقال كلمته تلك: (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي: يا من تكلمتم في علي احذروا، ترى فعلي مني وأنا منه.. يحبني من يحب علياً.. ويودني من يود علياً.. من كنت مولاه فعلي مولاه، هم يقولون: مولى الحكم، ونحن نقول: مولى الحب، بدليل ماذا؟ بدليل قوله بعد ذلك: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه) .. (من كنت وليه فعلي مولاه) المعنى واحد، فهذه هي قصة غدير خم.
المولى كما يقول ابن الأثير: تقع -أي: المولى- على الرب، والمالك، والمنعم، والناصر، والمحب، والصديق، وابن العم، والصهر، قلنا: هذه كلها تطلق على كلمة مولى، قالوا: لا، نحن نريد الخليفة هنا.
لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد الخليفة لأتى بكلمة صريحة واضحة تحتمل أكثر من عشر معانٍ، يأتي بكلمة واضحة بينة سهلة يعرفها كل أحد، علي هو الخليفة من بعدي وانتهى الأمر، لكن لم يأتِ النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الكلمة التي تنهي كل خلاف.
وأما كلمة مولى إنها الحاكم ليس صحيحاً بدليل قوله قال تعالى: (( فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ))[الحديد:15] سماها مولى وذلك لشدة الملاصقة، ولشدة اللحمة والقرب، ثم إن الموالاة نص ثابت لعلي رضي الله عنه في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو في زمن النبي مولى، وبعد وفاة النبي مولى، والآن مولانا رضي الله عنه وأرضاه، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ))[المائدة:55] فكل المؤمنين بعضهم أولياء بعض كما قال الله تبارك وتعالى.
إذاً: هذا حديث الموالاة الذي يستدلون به على إمامة علي بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا نرى فيه دلالة أبداً؛ ولذلك قال عالمهم النور الطبرسي: (لم يصرح النبي صلى الله عليه وسلم لعلي للخلافة بعده بلا فصل في يوم غدير خم، وأشار إليها بكلام مجمل مشترك بين معانٍ يحتاج إلى تعيين ما هو المقصود منها إلى قرائن) وهذا قاله في فصل الخطاب صفحة (205-206).
فإذا كان الأمر كذلك فكيف يقال بعد ذلك: إن هذا الحديث نص على خلافة علي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!

=========================
يتبع
بنتـي دنيتـي
حديث : (الإنذار يوم الدار)

الشيخ/ عثمان الخميس

حديث: (الإنذار يوم الدار):

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
من الأدلة التي يستدلون بها كذلك على إمامة علي رضي الله عنه وأرضاه حديث يقال له: حديث الدار، أو حديث الإنذار يوم الدار، وهو مرتبط ارتباطاً عظيماً بقول الله تعالى: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ))[الشعراء:214]، يرون أنه لما نزل قول الله تعالى: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ))[الشعراء:214] جمع النبي صلى الله عليه وسلم أقاربه على النحو الآتي: عن علي رضي الله عنه قال: (لما نزلت (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ))[الشعراء:214] ورهطك المخلصين، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فقال: أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي، ووزيري، وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرض عليهم ذلك رجلاً رجلاً، كلهم يأبى ذلك، حتى أتى علي- هذا علي يقول ذلك رضي الله عنه-يقول: حتى أتى علي فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطلب! هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، قال: فقام القوم يضحكون بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام) وهناك روايات أخرى لهذا الحديث أو لهذه القصة مرجعها بحار الأنوار الجزء الثامن عشر صفحة (178)، والبرهان الجزء الثالث صفحة (190)، والميزان الجزء الخامس عشر صفحة (336)، وأما كتب أهل السنة فجاءت في مسند أحمد الجزء الأول صفحة (111)، و(159).
يستدلون بهذا الدليل على أن علياً هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
نقول أولاً: هذا الحديث ذكره الموسوي في كتاب المراجعات، وذكره كذلك الأنطاكي في كتابه(لماذا اخترت مذهب الشيعة؟) وذكره تقريباً كل علماء الشيعة الذين ألفوا كتباً يستدلون بها على أهل السنة في إثبات خلافة علي رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وقد بالغ عبد الحسين شرف الدين في كتاب المراجعات حيث قال: وحسبك ما أخرجه أحمد في مسنده الجزء الأول صفحة إحدى عشرة ومائة. فتجده يخرج الحديث عن الأسود بن عامر عن شريك عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي مرفوعا، ثم قال: وكل واحد من سلسلة هذا السند حجة عند الخصم وكلهم من رجال الصحاح بلا خلاف، ثم صار بعد ذلك يقدم لكل رجل من رجال هذا السند، فقال: الأسود بن عامر احتج به البخاري ومسلم، شريك احتج به مسلم، الأعمش احتج به مسلم، والمنهال احتج به البخاري، عباد بن عبد الله الأسدي قال: هو عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي احتج به البخاري ومسلم.
من هو عباد بن عبد الأسدي المذكور في سند حديث الدار؟
وللأسف لا أقول لعدم العلم بل لعدم وجود الأمانة العلمية حاول أن يدلس ويلبس بهذا الحديث، فعباد بن عبد الله الأسدي يختلف تماماً عن عباد بن عبد الله بن الزبير، هذا شخص وذاك شخص آخر، عباد بن عبد الله الأسدي هو الذي يروي عنه المنهال وهو الذي يروي عن علي رضي الله عنه وأرضاه، بينما عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام هذا لا يروي عنه المنهال ولا يروي هو عن علي رضي الله عنه، ولكن لإرادة التدليس والتلبيس على الناس جعلوا عباد بن عبد الله الأسدي هو عباد بن عبدالله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي كذلك، هذا من التلبيس والكذب؛ ولذلك عباد بن عبد الله الأسدي يترجم له صاحب التهذيب وهو الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى يترجم له في الصفحة ذاتها التي ترجم لعباد بن عبد الله بن الزبير، فقال: عباد بن عبد الله الأسدي روى عنه المنهال وروى عن علي، وهو ضعيف.
بينما عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي لا يعرف بالأسدي وإنما يعرف بعباد بن عبد الله بن الزبير، لكن جعله مكان هذا حتى يلبس على الناس، وليس هو راوي هذا الحديث بل الذي يرويه الضعيف عباد بن عبد الله الأسدي، وهذا من كذبهم، الله المستعان.
على كل حال: عباد بن عبد الله الأسدي قال عنه البخاري: فيه نظر، وكلمة(فيه نظر) عند البخاري -كما قال الحافظ ابن كثير في الباعث الحثيث- هي أشد عبارات الجرح عند الإمام البخاري.
وأحمد ضرب على حديثه، وقال ابن حزم: مجهول، وهذا هو عباد بن عبد الله الأسدي، إذاً: الحديث لا يصح من طرق أهل السنة.
أما طرق الشيعة فالحديث روي من طرق كثيرة عند الشيعة، ولكن بعد تتبع هذه الطرق عندهم فإنه لا يصح هذا الحديث من كتبهم ومن رجالهم أيضاً، لا يصح عند أهل السنة وكذلك لا يصح عند الشيعة، وجاء عند السنة من طريق آخر عند الطبراني والطبري من طريق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وعبد الغفار أبو مريم الأنصاري، قال عنه ابن المديني: كان يضع الحديث. وقال أبو داود: وأنا أشهد أنا أبا مريم كذاب. وقال أبو حاتم النسائي: متروك. وقال الذهبي: ليس بثقة.
إذاً: هذا الحديث من حيث المتن لا يصح ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهذه القصة مكذوبة من أصلها، ثم هي أصلاً باطلة من حيث المتن، متنها باطل، لا يصح متنها، لماذا؟
كم عدد بني عبد المطلب في بداية البعثة النبوية؟
أولاً: لو نظرنا إلى قول علي رضي الله عنه عندما يقول: جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب أربعين رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً. هل بنو عبد المطلب يصلون إلى أربعين؟ لا يصلون إلى أربعين، فهل أخطأ علي في الحسبة أو كذبوا؟ الأقرب أنهم كذبوا عليه، تعالوا بنا نحسب ونعد أبناء عبد المطلب.
أبناء عبد المطلب -كما ذكر أهل الأنساب- عشرة، والمشهور منهم اثنان أسلما وعاصرا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واثنان لم يسلما وعاصرا النبي صلى الله عليه وسلم، وستة لم يعاصروا النبي صلوات الله وسلامه عليه، فاللذان أسلما وعاصرا النبي صلى الله عليه وسلم هما حمزة والعباس، واثنان عاصرا النبي صلى الله عليه وسلم وهما أبو طالب وأبو لهب، وستة من بني عبد المطلب لم يسلموا ولم يدكوا البعثة أصلاً، فلم يحضروا هذه القصة، ولم يكونوا في ذلك اليوم من أهل الأرض بل كانوا من أهل باطن الأرض وهم: عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، والحارث بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، والزبير بن عبد المطلب كذلك عم النبي صلى الله عليه وسلم، والمقوم، وغيداق، والسادس من هؤلاء قيل: صفار وقيل: هلال.
على كل حال هؤلاء الستة لم يدركوا مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ إذاً: لم يكونوا موجودين، إذاً: من يكون موجوداً من أعمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الحادثة؟ هم الأربعة: الحمزة، والعباس، وأبو طالب، وأبو لهب.
إذاً: أربعة حضروا، فمن أولاد هؤلاء الأربعة؟
أما حمزة والزبير وضرار والمقوم وغيداق فلا يعرف لهم ذرية من الذكور، فقد تكون ذريتهم من الإناث كما هو الحال بالنسبة لحمزة، وكما هو الحال بالنسبة للزبير، قصة بضاعة بنت الزبير مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم معروفة، وهي ابنت عمه، فهؤلاء ذرية من الإناث، ولكن من الذكور لا يعلم لهم ذرية من الذكور، هؤلاء هم بني عبد المطلب.
إذاً: ضرار، والمقوم، والغيداق، والزبير، وحمزة، هؤلاء ليس لهم ذرية، وعبد الله ليس له ذرية إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فبقي أربعة: العباس له ذرية، وأبو طالب له ذرية، والحارث له ذرية، وأبو لهب له ذرية، إذاً: عندنا أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأربعة آخرون لهم ذرية، العباس من ذريته تسعة، ولا واحد منهم أدرك هذه الحادثة، ما أدركها إلا واحد وهو الفضل بن العباس، أكبر أولاده فقط؛ لأن بعد الفضل عبد الله ثم عبيد الله ابني العباس، وهذان أدركا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن متى؟ عبد الله بن عباس ولد قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر، وهذا في أول البعثة، فلم يحضر، ومن باب أولى عبيد الله لم يحضر، ومن باب أولى الستة الآخرون من أبناء العباس وهم: معبد، و...، وتمام، وقتم، وعبد الرحمن، والحارث، فإنهم لم يدركوا هذا؛ لأنهم من التابعين أصلاً، ولم يدركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
إذاً: الذي سيحضر من أبناء العباس واحد فقط وهو الفضل، وأضفنا واحداً إلى الأعمام الأربعة وهو الفضل بن العباس، فصاروا خمسة.
أبناء أبي لهب هم: عتبة، وعتيبة، ومعتب، ولنفرض أن كلهم حضروا، فمع الخمسة صاروا ثمانية.
بقي عندنا أولاد أبي طالب وأولاد الحارث عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط، أولاد أبي طالب: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي رضي الله عنه هو أصغرهم، طالب: المشهور أنه لم يدرك البعثة أصلاً، بل مات قبل البعثة، ولنفرض أن طالباً كان موجوداً، إذاً: هؤلاء أربعة: جعفر، وطالب، وعلي، عقيل، أربعة مع ثمانية، هؤلاء صاروا اثني عشر رجلاً فقط.
لم يبق عندنا إلا أولاد الحارث عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأولاده الحارث هم صبيبة بن الحارث.. أبو سفيان بن الحارث.. أمية بن الحارث.. عبد الله... نوفل بن الحارث، هؤلاء خمسة، خمسة نضيفهم إلى اثني عشر رجلاً صاروا سبعة عشر رجلاً.
وإذا تركنا طالباً وقلنا: إنه مات صاروا ستة عشر رجلاً ولكن نضيفه وليكونوا سبعة عشر رجلاً، أين الأربعون رجلاً؟ ويقول: وهم إذ ذاك أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، هؤلاء كلهم أبناء عبد المطلب، أين الأربعون رجلاً؟ لا مصداقية لهم؛ ولذلك هذا الذي وضع الحديث لم يفكر تفكيراً دقيقاً في أولاد عبد المطلب وإنما أرسلها إرسالاً هكذا دون أن يمعن النظر فيها، ثم فوجئ بأنه بالغ كثيراً في العدد وتعدى أكثر من الضعف.
إذاً: هذا أول مطعن في هذا الحديث وهو: أن أولاد عبد المطلب أصلاً لم يبلغوا هذا العدد الذي زعمه في الرواية بأنهم أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، ولعل هذه يزيدون أو ينقصون من باب الدقة، وكأنها محسوبة تماماً، وهذا كله كلام باطل.
ثم كذلك أن يقال: علي هو الذي قام وقال: أنا أتابعك، عجيب! علي أصغرهم، بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولعلي ثمان سنوات، فكيف علي هو الذي يقول: أنا أتابعك؟! ألم يتابع النبي صلى الله عليه وسلم غير علي من بني عبد المطلب؟ ألم يؤمن قبل علي جعفر الذي هو أكبر من علي بعشر سنوات؟ أليس هو أمير القوم الذين هاجروا إلى الحبشة؟ جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخو علي الكبير، ولماذا لا يكون جعفر هو الخليفة؟ فأثر جعفر في مكة أكبر من أثر علي رضي الله عنه، فعلي كان صغيراً، فكيف يقوم علي؟ وجعفر ألم يقم في ذلك الوقت؟ جعفر من الأوائل الذين أسلموا وتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم.
عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب من الأوائل الذين تابعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو الذي خرج مع حمزة وعلي في بدر للقاء عتبة بن ربيعة، والوليد بن قتبة، وشيبة بن ربيعة، إذاً: عبيدة بن الحارث ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم أين هو؟ لماذا لم يقم ويقل: أنا؟
أين حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم؟ أليس أسلم وتابع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أسد الله وأسد رسوله، أين هو؟
أقول: إذا أردنا أن نمدح علياً رضي الله عنه فلا مانع من هذا، فمدائحه كثيرة جداً، لكن لا يكون هذا على حساب الطعن في آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقاربه الذين تابعوه وأسلموا واتبعوا ما جاء به صلوات الله وسلامه عليه.
ثم هل يكفي أنه قام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: أنا أتابعك، ويكون وزيره ويكون خليفته، ويكون كذا، ما يصلح هذا، هل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث لبني عبد المطلب؟ الأنبياء السابقون كانوا يبعثون إلى أقوامهم، والنبي بعث للإنس والجن، بعث للثقلين، بعث للأسود والأحمر: (كان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم خاصة، وبعثت للناس كافة) ثم يحكرها النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أيكم يتابعني يكون خليفتي؟! كيف يعقل هذا أن يخرج من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهل يكفي مجرد المتابعة أن يكون خليفته من بعده؟ لا يلزم هذا.
ثم كذلك لنا أن نسأل: النبي صلى الله عليه وسلم جاءه عامر بن الطفيل، وجاءه بنو كلاب وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لهم الأمر من بعده ويتابعونه على الإسلام، فقال: (الأمر لله، يضعه حيث شاء) ولم يقل لهم: الأمر لعلي بعدي، وإنما قال لهم: (الأمر لله يضعه، حيث يشاء سبحانه وتعالى).
وآخرها: أليس الشيعة الاثني عشرية يزعمون أن علياً كان خليفة للنبي صلى الله عليه وسلم وكان وصياً له قبل خلق الخلق؟ فكيف يعرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً مفروغاً منه؟ الأمر عندهم مفروغ منه، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل خليفته علياً رضي الله عنه قبل بعثه، وقبل خلق السموات والأرض، كانوا أشباحاً كما يقولون في كتبهم تحت العرش.
افرض أن حمزة قال: أنا، أو أن العباس قال: أنا، أو أن أبا طالب قال: أنا، فهل حق علي سيضيع؟! أليس المفروض أن يقول لهم: الأمر منتهٍ، علي هو الخليفة، فلا يفكر أحد، ولا يناقش، أما أن يأتي ويعرض عليهم شيئاً مفروغاً منه عند الله سبحانه وتعالى، هذا لا يمكن أن يكون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولنفرض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها لعلي، كما قد حصل في الحديث حيث قال: (أنت خليفتي ووصيي) هل صار خليفته؟ هل صار وصيه؟ الوعد لم ينجز؛ لأن الخليفة بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، إذاً: لم ينفذ وعده، أترضون هذا لنبي الله أنه لم ينجز وعده؟ وعده شيئاً ثم لم ينجزه له؟! هذه مشكلة! هو يقول: يكون خليفتي.. يكون وصيي.. يكون وزيري، وما صار شيء من هذا أبداً، إذاً: النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينجز وعده أو نقول: مكذوب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ نقول: مكذوب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهون بدل أن نتهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم ينجز وعده.
ثم انظروا إلى خاتمة الحديث! لا يمكن أن تعقل ولا يمكن أن تقبل، الآن هم لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول لهم: أنا رسول الله. يقولون: كذاب، ساحر، شاعر، كاهن، مجنون، ما قبلوا أن يكون رسولاً من عند الله، ثم تريدهم أن يقبلوا أن يكون علياً وصياً من بعده، أولاً: دعهم يقبلوا بالأصل لكي يقبلوا بالفرع، هم الأصل الآن ما قبلوا به ورفضوه فكيف يطالبون بالفرع ويؤمنوا بأن علياً هو الخليفة بعده صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: إذا كان الأمر كذلك ننتهي إلى نهاية مهمة جداً مع ضعف أسانيد هذه القصة عند السنة وعند الشيعة، لا تصح أسانيد هذه القصة حسب بحثي، بعد ذلك نستطيع أن نقول: هذه قصة مكذوبة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
تصوروا أنتم عندما يسمع العرب ويسمع الناس الذين يريدون أن يتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم عندما يسمعوا هذه القصة، لا شك أنهم سيقولون: ما هذا الرسول؟ من البداية يجعلها في أولاده! يقول: علي خليفتي، وأنتم يا بني عبد المطلب من يسمع كلامي منكم يصير خليفة من بعدي! طيب وباقي الناس ما لهم حق في ذلك؟ هل كلها لبني عبد المطلب؟ فعند ذلك يشكون في دعوته، ويظنون أنه يريد ملكاً، كما قال هرقل لأبي سفيان، فقال: هل كان من آبائه من ملك؟ قال أبو سفيان: لا. قال هرقل: قلت: لو كان من آبائه ملك لقلت: يطلب ملك آبائه.
كذلك علي يكون خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه ابن عمه فقط؟ نحن لا نقول بذلك، نحن نقول: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأفضل من أصحابه يكون هو الخليفة، وليست القضية قضية؛ لأنه قريبي أعطيه الملك بعدي، هذه هي قضية هذا الحديث.
ثم إذا نظرنا في مسألة وهي: كم كان عمر علي رضي الله عنه في تلك الفترة؟


يتبع
الصفحات 1 2  3 

التالي

مظاهر حب الله للعبد ........

السابق

احذروا الصلاة على هذه السجادة...

كلمات ذات علاقة
أسوء , الأول , الخصام , الرافضة , الرد , على