الرد على أصول الرافضة الجزء الثالث

مجتمع رجيم / عــــام الإسلاميات
كتبت : بنتـي دنيتـي
-
الرافضة kj98fmwnubkuwoojnqp3

فتوحات معاوية بن أبي سفيان .. بين البخس والإنصاف


*مقدمة:

إن سلامة القلب تجاه الصحابة والتأدب معهم من صميم اعتقاد أهل السنة والجماعة، ولذلك فإن الطعن فيهم هو وسيلة للطعن في الدين الإسلامي فأصحاب رسول الله كلهم عدول ثقات، وهم الذين نقلوا لنا هذا الدين.

روى الإمام الشافعي بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصوهم، ألا فلا تُناكحوهم، ألا فلا تنكحوا إليهم، ألا فلا تصلوا عليهم، عليهم حلت اللعنة).

ولعله لم تنل شخصية في التاريخ من التشويه مثل شخصية معاوية رضي الله عنه خاصة من أهل الأهواء قديماً للنزاعات السياسية والمذهبية، ثم وجد المستشرقون في رواياتهم مرتعاً خصباً للنيل من الإسلام، وقد حاولت هنا أن أوضح الصورة الحقيقية لهذا الصحابي، فهذا غيض من فيض محاسنه.

*اسمه ونسبه:

معاوية بن أبى سفيان صخر(رضي الله عنهما) بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم عند عبد مناف.

وأمه هي هند بنت عتبة بن ربيعة.

و أخته أم المؤمنين رملة بنت أبى سفيان (رضي الله عنها) زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الذهبي رضي الله عنه: (كان رجلاً طويلاً، أبيض، جميلاً، مهيباً).

*مولده وإسلامه:

ولد قبل البعثة بخمس سنين، وأسلم في عام (7هـ) وأخفى إسلامه حتى فتح مكة خوفاً من أبيه ولم يظهره إلا في فتح مكة، ولذلك ظن كثير من المؤرخين أنه من مسلمة الفتح.

*فضله:

وهو من مشاهير الصحابة وفضلائهم (رضي الله عنهم جميعاً) دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به).

أخرج البخاري في التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية رضي الله عنه: (اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب).

ومن الأحاديث الدالة على فضله أيضاً ما رواه البخاري رحمه الله عن أم حرام بنت ملحان الأنصارية (رضي الله عنها) قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا -أي: فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة. فتح الباري- قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، وكان ذلك جيش معاوية في خلافة عثمان رضي الله عنهما).

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر -القسطنطينية: فتح الباري- مغفور لهم) (وهو الجيش الإسلامي بقيادة يزيد بن معاوية، وفي جملة من كبار الصحابة منهم: أبو أيوب الأنصاري وابن عمر وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم جميعاً) فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا.

وقد ولاه الرسول صلى الله عليه وسلم بعض عمله فكان يكتب له، ثم ولاه أبو بكر رضي الله عنه بعض عمله، ثم ولاه عمر رضي الله عنه بعض بلاد الشام، وظل عليها طوال حياة عمر رضي الله عنه مع شدة عمر على عماله، ثم جمع له عثمان بلاد الشام كلها.

*زهده رضي الله عنه:

روى الإمام أحمد في كتاب الزهد (ص172 طبعة مكة) عن أبي شبل محمد بن هارون عن حسن بن واقع عن ضمرة بن ربيعة القرشي عن علي بن أبي حملة عن أبيه قال: رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه ثوب مرقوع.

وأخرج ابن كثير(8/134) عن يونس بن ميسر الحميري الزاهد – وهو من شيوخ الأوزاعي – قال: رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مردف وراءه وصيفاً وعليه قميص مرقوع الجيب يسير في أسواق دمشق.

*ثناء الصحابة عليه:

قال سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه: ما رأيت أحداً بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب يعني معاوية.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما رأيت رجلاً أخلق بالملك من معاوية.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: ما رأيت أحداً أسود من معاوية.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال لأهل الشام: ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا (يعني معاوية).

أخرج الطبراني (5/330) حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: (قال عمر بن الخطاب: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية)!

كما أورد هذا الخبر البلاذري في أنساب الأشراف (4/147)، والقالي في الأمالي (2/121).

عن عمر بن الخطاب لما ولاه الشام: لا تذكروا معاوية إلا بخير (البداية والنهاية (8/25).

روى البخاري في الصحيح (3765) أنه قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه.

قال الصحابي عمير بن سعد الأنصاري الأوسي وقد عزله عمر بن الخطاب (وكان يسميه نسيج وحده) عن حمص وولى معاوية: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم اهد به).

روى ابن قتيبة عن عتبة بن مسعود قال: أنه لما مر بنا نعي معاوية قمنا فأتينا ابن عباس فوجدناه جالساً قد وضع له خوان وعنده نفر، فأخبرناه الخبر، فقال: يا غلام! ارفع الخوان وسكن ساعة، ثم قال: جبل تزعزع ثم مال كلكله، أما والله ما كان كمن قبله، ولكن لن يكون بعده مثله، وإن ابنه خير أهله.

روى ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح من طريق عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة أخبره: أنه قدم على معاوية أمير المؤمنين فقضى حاجته،ثم دعاه، فقال: يا مسور،ما فعل طعنك على الأئمة؟

قال المسور: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له.

قال معاوية: لا أدعك حتى تكلم بذات نفسك والذي تعيب علي.

قال المسور: فلم أدع شيئاً أعيبه عليه إلا بينته.

فقال معاوية: لا أبرأ من الذنب، فهل تعُد لنا يا مسور مما نلي من الإصلاح شيئاً؟ فإن الحسنة بعشرة أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك الإحسان.

قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما نرى من هذه الذنوب!

فقال معاوية: فإنا نعترف بكل ذنب أذنبناه،فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك؟

قال المسور: نعم.

قال معاوية: فما يجعلك بأحق برجاء المغفرة مني، فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكني والله لا أخير ما بين أمرين من الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها، وإني لاحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها من الأجر، وإني لألي أموراً عظاماً لا أحصيها ولا يحصيها من عمِل لله بها في الدنيا، إقامة الصلوات للمسلمين، والجهاد في سبيل الله، والحكم بما أنزل لله.

والأمور التي لست أحصيها- يقصد ذنوبه- وإن عددتها –أي: يا مسور- فتكفر في ذلك- أي يكفرها ما تقدم من الحسنات-.

قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حينما ذكر ما قال.

قال عروة: فلم أسمع المسور بعد يذكر معاوية إلا صلى عليه- أي: دعا له.

وفي تاريخ دمشق لابن عساكر: أن ابن عباس رضي الله عنه قال: لله در ابن هند ما أكرم حسبه، وأكرم مقدرته، ووالله ما شتمنا على منبر قط، ولا بالأرض ظناً منه بأحسابنا وحسبه.

*ثناء العلماء والمؤرخين عليه:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يكن من ملوك الإسلام ملك خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية،إذا نسبت أيامه إلى من بعده.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: واتفق العلماء أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة وهو أول الملوك،كان ملكه ملكاً ورحمة (الفتاوى (4/47).

قال الذهبي: أمير المؤمنين ملك الإسلام.

وقال: معاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم.

قال ابن كثير في ترجمة معاوية (البداية والنهاية 8/122): وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين.. فلم يزل مستقلاً بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو.

قال ابن أبي العز الحنفي في (شرح العقيدة الطحاوية (722): وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين.

*حلمه:

أورد (ابن كثير 8/138): أن رجلاً أسمع معاوية كلاماً سيئاً شديداً،فقيل له: لو سطوت عليه؟

فقال: إني لأستحي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي.

وأورد (ابن كثير 8/138) قال رجل لمعاوية: ما رأيت أنذل منك.

فقال معاوية: بلى من واجه الرجال بمثل هذا.

*همته رضي الله عنه:

كان عالي الهمة تدل على ذلك الكثير من الحوادث، منها: بعد أن علم ملك الروم بخلاف المسلمين أخذ يستعد لغزو بلاد المسلمين واستغلال هذه الفرصة، فكتب إليه معاوية رضي الله عنه وهو في معمعة القتال في صفين: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك، لاصطلحن أنا وابن عمي عليك ولأخرجنك من جميع بلادك ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت،عند ذلك عاد ملك الروم وانكف وبعث يطلب الهدنة (البداية والنهاية).

الجهاد في خلافته

استمرت خلافته (20) عاماً ما بين عامي (40- 60هـ).

ونعلم جميعاً أن حركة الفتوحات توقفت بعد استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه وظلت متوقفة في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبعد اجتماع كلمة المسلمين في خلافة معاوية عادت حركة الفتوح، وسأحاول اختصارها.

*جبهة الروم في البر:

1- في عام (42هـ) غزا المسلمون اللان – تقع في جورجيا حالياً- وهزموا الروم هزيمة منكرة.

2- شاتية سنة (43هـ) واختلف في قائدها.

3- شاتية سنة (44هـ) بقيادة الصحابي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في بلاد الروم ومشتاهم بها.

4- شاتية سنة (45هـ) بقيادة الصحابي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في بلاد الروم ومشتاهم بها أيضاً.

5- شاتية سنة (46هـ) ومشتى عبد الله بن مالك الخثعمي (مالك السرايا) وقيل غيره بأرض الروم.

6- شاتية سنة (47هـ) ومشتى الصحابي مالك بن هبيرة السكوني في أرض الروم.

7- شاتية سنة (48هـ) مشتى الصحابي عبد الرحمن القيني في أنطاكية.

8- صائفة (48هـ) بقيادة عبد الله بن قيس الفزاري.

9- غزو القسطنطينية سنة (49هـ) بقيادة يزيد بن معاوية ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وفيها توفي رحمه الله.

10 - شاتية سنة (49هـ) بقيادة الصحابي مالك بن هبيرة السكوني في أرض الروم.

11- صائفة سنة (49هـ) بقيادة عبد الله بن كرز البجلي.

12 - غزوة سنة (50هـ) بقيادة بسر بن أرطأة والصحابي سفيان بن عوف الأزدي لأرض الروم.

13-شاتية سنة (51هـ) بقيادة فضالة بن عبيد.

14-صائفة (51هـ) بقيادة بسر بن أرطأة.

15-شاتية (52هـ) وفي قائدها اختلاف.

16-صائفة (52هـ) بقيادة محمد بن عبدالله الثقفي.

17-شاتية (53هـ) بقيادة عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي.

18-شاتية (54هـ) بقيادة محمد بن مالك.

19-صائفة (54هـ) بقيادة معن بن يزيد السلمي (له ولأبيه وجده صحبه وكانت له منزلة عند عمر بن الخطاب).

20 -شاتية (55هـ) وفي قائدها اختلاف.

21-شاتية (56هـ) بقيادة الصحابي جنادة بن أمية الأزدي.

22-غزوة سنة (56هـ) الصحابي عياض بن الحارث التيمي.

23-شاتية (57هـ) بقيادة عبدالله بن قيس.

24-غزوة (58هـ) بقيادة عبدالله بن مالك الخثعمي.

25-شاتية (59هـ) بقيادة صحابي بدري عمرو بن مرة الجهني.

26-غزوة سنة (60هـ) بقيادة عبدالله بن مالك الخثعمي.

*في البحر:

27- (44هـ) بقيادة بسر بن أرطأة.

28- (48هـ) بقيادة مالك بن هبيرة السكوني. وغزوة الصحابي عقبة بن عامر الجهني بأهل مصر والمنذر بن الزهير (وقيل: الزبير) على أهل المدينة وعلى الجميع خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

29- (49هـ) بقيادة يزيد بن شجرة الرهاوي بأهل الشام، وعقبة بن نافع الجهني بأهل مصر.

30- (50هـ) بقيادة فضالة بن عبيد الأنصاري.

31- (51هـ) فتح جزيرة رودس على يد جنادة بن أمية الأزدي.

32- (54هـ) فتح جزيرة أوراد على يد جنادة بن أمية الأزدي، غزا فيها يزيد بن شجرة الرهاوي وفيها قتل رحمه الله.

34- (54هـ) غزا فيه جنادة بن أمية الأزدي.

جبهة المغرب:

35- (49هـ) فتح جزيرة جربة على يد الصحابي فضالة بن عبيد الأنصاري للبحر والصحابي رويفع بن ثابت الأنصاري للبر.

36- (50هـ) بناء القيروان بعد فتح أفريقية تونس على يد عقبة بن نافع الفهري.

جبهة سجستان وخراسان وما وراء ال:

37- تكليف عبد الله بن عامر بن كريز بإعادة فتح سجستان وخراسان؛ لأنه هو فاتحها في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

38- (47هـ) غزوة الصحابي الحكم بن عمرو الغفاري إلى بلاد الغور في أفغانستان حالياً.

39- (50هـ) غزوة الصحابي الحكم بن عمرو الغفاري إلى جبل الأشل ثم عبوره جيحون.

40- (51هـ) فتح بلخ وقهستان على يد الربيع بن زياد الحارثي.

41- (54هـ) انتصار الربيع بن زياد الحارثي على الترك خلف جيحون.

42- (56هـ) عبور سعيد بن عثمان بن عفان جيحون وفتح مدينة ترمذ.

*موقف معاوية من خلافة علي رضوان الله عليهما:

يرجع أصل هذه القضية إلى استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي المنافقين([1])

وتأجيل علي رضي الله عنه إقامة القصاص على قتلة عثمان، أدى ذلك إلى مطالبة معاوية لعلي بتسليمه قتلة عثمان رضي الله عنهم أجمعين.

وهو ما أخرجه يحي بن سليمان الجعفي بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: (أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، أني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً، وأنا ابن عمه، والطالب بدمه، فأتوه، فقولوا له: فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا علياً، فكلموه، فلم يدفعهم إليه ([2]).

وفي رواية: فأتوه فكلموه، فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إليَّ، فامتنع معاوية، فسار علي في الجيوش من العراق حتى نزل بصفين وسار معاوية حتى نزل هناك، وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين، فتراسلوا فلم يتم لهم أمر، فوقع القتال([3]).

إذاً: فأصل الخلاف لم يكن حول اعتراض معاوية على أحقية علي بالخلافة، بل كان بسبب تأجيل إقامة القصاص على قتلة عثمان إذا كان علي يرى تأجيل إقامة القصاص على قتلة عثمان حتى تستتب له الأمور بعد استشهاد عثمان رضي الله عنهم أجمعين.

ولا شك أن الحق الذي سعى إليه علي رضي الله عنه مقدم على الحق الذي سعى له معاوية رضي الله عنه، إذاً فالمسألة تتعلق بالأولويات وهو ما فقهه علي رضي الله عنه.

يقول ابن كثير: (ثم كان ما كان بينه -يقصد معاوية- وبين علي بعد قتل عثمان على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم... وكان الحق والصواب مع علي، ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفاً وخلفاً) ([4]).

وفي ذلك يقول ابن خلدون: (ولما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي، أو لإيثار باطل، أو لاستشعار حقد كما قد يتوهمه متوهم، وينزع إليه ملحد، وإنما اختلف اجتهادهم في الحق، وسفه كل واحد نظر صاحبه في اجتهاده في الحق، فاقتتلوا عليه، وان كان المصيب علياً، فلم يكن معاوية قائماً فيها بقصد الباطل وإنما قصد الحق وأخطأ، والكل كانوا في مقاصدهم على الحق) ([5]).

وخلاصة القول أن علياً ومعاوية رضي الله عنهما كانا يسعيان إلى للحق ولا شيء سوى ذلك لكن علياً كان هو الأقرب إلى الحق والدليل في ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوماَ -الخوارج: النووي، شرح صحيح مسلم – يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس -أي افتراق الناس،المصدر السابق – سيماهم التحالق قال هم شر أو من شر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين – طائفة علي ومعاوية، المصدر السابق – إلى الحق).

ومن المعروف أن علي رضي الله عنه هو من قاتل الخوارج في معركة الوان.

*وفاته رضي الله عنه:

توفي رضي الله عنه في عام (60هـ)، وكان قد تولى الخلافة بعد صلحه مع الحسن (رضي الله عنهما) عام (41هـ).

قال معاوية في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني قميصاً فرفعته، وقلم أظفاره يوماً فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة، فإذا مت فألبسوني ذلك القميص، وقطعوا تلك القلامة واسحقوها وذروها في عيني وفيَّ، فعسى أن يرحمني الله ببركتها ثم أغمي عليه ثم أفاق، فقال لمن حضره: اتقوا الله عز وجل، فإن الله سبحانه يقي من اتقاه، ولا واقٍ لمن لا يتقي الله، ثم توفي رضي الله عنه.

----------------

([1]) هذه التسمية أطلقها الرسول صلى الله عليه وسلم على الخارجين على عثمان، وهو ما أخرجه ابن ماجه عن طريق عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوماً فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه) يقول ذلك ثلاثاً. محمد ناصر الدين الألباني: صحيح سنن ابن ماجة (1/25).

([2]) الذهبي: سير أعلام النبلاء (3/140)، ابن كثير: البداية والنهاية (8/129)، ابن حجر: فتح الباري (13/92).

([3]) ابن حجر: فتح الباري (13/92).

([4]) ابن كثير: البداية والنهاية (8/126).

([5]) ابن خلدون: المقدمة (1/257).

==========================

الشيعة المعاصرون والصحابة

*دعاوى نفي الشيعة الطعن في الصحابة:

لقد ظهرت كتابات لبعض المعاصرين من الإمامية تدعو إلى التقارب والألفة بين المسلمين تضمنت القول بأن الشيعة لا تسب -فضلاً عن أن تكفر- الخلفاء الثلاثة، وأنها تقدر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدرهم.

فهذا أبو الحسن الخنيزي في كتابه «الدعوة الإسلامية» (1/256-257) يقول: «بأن الإمامية -في هذا العصر- لا تمس كرامة الخلفاء ألبتة، فهذه كتاباتهم، وهذه كتبهم تنفي علناً السب عن الخلفاء وتثني عليهم» اهـ.

وقال أيضاً (1/8): « وممن مدح بنفي السب محمد باقر أحد مشاهير المجتهدين في كربلاء في منظومته المطبوعة في بمبي قال:

فلا نسب عُمَراً كلا ولا عثمان والذي تولى أولا

ومن تولى سبهم ففاسق حكم به قضى الإمام الصادق

ثم قال:وعندنا فلا يحل السب ونحن أيم الله لا نسبُّ »

ويروي أحمد مغنية أن الشيعة تثني على عمر بن الخطاب، وتترضى عنه، وأن القول بأن الشيعة تنال من عمر هو من أحط أنواع الدس. انظر: الإمام جعفر الصادق (ص:113-114).

وهذا صاحب كتاب «تقدير الإمامية للصحابة» الذي سمى نفسه بـ«إمام الشيعة في جمهورية مصر العربية» نفى في هذا الكتاب أن تكون الشيعة ترمي الشيخين ومن بايعهما بلعن أو تكفير. (ص:36).

وقال بأن الشيعة لو كفرتهما لكفرت علياً؛ لأنه بايعهما، ولكفرت سلمان وعماراً؛ لأنهما بايعوهما. انظر: (ص:37-39).

واستدل بقول باقر الصدر: «إن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية، حتى إن تاريخ الإنسان لم يشهد جيلاً عقائدياً أروع وأنبل وأطهر من الجيل الذي أنشأه الرسول القائد». (ص: 39-42).

*مناقشة هادئة لتلك الدعاوى:

هل تغير شيء في مذهب هذه الطائفة في أمر الصحابة عما هو معلوم مشهور عنهم لا سيما في هذا الوقت الذي تعاني فيه الأمة، وقد تكالب العدو الكافر عليها من كل حدب وصوب، وبعد مضي القرون المتطاولة، ولم تعرف الأمة أشرف ولا أعظم ولا أفضل من ذلك الجيل القرآني الفريد رضي الله عنهم وأرضاهم؟

هل تفتحت عقول الإمامية وقلوبهم على الحقيقة، وعرفوا خطورة تلك الأسطورة التي تتناقلها كتبهم القديمة من حكاية ردة الصحابة، ومن افتعال ذلك الصراع المكذوب بين الآل والأصحاب؟

أما آن لهذه الطائفة أن تؤمن بالتنزيل الإلهي، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة، وما علم من الدين والتاريخ بالضرورة من علو مكانة الصحابة، وتوازن بالعقل بين الأخذ بذلك، أو الاغترار بنقل حثالة من الكذابين استفاض ذمهم وتكذيبهم؟

وأن تعلم تلك الصفحات السوداء التي تتضمن الطعن واللعن والتكفير لأولئك الصحب العظام -وهم الذي تلقوا هذا الدين، ونقلوه لنا- هي في الحقيقة طعن في دين الإسلام ورسول الإسلام؟

وإننا نقول لهؤلاء وأمثالهم: إننا لنفتح صدورنا لكل كلمة توفق ولا تفرق، ونستبشر بكل محاولة صادقة لرفع تلك الأدران والصفحات السوداء التي تمس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن لماذا المكتبة الإمامية المعاصرة أخرجت كتباً مليئة بالسب والطعن والتكفير لخيار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يصدر القول بأن إمامية العصر الحاضر لا يسبون؟!

*طعن حسين الخرماني في الصحابة:

فهذا أحد الآيات الشيعة ويدعى « حسين الخرماني » يقول في كتابه: «الإسلام على ضوء التشيع» والذي أهداه إلى مكتبة دار التقريب بالقاهرة، وجاء على غلافه بأنه قد نشر باللغات الثلاث: العربية، والفارسية، والإنجليزية، وحاز على رضا وزارة المعارف الإيرانية، يقول في هذا الكتاب: « تجويز الشيعة لعن الشيخين أبي بكر وعمر وأتباعهما؛ فإنما فعلوا ذلك أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم واقتفاءً لأثره». (ص:88 الهامش).

ويقول: « فإنهم ولا شك –كما يفتري– قد أصبحوا مطرودين من حضرة النبي –كذا– وملعونين من الله تعالى بواسطة سفيره صلى الله عليه وسلم». (ص:88) من المصدر السابق.

*دعاء صنمي قريش في كتب الشيعة المعاصرة:

وفي أحد كتب الأدعية الذي وُثّق من ستة من الشيوخ الذين وصف كل منهم بأنه «آية عظمى» منهم: الخوئي والخميني وشريعتمداري.. وفيه:

«اللهم العن صنمي قريش وجبتيها، وطاغوتيها، وإفكيها، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وصرفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلاءك – كذا – وعطلا أحكامك، وألحدا في آياتك..» انظر: منصور حسين - تحفة العوام مقبول (ص:423- 424).

هكذا يوجه هؤلاء الآيات كل إمامي على وجه الأرض ليدعو بهذا الدعاء، ويتعبد الله باللعن؛ ليزرعوا الحقد والكراهية في نفوس أتباعهم ضد خير القرون ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

*الشيخ موسى جار الله يحكي طعن شيعة العراق وإيران في الصحابة:

وقد كشف لنا الشيخ موسى جار الله حينما زار ديار الإمامية في إيران والعراق وحضر مجالسها ومحافلها وحلقات دروسها في البيوت والمساجد والمدارس، فاطلع على ما يدور في واقع الإمامية من تكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه حتى قال:

«كان أول شيء سمعته وأنكرته هو لعن الصديق والفاروق، وأمهات المؤمنين السيدة عائشة والسيدة حفصة، ولعن العصر الأول كافة، وكنت أسمع هذا في كل خطبة، وفي كل حفلة ومجلس، في البداية والنهاية، وأقرأه في ديابيج الكتب والرسائل وفي أوعية الزيارات كلها.. إلخ». الوشيعة في نقد عقائد الشيعة (ص:27).

*جولة سريعة في كتب الشيعة التي استعرضت نقد الصحابة والطعن فيهم:

هذا ولا تزال مظاهر الطعن والتكفير للصحابة موجودة ومستمرة عبر روافد أخرى، وشيوخهم يمدونهم بهذا الغي، ويدفعونهم إليه ولا يقصرون، فمن هذه المظاهر الموجودة، والروافد الجارية التي لا تنبت إلا أشجار الحنظل، ولا تزرع إلا الفرقة والحقد والبغضاء، والتي لم تتوقف حتى هذه الساعة ما يلي:

أولاً: لا تزال تقوم حركة نشطة لبعث التراث الإمامي، ونشره بين الناس، وترويجه بينهم، وهذا التراث مليء باللعن والتكفير والتخليد في النار للمهاجرين والأنصار، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

ثانياً: ولا يزال أيضاً هناك مجموعة كبيرة من شيوخهم المعاصرين قد تفرغوا لهذا الباطل، بل زادت بعضها في البذاءة وسوء المقال على كتبهم القديمة، مثل كتاب الغدير للمعاصر عبد الحسين الأميني النجفي.

ومثل كتاب «أبو هريرة» لعبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي اتهم فيه أبا هريرة رضي الله عنه بالكذب والنفاق.

ومثل كتاب «السقيفة» لمحمد رضا المظفر الذي صور فيه الصحابة عصابة لا هدف لها إلا التآمر على الإسلام، حتى قال: «مات النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن يكون المسلمون كلهم (لا أدري الآن) قد انقلبوا على أعقابهم». السقيفة (ص:19).

ومثل كتاب «النص والاجتهاد» لعبد الحسين شرف الدين الذي أراد أن يعتذر عن الصحابة لمخالفتهم بزعمه النص على علي، فاعتذر عنهم اعتذاراً ماكراً خبيثاً، حيث زعم أنهم يدينون بمبدأ فصل الدين عن الدولة.

ومثل كتاب «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» لأسد حيدر الذي يهاجم فيه خلفاء المسلمين ويفتري فيه على أئمتهم.

ومثل كتاب «علي ومناوئوه» للدكتور نوري جعفر، والذي يفتعل وجود صراع بين علي والصحابة ويقول: إنه كالصراع بين النبي وكفار قريش.

ومثل كتاب «الرسول الأعظم مع خلفائه» لمهدي القرشي، الذي صور فيه حسب خياله ومعتقده، ما يجري يوم القيامة لأبي بكر وعمر والصحابة، وكان يضع محاورات من عنده بزعم أنها ستجري بين الرسول وصحابته يحاسبهم فيها على تركهم بيعة علي.

ثالثاً: تلك الأدعية التي يرددها الإمامية كل يوم لا تكاد تخلو من لعن خيار هذه الأمة وروادها، وأحباء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصهاره، وبعض زوجاته أمهات المؤمنين، ولا تختلف كتب الأدعية المؤلفة حديثاً عما تراه في كتبهم القديمة، كما نجد ذلك في كتاب «مفاتيح الجنان» للمعاصر العباس القمي، و«ضياء الصالحين» لمحمد الجوهري وغيرهما.

وبعد هذا كله فهل يبقى لإنكار هؤلاء المنكرين تفسير إلا التقية والكذب؟

فالخنيزي الذي يقول: «إن الشيعة لا تسب»، هل يتجاهل ما سطره شيوخهم القدامى والمعاصرون في ذلك؟ بل هو نفسه يطعن في الصديق رضي الله عنه كما في كتابه الدعوة الإسلامية (1/‍).

والرفاعي الذي يدعي تقدير الصحابة وينشر هذا المذهب في مصر، هو نفسه يسب خيار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيتهم فاروق هذه الأمة بالتآمر، وأنه أول من قال بالرجعة من المسلمين كما في تعليقه على كتيب التشيع: لمحمد باقر الصدر (ص:30-31)، كما يسب أبا بكر وعمر وأبا عبيدة رضوان الله عنهم أجمعين. المصدر السابق: (ص:46).

وما نقله عن باقر الصدر من الثناء على الصحابة إنما هو ثناء مزعوم ينقضه ما يتبعه من كلامه في كتابه نفسه، من القول بأن الصحابة ليسوا بأهل لحمل الرسالة، وتبليغ الشريعة، وأن الجدير بحملها والمبلغ لها هو علي.

وأما الأستاذ: أحمد مغنية الذي يدعي أيضاً عدم سب الصحابة فهو الذي يقول في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» أن عثمان انحرف عن سنة الرسول وخالف شريعة الإسلام. (2/264).

ويقول: «وكان الزبير وطلحة وعائشة وراء ما حدث لعثمان، وعليهم تقع التبعة في ذمه». المصدر السابق (1/292-293).

ويتهم عمر رضي الله عنه وأهل الشورى الذين فوض لهم عمر اختيار خليفة من بعده يتهم الجميع بالخيانة والتآمر. المصدر السابق (2/2-3).

*وأخيراً:

بعد هذا البيان لتناقض هؤلاء الزاعمين وكذبهم، و مخالفتهم لأقوالهم –المزخرفة- أنفسهم يتضح لنا جلياً استخدام الإمامية للتقية، ولا دين لمن لا تقية له عندهم.

أو أنها مؤامرة للدعاية للشيعة والتشيع يبثونها في العالم الإسلامي، يخدعون بها الجهال، ويغررون المغفلين؛ لقبول مذهبهم، وارتضاء آرائهم، ولتخفيف وطأة أهل الإسلام في الإنكار على باطلهم.

ولو كانوا صادقين حقاً لما تناقضوا، ولأعلنوا خطأ هذه المسالك، وعدم صحتها، ولاعترفوا ببطلان تلك الروايات السوداء، ولأعلنوا إنكارهم على بني قومهم الذين ما زالوا في ذلك الغي يعمهون، ولوجهوا مثل تلك الكتب إلى علمائهم وعوامهم نصحاً وإنكاراً، وإلا فإن دعاواهم الموجهة إلى أهل السنة بطلب التآلف والتقارب لا تزال ولن تزال مجرد دعاوى.

أما آن للإمامية أن تسلك طريق الوحدة وجمع الكلمة بصدق في هذه الظروف الصعبة التي يعاني منها المسلمون؟!!
=========================


كتبت : بنتـي دنيتـي
-
الصحابة والمنافقون في صدر الإسلام (سمات وإشارات - شبهات وردود)
تقديم فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش

الحمد لله الذي اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على العالمين، واختار مكة لبعثته، وجعلها أشرف البقاع، وفيها بيت الله الحرام، ومشاعر الحج.

فالكعبة بناها أبونا إبراهيم عليه السلام تمهيداً لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [البقرة:127] ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [البقرة:128].

ثم اختار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم دار الهجرة، فهاجر إلى المدينة، وارتبطت باسمه؛ فيقال: مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها قبره الشريف، صلوات ربي وسلامه عليه.

فانظر يا رعاك الله إلى هذا الترابط بين مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهجرته وبين فضل تلك البقاع، وما لتلك المساجد من المكانة والمنزلة([1]).

وهذا لبركة دعوة إبراهيم عليه السلام، ومناجاته لربه، لما ترك الطفل مع أمه بالوادي، قال: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)) [إبراهيم:37].

وانتقل معي إلى أعماق التاريخ..

وتصور في ذهنك مكة وهي خاليةٌ، لا بَشَرَ فيها ولا مأوى، بجبالها الشاهقة، وَوِدْيَانِها الضيقة، تحيط بها الجبال السوداء والحجارة الصماء من كل جانب، وتخيل تلك المرأة (أم إسماعيل) وقد جاءت من بلاد الخيرات والأنهار، من بلاد النيل، بلاد مصر، وابنها وحيد أبيه وأمه، ووالده عليه السلام قد بلغ من الكبر عتياً، وابنها طفل في المهد، يعيش مع أمه في هذه البقعة، وبالتحديد كان ه يبعد عن الحجر الأسود بضعة أمتار (مَقَرُّ عَيْن زمزم)؛ لأن الكعبة آنذاك ربوة مرتفعة، فجلسوا في سفحها لأجل الظل، والقصة معروفة مشهورة رواها أهل الصحاح.

فمن تلك اللحظة بدأت الحياة في مكة لأجل بِعثَةِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعِمَارَةِ البيت الحرام، فتحققت دعوةُ إبراهيم عليه السلام واستجاب الله له، هذه بداية الحياة في مكة.

أما المدينة فلها شأن آخر، واستقرار الأوس والخزرج فيها بأمر الله، لما تركوا بلاد غامد على الأصح([2]).

وأرض الهجرة موصوفة في التوراة، ولأجل هذا ترك اليهود الأرض المقدسة التي بارك الله فيها، وفيها مبعث رسلهم عليهم السلام، ومنزلة فلسطين لدى اليهود لا تخفى، فتركت بعض قبائل اليهود تلك الأراضي وسكنوا المدينة؛ لأنهم علموا أوصافها من التوراة وأنها دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام أري دار هجرته في أرض سبخة ذات نخل بين حرتين.

وقصة سلمان الفارسي رضي الله عنه مشهورة، وقد وصف له الراهب النصراني عالم زمانه أرض مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره بالذهاب إليها، وقد أخبر سلمان رضي الله عنه أنه لما رآها عرفها بالوصف، وأنها هي الأرض التي سيخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم..

فانظر يا رعاك الله! إلى لطف الله بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن المولى عز وجل قد بيَّن في التوراة والإنجيل المكان الذي سيخرج فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بشَّر موسى وعيسى عليهما السلام ببعثته، وكذلك ذكروا أوصاف أصحابه.

وقد أخبرنا الله سبحانه بأوصاف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن، وأخبرنا بوصفِهِم ومَثَلِهِم في التوراة والإنجيل.

ولا يعقل أن تذكر أوصاف مقر إقامته وبعثته، ويكون لها فضل ومنزلة، ثم يترك أصحابه، فلا يُذْكَرون، ومعلوم في شرعنا المطهر تفضيل الأحياء على الجمادات، فكيف يكون لمقر بعثته وإقامته اختصاص مزية، ولا يكون لأصحابه منزلة وفضل؟!.

وهذه المقدمة العقلية والقياس الجلي الواضح لمن كان في قلبه شبهات حول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو بعضهم.

والنصوص في كتاب الله كثيرة جداً في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم، وفيها الآيات التي فيها تفصيل، والآيات التي فيها إجمال.

وقد أورد المؤلف - وفقه الله - جملة من الآيات، فلا نطيل على القارئ الكريم بذكرها.

ولكنني أنبه إلى مسألة في غاية الأهمية..

وهي أن من الناس من خاف على سلطانه وجاهه، فأظهر إسلامه، وهو مستتر بالكفر، وهؤلاء هم المنافقون، ولم يكن في مكة نفاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له دولة وسلطة، بل أصحابه في حال ضعف شديد، وحصل لهم من الأذى ما الله به عليم، وهاجر بعضهم إلى الحبشة، ثم جاءت الهجرة إلى المدينة، كل ذلك فراراً بدينهم، وخوفاً من قومهم.

ولما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة كانت الغلبة لأهل الشرك فيها، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها قوة تجعل أهل الكفر يخافون على أنفسهم منه، حتى جاءت ة بدر يوم الفرقان -كما سماه الله عز وجل- يومٌ أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل فيه الشرك وأهله، فعلم أهل الكفر في المدينة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظهرت شوكته لما قتل صناديد الكفر بمكة، فأظهروا النفاق، حيث أعلنوا إسلامهم ظاهراً وبقوا على كفرهم باطناً، فالمهاجرون لا يمكن أن يوصف أَحَدٌ منهم بنفاق، والأنصار الذين أسلموا قبل ة بدر لا يمكن أن يوصف أَحَدٌ منهم بنفاق، كما ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله([3]).

وهذا إجماع من جميع الفِرَق والطوائف المنتسبة للإسلام، ومن خالف من المتأخرين فلا عبرة بقوله.

كما أن العقل يشهد لذلك، ودلالة العقل على هذا في غاية الوضوح؛ فإنه عليه الصلاة والسلام في مكة كان أصحابه يتحملون من الأذى ما لا يتحمله إلا أشداء الرجال، ثم تركوا بلادهم وهاجروا إلى أرض الحبشة، حيث لا أهل لهم فيها ولا أقارب، وذلك بسبب الاضطهاد الذي لقوه من قومهم بمكة، فكيف يمكن أن يكون معهم من هو منافق، فماذا كان يرجو من ذلك؟! وماذا يستفيد؟! وما هي مصالحه؟!!

لقد أنزل الله سبحانه وتعالى في المنافقين آيات تتلى إلى يوم القيامة، وبيَّن فيها سبحانه وتعالى أوصافهم، وأطلع المولى نبيه عليهم، وفضحهم الله سبحانه بسورة الفاضحة (سورة التوبة) فلا يمكن أن يُخلط بينهم وبين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جمع سبحانه وتعالى في السورة بين ذكر السابقين الأولين - وهم المهاجرون والأنصار - وبين ذكر المنافقين، ففرق سبحانه وتعالى بينهم.

وهذه الرسالة التي بين يديك، سلط فيها المؤلف الضوء على هذه المسألة، وبيَّن فيها حال الصحابة رضي الله عنهم وحال المنافقين، وهي لطيفة في بابها، والحاجة ماسة إليها وإلى أمثالها، بسبب انتشار الشبهات التي يروج لها من في قلبه حقد على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو تأثر بالحاقدين، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى تجاهل الفرق بين الصحابي والمنافق!!!

بل زعم من نسب نفسه إلى العلم أن من السابقين المهاجرين من هو من المنافقين، فتأمل بارك الله فيك آثار الكراهية كيف تحاول طمس الحقائق وحجبها.

ولا عجب في ذلك؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين قضوا على دولة الفرس ودولة الروم ودولة الأقباط، وقضوا على أهل الردة كبني حنيفة وغيرهم، فخصومهم وأعداؤهم كثيرون.

فجزى الله المؤلف خيراً، ونفع برسالته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتبه:

صالح بن عبد الله الدرويش

القاضي بالمحكمة العامة بالقطيف

---------------

([1]) الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما عداه، والصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعدل ألف صلاة فيما عداه من سائر المساجد.

([2]) يرى بعض المؤرخين أنهم قدموا من بلاد اليمن من مأرب، وقيل: بل قدموا من بلاد غامد، وهو الأرجح؛ كما أنه يشملها اسم اليمن أيضاً.

([3]) انظر: منهاج السنة النبوية: (8/449، 474)، تفسير ابن كثير: (1/76).

تمهيد

الحمد لله الذي ميَّزَ الإنسانَ بالعقل، وفضله على سائر المخلوقات، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف رسله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. وبعد:

فقد مكث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى دين الله جل وعلا مستضعفاً هو ومن معه، حتى أذن الله لهم في الهجرة تاركين ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8].

ولما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة خرج مهاجراً إلى المدينة المنورة، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر؛ فلما قويت شوكة الإسلام أظهر قوم الإسلام، وأبطنوا الكفر، وعملوا على الدس والكيد في الخفاء للإسلام والمسلمين، وهم المنافقون.. ومن هنا انقسم الناس إلى: مؤمنين وكفار ومنافقين.

وقد التبس على بعض الناس الحال، فلم يميزوا بين الصحابة والمنافقين، فظنوا أن بعض الصحابة من المنافقين أو العكس؛ ولذا كان لزاماً تجلية هذه القضية وسبر غورها لمن التبست عليه، وشتان ما بين اليزيدين.

ولم أكن أتصور أن يحصل مثل هذا اللبس، حتى شاء الله تعالى أن ألتقي ببعض الشيعة، وسمعت ما لم يكن يخطر ببال أو يدور في خيال، مما سأذكر شيئاً منه في ثنايا هذه الرسالة..

وسوف أحاول جاهداً التعريج على هذه القضايا، وقد قسمت هذه الرسالة إلى أربعة فصول:

الفصل الأول: كيف ميز القرآن بين الصحابة والمنافقين؟

الفصل الثاني: مفهوم الصحبة والعدالة في الإسلام.

الفصل الثالث: مسائل مهمة حول الصحابة.

الفصل الرابع: الإمامة والنص.

وقد حرصت على الاستشهاد بالآيات القرآنية..

لأن القرآن هو المرجع عند الاختلاف.. وبهذا أوصى أئمة آل البيت رضوان الله عليهم، كما جاء عن الإمام الباقر رحمه الله أنه قال: «وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردوه»([1]).

وعن جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: «اتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »([2]).

وقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة»([3]).

كما استشهدت ببعض الروايات من كتب الشيعة المعتمدة عندهم.. لأنه أدعى لقبولهم لها، وأقوى في إقامة الحجة عليهم، ولبيان كثير من الحق الذي جاء في كتبهم وأخفي عنهم..

وهذه الرسالة -التي بين يديك- جُهد سنواتٍ من البحث والنقاش مع بعض الشيعة في ميدان العمل أو غيره، والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به ويبارك، إنه جواد كريم، والله من وراء القصد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه..

المؤلف

12/3/1426هـ

------------

([1]) الأمالي للطوسي: (1/232)، وسائل الشيعة: (27/120)، البحار: (2/236).

([2]) رجال الكشي: (ص195)، تحت تذكرة المغيرة بن سعيد، البحار: (2/250)، رجال ابن داود: (279).

([3]) رجال الكشي: (ص195)، البحار: (2/250)، معجم رجال الحديث للخوئي: (19/300).

الفصل الأول: كيف ميز القرآن بين الصحابة والمنافقين؟

المبحث الأول -الآيات الصريحة في وجود فئتين (صحابة ومنافقين)

القرآن الكريم هو الفصل ليس بالهزل، فلا مجال لاشتباه الحق بالباطل، ومن ذلك ثناؤه على الصحابة، وذمه للمنافقين، وبيان صفات كل منهم وما يميزه..

«فالقرآن ذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع، كما ذكرهم في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والعنكبوت والأحزاب والفتح والقتال والحديد والمجادلة والحشر والمنافقين؛ بل عامة السور المدنية يذكر فيها المنافقين..»([1]).

وذكر الطائفتين في القرآن في موضع واحد يدل على التغاير بينهما والتمايز، ومن الخطأ البيِّن أن نستشهد بآية وردت في إحدى الطائفتين على الطائفة الأخرى..

فمن الآيات التي بيَّنت الفرق بينهم قوله سبحانه: ((وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ)) [التوبة:56] الآية.

فبيَّن سبحانه وتعالى أن المنافقين يحلفون بأنهم من الصحابة رضي الله عنه، ثم أخبر بأنهم ليسوا منهم..

وقال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)) [التوبة:101].

ففي هاتين الآيتين.. بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه وعد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار جنات تجري تحتَها الأنهار خالدين فيها أبداً، وَوَعْدُ الله حقٌ لا يقع الخُلْفُ فيه، ثم بيَّن وجود المنافقين في المدينة وما حولها، فدَلَّ هذا على أن هؤلاء السابقين ليسوا هم المنافقين وكذا العكس، وسيأتي مزيد بيان ذلك -إن شاء الله- عند الحديث عن هذه الآية.

وبهذا يتضح لك عزيزي القارئ أن لكل طائفة صفاتها وخصائصها وما يميزها عن غيرها.

المبحث الثاني -الثناء على الصحابة وبيان صفاتهم وتفاضلهم

جاءت آيات كثيرة تثني على الصحابة الذين ناصروا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجاهدوا معه ونشروا الإسلام، ويكفيهم شرفاً وفخراً أنهم صحبوا خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم.

وإذا كان مما يُثنى به على طالب العلم كونه درس وتعلم على العالم الفلاني، ويعتبر هذا من مناقبه، فكيف بمن أخذ عن خير البشر صلوات ربي وسلامه عليه؟! فهذا والله هو الشرف والفخر، فبصحبته تحصل البركات، ويحل على من صحبه من الخيرات ما لا يحصل لغيره، فالصحبة تاج فوق رءوسهم، وميزة لا يدركها من جاء بعدهم، فمنزلة الصحبة وشرفها راجح على سائر الأعمال.

وقد حصل للصحابة الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التزكية والعلم ما شهد به رب العالمين، فقال جل شأنه: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].

فبيَّن أنهم كانوا في ضلال مبين، ثم حصلت لهم التزكية وعِلْم الكتاب والسنة بفضل صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذهم عنه..

ومن ثَمَّ نقلوا القرآن والسنة إلى من بعدهم، فكانوا هم الواسطة بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين من جاء بعدهم، ولو لم يكونوا عدولاً لما حصلت الثقة بنقلهم للقرآن الكريم، ولا بالسنة النبوية، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين..

ومن الآيات التي بينت فضلهم قوله سبحانه: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8] ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9] الآيات.

فوصف المهاجرين بالصدق، ثم وصف الأنصار بالفلاح، ثم قال: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].

فهل نحن مِمَّن يدعو لهم بالمغفرة، ويصفهم بما وصفهم الله به، أم لنا أَوصافٌ أُخر غير هذه الأوصاف؟!!

ومنها قوله سبحانه: ((وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:62] ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [الأنفال:63]. فقد ألَّفَ الله سبحانه وتعالى بين قلوبهم، ونصر نبيه بهم، في معركة بدر وما بعدها.

ومنها قوله سبحانه: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10] فتأمل قوله: ((وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10]، فهذه الآية شملت مسلمة الفتح، فقد أخبر سبحانه بأنه وعدهم الحسنى، مع كون مرتبتهم أقل من مرتبة من أسلم قبل الفتح.

والحسنى هي الجنة، كما قال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)) [الأنبياء:101] ((لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ)) [الأنبياء:102].

ولقد حصلت المودة معهم بعد العداوة تحقيقاً لوعد الله؛ وَوَعدُه حق،كما قال سبحانه وتعالى: ((عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [الممتحنة:7].

وثمت آيات أخر سأذكرها في فصل مستقل بشيء من التفصيل، كقوله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100]، وقوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29]، وقوله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح:18].

هذا غيض من فيض من الآيات الواردة في الصحابة رضي الله عنهم، وحريٌّ بالمسلم تدبر كتاب ربه سبحانه وتعالى، ففيه الهداية والنور، كما قال سبحانه: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)) [الإسراء:9].

المبحث الثالث -ذم المنافقين وبيان حقيقتهم وما تنطوي عليه نفوسهم

لقد ذَمَّ الله المنافقين في القرآن، وبَيَّن صفاتهم وأعمالهم، وفَضَحَ مخططاتهم ومؤامراتهم ضد هذا الدين العظيم.

والمتأمل في صفاتهم في القرآن الكريم يدرك حقيقة الفرق والتمايز بينهم وبين الصحابة رضي الله عنهم، مما لا يدع مجالاً لأن يوصف هؤلاء بصفات هؤلاء؛ إذ لكلٍ منهم صفاتٍ تميزه وتختص به..

ومن تدبر الآيات علم عظيم الفرق بينهم، وعلم أن هؤلاء المنافقين كانوا نشازاً في المجتمع الإسلامي، وأنه ليس لهم دور ألبتة في الجهاد ولا في العلم ولا في تبليغ هذا الدين.

«..والله سبحانه وتعالى يعلم المؤمنين من المنافقين لا تخفى عليه سبحانه وتعالى خافية، ولكنه سبحانه لم يعلم نبيه بكل من لم يظهر نفاقه؛ بل قال: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)) [التوبة:101]، ثم إنه ابتَلى الناسَ بأمور تميز بين المؤمنين والمنافقين، كما قال سبحانه: ((وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ)) [العنكبوت:11]، وقال تعالى: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ)) [آل عمران:179].. » ([2]).

وإليك شيئاً من صفاتهم التي تميزوا بها عن المؤمنين:

فمن ذلك قوله سبحانه عن المنافقين: ((إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) [التوبة:93] ((يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) [التوبة:94].

فمن صفات المنافقين وخصالهم عدم الخروج للجهاد([3])، وهذا في غالب أحوالهم، وقد يخرجون نفاقاً أو إرجافاً أو غير ذلك، وهذا في القليل النادر.

فهم لا يألون جهداً في الاعتذار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن صحابته رضي الله عنهم في عدم الخروج للجهاد: ((يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ)) [التوبة:94] فالمنافقون لم يخرجوا في غزوة تبوك، وإنما خرج الصحابة وكان عددهم قرابة ثلاثين ألفاً، باستثناء بضعة أشخاص من فئة المنافقين نزلت فيهم آيات بخصوصهم، وجل المنافقين ممن تخلف في المدينة.

وحينما يحس هؤلاء المنافقون بافتضاح أمرهم يحاولون جاهدين أن يقسموا الأيمان المغلظة أنهم من الصحابة، ولكن الله يفضحهم ويبين كذب دعواهم، قال سبحانه: ((وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)) [التوبة:56].. فالصحابة صنف والمنافقون صنف آخر.

إن المنافقين لا يجدون بداً من التخلف عن الجهاد وإبداء الأعذار الواهية، فبعضهم يعلل عدم خروجه للقتال بعدم تمكنه من إعداد العدة، ولكن الله يفضحهم ويبين أن سبب عدم خروجهم للقتال هو عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، كما قال سبحانه: ((إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)) [التوبة:45] ((وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)) [التوبة:46].

«فهذا إخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ترك الجهاد، وإنما يستأذنه الذي لا يؤمن، فكيف بالتارك من غير استئذان؟!»([4]).

وعلل بعضهم بخشية الفتنة كما زعم! قال سبحانه: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)) [التوبة:49].

وتقاعس بعضهم عن الخروج لبُعد السفر وحصول المشقة؛ قال سبحانه: ((لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) [التوبة:42].

ولك أن تتخيل أشكالهم عندما يُذكَرُ القتال فتدور أعينهم من الخوف والهلع، كما قال جل شأنه: ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ)) [محمد:20]، وقال سبحانه عنهم: ((رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ)) [الأحزاب:19].

وقد سماهم الله بـ(المخلفين) في غير ما آية، كما قال سبحانه: ((فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)) [التوبة:81].

ولا ينافي هذا خروجهم في القليل النادر، سواء كان إرجافاً أو طمعاً في غنيمةٍ أو غيرَ ذلك، كما قال سبحانه عن طائفة منهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [المنافقون:8].

وقال عن طائفة منهم خرجوا في غزوة تبوك ونالوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قالوا مستهزئين: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء قط أرغب بطوناً، ولا أكذب أَلْسُناً، ولا أجبن عند اللقاء» فأنزل الله فيهم: ((يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)) [التوبة:64] ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)) [التوبة:65] ((لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)) [التوبة:66] ([5]).

وإذا كان من تخلف في المدينة هم المنافقون ومن عذر الله، فإنه تخلف ثلاثة من الصحابة، فبرأهم الله من جملة المنافقين، وأخبر أنه تاب عليهم في عدم خروجهم، فقال سبحانه: ((وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) [التوبة:118] وهم: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك..

فأي بيان أوضح من هذا البيان في كشف حقيقة المنافقين وحالهم؟! كيف لا وقد تعهد الله بفضحهم وبيان ما تخفيه صدورهم؟! كما قال سبحانه: ((يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)) [التوبة:64].

فأخرج الله ما يحذرون وفضحهم، فلم يعد شأنهم خافياً بين الصحابة رضوان الله عليهم، فضلاً عن أن يلتبس هؤلاء بهؤلاء ولا يميز بينهم.

أما الصحابة فعلى العكس من ذلك، فقد وصفهم الله بنصرة الدين، وبالجهاد مع النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، ولهذا استحقوا الثناء والوعد بالثواب والجنات يوم القيامة؛ قال سبحانه واصفاً المهاجرين: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [الحشر:8].

فمن صفاتهم: ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [الحشر:8] ومواقف النصرة تراها جلية في غزواتهم مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفيما تلاها من الفتوحات الإسلامية..

وخلاصة القول: أن الله بين من صفات المنافقين ما يميزهم عن غيرهم «ولهذا لما كشفهم الله بسورة براءة بقوله: ومنهم ومنهم، صار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك، فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم، وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم، وإن كان بعضهم يظن ذلك، وبعضهم يعلمه، فلم يكن نفاقهم معلوماً عند الجماعة، بخلاف حالهم لما نزل القرآن..»([6]).

وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: «التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أنها لن تبقي أحداً منهم إلا ذكر فيها»([7]).

«..وإن جاز أن يخفى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال بعض الناس فلا يعلم أنه منافق، كما قال: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ)) [التوبة:101] فلا يجوز أن يخبر عنهم بما يدل على إيمانهم، ولهذا لما جاءه المخلفون عام تبوك، فجعلوا يحلفون ويعتذرون، وكان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، لا يصدق أحداً منهم، فلما جاء كعب وأخبره بحقيقة أمره، قال: (أما هذا فقد صدق) أو قال: (صدقكم)..»([8]).

ولهذا فتزكية الله سبحانه وتعالى للصحابة، ووعده لهم بالجنة -خاصة السابقين الأولين، وأصحاب بدر، وأصحاب بيعة الرضوان- فيها أعظم دليل على تبرئة هؤلاء الصحابة من النفاق، والشهادة لهم بالإيمان الصادق.

وأما المنافقون فلم تقع لهم التزكية ولا الوعد بالجنات، بل أظهر الله من صفاتهم ما ميزهم به عن المؤمنين، وتوعدهم بالعذاب الأليم، وبالدرك الأسفل من النار.

ومن الآيات التي ميز الله بها جملة من المنافقين قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) [التوبة:107] ومسجد الضرار معروف، ومن بناه معروف..

وقال تعالى: ((وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)) [محمد:30].

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حذيفةَ بنَ اليمان رضي الله عنه بأسماء جملة من المنافقين، وفي ذلك حِكَمٌ كثيرة، منها: أن وظيفةَ حذيفةَ رضي الله عنه أن يفضح هؤلاء المنافقين إذا ما حاولوا إثارة الفتنة أو التصدي لمواقع قيادية، أو ممارسة التحريف في أي شكل من أشكاله، ثم إن أسماء هؤلاء المنافقين ليس لها صلة بتبليغ الرسالة، ولا في إذاعتها لكافة الناس مصلحة، وإلا لأخبر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه جملة ولم يُؤْثر بها حذيفة رضي الله عنه، فدل هذا على أن المصلحة في كتمها.

وأما سؤال عمر لحذيفة رضي الله عنهما: هل عدَّهُ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنافقين؟ ففيه دليل على فضل عمر وتقواه، وشدة خوفه من الله، وإلا لو كان يعلم من نفسه النفاق لما سأل حذيفة، ثم إن حذيفة قال له: لا، ولا أبرئ أحداً بعدك([9]).

وقد قال بعض السلف عن النفاق: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق([10]).

وقد ذكر الله من صفات المؤمنين أنهم يفعلون الطاعات وقلوبهم خائفة وجلة أن لا تقبل منهم أعمالهم، كما قال سبحانه: ((وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:58] ((وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ)) [المؤمنون:59] ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)) [المؤمنون:60].

ولو رأى حذيفةُ أو عليٌ رضي الله عنهما أيَّ أحدٍ من المنافقين يتولى قيادة الأمة أو شيئاً من ولاياتها، لم يجز له أن يسكت بحال من الأحوال، وإلا لعُدَّ غاشاً للأمة.

ومن صفات المنافقين أيضاً: التكاسل عن الصلاة وقلة ذكر الله، والشح والبخل، والجبن والخوف والهلع.. قال تعالى: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء:142] ((مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)) [النساء:143].

أما أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهم: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29]. وفي هذا المعنى يقول علي رضي الله عنه: «لقد رأيت أثراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم، والله إن كانوا ليصبحون شعثاً غبراً صُفراً بين أعينهم مثل ركب المعزى، قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذُكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين»([11]).

وقال تعالى عن المنافقين: ((وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)) [النساء:142]. وأعظم الذكر هو القرآن، ولهذا لم يكن للمنافقين أي دور في حفظه أو إقرائه أو تبليغه.

وإنما نقله إلينا بالتواتر الصحابة الكرام: كعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت..

ولو طعنَّا في نقلة القرآن هؤلاء لحصل الطعن في القرآن الكريم وفي تواتره، بل لوقع الطعن في الدين كله...

وإذا علمنا هذا تبين سببُ أمرِ الله لنا باتباعهم بإحسان؛ إذ الدين نقل عن طريقهم رضي الله عنهم..

اللهم اهدنا للحق ووفقنا إليه، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

المبحث الرابع -موقف الشيعة من آيات الثناء على الصحابة

إن القارئ لكتاب الله تعالى يجد عشرات الآيات التي تثني على الصحابة وتبين فضلهم وتعدهم بالجنات والخلود فيها.

وأمام هذه الحقيقة الناصعة لجأ بعض الشيعة إلى الزعم بأن الصحابة بدلوا ونافقوا بعد ذلك، أو غير ذلك من الشبهات، وأترك المجال لك أيها القارئ لتحكم بنفسك..

الآية الأولى:

قال الله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].

فهذه البيعة سُمِّيَت بـ(ببيعة الرضوان) لإخبار الله عز وجل أنه رضي عنهم.

وعدد الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة في أصح الأقوال ألف وأربعمائة.

وقد أقرَّ بهذا بعض علماء الشيعة الكبار.

يقول أحدهم وهو الطبرسي في تفسيره: «يعني بيعة الحديبية، وتُسَمَّى (بيعة الرضوان)؛ لهذه الآية، ورضا الله سبحانه عنهم، وإرادته تعظيمهم وإثابتهم، وهذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السمرة...، وكان عدد الصحابة رضوان الله عليهم يوم بيعة الرضوان ألفاً ومائتين، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسائة، وقيل: وثمانمائة»([12])اهـ.

فهؤلاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة حصل لهم ثلاثة أمور: أن الله رضي عنهم، وأنزل عليهم السكينة، وأثابهم فتحاً قريباً..

فهل سلم الشيعة بهذا الفضل؟ أم أن لهم فهماً مغايراً أو مخرجاً آخر؟!

استدل أحد علماء السنة في إحدى المناظرات بين السنة والشيعة بهذه الآية فقاطعه المناظر الشيعي بقوله: «إذ.. إذ..» أي: أن الله رضي عنهم وقت المبايعة فقط، ثم سخط عليهم بعد ذلك، وكان فيهم منافقون! ثم قرأت الكلام نفسه لأحد علماء الشيعة الكبار([13]).

وأقول لهذا ولغيره:

إن الله عز وجل لا يرضى إلا عن القوم المؤمنين، وقد أخبر في هذه الآية أنه رضي عنهم حين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل وزكى بواطنهم وشهد لهم بإخلاص النية، فقال: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) [الفتح:18] وأنزل السكينة عليهم، ووعدهم بثواب فتح قريب ومغانم كثيرة.

فرضاه عنهم وإخباره بذلك دليل على إيمانهم، أما المنافق فلا يمكن أن يرضى الله عنه أبداً حال نفاقه؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وقوله: ((إِذْ يُبَايِعُونَكَ)) [الفتح:18] فيه أمران:

أولاهما: أن فيه إشارة إلى أن من خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبايع أنه حينئذ ليس بمؤمن، ومعلوم أنه لم يحضر في الحديبية أحدٌ من المنافقين على الصحيح إلا الجدُّ بن قيس كما ذكر ذلك النووي في شرح مسلم([14])، وبعض علماء التاريخ والسير([15])، ولكنه لم يبايع وتنحى بعيداً.

وثانيهما: أن الظرف «إذ» متعلق بقوله: رضي، وفي تعليق هذا الظرف «إذ يبايعونك» بفعل الرضا إشارة إلى أن سبب الرضا هو ذلك الظرف الخاص وهو المبايعة، مع ما يعطيه توقيت الرضا بهذا الظرف «إذ» من إشارة لطيفة بتعجيل حصول الرضا، وكون الرضا حصل عند تجديد المبايعة ولم ينتظر به تمامها.

ويشهد لهذا قوة المؤكدات في هذا الرضا، حيث أتى باللام الموطئة للقسم، وقد -وهي للتحقيق- والقسم المقدر.

ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يخبر أنه سخط على من بايع تحت الشجرة كما أخبر برضاه عنهم، ولهذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما كما ترويه عنه كتب الشيعة: «أخبرنا الله أنه رضي عن أصحاب الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، هل حدثنا أحد أنه سخط عليهم بعد؟»([16]).

بل هذه الآية تتلى إلى يوم القيامة، فهل يتلى الرضا ويستمر ذكر الثناء إلى يوم القيامة على أناس قد بدلوا وغيروا ونافقوا؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.

ومن العجائب أن تجد من ينسب نفسه للفقه والتحقيق يجعل المنافقين مع الذين بايعوا! فينسب الجهل إلى الله تعالى؛ إذ كيف رضي سبحانه وتعالى عنهم وفيهم المنافقون؟!

وتارة يفر من الآية ويقول: الرضا حصل لدقائق محدودة -أي ساعة المبايعة- ثم سخط بعد ذلك؟!

فيقال لهذا: هل كان الله يعلم أنهم سيبدلون أم لا؟ فإن قال: لا، فهي طامة كبرى؛ حيث اتهم الله بالجهل عياذاً بالله! وإن قال: نعم، فيقال: كيف يجعل الله الرضا يتلى إلى يوم القيامة وهو يعلم أن الفضل لن يستمر إلا سنواتٍ محدودة ثم يبدلون؟! فقائل هذا كأنه يصف القرآن بغش الأمة.. وحاشا ذلك أن يكون!

اللهم اجعلنا ممن رضوا عنك ورضيت عنهم يا رب العالمين..

الآية الثانية:

قال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].

هذه الآية من أعظم الآيات في الثناء على الصحابة، ومن أدل الدلائل على إعجاز القرآن، وعلى عظمة الباري وسعة علمه..

والغريب ما ذكره لي بعض الشيعة أن هذه الآية لا دلالة فيها على فضل الصحابة. فسألته مستغرباً: لماذا؟!

فقال: لأن الله قال في آخر الآية: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29] فـ(منهم) أي: بعضهم، فلا يراد بها إلا من آمن وعمل الصالحات، ولم يرتد عن دينه أو ينافق، وعليه فلا تشمل الآية جميع من كان معه..

فقلت له: جوابي ألخصه لك فيما يلي:

أولاً: حصرك «من» في قوله سبحانه: ((مِنْهُمْ)) [الفتح:29] بأنها تبعيضية تَحكُّم!!

ثانياً: أوّل الآية لم يذكر إلا من آمن وعمل الصالحات: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29] فهذه الصفات لا يتصف بها غير المؤمنين، والمؤمنون كلهم أهل للمغفرة والثواب، ولو أن الآية شملت المنافقين لصح قولنا بأن «منهم» للتبعيض، ولكنها لم تذكر إلا صنف المؤمنين الصادقين والذين وصفهم الله بقوله: ((رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الفتح:29] فتأمل!

وقد لجأ الشيعة إلى القول بالتبعيض؛ لعلمهم بدلالة الآية على فضل من كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذين جاهدوا معه في حياته، وبعد وفاته جاهدوا المرتدين كأصحاب مسيلمة الكذاب ومانعي الزكاة، وهم الذين فتحوا الأمصار، وفتحوا بلاد فارس والروم.

ثالثاً: أن هذا الوصف -كما نصت الآية- قد جاء في التوراة والإنجيل، فهو وصف وثناء عليهم قبل أن يخلقوا، ولو كانوا سيبدلون ويغيرون لاستحقوا الذم لا المدح..

ولهذا فآخر الآية تأكيد لما سبق، ولا يمكن أن تناقض كلمات الله بعضها بعضاً.. وكذا القرآن لابد أن يؤخذ بجميعه؛ فلا يؤخذ بعضُه ويترك البعضُ الآخر، ولا يؤخذ جزءٌ من آية ويترك الجزءُ الآخر منها..

فهؤلاء الذين ذكر الله أنهم في عبادة دائمة وأنهم يبتغون فضلاً منه ورضواناً لا شك أنهم آمنوا وعملوا الصالحات..

وعليه يكون معنى (من) في الآية أحد أمرين:

الأمر الأول: إما أنها لبيان الجنس، أي: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من جنس هؤلاء وأمثالهم مغفرةً وأجراً عظيماً، وذلك كقوله سبحانه: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ)) [الحج:30] أي: من جنس هذه الأوثان، وليس معناها: اجتنبوا الرجس من الأوثان وأما باقي الأوثان فلا تجتنبوها! وهذا ما ذكره علماء أهل السنة كما ذكره بعض علماء الشيعة([17])..

والأمر الثاني: أن تكون مؤكدة، أي: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء بالذات مغفرةً وأجراً عظيماً، وذلك مثل قوله سبحانه: ((وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [الإسراء:82] وليس قوله: ((مِنْ الْقُرْآنِ)) [الإسراء:82] أي: بعض القرآن شفاء ورحمة وبعضه ليس كذلك، بل (مِن) هناك مؤكدة فكذلك هنا([18])..

ثم إن هذا الوصف لمجموع الصحابة رضوان الله عليهم، فهذه الصفات المذكورة في الآية تنطبق تماماً على أصحابه الذين قاتلوا معه في غزواته كلها، بل وقاتلوا بعد وفاته المرتدين والنصارى والمجوس، فهم كما وصفهم الله: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29].

والمعية في قوله: (والذين معه) ظاهرة بينة؛ فهم معه في سلمه وحربه، وفي حله وسفره، وفي سائر أحواله، وقد خرج معه في غزوة تبوك وحدها نحو ثلاثين ألفاً.

ثم تأمل هذا الحديث من كتب الشيعة:

جاء في كتاب (كامل الزيارات)([19]) وهو من كتب الشيعة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من مات في أحد الحرمين: مكة أو المدينة، لم يعرض على الحساب، ومات مهاجراً إلى الله، وحشر يوم القيامة مع أصحاب بدر.

فالرواية تشير بوضوح إلى فضل أصحاب بدر خاصة، من دون تقييد بأَحَدٍ دون أَحَد، وفي مقدمتهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف والزبير وطلحة رضي الله عنهم.

أخي الحبيب: تأمل الوصف التالي من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

يقول رضي الله عنه كما في (نهج البلاغة): «لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب»([20]).

فإذا تأملت وصفه رضي الله عنه، فستجده مطابقاً لكتاب الله، وكأنه يشرح الآية ويبينها..

الآية الثالثة:

قال الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)) [التوبة:101].

فقال سبحانه: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] فذكر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم قال في الآية التي تليها مباشرة: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)) [التوبة:101].

فَفَرَّق سبحانه وتعالى بين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وبين المنافقين.

ولكن من هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟

هل المراد بالسابقين من المهاجرين علي بن أبي طالب وحده كما ذكر لي بعض الشيعة، أم إن هذا وصف عام يدخل فيه كل من حصل له سبق في ذلك؟

لا شك أن هذا وصف عام لكل من حصل منه السبق للهجرة أو النصرة..

وقد بين بعض علماء الشيعة؛ كالطباطبائي في (تفسير الميزان)؛ أن السابقين من المهاجرين والأنصار غير محصورين بشخص معين، وأنهم كل من توفرت فيه صفات السبق، كأصحاب الهجرتين..

يقول الطباطبائي: المراد بالسابقين هم الذين أسسوا أساس الدين، ورفعوا قواعده، قبل أن يشيد بنيانه وتهتز راياته؛ صِنْفٌ منهم بالإيمان واللحوق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والصبر على الفتنة والتعذيب، والخروج من ديارهم وأموالهم بالهجرة إلى الحبشة والمدينة، وصِنْفٌ بالإيمان ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين والدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع([21]).

فلاحظ قول الطباطبائي: «صنف.. بالهجرة إلى الحبشة والمدينة»، وقوله: «وصنف بالإيمان ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين.. ».

ثم قال بعد ذلك: « قبل وقوع الوقائع»؛ حيث يشير إلى أن الحد الفاصل لاعتبار السبق هو ما كان قبل غزوة بدر.

وعلى كلٍّ ففي المسألة خلاف في وَضعِ حَدٍ يحصل به السبق، وأمثل الأقوال وأعدلها في هذا أنه في فترة ضعف الإسلام، وذلك قبل غزوة بدر؛ إذ ليست المزية فيمن آمن في وقت ضعف الإسلام واستذلال أهله كمن آمن في وقت قوته وتمكنه، ولهذا لم يظهر النفاق في الفترة المكية؛ فلما ظهر الإسلام وقوي، ظهر النفاق.

وأخيراً أقول:

لقد وعد الله من يتبعون السابقين من المهاجرين والأنصار بإحسان أن ينالوا من رضاه سبحانه وتعالى ودخول الجنة ما وعد به أولئك السابقين، فقال سبحانه: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100]، وأخبر بأنهم يشاركونهم في الخير، كما قال سبحانه: ((وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ)) [الجمعة:3]، وقال سبحانه: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) [الحشر:10].

واتِّبَاعُهُم بإحسان يكون بأخذ العلم عنهم، هذا العلم الذي أخذوه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما يكون أيضاً بمحبتهم ومعرفة فضائلهم والذب عن أعراضهم، ورَدِّ الكذب عنهم، والاقتداء بهم..، ولا يكون بالكذبِ عليهم وسبِّهم وشتمِهم وتَنَقُّصِهم والطعنِ فيهم، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

وبعد كلِّ هذا فلسائل أن يقول: وهل يعني ثناء الله عليهم أنهم لا يعصون الله أبداً؟ وما هو مفهوم الصحبة الذي نُعَرِّف به الصحابي من غيره.

والجواب تجده مستوفى في المبحث التالي..

---------------------

([1]) الفتاوى: (7 /463)، بتصرف يسير.

([2]) الصارم المسلول على شاتم الرسول: (1/37)، بتصرف يسير.

([3]) جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق" رواه مسلم: (1910).

([4]) [الفتاوى 28/ 439].

([5]) تفسير الطبري: (6/408)، وذكر نحوها الطبرسي في مجمع البيان: (5/81-82).

([6]) الفتاوى: (7/214).

([7]) البخاري: (4503)، ومسلم: (5359)، وانظر: التبيان: (5/167)، ومجمع البيان: (5/5).

([8]) منهاج السنة النبوية: (8/429).

([9]) رواه البزار: (2285)، وقال في مجمع الزوائد: رواه البزار ورجاله ثقات، (1/157).

([10]) صحيح البخاري: (كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر).

([11]) رواه أبو نعيم في الحلية (1/76).

([12]) مجمع البيان: (9/193)، وانظر البحار: (20/326).

([13]) وهو آية الله جعفر السبحاني في كتابه: حوار مع الشيخ صالح بن عبدالله الدرويش القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف حول الصحبة والصحابة (159)..

([14]) شرح النووي عند حديث برقم: (2780).

([15]) انظر: الاستيعاب (1/3)، البداية والنهاية (4/168)، الكامل في التاريخ (2/200)، تاريخ الطبري (2/279).

([16]) الإرشاد: (13)، روضة الواعظين: (75)، بحار الأنوار: (38/243).

([17]) فتح القدير للشوكاني: (3/81)، تفسير الثعالبي: (4/119)، وذكره من علماء الشيعة الطبرسي في مجمع البيان: (9/157)، عند كلامه عن قوله سبحانه: ((فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل)) [الأحقاف:35].

([18]) معاني القرآن للنحاس: (4/187)، فتح القدير للشوكاني: (3/253).

([19]) وانظر: الكافي: (4/548)، البحار: (96/387)، نور الثقلين: (1/541)، كامل الزيارات: (44).

([20]) نهج البلاغة، خطبة: (97) شرح ابن أبي الحديد: (7/77)، شرح محمد عبده: (1/190)، البحار: (66/307)، الحلية لأبي نعيم (1/76).

([21]) تفسير الميزان: (9/373).
كتبت : بنتـي دنيتـي
-
الفصل الثاني: مفهوم الصحابة والعدالة في الإسلام
المبحث الأول -مفهوم الصحبة
أما مفهوم الصحبة: فإنه عند الإطلاق يراد به المعنى الشرعي لا اللغوي، فلا بد من التفريق بين معنى الصحبة اللغوي ومعناه الشرعي، والصحابي بالمعنى الشرعي هو: من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته مؤمناً به ومات على الإسلام([1]).
فبناءً على هذا التعريف نعلم أن لفظ الصحابة لا يراد به المنافقون؛ لعدم إيمانهم أصلاً، وكذا لا يراد به من ارتد ومات على الكفر، كما لا يراد به من آمن بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو آمن في حياته ولكنه لم يلتق به.. إلخ.
مع أننا نقول: إن من طالت صحبته وجاهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل ممن لم يصحبه إلا يسيراً، وإنْ كان كلٌ منهما حصل له فضل صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم..
المبحث الثاني -مفهوم العدالة وأما مسألة عدالة الصحابة فالمراد بعدالتهم أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع كونهم يوافون الله سبحانه وتعالى عدولاً..([2]).
ثم إن العدالة تشمل الصدق على وجه العموم، وكذلك التقى، وقولنا بأنهم: (عدول) لا يعني أنهم سواء، فالخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في أعلى درجات العدالة، وأقل منهم معاوية رضي الله عنه، وهكذا..، فالصحابة رضي الله عنهم يتفاوتون في العدالة، وإن كان الجميع داخلاً في ضمنها، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد:10] فهذه الآية شملت من آمن قبل فتح مكة ومن آمن بعده وهم مسلمة الفتح، وإن كانوا في مرتبة أقل بكثير من السابقين الأولين، والجميع وعدهم الله الحسنى، والحسنى هي الجنة، كما قال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)) [الأنبياء:101] ((لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ)) [الأنبياء:102].
وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو السهو أو الغلط، بل هم بشر كغيرهم، قد تحصل منهم الذنوب والمعاصي، ولكنهم يتوبون منها، ولهم من الحسنات ما تذوب فيه هذه السيئات.
ولقد ذكر الله المتقين وأثنى عليهم ووعدهم بالجنة، وأخبر بعدم عصمتهم، وأنه يمكن أن تحصل منهم الذنوب والمعاصي، ومع ذلك وصفهم بالمتقين، كما قال سبحانه: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)) [آل عمران:133] ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [آل عمران:134] ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) [آل عمران:135].
فانظر كيف وعدهم هذا الجزاء العظيم، ووصفهم بالتقوى، ومع ذلك بيَّن سبحانه أنهم غير معصومين، وأنه قد يحصل من بعضهم الوقوع في بعض الذنوب أو الفواحش، ولكنهم يتوبون منها ولا يصرون على فعلها، فهم يوافون الله سبحانه وتعالى مع وصفهم بالمتقين، فهذا هو المراد من عدالة الصحابة عند الإطلاق... فتأمل!
وخلاصة القول: أنهم قد يقعون في بعض المعاصي، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، فقد يغفر لهم بسابقتهم، أو بما لهم من الحسنات التي تمحو السيئات، أو بحبِّهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو بالمصائب، أو بظلمِ وسبِّ من يأتي بعدهم، أو بتوبةٍ صادقة منهم، أو بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم -وهم أحق الناس بها- ونحو ذلك، والتوبة تَجُبُّ ما قبلها.
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائلهم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح([3]).
وقد زنى بعض الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجمه، ومع ذلك شهد له بتوبة عظيمة لو قسمت بين أمة لوسعتهم([4]).
وشرب الخمرَ أحدُ الصحابة فجلده النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة مرات، فلما لعنه أحد الصحابة لكثرة ما يؤتى به، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله)([5]).
والمراد بعدالتهم عند أهل الحديث قبول روايتهم مطلقاً([6])، مع جواز ورود النسيان والغلط عليهم، ولكن هذا يندفع بعدم معارضة أحد من الصحابة رضي الله عنهم له، مما يدل على قبول حديثه مطلقاً، ولو نسي أو غلط لهيّأ الله من يرد عليه خطأه، وبهذا يتحقق حفظ الله لدينه، والأمة معصومة بمجموعها كما هو مقرر في الأصول([7])..
وعدالة الصحابة أمر لازم لحفظ هذا الدين، فهم نقلة الكتاب والسنة، وليست مجرد شرف شخصي لهم، ولهذا نقلوا إلينا الكتاب والسنة على أتم وجه.
فمن طعن في عدالتهم فقد طعن في القرآن والسنة، كيف لا! والأخبار لا تؤخذ من الفاسق، فكيف بالقرآن؟!
ويؤيد هذا ما جاء في (الكافي) عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبدالله: «..فَأَخْبِرْنِي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا..»([8])، فالرواية تثبت عدالة الصحابة رضي الله عنهم في روايتهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أما المنافقون فلم ينقلوا شيئاً ألبتة، فهم لا يتجرءون على الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يستطيعون الكذب في هذا الشأن؛ ولهذا فإن الآيات التي تفضح المنافقين وتعريهم كثيرة جداً، وليس فيها آية واحدة تدل على أنهم استطاعوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وتأمل قوله سبحانه عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ)) [الحاقة:44] ((لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ)) [الحاقة:45] ((ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)) [الحاقة:46] ((فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)) [الحاقة:47]. فإذا كان هذا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم لو تقول على الله سبحانه، فكيف بغيره لو حاول أن يكذب أو يحرف؟!
والحماية ربانية لا بشرية، والبشر إنما هم من الأسباب المسخرة لهذه الحماية.
وهذه حقيقة ناصعة، فلا الصحابة يكذبون لعدالتهم، ولا المنافقون يقدرون على الكذب في هذا الميدان تحديداً([9]).
أما مسلمة الفتح فهم كغيرهم من الصحابة، لا يمكن أن يتعمدوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فلم يتحملوا من السنة ما تحمله الصحابة الملازمون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم من قبل، مع ما اشتهر به كثير منهم من الصدق والديانة وغاية الأمانة، وأما من أُخِذَ عليه بعضُ المآخذ منهم -كوقوعه في بعض المعاصي- فقد تتبع أئمة الحديث أحاديثهم، فلم يجدوا في ذلك ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من الصحابة ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو يشهد له، فلم يبقَ بعد ذلك حجة لأحد([10])..
------------------
([1]) الإصابة في تمييز الصحابة: (9).
([2]) فتح الباري، شرح حديث رقم: (690)، (3462)، منهاج السنة: (7/220)، وانظر ما ذكره محقق كتاب (تدريب الراوي) الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: (2/215)، فقد ذكر عدة إطلاقات للعدالة، وذكر منها تجنب تعمد الكذب، ثم ذكر جملة من أقوال العلماء، فليراجع.
([3]) مجموع الفتاوى: (3/155).
([4]) هذا اللفظ لمسلم: (1695)، وهو وارد في حق ماعز الأسلمي رضي الله عنه.
([5]) صحيح البخاري: (6780).
([6]) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة: (11).
([7]) انظر: منهاج السنة: (2/456-458).
([8]) الكافي: (1/65)، وسائل الشيعة: (27/208)، البحار: (2/228).
([9]) انظر كتاب: (براءة الصحابة من النفاق) لمنذر الأسعد: (36 – 37).
([10]) الأنوار الكاشفة: (262) بتصرف.
الفصل الثالث: شبهات حول الصحابة المبحث الأول -حديث الحوض يستدل بعض الشيعة على ارتداد الصحابة أو بعضهم بحديث الحوض حيث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجلونَ عَن الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي! فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى»([1]).
والجواب عن ذلك أن يقال:
أولاً: الحديث ورد بصيغ متعددة، منها ما سبق، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ! فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَالله! قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى. ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ! قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَالله! قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى. فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ»([2]).
ثانياً: يقال لهؤلاء: النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يَعلَم من هم الذين بدلوا بعده إلا حين يَرِدُونَ عليه الحوض ثم يُرَدُّونَ عنه، فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلمهم، فمن الذي حددهم لكم وعيَّنهم بأسمائهم؟! فهل أنتم تعلمون ما لا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! وهل أنتم أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
ثالثاً: يقال أيضاً: أنتم بين أمرين:
[1] إما أن تجعلوا حديث الحوض يشمل الخلفاء الثلاثة، ولفظ الحديث يدل على أن التغيير محصور فيما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بدليل قوله: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
فيلزم من هذا:
أنهم كانوا قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الإيمان، ولذلك ظن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم استمروا على ذلك، وأنهم سَيَرِدُونَ على الحوض، فَأُخبر أنهم أحدثوا بعده، وبالتالي يلزم بطلان ما نُسب إليهم من كُفر أو نِفاق أو استحقاق لِلَّعن ونحو ذلك؛ لقوله: «لا تدري ما أحدثوا بعدك».
[2] وإما أن لا تدخلوهم ضمن حديث الحوض، وهذا هو المطلوب.
رابعاً: لو قال لنا قائل: إن النص عام، فيشمل أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه، وكذلك يشمل المقدادَ وعماراً وسلمانَ وأبا ذر رضي الله عنهم، فما الجواب؟
نقول له: إن الأدلة قد دلت على عدم شمول حديث الحوض للمهاجرين والأنصار؛ لأن الله وعدهم بالجنة.
فالأدلة التي دلت على خروج هؤلاء دلت كذلك على خروج باقي إخوانهم من المهاجرين والأنصار.
ولهذا فنحن نقول: إن هذا الحديث صحيحٌ عندنا ولا شك، لكنه لا يراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه قطعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهد له بالجنة، وكذلك لا يراد به غيره من الصحابة السابقين للإسلام ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعمار والمقداد وغيرهم من الصحابة رضي الله عنه.
وكذلك لا يمكن أن يراد به السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؛ لأن الله أخبر ووعد بأن لهم: ((جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)) [التوبة:100].
فهل هؤلاء الذين وعدهم الله بالجنات هم المرتدون الناكثون، أو أن الله وعدهم بالجنات وهو لا يعلم أنهم سيرتدون، تعالى الله وتقدس عن الجهل والنقائص والعيوب؟!.
خامساً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا رهط» ولم يقل: فإذا أكثر أصحابي، والرهط في اللغة من ثلاثة إلى عشرة، فدل على أن الذين يمنعون عن الحوض قليل، ومثله يقال في قوله: «فإذا زمرة».
فإن قيل: إن هذا الحديث يدل على أن أكثر الصحابة يُرَدّون عن الحوض، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ»([3]).
فالجواب ظاهر: وهو أن هؤلاء الذين يخلصون (مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ)، هم من بين تلك الزمر التي عرضت عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وليسوا يخلصون من بين سائر الصحابة؛ أي: لا أراه يخلص من بين تلك الزمر التي تُردُّ عن الحوض إلا مثل همل النعم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي»([4]). وفي رواية: «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ... فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ»([5])، ولم يقل: تُعرَضُون أنتم..
وتوضيح ذلك: أن الصحابة عددهم كثير جداً، وهؤلاء الصحابة يعرضون على الحوض ويشربون منه، ولكنْ هناك زمرٌ (أي: مجموعات) منها من تُردُّ عن الحوض؛ لأنها بدلت وغيرت، فيعفى عن مجموعة يسيرة من بين تلك المجموعات، وذلك فضل من الله سبحانه وتعالى([6]).
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بينا أنا قائم فإذا زمرة)، ولم يقل: بينا أنا قائم فإذا أكثر أصحابي، أو: فإذا أنتم يا من تسمعونني الآن، وهذا يدل على أن هذه الزمر عددها قليل بالنسبة لمجموع الصحابة رضي الله عنهم؛ ولهذا فبقية الصحابة لا يدخلون في هذا الحديث، بل هم أول من يَرِدُ الحوضَ ويشرب منه، فأين هذا من زعم الشيعة ارتداد الصحابة إلا نفراً قليلاً؟!
ومثاله: لو قال مسئول عنده ثلاثة آلاف موظف: عُرِضَ علي أسماء مجموعة من الموظفين بسبب إهمالهم وكسلهم فعاقبتهم، إلا مجموعة يسيرة عفوت عنهم لأسباب ما، فإن السامع لهذا الكلام يعلم أن الذين عُرِضوا عليه لا يشكلون نسبةً تذكر إلى بقية الموظفين.
سادساً: في المراد بمن يذاد عن الحوض عِدَّةُ أقوالٍ:
القول الأول: قيل إنهم أناسٌ ممن أسلموا ولم يحسن إسلامهم، كأولئك الذين في أطراف الجزيرة وحصلت الردة منهم بعد ذلك، أو الذين منعوا الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قاتل الصحابة رضي الله عنهم هؤلاء، ونحن نعلم أنه قَدِمَ على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح مكة عشراتُ الوفود بالإسلام من قومهم، وأن الذين شهدوا حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتجاوز عددهم مائة ألف..، وهذا القول من أعدل الأقوال وأحسنها.
فكيف بالله يتهم هؤلاء الصحابة الذين زكاهم الله تعالى، ويترك مانعو الزكاة ممن قُتِل تحت سنابك خيل المهاجرين والأنصار، وكيف يُترك أتباع سَجَاح وطليحة بن خويلد وأمثالهم، ويُتهم صفوة الخلق الذين قاتلوهم، بل وقاتلوا قبل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
وتأمل هذا المعنى الجليل الذي تنقله كتب الشيعة عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه إذ يقول: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير»([7]).
فالإمام جعفر الصادق رضي الله عنه يمتدح اثني عشر ألفاً من الصحابة جلهم من المدينة، ويشهد بأنهم لم يغيروا ولم يبدلوا حتى ماتوا، ثم يأتي الشيعة اليوم وقبل اليوم ليقولوا: لا؛ بل إن هؤلاء الصحابة قد غيروا وبدلوا وارتدوا على أعقابهم!!
القول الثاني: قال بعض أهل العلم: إن لفظ الصحابي في اللغة – لا الاصطلاح الشرعي - يشمل المنافق، فيحتمل أن يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين الذين لم يعرفهم أو لم يظهر له نفاقهم، وقد قال تعالى: ((لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ))، وإن كان يعلم غالبهم بالصفات التي وصفهم الله بها؛ والدليل على ذلك: أن رأس المنافقين وهو عبد الله بن أبيِّ بن سلول لما قال: أقد تداعَوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث - يعني: عبدَ الله بن أُبَي بن سلول - فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»([8]).
ففي هذه الرواية دليل على أن مسمى الصحابة في اللغة يطلق على المنافقين أيضاً، ومن ثَمَّ يمكن حمل روايات الذم على هؤلاء، أي: يراد بلفظ الصحبة الوارد في حديث الحوض هؤلاء المنافقون، وليس الصحابة بالمصطلح الشرعي، والذين وعدهم الله بالحسنى والخلود في الجنات، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات.
سابعاً: تأمل -هداني الله وإياك للحق- إخبارَ الله سبحانه وتعالى أنه غفر للمهاجرين والأنصار الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) [التوبة:117].
فأي جريمة والله فيمن ينال من هؤلاء الذين أخبر سبحانه أنه تاب عليهم ورضي عنهم ووعدهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً؟!
وأي افتراء على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين اتبعوه في ساعة العسرة، وتركوا ديارهم وأموالهم من أجل الله سبحانه وتعالى!
وأي مخالفةٍ لتزكية الله لهم في كثيرٍ من الآيات! بل أي جريمةٍ أن يأتي أحدٌ ويحدد من لم يحدده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الحوض، فيحدده بالمهاجرين والأنصار ويترك أولئك المرتدين في أرض اليمامة وغيرها!
وقد وصف الله المؤمنين الذين جاءوا من بعدهم بسلامة قلوبهم واستغفارهم للمهاجرين والأنصار، كما قال تعالى بعد ذكره للمهاجرين والأنصار: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
المبحث الثاني -الطعن فيمن فَرَّ يوم أحد من الصحابة رضي الله عنهم يطعن البعض([9]) في الصحابة أو يستدل على ردتهم بقوله سبحانه: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] الآية.
فيقال:
أولاً: هذه الآية نزلت في معركةِ أحدٍ، وهي تشير إلى ما كان من بعض المسلمين من الضعف والوهن والتأخر عن القتال حين أشيع موت النبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود من الآية العتاب لهؤلاء، وكذلك الثناء على الذين ثبتوا؛ ولهذا قال تعالى في آخر الآية: ((وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144]، ولا دلالة في الآية على ارتداد الصحابة رضي الله عنهم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانياً: في الآية إثباتٌ لفضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه خصوصاً، وبقية الصحابة عموماً، حيث ثبت أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وثبت ثانياً بعد موته، وقاتل المرتدين، ومعه المهاجرون والأنصار..
ولو كان الصحابة مرتدين بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بضعة نفر، فكيف بقي الإسلام؟! ومن الذي قاتل مسيلمة الكذاب؟! ومن الذي هزم فارس والروم؟!
ثم إن الذين ثبتوا في معركة أحد ولم يفروا كثر، منهم: أبو بكر وعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم، وقد عدَّ بعضُ العلماء أسماء اثني عشر صحابياً لم يفروا([10])، ناهيك عن الذين قتلوا بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
وكذلك الحال في غزوة حنين، فقد ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذا العباس وغيره رضي الله عنهم، وقد جاء في بعض الروايات عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار)([11]).
ثالثاً: بيَّن الله عز وجل أنه تاب على من فرَّ من الصحابة يوم أحد، كما قال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ)) [آل عمران:155]، كما أخبر أيضاً أنه تاب عليهم بعد غزوة تبوك كما في آخر سورة التوبة: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) [التوبة:117].
وإذا كان الله تعالى قد تاب عليهم فإنه لا يجوز التشنيع عليهم في شيء قد عفي عنهم فيه، إذ التشنيع في ذلك نوعُ اعتراضٍ على عَفوِ الله لهم ومغفرتِه لذنوبهم، ومع ذلك فلهم من فضل الصحبة ونصرة الدين ما لا يدانيهم فيه أحد.
المبحث الثالث -مظلومية الزهراء رضي الله عنها إن من أعظم ما تشعل به الشحناء والبغضاء بين السنة والشيعة دعوى ظلم الزهراء رضي الله عنها وضربها وكسر ضلعها، فهل هذه الدعوى ثابتة؟ وهل ورد فيها روايات صحيحة أم لا؟ وهل هناك من علماء الشيعة من أنكرها؟
فيقال أولاً: هذه الدعوى لم يثبت فيها سند صحيح، وجميع أسانيدها إما ضعيفة وإما موضوعة.
وثانياً: كل عاقل يعلم أن هذه الروايات لا تتفق بحال مع ما هو معروف من شجاعة علي رضي الله عنه، فلو كانت ثابتة فأين علي؟! وأين دفاعه عن بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟!
لقد كان معروفاً عند العرب في الجاهلية -فضلاً عن الإسلام- دفاعهم عن أعراضهم وأهليهم حتى لو أدى ذلك إلى ضرر أنفسهم بل وهلاكها، حتى قال قائلهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمال
وحمية بني هاشم وأنفتهم وشجاعتهم وكونهم سادة لقريش يجعل العقل يرفض مثل هذه القصة؛ إذ في إثباتها طعن فيهم عامة وفي سيدنا علي رضي الله عنه خاصة.
بل إن الإسلام أمر بالدفاع عن المال، وجعل من قتل دون ماله شهيداً، فكيف بالعرض؟! وقد قال الخليل صلى الله عليه وآله وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»([12]) والدفاع عن الزوجة أعظم من ذلك، فكيف يتركها تضرب ويكسر ضلعها ويسقط جنينها وهو ساكت؟!!
وقد استبعد حصول هذه القضية بعضُ مراجع الشيعة المعاصرين وهو السيد محمد حسين فضل الله، وذلك من جهة النقل والعقل؛ حيث قال: «أنا من الأساس لم أقل: إنه لم يكسر ضلع الزهراء عليها السلام، وكُلُّ من ينسب إليَّ ذلك فهو كاذب، أنا استبعدت الموضوع استبعاداً، رسمت علامة استفهام على أساس التحليل التاريخي، قلت: أنا لا أتفاعل مع هذا؛ لأن محبة المسلمين للزهراء عليها السلام كانت أكثر من محبتهم لعلي وأكثر من محبتهم للحسن والحسين، وفوقها محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: إنه من المستبعد أن يُقْدِمَ أحدٌ على فعل ذلك، مع الإقرارِ بوجودِ نوايا سَيِّئة ومُبيَّتة، ليس لبراءة فلانٍ من الناس، بل خوفاً من أن يهيج الرأي العام الإسلامي، وفي هذا المجال هناك روايات مختلفة، فبعضهم يقول: دخلوا المنزل، والبعض الآخر يقول: لم يدخلوا، فقلت: أنا أستبعد ذلك ولا أتفاعل مع الكلمة نفسها، وضَجَّت الدنيا وانقلبت السموات على الأرض، وبدأت تُنسج الأقوال وتتفشى عند البعض»([13])اهـ.
فأنت تلحظ أنه استبعد القضية من جهة العقل -إضافة إلى اختلاف الروايات- وذكر أن مكانة الزهراء رضي الله عنها عند الصحابة رضي الله عنهم تنافي مثل هذا القول، فلا يمكن أن يَسكت الصحابة لو حصلَ شيءٌ من ذلك، ولاسِيَّما مع عظم محبتهم لها ولأبيها صلى الله عليه وآله وسلم.. وإن كنا لا نوافق هذا المرجع الشيعي في تعريضه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وملخص القول: أن من عرف حَثَّ الإسلام على الدفاع عن الأعراض، وعرف شجاعةَ عليٍ رضي الله عنه وأنفته، عَلِمَ بُطلانَ أمثال هذه القصص، ناهيك عما عُرف عن بقية الصحابة الذين كانوا يُجلِّون الزهراء ويبذلون الأرواح دونها..
ويقال ثالثاً: إن من تأمل ثناء عليٍّ على عمرَ رضي الله عنهما علم بطلان هذه القصص، إذ لا يمكن الثناء عليه بالتقوى والورع والموت على الإيمان لو صحت هذه القصص.
يقول علي رضي الله عنه واصفاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في (نهج البلاغة): «لله بلاء فلان([14]) لقد قَوَّمَ الأَودَ، وداوى العَمَدَ([15])، خَلَّف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نَقِيَّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال، ولا يستيقن المهتدي»([16]).
فهذه شهادة من أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه بأن عمر رضي الله عنه ذهب نقيَّ الثوبِ قليلَ العيبِ، ولو أنَّ عمرَ ضرب الزهراء وكسر ضلعها لما وصفه الإمامُ عليٌّ بهذا الوصف.
وجاء في (نهج البلاغة) أيضاً أن علياً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لما شاوره في الخروج إلى غزو الروم: «إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفةٌ دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجعٌ يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً مجرّباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت رِدءاً للناس ومثابةً للمسلمين»([17]).
وهذا من أعظم الأدلة على تعظيم عليٍّ لعمرَ رضي الله عنهما ومعرفته لقدره، وحرصه على حياته، ويكفي قوله: « ليس بعدك مرجعٌ يرجعون إليه».
بل قال علي رضي الله عنه فيه وفي صاحبه الصديق رضي الله عنهما: «لعَمْرِي إنّ مكانهما في الإسلام لعظيمٌ، وإن المصاب بهما لجرحٌ في الإسلام شديد، فرحمهما الله وجزاهما أحسن ما عملا»([18]).
فهذه نبذة يسيرة من المناقب، ولو أُحصيت لبلغت المجلدات..
وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه لم يقتصر على هذه الثناء فحسب بل سمى أحد أبنائه رضي الله عنهما (عمر)، وزوج ابنته أم كلثوم رضي الله عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما سيأتي بيانه.
والمؤسف أن الشيعة لم يرضهم هذا الكلام؛ إذ هو عقبة أمامهم، وهذا ما دفع الشيخ ميثم البحراني لأن يقول: «واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالاً، فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين -يعني: أبا بكر وعمر- تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهما وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأً»([19]).
ونقول: بل إن هذا هو كلامه، فهو في كتاب لا شك في صحته عند الشيعة، فلم يبق إلا الاحتمال الآخر.
فهذا الثناء يدل دلالة قاطعة على بطلان تلك المزاعم بضربه لفاطمة وكسره ضلعها، وإلا لم يستحق هذا الثناء.
ثم إن القول بعدم ضربها هو الحق، وفيه اطمئنان لقلب من يعتصر قلبه لضربها، ويود أنها لم تضرب بناءً على ما توهمه، وفيه مدحٌ لأمير المؤمنين عليٍ رضي الله عنه ووصفه بالشجاعة وعدم الجبن، وفيه سعادة القلب وطمأنينته وأنسه وراحته، ونحن -ولله الحمد- نفرح بهذا، ونُقرُّ به ونعتقده، والذين في قلوبهم بغض للصحابة يأبون إلا أن فاطمة رضي الله عنها أوذيت وظلمت، ولم يوجد لها ناصر ولا معين، وكأنه لا زوج لها ولا عشيرة.
وأما قضية فدك فنجمل الكلام في الآتي:
أولاً: أن أصل الحديث صحيحٌ دون ما وقع من زيادات لا صحة لها؛ فأبو بكر رضي الله عنه لم يعط فدكاً لفاطمة رضي الله عنها، لأنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّا لا نورث، ما تركنا فهو صدقة»([20])، وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر»([21]).
وقد وجدت عليه فاطمة رضي الله عنها في ذلك وهجرته، فلم تكلمه حتى ماتت([22]).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في توجيه اجتهادها: «وأما سبب غضبها [أي فاطمة رضي الله عنها] مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور، فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: (لا نورث) ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك»([23]).
وعدم كلامها له إنما هو في شأن الإرث، فلم تكلمه فيه حتى ماتت، وليس فيه دلالة على عدم كلامها له ألبتة، وإن كان فحسبه أنه عمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أنه دخل عليها فترضاها فرضيت([24]).
هذا هو القدر الثابت من الحديث، وأما ما يروى من خروج فاطمة رضي الله عنها ووقوفها على مجامع الرجال وغير ذلك، فلم يثبت فيه حديث صحيح، والعقل يستبعده كما سبق ذكره في مظلومية الزهراء رضي الله عنها.
والعجيب أن الرواية الثانية وهي قوله: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، رواها الشيعة في كتبهم عن جعفر الصادق رضي الله عنه([25])، ولكنَّ علماءهم أعرضوا عنها وتناسوها، فهل أعرضوا عنها لضعفها؟!
لا.. بل قد صححها بعض كبار علمائهم كالمجلسي والخميني!!
فالمجلسي قال عن هذا الحديث: «..له سندان: الأول: مجهول، والثاني: حسن أو موثق لا يقصران عن الصحيح»([26]).
وأما الخميني فقال: «رجال الحديث كلهم ثقات، حتى إنّ والد علي بن إبراهيم (إبراهيم بن هاشم) من كبار الثقات المعتمدين في نقل الحديث، فضلاً عن كونه ثقة..»([27]).
فهذه الرواية لا تحتاج إلَّا إلى تدبُّرٍ يسيرٍ وبُعْدٍ عن الهوى،، إذ صَرَّح النبي صلى الله عليه وسلم فيه بأنَّ الأنبياء لم يورثوا قليلاً ولا كثيراً من المال، وإنما ورثوا العلم..
ثانياً: أن عمر وعثمان وعلياً والحسن رضي الله عنهم تولوا الخلافة بعد ذلك، فلم يعط أحدٌ منهم شيئاً لورثة فاطمة رضي الله عنها، ولو كان ثمة حق لها فإنه لا يبطل بِمَرِّ السنين([28])، وهذا يرد على من زعم ضعف الحديث واختلاقه.
ثالثاً: وأيضاً لو ورث النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أحدٌ لورثه أزواجه وعمه العباس رضي الله عنه، وكل هؤلاء لم يعطوا شيئاً، فَلِمَ حُصرت القضية في فاطمة رضي الله عنها؟!! ولِمَ لَمْ يطالب البقية بإرثهم لو صح ما يذكرونه من قضية فدك؟!
رابعاً: إن قيل: بأن سليمان عليه السلام ورث داود عليه السلام بنص القرآن، كما قال سبحانه: ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) [النمل:16].
فالجواب عن هذا:
أن المراد إرث النبوة لا المال، فسليمان عليه السلام له إخوة من أبيه، فلا يمكن أن يرث المال وحده، ثم إنه من البدهي إرث كل ابن من أبيه، فلو كان المراد إرث المال، فما الفائدة من ذكره؟! ونحو هذا يقال في قوله سبحانه: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) [مريم:6].
خامساً: أن فاطمة رضي الله عنها أمرت بأن تغسلَها زوجةُ أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وهي أسماء بنت عميس، التي تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد ذلك، كما أمرت أن تُدفن حيث لا يراها الرجال الأجانب؛ وذلك لشدة حيائها، وقد قامت أسماء بنت عميس على تمريضها، وشاركت في غسلها، ثم دفنت ليلاً([29])، ولا يمكن أن تمرضها وتغسلها إلا بإذن زوجها -الصديق- وعلمه([30]).
المبحث الرابع -عمر وزواجه من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب جرى حوار بيني وبين أحد الشيعة حول قضية تسمية أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه أحدَ أبنائِه (أبا بكر)، وآخر (عمر)، وآخر (عثمان)، وكلهم قُتِلَ مع الحسين رضي الله عنه في كربلاء([31]).
وكذا فعل عددٌ من الأئمة، فقد سمى الحسنُ والحسينُ أبناءهما باسم (أبي بكر) و(عمر)، وكذا عليُّ بنُ الحسين سمى باسم أبنائه (عمر) و(عثمان)، وكان يحب أن يكنى بـ(أبي بكر)، وكذا الكاظمُ سمى باسم (أبي بكر) و(عمر)، وكان الرضا يحب أن يكنى بـ(أبي بكر)..، وغيرهم كثير وليس هذا مجال حصره([32]).
فلماذا هذا التكرار العجيب؟! ألا يدل دلالة قوية على عظم المحبة؟!
فرد عليَّ قائلاً: ليس في هذا دلالة على المحبة.
فقلت له: إذن فسم ابنك باسم شارون إن كنت صادقاً!
فقال: هذه أسماءٌ أعجميةٌ ولو كانت عربيةً لسميت بها!
فقلت له: وهل ترضى أن تسمي ابنك باسم أبي لهب، أو غيره من صناديد قريش؟! فصمت ولم يجب..
قلت له: دع عنك هذا، وأخبرني: لم زَوَّجَ أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه ابنته أم كلثوم لعمر رضي الله عنه؟ هل كان عليٌّ رضي الله عنه يجهل ما عمل عمر رضي الله عنه من ضربٍ وإيذاءٍ لأمها فاطمة رضي الله عنها، ولهذا زَوَّجَه ابنته؟!.
يا تُرى! هل كان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يجهل أعمال هؤلاء التي نسجها القصاصون بعد ذلك، أم أن علياً رضي الله عنه كان يريد التزلف والتقرب من الطغاة، حاشاه وحاشاهم رضي الله عنهم.
قال: لا يصح هذا الزواج كما قال العلماء..
وهذه حِيلةٌ من أراد التخلص من مثل هذه القضية، فتجده يتبرأ مباشرة منها لعلمه بأنها تدل على قوة الأواصر والمحبة بينهم.
وأحاديث تزويج علي رضي الله عنه ابنته لعمر رضي الله عنه روتها كتب الشيعة، بل وصححها بعض علمائهم الكبار؛ فإن المجلسي -وهو من أكبر علماء الشيعة في القرون المتأخرة- ذكر في كتابه: (مرآة العقول) بأن أحاديث تزويج علي ابنته أم كلثوم بعمر بن الخطاب صحيحةٌ لا شكَّ فيها، وقد ذكر الأحاديث التي أوردها صاحبُ (الكافي) ثم حكم على الأول والثاني بأن درجتهما حسن([33])، والثالث بأن درجته موثق، والرابع بأن درجته صحيح([34]).
وقد ذكر المجلسي إنكارَ المفيدِ لهذا التزويجِ، ثم قال: (.. وكذا إنكارُ المفيدِ (ره) أصلَ الواقعة إنما هو لبيانِ أنه لم يثبت ذلك من طرقهم، وإلا فبعد ورود تلك الأخبار وما سيأتي بأسانيد أن علياً رضي الله عنه لما توفي عمرُ أتى أمَّ كلثومَ فانطلق بها إلى بيته، وغير ذلك مما أوردتُه في كتابِ بحارِ الأنوار، إنكارُ ذلك عجيبٌ، والأصلُ في الجوابِ هو أن ذلك وقع على سبيل التقية والاضطرار، ولا استبعاد في ذلك.. إلخ)([35]).
ولا أظن المفيد يجهل مثل هذه الأحاديث، ولكنه وقع في معضلة لابد له أن يتخلص منها؛ إذ كيف يزوج عليٌ رضي الله عنه ابنته أم كلثوم رضي الله عنها لطاغوت منافق! ولا يمكن لرجل عاقل تزويج ابنته لرجل بهذه المثابة مهما كانت الأمور، فضلاً عن علي رضي الله عنه.
أما المجلسي فإنه أثبت هذا الزواج؛ بناءً على صحة هذه الأحاديث، ولكنه يقول: إنه زوَّجه تقيةً واضطراراً..
ولا تدري من أيهما تعجب!
أَمِنْ إِنكارِ أحاديثٍ ثابتةٍ والتعامي عنها، أم من جعل الأعراض بهذه المثابة؟! فهل وصل أمر الأعراض عند علي رضي الله عنه إلى هذه الدرجة من المهانة حتى يزوجه تقية واضطراراً؟!
وهل هذه هي قيمة بنت فاطمة رضي الله عنها عند الشيعة حتى تُجعل عند طاغوت منافق تقية واضطراراً!!
ولعلهم معذورون جميعاً فيما ذهبوا إليه؛ فالإقرار بصحة الزواج وأنه لا يمكن تزويج غير المؤمنين يصعب عليهم الإقرار به، ولكن ماذا نفعل إذا كانت هذه هي الحقيقة، وهذا هو الواقع؟!.
وإذا كان بعض الشيعة يستدلون على إيمان أبي طالب بأن زوجته مؤمنة والكافر لا يتزوج مؤمنة، مع أن التحريم جاء متأخراً ولم يكن في أول الإسلام، وكان جائزاً في شرع من قبلنا بدليل كفر امرأتي نوح ولوط عليهما السلام، فإنه عندما يأتي مثل زواج عمر بأم كلثوم ينسون أو يتناسون ما استدلوا به على إيمان أبي طالب.
وخلاصة القول: أن هذا هو قول علي رضي الله عنه وفعله وصنيعه، ولم يبق على من يريد الحق إلا أن يزيح عن عينيه غشاوة التقليد ويبصر حقيقة الحال، والله الهادي إلى سواء السبيل.
المبحث الخامس -شبهة حول زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يريد الزواج بالبحث عن امرأة صاحبة دين وخلق، فكما أن الزوج يبحث عن امرأة سليمة من العيوب الخَلْقِيَّة والأمراض العضوية كمرض السرطان مثلاً، فكذلك ينبغي أن يبحث عن صاحبة الدين والخلق.
قال تعالى: ((الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) [النور:3].
ولو تزوج الرجل امرأة صالحة، ثم ارتدت عن الإسلام، لوجب عليه طلاقها، وكذا إن زنت والعياذ بالله، وأما سائر المعاصي فلا يسلم منها أحد، ومن تابَ تاب الله عليه.
ومن المحزن أن نفترض لأنفسنا الزواج من امرأة كفؤ ومن بيت كريم، وفي المقابل ننسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزواج من امرأة منافقة أو كافرة أو رأسٍ في الفتنة، ويَعلم ذلك من حالها، ثم يبقيها معه حتى يموت، وكأننا ننزه أنفسنا عما لا ننزه عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل وما لا ننزه عنه ربنا سبحانه وتعالى حيث رضيها لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم؟!
ولم أكن أصدق أن يعتقد أحد مثل هذا الكلام حتى قرأت قول بعضهم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى حجرة عائشة، عنها فقال: «ألا إن الفتنة هاهنا» ([36])!!
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أشار إلى جهة المشرق، فانظر كيف وصل بهم الحال إلى النيل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن زوجه، وهل يعقل أن يمسكها لو كانت كذلك؟ ولو قُدِّر وجاءه أولادٌ منها فهل سيكون أبناؤه صلى الله عليه وآله وسلم من أُمٍ هي رأسٌ في الفتنة والنفاق؟!!
والزواج من المشركة لا يجوز في شريعة الإسلام، وإن كان جائزاً في شريعة الأنبياء السابقين كحال لوطٍ ونوحٍ عليهما السلام، وأما فرش الأنبياء جميعاً فهي محفوظة، وأعراضهم لا شك مصونة.
ألا يحق لنا بعد ذلك أن نقول: إن الطعن في بعض زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم طعن فيه؟!!
لقد خَيَّر الله نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين اختيار الآخرة والبقاء مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبين اختيار الدنيا ومفارقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ لذا لم يطلّق النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً منهن، قال سبحانه: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً)) [الأحزاب:28] ((وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً)) [الأحزاب:29].
ولو لم يحصل مقتضى هذا التخيير لكان عبثاً، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، فأبقاهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه إلى أن مات عليه الصلاة والسلام.
-----------------
([1]) البخاري: (6097).
([2]) البخاري: (6215).
([3]) البخاري: (6215).
([4]) البخاري: (6215).
([5]) البخاري: (6215).
([6]) انظر: كتاب انتصار الحق مناظرة علمية مع بعض الشيعة الإمامية: (442).
([7]) الخصال: (640)، البحار: (22/305)، حدائق الأنس: (200).
([8]) صحيح البخاري: (3518).
([9]) انظر على سبيل المثال: كتاب ثم اهتديت: (114). بل صرح التيجاني – عياذاً بالله – بنفاق خاصة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير...، وذلك في كتابه: مؤتمر السقيفة.
([10]) البداية والنهاية: (4/29)، منهاج السنة: (4/169). نعم.. ثبت أن عمر قعد في مكانه لما أشيع موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك من هول الصدمة، لكنه عاود القتال لما نادى بعضُ الصحابة: موتوا على ما مات عليه..، فالقعودُ لفترةٍ يسيرةٍ شيءٌ، والفرارُ شيءٌ آخر.
([11]) البداية والنهاية: (4/380).
([12]) البخاري: (2348)، مسلم: (141)، وأيضاً: الكافي: (5/52)، (7/296) من لا يحضره الفقيه: (4/96).
([13]) الزهراء المعصومة، أنموذج المرأة العالمية: (ص55 - 56).
([14]) ورويت: (لله بلاد فلان). قال ابن أبي الحديد: سألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي؟ فقال لي: هو عمر. فقلت له: أيثني عليه أمير المؤمنين ÷ هذا الثناء؟ فقال: نعم، أما الإمامية فيقولون: إن ذلك من التقية واستصلاح أصحابه، وأما الصالحيون من الزيدية فيقولون: إنه أثنى عليه حق الثناء، ولم يضع المدح إلا في موضعه ونصابه، وأما الجارودية من الزيدية فيقولون: إنه كلام قاله في أمر عثمان أخرجه مخرج الذم له والتنقص لأعماله، كما يمدح الآن الأمير الميت في أيام الأمير الحي بعده، فيكون ذلك تعريضاً به. فقلت له: إلا أنه لا يجوز التعريض والاستزادة للحاضر بمدح الماضي إلا إذا كان ذلك المدح صدقاً لا يخالطه ريب ولا شبهة، فإذا اعترف أمير المؤمنين بأنه أقام السنة وذهب نقي الثوب قليل العيب وأنه أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه، فهذا غاية ما يكون المدح، فيه إبطال قول من طعن على عثمان بن عفان، فَلَم يُجِبْنِي بشيء، وقال: هو ما قلت لك. ا.هـ [شرح نهج البلاغة: 12/4].
([15]) قوم الأود، أي: قوم العوج، وداوى العَمَد، أي: داوى العلة.
([16]) نهج البلاغة، خطبة: (228)، شرح ابن أبي الحديد: (12/3)، وشرح محمد عبده: (2/222).
([17]) نهج البلاغة، خطبة: (134)، شرح ابن أبي الحديد: (8/296)، وشرح محمد عبده: (2/18).
([18]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: (15/76).
([19])شرح نهج البلاغة لميثم البحراني: (4/98).
([20]) البخاري: (3810) مسلم: (1761).
([21]) الترمذي: (2682)، أبو داود: (3641).
([22]) البخاري: (4240-4241)، مسلم: (1759).
([23]) فتح الباري: (6/202).
([24]) المرجع السابق.
([25]) الكافي: (1/32 – 34)، بحار الأنوار: (2/92، 151).
([26]) بحار الأنوار: (2/...).
([27]) مرآة العقول: (1/111)، الحكومة الإسلامية، تحت عنوان: صحيحة القداح: (ص93).
([28]) منهاج السنة النبوية: (4/220).
([29]) قال المجلسي في بحار الأنوار: ".. وروي أنه لما حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس: " إذا أنا مت فانظري إلى الدار.."، ثم ذكر المجلسي من حضر وفاتها: ".. وأنه لم يحضرها إلا أمير المؤمنين والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس" (30/347-348)، وفي الأمالي للمفيد: (281) قال: "وكان يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس.."، وانظر: الأمالي للطوسي: (109)، كشف الغمة: (2/122-126) (ذكر وفاتها وما قبل ذلك).
([30]) جاء في كشف الغمة: (2/126) أن أسماء منعت عائشة من الدخول على فاطمة بعد موتها، فذكرت عائشة ذلك لأبي بكر، فجاء أبو بكر فوقف على الباب، فقال: يا أسماء ما حالك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.." إلخ. فهذا صريح في علم أبي بكر بوفاة فاطمة رضي الله عنها، وكيف لا يعلم وزوجته عندها؟!
([31]) انظر: الإرشاد: (ص167)، المناقب: (4/112)، الكافي: (1/286)، معجم الخوئي: (13/45).
([32]) الغريب أيضاً أن هذه الأسماء نقلتها كتب الشيعة، فلماذا تخفى عنهم؟!! وانظر مثلاً: مقاتل الطالبيين: (92/453)، المناقب: (4/112، 175)، إعلام الورى: (212، 243)، البحار: (10/250)، (44/163، 168، 169)، (45/36، 63، 67)، التنبيه والإشراق: (263)، كشف الغمة: (2/217، 341).
([33]) مرآة العقول: (20/42) باب تزويج أم كلثوم.
([34]) مرآة العقول: (21/197) باب المتوفى عنها زوجها المدخول بها أين تعتد؟
([35]) مرآة العقول: (20/45) باب تزويج أم كلثوم.
([36]) انظر: الصراط المستقيم: (3 /142)، وصول الأخيار للعاملي (83).
الفصل الرابع - المبحث الأول-الصحابة والنّص على الإمامة قد يقول قائل: ما علاقة موضوع النص والإمامة بموضوع الصحابة؟
والجواب: أن الشيعة يعتقدون أن الله نص على إمامة اثني عشر إماماً([1])، وهذا من أصول الدين وجحده كفر([2])، ولهذا قالوا بارتداد الصحابة لما جحدوا هذا الأصل وبايعوا الصديق رضي الله عنه، وقد أُجبِرَ عليٌّ رضي الله عنه على البيعة وأكره عليها.. إلخ.
فهل كان علي رضي الله عنه يرى النص على الإمامة؟ وهل يعتقد في الإمامة ما يعتقده الشيعة اليوم؟
لنترك الكلام له رضي الله عنه حيث يقول متحدثاً عن بيعته لأبي بكر رضي الله عنه:
«..فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور، فيسر وسدد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً»([3]).
وهذه الرواية جاء في أولها أن علياً رضي الله عنه امتنع عن المبايعة أول الأمر؛ إما لأنه كان يرى أنه أحق بها لقرابته، أو لأنه يرى أن له حقاً في اختيار الإمام والخليفة، ولكنه بايع بعد ذلك، وأثنى هذا الثناء، ولا يمكن أن يثني هذا الثناء على أبي بكر رضي الله عنه ويشهد له بأنه يسر وسدد وقارب لو لم يكن كذلك.
وقد صرح السيد محمد آل كاشف الغطاء بهذه الحقيقة، فقال: (وحين رأى أن الخليفتين -أعني: الخليفة الأول والثاني- بذلا أقصى الجهد في نشر التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح، ولم يستأثرا ولم يستبدا بايع وسالم)([4]).
وبهذا يظهر فساد القول بمخالفة الصحابة رضي الله عنهم لأمر الله ورسوله، واغتصاب الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم لحق عليٍّ رضي الله عنه وتصرفهم في الأرض بغير وجه حق، وقد رأيت كلام علي رضي الله عنه مع ما سيأتي من ظاهر أحوالهم معه وأحواله معهم، مما ينبئ بخلاف ذلك، فلم يكن يجمعهم سوى المحبة والاحترام وإقرار كل واحد منهم بفضيلة الآخر..
وعلي رضي الله عنه لا يعتقد النص على الإمامة؛ بل كان يرى أن الخلافة الشرعية هي ما تمت بمشورةٍ من المهاجرين والأنصار، وكان يرى شرعية خلافة أبي بكر وعمر، بل وكان يثني عليهما كثيراً..
يقول رضي الله عنه كما في (نهج البلاغة): «إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً، كان ذلك لله رضاً، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى»([5]).
فقد احتج بهذا على معاوية ليلزمه ببيعته، ومبيناً أن الحق هو: أن من بايعه المهاجرون والأنصار تمت بيعته، وكان هذا وفق مرضاة الله سبحانه.
وما كان لمثل علي رضي الله عنه أن يحابي أحداً في دين الله، ولا أن يَستدِلَّ بباطلٍ ليثبت حقاً، ولا أن يتفوه بباطلٍ عمداً مسايرةً لأحد، كيف والشيعة تدعي أنه معصوم، وأنه قمة في الشجاعة؟! رضي الله عنه وأرضاه.
علاوة على ذلك نجد أنه يقول عن بيعة المهاجرين والأنصار: «فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضاً»، وهم ولا شك قد اجتمعوا على بيعته، كما اجتمعوا قبل ذلك على بيعة أبي بكر ثم بيعة عمر ثم بيعة عثمان، وسموا كل واحد منهم: «إمام المسلمين..» بل لم يحصل من الاجتماع عليه كما حصل لمن سبقه.
وجاء في (نهج البلاغة) أيضاً عن علي رضي الله عنه أنه قال: «دعوني والتمسوا غيري..» إلى أن قال: «وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً»([6]).
وهذا القول يدل على عدم النص؛ إذ لو كان هناك نصٌ لم يجز بحال من الأحوال أن يقول هذا الكلام، بل لوجب عليه أن يقول: خير الأمور أن أكون أميراً عليكم؛ إذ مقتضى كونه حكم الله أن يكون خير الأمور، وأن يُظهر النَّص ويصرح به وقت الحاجة، ولاسيَّما والناس يطلبون منه البيعة وهو يعتذر عنها، ولو ساغ له كتم النص أول الأمر، فكيف يصح له في مثل هذا الموقف؟!!
فتبين من هذين النصَّيْن عن علي رضي الله عنه عدم وجود نص على الإمامة..
وقد اشتمل القرآن على أصول العقائد والأحكام -وإن كانت تفاصيلها في السنة المطهرة- ومع ذلك لا نجد من بينها النص على الإمامة نصاً ظاهراً يفهمه كل من قرأ القرآن بلسان عربي مبين، وأما الروايات فكلٌ يستطيع وضع رواياتٍ على ما يريد تفسيراً للقرآن أو غير ذلك، ومن ثَمَّ نحتاج إلى التمحيص ومعرفة الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود.
ثم إن الاستدلال بهذه الروايات لا يستقيم؛ إما لضعفها، وإما لعدم دلالتها، ناهيك عن كون بعضها ينقض بعضاً.
فحديث غدير خم([7])، وما روي فيه من قول بعض الصحابة لعلي رضي الله عنه: «هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» ([8])، يُبْطِلُ الاستدلالَ بما قبله من روايات، كحديث يوم الدار([9])؛ فإن كون هذا الحديث ينص على الإمامة وأنه في هذا اليوم صار مولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ؛ حيث هنأه بعضهم على ذلك، كل هذا يدل على أن الإمامة لم ينص عليها قبل ذلك.
وحديث رزية يوم الخميس([10])، إذا كان من أجل النص على الإمامة يبطل الاستدلال بما قبله من أحاديث، وهكذا..
هذا على فرض التسليم بدلالة الحديث على الإمامة، والحق أنه لا دلالة فيه على ذلك؛ فلفظ المولى هنا معناه المحبة، وذلك كقوله سبحانه: ((فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)) [التحريم:4] ولا يستقيم معنى المولى هنا إلا بجعله بمعنى المحبة المقتضية للنصرة والتأييد؛ ولا يمكن جعل المولى بمعنى الخليفة؛ لأن جبريل وصالح المؤمنين ليسوا خلفاء على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، حيث تجب عليه طاعتهم واتباعهم.
ومثل هذا أيضاً يقال في قوله سبحانه: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:55] فإن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأنه أمير على عباده، بل هو ربهم وخالقهم وإلههم، وكذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يقال بأنه أمير عليهم، وإنما هو نَبِيٌّ تجب طاعته، وطاعته طاعة لله سبحانه وتعالى.
وأيضاً فما روي عن بعض الصحابة من قوله: «اليوم أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن» يدل على أن المراد هو المحبة؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يكون خليفة على المسلمين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم، وقوله: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»([11]) يفسر بعضه بعضاً، حيث جعل العداوة في مقابل الموالاة.
أضف إلى ذلك أن لفظ «المولى» له معانٍ كثيرة جداً، ولو أراد النص على الإمامة لذكره بنصٍ صريحٍ يرفع النزاع ويحسم مادة الخلاف.
وهنا مسألة أختم بها هذا الحديث: وهي أن غديرَ خمٍ مكانٌ بالقرب من المدينة، حيث خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمن بقي معه من أهل المدينة ومن كان في طريقهم، وسببُ هذه الخطبة أن بعض الصحابة وجد في نفسه على علي رضي الله عنه لما شدد عليهم في قسمة الغنائم في اليمن، فأتى مشتكياً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فخطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الخطبة مشيراً إلى وجوب محبة علي رضي الله عنه ([12])، ولو أراد أمراً كالإمامة، لخطب به في مجمع الحجيج قبل تفرق الناس عنه كأهل اليمن ونجد والبحرين وغيرهم..
وحديث المنزلة([13]) -وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»- يكفي في ردِّ الاستدلال به على الإمامة ورود حديث الغدير بعده، مع أنه لا يفيد إلا تشبيه استخلاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي على المدينة باستخلاف موسى عليه السلام لهارون عليه السلام على قومه، ولو أراد بذلك الخلافة بعد موته لشبَّهَهُ بيوشع عليه السلام؛ فإنه استُخلِف على بني إسرائيل بعد وفاة موسى عليه السلام، وهارون توفي في حياة موسى عليهما السلام.
ومن جعل التشبيه في الحديث تشبيهاً مطلقاً لزمه أن يجعل التشبيه شاملاً للنبوة زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا غير مراد قطعاً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث قال: «إلا أنه لا نبي بعدي».
وهذه لطيفة لغوية هامة توضح المراد من الحديث، وأنه لا يراد به التشبيه الكلي، فلم يقل أحدٌ بأن علياً رضي الله عنه كان نبياً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أن هارون عليه السلام كان نبياً مع موسى عليه السلام، فدل على أن المراد بقوله: « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » تشبيه استخلاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي على المدينة، باستخلاف موسى لهارون لما ذهب لميقات ربه.
ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا الكلام تطييباً لخاطر علي رضي الله عنه لما استخلفه على المدينة، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه، فحزن علي رضي الله عنه ولحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فطيب خاطره بهذا الكلام وأرجعه إلى المدينة([14]).
والمقصود أن الاستدلال بهذه الروايات لا يسلم من معارض، فضلاً عن كون بعض الروايات أو الألفاظ ضعيفاً أو موضوعاً..
ويكفينا قول علي رضي الله عنه: «وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضاً..»([15]).
بقي مسألة مهمة: وهي قول بعض الشيعة: إن علياً رضي الله عنه ترك حقه -يعني: الخلافة- ولم يقاتل عليها الخلفاء الذين قبله، وكذلك لم يدافع عن بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة الزهراء رضي الله عنها؛ لأنه خشي أن يضيع الإسلام، أو حفاظاً على بيضة الإسلام، ونحو ذلك!!
وهذا القول لا شك أن قائله لم يعقل ما يقول، وإلا لم تفوه به، فلو كانت الإمامة ركن الإسلام الأعظم، فماذا بقي في الإسلام حتى يخشى عليه؟! ولو كان سيترك ما يراه حقاً لم يبرز لمعاوية ولا لغيره!!
بل كان رضي الله عنه لا يخشى في الله لومة لائم، وما كان لمثله أن يسكت عن فرع من فروع الدين لو أجمع الناس على تركه، فكيف بركن من أركانه؟!
كيف وهو القائل كما في النهج: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصرٌ جنده..»([16])؟!
فلو كانت إمامته من أركان الدين لم يتوانَ عليٌّ رضي الله عنه في طلبها، إذ الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين، فليس العبرة بالكثرة ولا بالقلة، ولكن الحقيقة التي لا تخفى أنه بايع طائعاً مختاراً عالماً، وشارك معهم في جهادهم وفتوحاتهم ونشرهم للإسلام.
وحرب أمير المؤمنين عليٍ رضي الله عنه مع معاويةَ وطلحةَ والزبيرِ رضي الله عنهم لم تكن من أجل الإمامة، ولا شك أن علياً رضي الله عنه وطائفته كانوا أولى بالحق من طائفة معاوية رضي الله عنه، وطائفة معاوية هي الطائفة الباغية، ومع ذلك وصفهم الله جميعاً بالإيمان، كما قال سبحانه: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)) [الحجرات:9] فسمى الله الفئة الباغية مع ذلك مؤمنة كما هو ظاهر في الآية..
فالقتال الذي حصل بينهم إنما هو قتالٌ بسبب التأوُّلِ في دمِ عثمانَ رضي الله عنه، ولم يكن بسبب العداوة في الدين، فأمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه كان يقول: لا بد من مبايعة جميع المسلمين ثم بعد ذلك نقتص من قتلة عثمان، ومعاوية كان يقول: لا نبايع إلا بعد الاقتصاص من قتلة عثمان، فهذا هو سبب قتالهم([17]).
وهذا ما كان يصرح به عليٌ رضي الله عنه، فقد كان يقول -كما في (نهج البلاغة)- ذاكراً فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين: «وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء»([18]).
وإلا هل يعقل أن يتنازل سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما لعدو الإسلام والمسلمين كما يزعم البعض؟!!.
وهل يعقل أن يقول عن شيعته الذين شنعوا عليه لَمّا صالح معاوية: «أرى والله معاويةَ خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثَقَلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي، خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي»([19]).
ولا شك أن سيدنا الحسن رضي الله عنه قد فعل ما هو الأصلح له وللأمة حين تنازل عن الخلافة، لحديث: «إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ([20]).
وكذا عمل الأصلح سيدنا الحسين رضي الله عنه لما صبر طيلة فترة معاوية رضي الله عنه ولم يخرج عليه، حتى تولى يزيد ابنه فخرج عليه، ويزيد كما هو معلوم ليس بصحابي..
فمما سبق يتضح لك لِمَ تنازل الحسنُ لمعاويةَ رضي الله عنهما، وكذا الحسين رضي الله عنه لِمَ لم يخرج في زمن معاوية، بل كان مطيعاً له تابعاً لإمرته، فلما ولي يزيد خرج عليه ولم يبايعه..
وأمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه يقول: «هم إخواننا بغوا علينا»([21]). فوصفهم بما وصفهم الله جل وعلا به في قوله: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)) [الحجرات:9].
وكان رضي الله عنه ينهى عن السب والشتم واللعن، حيث قال لشيعته كما في (نهج البلاغة): «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين»([22])، فالمسلم لا يكون سباباً ولا لعاناً، ومعلوم أن اللعّانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة.
والمحزن هو انشغال بعض الشيعة هداهم الله بالشتمِ واللعنِ والسبِّ بدل انشغالهم بما ينفعهم في الآخرة من التسبيح والتحميد والتهليل.
فرحم الله الصحابة وآل البيت أجمعين، ورضي عنهم وأرضاهم، وجمعنا بهم في جنات و، في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
المبحث الثاني -الإمامة بين النص والعقل والواقع
تبين مما سبق عدم وجود نص على الإمامة، ولا شك أن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح.
فهل القول بالإمامة يوافق العقل ويطابق الواقع أم لا؟
أما من جهة العقل فإن قيام المصاهرات بينهم، وتسمية أبنائهم بأسماء بعض، وثناء بعضهم على بعض أعظم دليل على عدم الإمامة.
ومن جهة أخرى فإن الأئمة -عند الشيعة- معصومون، ويتعاملون بالتقية عند الخوف على أنفسهم وأتباعهم([23])، وهاتان قضيتان متنافيتان متضادتان، وكذلك فإن تمييز التقية لا يمكن.
ولا شك أن ضبط ما قيل تقية من غيره متعذر، ولنا أن نسأل المراجع بالذات: هل يوجد لديكم ضابط يستطيع به طلاب العلم والحوزات والمثقفون أن يفرقوا بين ما قاله الأئمة على وجه التقية، وما قالوه على وجه الحقيقة، خاصة وأن العلماء أنفسهم اختلفوا في مسائل بسبب اختلافهم في هذه الرواية أو تلك هل قيلت على وجه التقية أو الحقيقة، فضلاً عن غير العلماء؟!!
ثم يقال: هل التقيةُ حالَ الضرورة جائزةٌ أم لا، وهل المعصومُ تجوز عليه التقية؟
والجواب: أن التقية حال الضرورة جائزةٌ لغير المعصوم؛ ودليل هذا ما حصل لعمارٍ رضي الله عنه عندما آذاه المشركون فتكلم بما يرضيهم حتى يتركوه، فلما تركوه وذهب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «إن عادوا فعد»([24]).
أما المعصوم، فإنه لا تجوز له التقية بحال من الأحوال.. لأن مقتضى العصمة هو عدم الغلط في تبليغ هذا الدين، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، كما قال سبحانه: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى)) [النجم:3] ((إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم:4] ويترتب على هذا أن كل ما يقوله من أمور الدين حقٌ ووحيٌ وتشريعٌ، ولهذا لا يمكن أن يكذب حتى في حال الضرورة، وهذا معنى كونه معصوماً.
وتجويز الكذب عليه في الدين حتى حال الضرورة تجويزٌ للكذب على الله سبحانه، ولهذا لما سأل أحدُ الصحابة النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: هل يكتب كلَّ ما يقول حتى في حال الغضب؟ قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « اكتب فإني لا أقول إلا حقاً»([25])..
وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل: «بئس أخو العشيرة؛ فلما دخل عليه هَشَّ في وجهه وابتسم»([26])، فهذا ليس تقيةً؛ لأن التبسم في وجوه الناس خلقٌ إسلاميٌ رفيعٌ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل له: أنت نعم أخو العشيرة، وإلا لعد كذباً في حقه.
وعليه فإنَّ كَونَ المعصوم لا يكذب أبداً أمرٌ لا غبار عليه، ولا مرية فيه، وإنما جَعَلَ الشيعةُ علياً رضي الله عنه معصوماً، لما فوجئوا بكلام له رضي الله عنه يصادم عقائدهم ويهدمها، فلجئوا للقول بالتقية، فكيف يجتمع عقلاً القول بالعصمة والتقية؟!!. اللهم إلا إذا عاش السمك والضب معاً في مكان واحد..
والحقُّ أن الأئمة كانوا لا يخشون أحداً إلا الله، ولا يتقون أحداً من الناس، ويدل لهذا حديث الخواتيم، فقد روى علماء الشيعة -كالكليني في الكافي- هذا الحديث، وفيه: (أن كل إمام فَضَّ الخاتمَ الخاص به في أول إمامته، ولما فتح الباقرُ خاتَمه وجد فيه: «فسِّر كتاب الله تعالى، وصدِّق أباك، وورِّث ابنك، واصطنع الأمة، وقم بِحَقِّ الله عز وجل، وقل الحق في الخوف والأمن، ولا تخش إلا الله» ففعل)([27])، ثم ذكر في الرواية التي تليها نحو هذا عن الصادق رحمه الله.
فالرواية تشير بوضوح إلى أن الباقر والصادق رحمهما الله لم يكونا يتقيان أحداً من الناس، وإنما كانا يقولان الحق في الخوف والأمن ولا يخشيان إلا الله.
ولعمر الله لقد صدق ميثم البحراني حين قال: «إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين -يعني: أبا بكر وعمر- تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهما وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأً»([28]).
ولم يجعل هذا على سبيل التقية كما قال غيره، وإنما جعله محتملاً لأحد أمرين: إما أن لا يكون من كلامه، وإما أن يكون إجماع الشيعة خطأً.
وقد صرح عدد من علماء الشيعة بأن كتاب: (نهج البلاغة) لا شك في نسبته إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ([29])، فلم يبق إلا الأمر الآخر، وهو أن ما أجمع عليه الشيعة هو الخطأ..
وبهذا يتبين من جهة العقل بطلان القول بالنص على الإمامة.
وأما من جهة الواقع: فإن الشيعة يعتقدون عصمة الأئمة الاثني عشر، وأنه يجب تنصيبهم للخلافة، وأن خلافة من سواهم باطلة؛ لأن غير المعصوم لا يؤمن عليه الغلط في تبليغ هذا الدين فكيف يصلح لخلافة المسلمين؟! فكان وجود المعصومين إلى يوم القيامة أمراً لازماً لحفظ الدين.. إلخ.
فأقول:
هذه القضية لو سلمنا بها فإنها قضية خيالية، وموجودة في الذهن فقط ولا وجود لها في الخارج -أي: في الواقع-.
فإننا نشاهد أن الإسلام باقٍ -بحمد الله- إلى يومنا هذا، ولا معصوم بيننا يمكن مشاهدته والرجوع إليه، وإنما اعتماد الأمة على علمائها، سواء عند السنة أو الشيعة.
فإذا صح اعتماد الأمة على اجتهاد العلماء وعلى نقلهم ما يزيد على ألف سنة، فمن باب أولى أن يصح اعتمادها عليهم قبل ذلك، أي: من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، وهذا هو الواقع الذي عليه الجميع وإن كابر البعض.
فكما يصح الاعتماد على اجتهاد العلماء على وفق الدليل، فكذلك يصح الاعتماد على اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم على وفق الدين، بل هو أولى؛ فهم نقلة الكتاب والسنة بلا واسطة، وأعرف بلغة العرب ولهجاتها، وعايشوا التنزيل وشهدوا الوقائع، فإدراكهم أقوى من إدراك من جاء بعدهم بلا نزاع.
وكما يصح عند الشيعة الاعتماد على نقل الرواة عن الأئمة، فصحة الاعتماد على نقل الصحابة ومن بعدهم من الرواة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من باب أولى، فكلهم غير معصوم؛ فضلاً عن كون الصحابة مقطوعاً بعدالتهم في النقل كما سبق، وأما غيرهم فلا؛ ففيهم العدل وغيره، بل فيهم كذابون وزنادقة..
وإذا صححنا حكم بعض الحكومات المعاصرة وهم غير معصومين، فتصحيح خلافة الصحابة وهم غير معصومين من باب أولى.
وخلاصة القول: أن دين الإسلام دين موافق للعقل ولواقع الناس، والقول بالنص على الإمامة لا يمكن تطبيقه في الواقع، وإنما هو مجرد نظرية في الذهن يستحيل تطبيقها والعمل بها.
ولكن لا شك أن هناك من يستفيد من هذه النظرية وينافح عنها من أجل مصالحه الدنيوية، فمن هذه المصالح: الأموال الطائلة التي تؤخذ بغير حق باسم الأئمة المعصومين منذ مئات السنين، وتؤخذ من متوسطي الحال ومن الفقراء، بل وتؤخذ ممن ينتسب إلى آل البيت أنفسهم بدلاً من أن يعطوا إياها، والله أعلم أين تصرف وأين تذهب هذه الأموال..
ومن المصالح أيضاً: تلك القداسة التي افترضها أصحابها وترفعوا بها عن الناس، وتلك المناصب والحكومات الدنيوية التي تخالف ما ينظِّره أصحابها من بطلان كل خلافةٍ وحُكمٍ غير حكم الأئمة المعصومين..
فنسأل الله تعالى أن يهدينا للرشاد، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وألا يجعله ملتبساً علينا فنضل، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
-------------
([1]) وهم: علي ثم الحسن ثم الحسين رضي الله عنهم، ثم تتسلسل الإمامة في أبناء الحسين: علي بن الحسين (زين العابدين) ثم محمد (الباقر) ثم جعفر (الصادق) ثم موسى (الكاظم) ثم علي (الرضا) ثم محمد (الجواد)، ثم علي (الهادي) ثم الحسن (العسكري) ثم محمد (المهدي المنتظر عند الشيعة)، وقد أثبت عدم وجوده أصلاً بعض الشيعة كأحمد الكاتب في كتابه: تطور الفكر السياسي الشيعي.
وقد ذكر الخوئي عدم وجود رواية صحيحة تنص على أسماء الأئمة كما في صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات: (2/452).
([2]) يقول الصدوق كما في الاعتقادات (103) ما نصه: "واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من بعده عليهم السلام أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله".
([3]) شرح النهج لابن أبي الحديد: (6/95)، البحار: (33/568)، الغارات للثقفي: (2/305 - 307).
([4]) انظر: أصل الشيعة الاثني عشرية وأصولها: (123-124).
([5]) نهج البلاغة، خطبة (6)، شرح ابن أبي الحديد (14/35)، شرح محمد عبده: (3/7)، البحار: (32/368)، (33/77).
([6])نهج البلاغة خطبة (93)، بحار الأنوار (32/35، 36) (33/116)، شرح ابن أبي الحديد ( / )، شرح محمد عبده ( / ).
([7]) أصل الحديث في صحيح مسلم: (2408)، وأما الزيادات عليه فجلها ضعيف. وانظر: الكافي: (1/289).
([8]) مسند الإمام أحمد: (18011)، والحديث ضعيف، فيه علي بن زيد بن جدعان، ضعفه النسائي: (السنن:7/29) والدارقطني: (السنن:1/77)، وانظر: مشكاة المصابيح: (6094). وهو في البحار: (37/159).
([9]) مسند الإمام أحمد: (885)، وأيضاً: بحار الأنوار: (18/178)، والحديث مكذوب، قال عنه الألباني: موضوع، السلسلة الضعيفة: (4932) .
([10]) البخاري: (5669)، مسلم: (1637). وانظر: وسائل الشيعة: (1/15)، بحار الأنوار: (22/474)، ورزية الخميس كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب الكتاب).
([11]) سنن ابن ماجه: (116)، مسند الإمام أحمد: (953). وانظر: بحار الأنوار: (35/184).
([12]) انظر البداية والنهاية: (5/106)، السيرة لابن هشام: (4/603)، مغازي الواقدي: (3/1080).
([13]) البخاري (3704)، ومسلم (2404)، وانظر: الكافي: (8/107).
([14]) البداية والنهاية: (5/7)، وانظر: الإرشاد: (1/156)، بحار الأنوار: (2/226).
([15]) العاقل المنصف الذي يدرس الروايات بإمعان سيخرج بما خرج به الباحث عن الحقيقة خليفة الإمام الشيرازي أحمد الكاتب في كتابه تطور الفكر السياسي الشيعي..، وأحمد الكاتب من الشيعة المعاصرين المعروفين بتعصبهم سابقاً للمذهب الشيعي كما لا يخفى، وممن ناقش هذه العقيدة من أهل السنة فيصل نور في كتابه الإمامة والنص، وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه منهاج السنة.
([16]) نهج البلاغة، خطبة: (146)، شرح ابن أبي الحديد: (9/100)، شرح محمد عبده: (2/29).
([17]) تاريخ الطبري: (4/437)، البداية والنهاية: (7/239)، وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل: (4/160)، مجموع الفتاوى: (25/72).
([18]) نهج البلاغة، خطبة (58)، شرح ابن أبي الحديد: (17/141)، شرح محمد عبده: (3/114)، بحار الأنوار: (33/307).
([19]) الاحتجاج للطبرسي (2/290)، بحار الأنوار: (44/20).
([20]) صحيح البخاري: (2704)، وانظر: بحار الأنوار: (43/298).
([21]) وسائل الشيعة: (11/62)، الاحتجاج: (2/40)، تفسير العياشي: (2/20، 151)، البحار: (32/324).
([22]) نهج البلاغة، خطبة (206)، شرح ابن أبي الحديد: (11/21)، شرح محمد عبده: (2/185)، البحار: (32/561).
([23]) انظر مثلاً: تهذيب المقال للأبطحي، لما تحدث عن زرارة بن أعين: (5/356).
([24]) المستدرك: (3362)، سنن البيهقي الكبرى: (16673)، وأيضاً: الكافي: (2/219)، وسائل الشيعة: (16/226)، بحار الأنوار: (19/35).
([25]) سنن أبي داود: (3646)، وانظر تاريخ دمشق: (31/258)، وأيضاً: بحار الأنوار: (2/147).
([26]) البخاري: (6032)، مسلم: (2591)، وأيضاً: الكافي: (2/326)، مستدرك الوسائل: (9/36)، بحار الأنوار: (16/281).
([27]) الكافي: (1/280)، البحار: (36/210)، التبصرة: (39).
([28]) شرح نهج البلاغة لميثم البحراني: (4/98).
([29]) انظر كتاب: بحوث في فقه الرجال – تقرير بحث الفاني، لعلي مكي العاملي: (113)، حيث قال: ".. النهج كان على مرأى من علمائنا وأصحابنا المتقدمين، ولم نجد منهم من طعن في صحته أو غمز فيه، مما يدل على تسالمهم بأن ما فيه هو من كلام أمير المؤمنين سلام الله عليه..". وقد أطال الكلام على هذه المسألة ورجح أن هذا الكلام صحيح في الجملة، ولا يلزم أن يعم كل كلمة أو حرف.
مسك الختام وفي نهاية المطاف.. أقف وإياك بعد كل هذه الحقائق من كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم من كلام أئمة آل البيت رحمهم الله تعالى.
- وقد تبين لنا أن المنافقين كانوا معلومين في الجملة، وليس لهم أي أثر في جهاد أو دعوة أو تبليغ للدين، وإنما فرسان ذلك هم الصحابة رضي الله عنهم، الذين قاتلوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قاتلوا بعد وفاته المرتدين وفتحوا الأمصار وبلغوا دين الله تعالى في الآفاق.
- وتبين أن الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته مؤمناً به ومات على الإسلام، كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين لم يظهر فيهم النفاق، حيث أسلموا في فترة ضعف الإسلام، فلم يسلموا طمعاً في دنيا، بل لم يلاقوا إلا التعذيب والإخراج من ديارهم وأموالهم، فآمنوا طمعاً في رضوان الله تعالى، فاستحقوا بذلك مزيد فضل، حيث كانوا سبباً في نشر الإسلام ومثلاً في الصمود من أجله.
وقد كانوا كما أخبر الله عنهم: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) [الفتح:29] فسطروا أروع الأمثلة في ذلك، وكانوا هم وآل البيت كالجسد الواحد، وما تلك المصاهرات والتسميات وثناء بعضهم على بعض إلا دليل واضحٌ بيِّنٌ على ذلك.
وهذه الشهادة ليست من قبل أنفسنا، بل من قبل آل البيت رحمهم الله، والذين أبطلوا بأنفسهم مزاعم من يقول بالنص على الإمامة.
فلم يبق بعد ذلك إلا التمسك بالقرآن الكريم، وبهدي سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.
ومن نِعَمِ الله علينا أن أنزل هذا القرآن العظيم، وتكفل بحفظه إلى يوم الدين، ونَصَّ فيه على أصولِ العقائدِ والأحكامِ ليبقى مرجعاً عند التنازع والخصام.
فهذا كتاب الله بين يديك، فانظر لنفسك ماذا أنت تختار! وأَعِدَّ للسؤال جواباً.
اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
كتبت : بنتـي دنيتـي
-
============================
الوصائل والتصافي بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم
مقدمة كتاب رحماء بينهم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
أما بعد:
فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم، وهذه حقيقة شرعية يتفق عليها أهل الإسلام جميعاً، وهذا الاتفاق نعمة كبرى على هذه الأمة ولله الحمد والمنة.
ولا عبرة بمن شذ من الأمة في تفضيل بعض الأئمة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العلم أو غيره([1])، فهذه الروايات المدونة في الكتب تجد من يؤولها أو يضعفها.
إن وضوح منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومكانته وأنه صاحب الشفاعة الكبرى والحوض المورود، وصاحب المنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة- هي الحقائق لا ينكرها أحد.
لقد انتقلت بركات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أقاربه آل البيت وأصحابه رضي الله عن الجميع.
فمنزلة آل البيت كبيرة، وقد جاءت آيات كثيرة وأحاديث متواترة في بيان ذلك، وهي تشمل من صحب منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتشمل ذرياتهم، وفيها بيان فضلهم ومنزلتهم.
وكذلك كل ما ورد في الصحابة رضي الله عنهم، فإن آل البيت عليهم السلام الذين فازوا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أول من يشمله ذلك.
وقد سبق في الرسالة الأولى الحديث عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذه الوريقات سوف أتحدث عن الرحمة بين هؤلاء الأصحاب رضي الله عنهم، وينبغي علينا عدم السآمة من الحديث عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفضلها؛ والتلازم بين صاحب البركات الذي بمجرد الإيمان به وصُحبته فاز الأصحاب بلقب "صحابي" واختلفت منازلهم ودرجاتهم في جنات النعيم بأعمالهم وجهادهم مع سيد المرسلين، وكذلك منازلهُم في الدنيا من المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم، وكلّا وعد الله الحُسنى، قال الله تعالى: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10].
فالجميع لهم فضلهم ومنزلتهم، وعلينا إدراك عِظم الصُّحبة، وأنها منزلة قائمة بذاتها، ومنازلهم بحسب أعمالهم، فهم طبقات: فالسابقون الأولون لهم أعلى المنازل، ومن جمع الله له بين الصحبة والقربى -وهم آله الأطهار- فسلام عليهم ورضي الله عنهم فلهم منزلة الصحبة وحق القربى، ومنازلهُم بحسب أعمالهم.
أيها القارئ الكريم: إن البحث عن أسباب الافتراق في الأمة وعلاجها مطلبٌ شرعي، وحديثي عن قضية كُبرى، لها آثارها التي عصفت بالأمة، وسوف أختصر الكلام عن الرحمة بين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من آل البيت عليهم السلام وسائر الناس، فمع ما جرى بينهم من حروب إلا أنهم رحماء بينهم، وهذه حقيقة وإن تجاهلها القصاصون، وسكت عنها رواة الأخبار، فستبقى تلك الحقيقة ناصعة بيضاء تردّ على أكثر أصحاب الأخبار أساطيرهم وخيالاتهم التي استغلها أصحاب الأهواء والأطماع السياسية، والأعداءُ لتحقيق مصالحهم وتأصيل الافتراق والاختلاف في هذه الأمة.
نداء: إلى الباحثين والكَتَبة عن تاريخ الأمة، بل إلى الداعين إلى وحدة الكلمة وتوحيد الصف، إلى الذين يتحدثون عن خطورة العولمة وآثارها ووجوب توحيد الصف لمواجهة آثارها.
بل إلى كل غيور على هذه الأمة، أقول: لماذا نثير قضايا ومسائل تاريخية لها آثارها السلبية وتؤصل العداوة من غير بحث ونظر؟؟ ألأجل جماهير العوام، أو لأجل تقليد أعمى أو كسب مادي؟!!
إنك تعجب من كثير من الكتّاب والباحثين الذين يقضون أوقاتاً ويبذلون جهوداً كبيرة في مسائل تاريخية أو فكرية هي مبنية على روايات ضعيفة واهية أو أهواءٍ ونحو ذلك، بل منهم من يعتقد أنه يُحسن صنعاً وأنه وصل إلى حقائق علمية!!! وما وصلوا إليه فيه تفريق للأمة، وإذا سألتهم عن ثمار عملهم وجهدهم لا تجد جواباً!! وأحسنهم حالاً من يقول لك: لأجل العلم وكفى!!! وأين هنا الأساس العلمي الذي اعتمد عليه؟؟.
وقد سبق في رسالة الصحبة بيان التلازم بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، وأن من مهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تزكية الذين آمنوا به، وهم الأميون الذين أكرمهم الله بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وصُحبته، قال الله تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].
فهؤلاء هم الذين قام رسول الرحمة والهدى بتربيتهم (تزكيتهم) وتعليمهم.
وقد سبق الحديث -أيضاً- عن التلازم بين الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم وبين جنده.
والرسول القدوة صلى الله عليه وآله وسلم والذين أخذوا عنه.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم الجار والذين جاوروه وعاشوا معه.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإمام والذين كانوا تحت سلطانه.
سبق الحديث عن التلازم في الرسالة الأولى وإن شئت فقل في الفصل الأول ([2]).
أيها القارئ الكريم: لا شك ولا ريب لديك بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قام خير قيام بما أمره الله سبحانه وتعالى من إبلاغ الرسالة، وتزكية أصحابه وتعليمهم وغير ذلك، ومن ثمار هذه التزكية تلك الخصال الحميدة التي أصبحت سجية للصحابة رضي الله عنهم.
ويكفي أنهم خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110].
فتأمل قوله سبحانه: ((أُخْرِجَتْ)) [آل عمران:110] مَن الذي أخرجهم وجعل لهم هذه المنزلة؟ وهذا مثل قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143].
والآيات التي أنزلها الله تعالى في وصفهم والثناء عليهم وذِكْرهم كثيرة جداً، وقد سبق الحديث عن بعض مواقفهم وما نزل فيها من آيات فلا داعي للتكرار.
-----------------
([1]) بوب المجلسي في بحار الأنوار باباً سماه: "باب أن الأئمة أعلم من الأنبياء" (2 /82). وانظر: أصول الكافي (1 /227).
([2]) الرسالة الأولى بعنوان: (صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
من صفات أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيها القارئ الكريم: تذكر أن هؤلاء جيلٌ فريد، فقد حصلت لهم مزايا لا يمكن أن تحصل لغيرهم، فقد فازوا بشرف الصُحبة، صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الذي ربّاهم وعلّمهم وأدّبهم، وبهم جاهد الكفار، وهم الذين نصروه.
ونقف مع صفة واحدة من صفاتهم ينبغي أن تدرس وتشرح ويسود ذكرها وتصبح معلومة لدى المسلمين على اختلاف فرقهم وطوائفهم!
أتدري ما هي تلك الصفة؟ إنها صفة الرحمة.
والسؤال: لماذا الحديث عن تلك الصفة؟
هل فكرت معي أيها المطالع الكريم عن سر هذه الصفة العزيزة؟ إنك ستجد -ولا شك- أسباباً كثيرة للحديث عنها، ولكني أذكر لك هاهنا عدة أسباب بُغية الاختصار لهذه الرسالة.
أما السبب الأول: فهو لذات الصفة وما فيها من معانٍ، وما ورد فيها من آيات وأحاديث وآثار عن سيد الأبرار صلوات الله عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، فربنا سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم.
وقد قال سبحانه في وصف الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم: ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:128]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من لا يَرحم لا يُرحم) متفق عليه.
والحديث عن ذات الصفة يطول، والنصوص الواردة فيها كثيرة لا تخفى عليك.
السبب الثاني: أن الله سبحانه وتعالى اختار هذه الصفة في الثناء على أصحاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي اختيار هذه الصفة دون غيرها حِكمٌ وفوائد بالغة الأهمية، ومن الإعجاز العلمي وصفهم بتلك الصفة.
ومن تأمل فيها ظهر الإعجاز، وذلك أن النص جاء في تخصيص ذكر صفة الرحمة الموجودة فيما بينهم.
لماذا ذكر الله تلك الصفة دون غيرها؟؟
لأن فيها الرد على الطعون التي لم تكن قد ظهرت وسُطرت في الكتب، وأصبحت فيما بعد أحاديث القصاصين ومَن جاء بعدهم. والله أعلم.
قال الله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29].
السبب الثالث: أن تقرير هذه الحقيقة -أعني أن أصحابه رحماء بينهم، وأن صفة الرحمة متأصلة في قلوبهم- يرد الروايات والأوهام والأساطير التي صَوَّرت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنهم وحوش فيما بينهم، وأن العداوة بينهم هي السائدة!! نعم. إذا تأصل لديك أن الصحابة رحماء بينهم، واستقر ذلك في سويداء قلبك اطمأنَّ القلب، وخرج ما فيه من غلٍّ للذين أمر الله تعالى بالدعاء لهم، قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
السبب الرابع: من الأصول المعتمدة لدى الباحثين: الاهتمام بالمتن مع السند، والبحث في متون الروايات بعد ثبوت أسانيدها وعرض الروايات على نصوص القرآن والأصول الكُلية في الإسلام، وكذلك الجمعُ بين الروايات، هذا هو منهج الراسخين في العلم.
فلا بد من اعتماد هذا المنهج في دراسة الروايات التاريخية، ولكن للأسف الشديد قد أهمل الباحثون دراسة الأسانيد، واكتفوا بوجود الروايات في بطون كتب التاريخ والأدب!! والذين اهتموا بالأسانيد منهم من غَفَل عن النظر في المتون ومعارضتها للقرآن.
أيها القارئ الكريم: قبل أن تحكم وتتعجل في توزيع الاتهامات، بل والأحكام معتمداً على رصيدك التاريخي والمعلومات الأسرية بل والشحن العاطفي - تمهل وطالع الأدلة التي ذكرتها هنا، وهي غير مألوفة مع وضوحها، وقربها، وقوة معانيها ودلالاتها، فهي تستند إلى الواقع المحسوس، وكذلك قوة النص القرآني، فهذه آخر آية في سورة الفتح: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29].
وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] فاتل الآية وتأمل في معانيها يا رعاك الله!
---------------
المبحث الأول : دلالة التسمية الاسمُ له إشارة على المسمى، وهو عنوانه الذي يُميزه عن غيره، وقد جرت عادة الناس على العمل به؛ فلا يشك عاقل في أهمية الاسم، إذ به يعرف المولود ويتميز عن إخوانه وغيرِهم، ويصبح علماً عليه وعلى أولاده من بعده، ويفنى الإنسان ويبقى اسمه.
والاسم مشتق من السمو، بمعنى العلو، أو من الوَسْم، وهو العلامة.
وكلها تدل على أهمية الاسم للمولود.
وأهمية الاسم للوالد لا تخفى، منها: الدلالة على دينه وعقله، فهل سمعت بأن النصارى أو اليهود تسمي أولادها محمداً - صلى الله عليه وآله وسلم -؟
أو أن المسلمين يسمون أولادهم اللات والعزى إلا من شذ؟
فالابن يرتبط بأبيه من خلال الاسم، وينادي الأب والأهلُ وَلَدَهُم باسمه الذي اختاروه، فيكثر استعمال الاسم بين أفراد الأسرة، وقديماً قيل: (من اسمك أَعرفُ أباك) ([1]).
أهمية الاسم في الإسلام: ويكفي لمعرفة أهمية الاسم اهتمام الشريعة بالأسماء، فقد غيّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أسماء بعض الصحابة من الرجال والنساء، بل غيّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اسم مدينته التي كانت تسمى يثرب إلى المدينة، ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التسمية بملك الأملاك ونحوه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أخنع اسمٍ عند الله رجلٌ تسمى ملك الأملاك)، وأرشد الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم إلى التسمية باسم عبد الله وعبد الرحمن ونحوهما مما فيه إشعار المسمى بعبوديته لله عز وجل، وكذلك تعبيد المرء لله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن).
وكان رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه الاسم الحسن ويتفاءل به، وهذا معروف من هديه عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.
ومن المقرر لدى علماء الأصول واللغة أن الأسماء لها دلالات ومعانٍ، وبحث تلك المسألة في كتب اللغة وأصول الفقه، فقد أطال العلماء رحمهم الله في بحث المسألة وما يتعلق بها ويتفرع عنها من مسائل كثيرة.
هل يعقل..؟!!
أيها القارئ الكريم: لا تعجل ولا تستغرب، وَاصِل معيَ القراءة وإجابات الأسئلة:
بماذا تسمي ولدك؟؟ هل تختار لولدك اسماً له معنى محبب عندك وعند أمه وأهله أم تسمي ولدك بأسماء أعدائك؟ يا سبحان الله!!
نختار لأنفسنا أسماء لها دلالة ومعنى لدينا، والذين هم من خير الناس نرفض ذلك في حقِّهم ونقول: لا؛ هم اختاروا أسماء أولادهم لأسباب سياسية واجتماعية على غير ما اعتاده الناس؛ فاختيار الأسماء عندهم لا دلالة له؟!!
عقلاء الأمة وسادتها، وأصحاب العزة في أنسابهم وأنفسهم يُحرمون من أبسط المعاني الإنسانية، فلا يسمح لهم أن يسموا أولادهم بأسماء أحبابهم وإخوانهم اعترافاً بفضلهم ومحبتهم، بل يسمون بعض أولادهم بأسماء أعدائهم!! هل تصدق ذلك؟؟
وللعلم: ليست تسمية عابرة لفرد، بل لمجموعة أولاد، وليست بعد نسيان العداوة بعد قرون، لا. بل جاءت التسمية في وقت ذروة العداوة -هكذا زعموا- ونحن نقول: بل في وقت ذروة المحبة.. وهذه مسألة مهمة لا بد من دراستها والاهتمام بها؛ لأن فيها دلالات كبيرة جداً، وفيها الرد على الأساطير والأوهام، والقصص الخيالية، وفيها مخاطبة للنفس والعاطفة وإقناع للعقلاء؛ فلا يمكن ردها ولا تأويلها.
وبعد ذلك إليك المقصود:
- سيدنا علي؛ من فرط محبته للخلفاء الثلاثة سمى بعض أولاده بأسمائهم وهم:
- أبو بكر بن علي بن أبي طالب: شهيد كربلاء مع أخيه الحسين عليهم وعلى جدهم أفضل الصلاة والسلام.
- عمر بن علي بن أبي طالب: شهيد كربلاء مع أخيه الحسين عليهم وعلى جدهم أفضل الصلاة والسلام.
- عثمان بن علي بن أبي طالب: شهيد كربلاء مع أخيه الحسين عليهم وعلى جدهم أفضل الصلاة والسلام.
- وأما الحسن عليه السلام فقد سمى أولاده: أبا بكر بن الحسن.. عمر بن الحسن.. طلحة بن الحسن، وكلهم شهدوا كربلاء مع عمهم الحسين عليه السلام.
- والحسين عليه السلام سمى ولده: عمر بن الحسين.
- وسيد التابعين علي بن الحسين زين العابدين الإمام الرابع عليه السلام سمى ابنته: عائشة، وسمى ابنه عمر، وله ذرية من بعده([2]).
وكذلك غيرهم من آل البيت من ذرية العباس بن عبد المطلب، وذرية جعفر بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل، وغيرهم، وليس هنا محل استقصاء الأسماء، بل المراد ذِكر ما يدل على المقصود، وقد سبق ذكر أولاد علي والحسن والحسين عليهم السلام.
المناقشة:
من الشيعة من ينكر: أن علياً وأولاده عليهم السلام سموا أولادهم بهذه الأسماء، وهذا صنيع من لا عِلم له بالأنساب والأسماء، وصلته بالكتب محدودة. وهم قلة ولله الحمد.
وقد رد عليهم كبار أئمة الشيعة وعلمائهم؛ لأن الأدلة على وجود هذه الأسماء قطعية من الواقع: من وجود ذرياتهم، ومن خلال كتب الشيعة المعتمدة، حتى الروايات في مأساة كربلاء، حيث استشهد مع الإمام الحسين أبو بكر بن علي بن أبي طالب، وكذلك أبو بكر بن الحسن بن علي عليهم السلام. ومن سبق ذكرهم.
فهؤلاء استشهدوا مع الحسين، وقد ذكر ذلك الشيعة في كتبهم، ولا تقل: إنك لا تسمع هذه الأسماء في الحسينيات، وفي المأتم أيام عاشوراء، فإن عدم ذكرهم لا يعني عدم وجودهم. وقد كان عمر بن علي بن أبي طالب وعمر بن الحسن من الفرسان المشهود لهم بالبلاء في ذلك اليوم.
المهم أن مسألة (تسمية الأئمة عليهم السلام أولادهم بأبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم من كبار الصحابة) هذه المسألة لا نجد لها جواباً شافياً مقنعاً عند الشيعة، فلا يمكن أن نجعل الأسماء لا دلالة لها ولا معنى، ولا يمكن أن نجعل المسألة (دسيسة) قام بها أهل السنة في كتب الشيعة؛ لأن معنى ذلك الطعن في جميع الروايات في كل الكتب، فكل رواية لا تُعجب الشيعة يمكن أن يقولوا: هي دسيسة وكذب. بل يطّرد القول في كل رواية لا توافق هوى ذاك العالم فيردّها بكل بساطة ويقول: هي دسيسة!! لا سيما أن لكل عالم الحق في قبول الروايات أو ردها، فلا ضابط لذلك عندهم.
ومن الطرائف المضحكة المبكية أنه قيل: إن التسمية بأسماء كبار الصحابة الذين تقدم ذكرهم لأجل سبّهم وشتمهم!! قيل: إن التسمية لأجل كَسْب قلوب العامة، فالإمام سمى أولاده لكي يشعر الناس بمحبته للخلفاء ورضاه عنهم!!! (أي: تقية). يا سبحان الله! هل يجوز لنا أن نقول بأن الإمام يفعل أعمالاً يغرر أصحابه وعامة الناس بها؟؟ وكيف يقوم الإمام بالإضرار بذريته لأجل هذا؟؟
ومن هم الذين يداريهم الإمام بهذه الأسماء؟ تأبى شجاعته وعزته عليه السلام أن يهين نفسه وأولاده لأجل بني تيم أو بني عدي أو بني أمية.
والدارس لسيرة الإمام يدرك حق اليقين أن الإمام من أشجع الناس، بخلاف الروايات المكذوبة التي تجعل منه جباناً لا يثأر لدينه ولا لعرضه ولا لكرامته، وما أكثرها للأسف الشديد.
النتيجة: إن ما قام به الأئمة: علي وبنوه عليهم السلام من أقوى الأدلة العقلية والنفسية والواقعية على صدق محبة آل البيت للخلفاء الراشدين وسائر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت بنفسك تعيش هذا الواقع فلا مجال لرده، وهذا الواقع مصدّق لقوله تعالى:
((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)) [الفتح:29].
أيها القارئ الكريم: غير مأمور أعد تلاوة الآية وتدبر في معانيها، وتأمل في صفة الرحمة.
-----------------
([1]) انظر: تسمية المولود للعلامة الشيخ: بكر بن عبد الله أبو زيد.
([2]) انظر: كشف الغمة (2/334)، الفصول المهمة (283)، وكذلك سائر الأئمة الاثني عشر تجد هذه الأسماء في ذريتهم، وقد تحدث علماء الشيعة عن ذلك وذكروا الأسماء يوم الطف من (17-185). انظر على سبيل المثال: إعلام الورى للطبرسي (203)، والإرشاد للمفيد (186)، وتاريخ اليعقوبي (2/213).
\المبحث الثاني : المصاهرة أيها القارئ الكريم: ابنتك فلذة كبدك، وثمرة الفؤاد، تجعلها عند من؟ هل ترضى أن تجعلها عند فاجر مجرم بل قاتل أمها أو أخيها؟ ماذا تعني لك كلمة صهري.. نسيبي؟
المصاهرة لغةً: مصدر صاهر، يقال: صاهرت القوم إذا تزوجت منهم، قال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات المحارم كالأبوين والإخوة...إلخ ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضاً.
فصهر الرجل قرابة امرأته، وصهر المرأة قرابة زوجها.
الخلاصة: إن المصاهرة في اللغة: قرابة المرأة وقد تطلق على قرابة الرجل، وقد جعلها الله سبحانه وتعالى من آياته، قال الله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً)) [الفرقان:54].
تأمل في الآية وكيف أن ذلك الإنسان (بشراً) جعله الله يرتبط بغيره بالنسب والمصاهرة، فالمصاهرة رباط شرعي جعله الله قرين النسب، والنسب هم قرابة الأب، ومن العلماء من يرى أن النسب مطلقُ القرابة.
فتذكر أن الله قرن بين النسب والصهر، وهذا له دلالات عظيمة فلا تغفل عنها.
المصاهرة تاريخياً: للمصاهرة لدى العرب منزلة خاصة، فهم يرون التفاخر بالأنساب، ومنه التفاخر بأزواج بناتهم ومنزلتهم. والعرب لا يزوّجون من يرونه أقل منزلة منهم، هذا هو المشهور عنهم، بل يوجد ذلك لدى طوائف كثيرة من العجم، ويعتبر التميّز العنصري اليوم أشد المشاكل الاجتماعية لدى الغرب.
والعرب تغار على نسائها مما قاد بعضهم إلى وأد بناته الصغيرات خوفاً من العار، كانت تراق الدماء وتنشب الحروب لأجل ذلك. ولا تزال آثارها إلى اليوم باقية كما لا يخفى عليك أيها القارئ، وهذه إشارة تغني عن طول العبارة.
المصاهرة في الإسلام: جاء الإسلام فقرر معالي الأمور، فأمر بالصفات الحميدة ونهى عن القبيح، وبيّن الله سبحانه وتعالى أن العبرة بالتقوى، قال الله تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات:13] وهذا في الميزان الشرعي.
وتجد الفقهاء رحمهم الله قد بحثوا موضوع الكفاءة في الدين والنسب والحرفة وما يتعلق بها في مباحث مطولة، ومنها: هل تعتبر الكفاءة شرطاً لصحة العقد أو لزومه، وهل هي حق للزوجة أو يشاركها الأولياء؟ وغير ذلك من المباحث في كلامهم عن النكاح.
أما في مسألة صيانة العِرض والغيرة على النساء فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل المقتول دون عرضه شهيداً، وقاد الحرب بنفسه صلى الله عليه وآله وسلم لأجل المرأة التي عبث اليهود بسترها، والقصة مشهورة في نقض بني قينقاع العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلاصتها أن يهودياً طلب من فتاة تشتري منه ذهباً أن تكشف عن وجهها فرفضت، فقام بعقد طرف ثوبها وهي جالسة لا تشعر، فلما قامت انكشفت، فصرخت تطلب الغوث، وكان بالقرب منها شاب مسلم فقام إلى اليهودي فقتله، واجتمع اليهود عليه فقتلوه، مع أسباب أخرى ظهرت منهم دلّت على نقضهم العهد.
أيها القارئ الكريم: تأمل في بعض الأحكام الشرعية مثل اشتراط الولي في عقد النكاح والإشهاد عليه، بل وحد القذف، وحد الزنا، وغيرها من الأحكام التي فيها حفظ العِرض، ومن خلال التفكير في تلك الأحكام وما فيها من حِكم وآثار، وما فيها من تشريعات بديعة يظهر لك أهمية هذا الموضوع.
والمصاهرة تترتب عليها الأحكام الكثيرة، وتأمل في تشريع عقد النكاح (الميثاق الغليظ): يقوم الرجل بالخطبة ولها أحكامها، فقد يُقبل أو يرد، ويستعين الخاطب بأهله وأصحابه لأجل الحصول على الموافقة، ويسأل الأهل وأولياء المرأة عن الخاطب، ولهم الحق في قبوله أو رده، حتى ولو دفع هدايا أو عَجَّل بدفع المهر ونحو ذلك فلهم رد الخاطب مادام العقد لم يتم.
والعقد لا بد فيه من شهود، وإشهار النكاح مطلب شرعي، لماذا؟ لما يترتب على النكاح من أحكام، فهو يقرب البعيد ويجعلهم أصهاراً، ويحرم على الزوج نساء بسبب النكاح على التأبيد، أو مادامت الزوجة بذمته، ولا يسمح منهج هذه الرسالة بإطالة البحث، وإنما المقصود التذكير بأهمية الموضوع لأجل ما بعده.. فتأمل في الآتي:
المثال الأول: أخت الحسن والحسين زوّجها أبوها علي عليهم السلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهل نقول بأن علياً عليه السلام زوج ابنته خوفاً من عمر؟! أين شجاعته؟ وأين حبه لابنته؟؟ أيضع ابنته عند ظالم؟؟ أين غيرته على دين الله؟ أسئلة كثيرة لا تنتهي، أم نقول: إن علياً عليه السلام زوّج ابنته لعمر رغبة في عمر وقناعة به، نعم. تزوج عمر ببنت علي عليه السلام زواجاً شرعياً صحيحاً لا تشوبه شائبة([1])، ويدل هذا الزواج على ما بين الأسرتين من تواصل ومحبة، كيف لا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجاً لبنت عمر؟! فالمصاهرة قائمة بين الأسرتين قبل زواج عمر بأم كلثوم.
المثال الثاني: يكفي قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (ولدني أبو بكر مرتين) هل تعرف من هي أم جعفر؟ إنها فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ([2]).
أيها اللبيب: لماذا قال جعفر عليه السلام: (أبو بكر) ولم يقل: محمد بن أبي بكر؟ لقد صرح باسم أبي بكر؛ لأن بعض الشيعة ينكر فضله، وأما ابنه محمد فالشيعة متفقون على فضله، فبالله عليك بمن يفتخر الإنسان؟!.
أيها القارئ الكريم: التداخل بين أنساب الصحابة من المهاجرين والأنصار يعرفه كل من له اطلاع على أنسابهم، حتى الموالي منهم، فقد تزوجوا من سادات قريش وأشرافهم، فهذا زيد بن حارثة رضي الله عنه -وهو الصحابي الوحيد الذي جاء ذكر اسمه في القرآن في سورة الأحزاب- من هي زوجته؟ إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش.
وهذا أسامة بن زيد زوَّجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفاطمة بنت قيس وهي قرشية([3]). وهذا سالم مولى، زوّجه أبو حذيفة رضي الله عنه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، ووالدها سيد من سادات قريش ([4]).
والحديث عن المصاهرة بين الصحابة يطول جداً، وأكتفي بذكر أمثلة يسيرة في التزاوج بين آل البيت والخلفاء الراشدين:
هل تعلم أن سيدنا عمر رضي الله عنه تزوج بنت فاطمة بنت رسول الله عليها وعلى أبيها أفضل الصلاة والسلام؟
أم جعفر الصادق عليه السلام سبق ذكرها، ومن هي جدته الكبرى؟ كلتاهما حفيدة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
أيها القارئ الكريم: دع عنك وسوسة الشياطين، وعليك بالتفكير الجاد والعميق، فأنت مسلم ومنزلة العقل لا تخفى عليك، والآيات التي فيها الحث على التدبر والأمر بالتفكر كثيرة وليس هنا محل بسطها.
لذا علينا أن نفكر بعقولنا، ونترك التقليد، ولنحذر أن يعبث العابثون بعقولنا، نعوذ بالله السميع العليم من شياطين الإنس والجن.
أيها القارئ الحبيب: هل ترضى أن يُسب أبوك وأجدادك وأن يقال: إن سيدة نسائك تزوجت بالرغم عن أنوف عشيرتك كلهم؟
هل ترضى أن يقال بأن ذلك فَرج غصبناه؟؟ الأسئلة لا تنتهي، أي عقل يرضى بهذا الهراء؟! وأي قلب يقبل هذه الرواية؟!
فنسأل الله أن لا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، اللهم ارزقنا محبة الصالحين من عبادك أجمعين، اللهم آمين يا رب العالمين.
وقبل المبحث الثالث: إليك بعض النصوص من كتب الشيعة المعتمدة لديهم ومن علمائهم المعتبرين التي فيها إثبات زواج عمر من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم.
قال الإمام صفي الدين محمد بن تاج الدين (المعروف بابن الطقطقي الحسني (ت:709ه) نسابة ومؤرخ وإمام) في كتابه الذي أهداه إلى أصيل الدين حسن بن نصير الدين الطوسي صاحب هولاكو وسمي الكتاب باسمه - قال في ذكر بنات أمير المؤمنين علي عليه السلام: (وأم كلثوم أمها فاطمة بنت رسول الله تزوجها عمر بن الخطاب فولدت له زيداً ثم خلف عليها عبد الله بن جعفر) (ص:58).
وانظر كلام المحقق السيد مهدي الرجائي فقد نقل نقولات ومنها تحقيق العلامة أبي الحسن العمري -نسبة إلى عمر بن علي بن الحسين- في كتابه المجدي، قال: (والمعول عليه من هذه الروايات ما رأيناه آنفا من أن العباس بن عبد المطلب زوجها عمر برضى أبيها عليه السلام وإذنه، وأولدها عمر زيداً).اه.
وذكر المحقق أقوالاً كثيرة منها: أن التي تزوجها عمر شيطانة، أو أنه لم يدخل بها، أو أنه تزوجها بالقوة والغصب... إلخ.
وقال العلامة المجلسي: (...وكذا إنكار المفيدِ أصلَ الواقعة؛ إنما هو لبيان أنه لم يثبت ذلك من طرقهم، وإلا فبعد ورود تلك الأخبار وما سيأتي بأسانيد أن علياً عليه السلام لما توفي عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته وغير ذلك مما أوردته في كتاب بحار الأنوار، إنكار عجيب، والأصل في الجواب هو أن ذلك وقع على سبيل التقية والاضطرار... إلخ) (ج2ص:45 من مرآة العقول).
قلت: قد ذكر صاحب الكافي في كافيه عدة أحاديث منها -باب المتوفى عنها زوجها المدخول بها أين تعتد وما يجب عليها-: حميد بن زياد عن ابن سماعة عن محمد بن زياد عن عبد الله بن سنان ومعاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المرأة المتوفى عنها زوجها أتعتد في بيتها أو حيث شاءت؟ قال: بل حيث شاءت، إن علياً عليه السلام لما توفي عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته)(انظر: الفروع من الكافي ج6ص115).
أيها القارئ الكريم: لقد خاطبت بعض علماء الشيعة المعاصرين عن الزواج، ومن أجمل الردود ما سطره قاضي محكمة الأوقاف والمواريث الشيخ عبد الحميد الخطي، قال ما نصه: (وأما تزويج الإمام علي عليه السلام فارس الإسلام ابنته أم كلثوم فلا نشاز فيه، وله برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة لكل واحد من المسلمين، وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم حبيبة رضي الله عنها بنت أبي سفيان، وما كان أبو سفيان بمنزلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما يثار حول الزواج من غبار فلا مبرر له على الإطلاق.
وأما قولكم: إن شيطانة تتشكل للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتقوم مقام أم كلثوم، فهذا قول مضحك مبكٍ، لا يستحق أن يعنى به ولا يقام له، ولو تتبعنا مثل هذه الخرافات التي تنسج لَرَأَينا منها الشيء الكثير الذي يضحك ويبكي). اهـ.
ولم يتعرض الشيخ لقضية البحث، وهي دلالة المصاهرة في الترابط الأسري، وأنها لا تكون إلا عن قناعة، وأن فيها دلالة على المحبة والأخوة والتآلف بين الأصهار.
ولا يخفى عليك أيها القارئ الكريم أن الفرق في غاية الوضوح بين زواج المسلم من كتابية: فهذا جائز، وأما زواج الكتابي من مسلمة فإنه لا يجوز.. فتأمل ذلك.
الخلاصة: إن المصاهرة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غاية الوضوح، ولا سيما بين ذرية الإمام علي عليه السلام وذرية الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وكذلك المصاهرة مشهورة بين بني أمية وبين بني هاشم قبل الإسلام وبعده، وأشهرها زواج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بنت أبي سفيان رضي الله عنهم. (انظر: الملاحق آخر الكتاب).
والمقصود هنا الإشارة إلى شيء من الآثار النفسية والاجتماعية الناجمة عن المصاهرة والتي من أعظمها المحبة بين الصهرين، وإلا فإن الآثار كثيرة، ولعل فيما سبق كفاية وغنية عما لم يُذكر، وبالله التوفيق.
--------------
([1]) وسوف أذكر لك نقولات عن علماء الشيعة تؤكد هذا الزواج وترد على كل المطاعن.
([2]) وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. انظر: عمدة الطالبين (195) ط طهران، والكافي (1/472).
([3]) رواه مسلم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: (2/1114-1119) (1480).
([4]) رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: (4/1469، 5/1957) (3778، 4800).
المبحث الثالث : دلالة الثناء أيها القارئ الكريم:
هل عشت في غربة مع رفقةٍ من أهلك وعشيرتك بل من قريتك؟ كيف عشتم سنوات الغربة؟؟ هل عشت في ثكنة عسكرية مع هؤلاء أو مع أحبابك؟؟
أيها القارئ الكريم: هل عشت في فقر واضطهاد مع أصحابك الذين اجتمعت معهم برباط عقائدي يجمع بين العقل والعاطفة؟ ما رأيك فيمن عاش هذه المواقف كلها، وكانوا كلهم رفقة أصحاباً في السراء والضراء، بل معهم خير البشر محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا سيما السابقين عاشوا تلك المواقف، فكانت حياتهم الاجتماعية مختلفة، ولها طابعها الخاص، الذي يعرفه كل من درس السيرة، أو كان له اهتمام بسيط بحياة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم.
أيها القارئ الكريم: لعلك وأنت تقرأُ هذه الأسطر تنتقل معي إلى أعماق التاريخ، لمّا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة في دار الأرقم والدعوة سرية، ثم لمّا ظهر الإسلام هناك، ثم لما هاجر أصحابه الكرام إلى الحبشة بلاد الغربة وبعدها إلى المدينة، لقد تركوا الأهل والأموال والوطن، فتأمل حالهم في الأسفار البعيدة الشاقة وهم على الإبل وسيراً على الأقدام، عاشوا جميعاً الخوف والحصار في المدينة في غزوة الخندق، وقطعوا البيداء والقفار في غزوة تبوك، عاشوا مرحلة الانتصارات في بدر، والخندق، وخيبر، وحنين وقبلها مكة وغيرها.
تأمل في الآثار النفسية: كيف تكون المودة والصحبة بينهم؟ ولا يغب عن ذهنك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم، وهو القائد لهم والمربي والمعلم، وليكن حاضراً في ذهنك أن القرآن ينزل من رب السموات والأرض إلى قائد هذه المجموعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
تأمل في هؤلاء: اجتمعت قلوبهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتآلفت.. قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتربيتهم وعاش معهم والقرآن ينزل عليهم؛ فتصور معي تلك المواقف والأيام. ولقد سبق الحديث عنها في الرسالة الأولى (صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
لا شك أن الوفاق والوئام والمحبة هي السائدة بينهم، قال الله تعالى: ((وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)) [آل عمران:103].
لو تكرمت تَدَبَّر في معانيها: شهادة من الله سبحانه وتعالى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ((فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)) [آل عمران:103] هذه منّة من الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا رادَّ لفضل الله.
نعم كانت العداوة بين الأوس والخزرج مشتعلة، ولكن الله سبحانه وتعالى أزال هذه العداوة وجعل بدلاً منها محبة ووئاماً.
أيها القارئ الكريم: ما يضرك أن تؤمن بهذا، وأن تحسن الظن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ربهم سبحانه يَشْهَد لهم وَيُذَكِّرهُم بفضله عليهم، من جعلهم إخوة صافية قلوبهم، استقر فيها التآلف والمحبة والوئام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدل على العموم الآية التالية: قال الله تعالى: ((وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأنفال:62] ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [الأنفال:63].
أيها القارئ الكريم: تأمل في الآية وكرِّر تلاوتها ففيها ذكر الفضل من الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر وبالمؤمنين، والذي يهمنا هنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو أنفق مال الأرض جميعاً ما حصل له ذلك، ولكن الله سبحانه هو صاحب الفضل، ومع ذلك يوجد من ينكر ذلك وتأبى نفسه إلا مخالفة النصوص، والزعم أن العداوة هي السائدة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الله عز وجل يخبرنا بأنه ألّف بين قلوبهم، وألف بينهم، وجعلهم إخواناً، وجعلهم رحماء بينهم، ومع ذلك تكرر الأساطير والأخبار بأن العداوة بينهم قائمة!!
وقد جاءت آيات كثيرة -سبق ذكر بعضها- في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم، وآيات في ذكر أوصافهم وأفعالهم، ومنها الإيثار الناتج عن المحبة:
قال الله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8] ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9].
وما سبق فيه إشارة إلى بعض النصوص القرآنية وهي كثيرة، وقد اقتصرنا على ما يدل على المحبة، ويؤكد وجودها، وأنها متأصلة في قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكما لا يخفى عليك فإن الإيثار، والأخوة، والموالاة، وألفة القلوب، كل هذه المعاني وردت فيها نصوص قرآنية وهي تؤكد على صفة المحبة، وقد جاء أكثر من نص قرآني صريح فيها؛ فتأمل الآية السابقة ففيها إثبات محبة الأنصار للمهاجرين، وتأمل في آخر آية من سورة الفتح.
وبعد: إليك هذه القصة التي رواها علي الأربلي في كتابه كشف الغمة (ج2/ 78 ط إيران) عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، قال: (جاء إلى الإمام نفر من العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبرونني؟ أأنتم المهاجرون الأولون: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الذين: ((تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]؟ قالوا:لا. قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ((يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحشر:10] اخرجوا عني، فعل الله بكم). اهـ.
فهذا فهم زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام وهو من التابعين، وقد امتلأت الكتب في ثناء بعضهم على بعض: كتب أهل السنة وكذلك كتب الشيعة، والدارس لكتاب نهج البلاغة يجد خطباً كثيرة وإشارات صريحة كلها في الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد اخترت واحدة منها لما فيها من اقتباس من القرآن الكريم.
قال الإمام علي عليه السلام: (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب، ورجاء للثواب) اهـ.
وكلامه عليه السلام في الثناء عليهم يطول، ولحفيده الإمام زين العابدين رسالة ضمّنها الدعاء لهم والثناء عليهم، وتجد لكل إمام من الأئمة عليهم السلام أقوالاً كثيرة في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم، بل قد جاءت روايات كثيرة عنهم فيها التصريح بالثناء على الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين وغيرهم، ولو جمعت لجاءت في مجلدات.
أيها القارئ الكريم: لقد أكثرت عليك الكلام مع حرصي على الاختصار فأرجو المعذرة! وأسأل الله الكريم أن ينفعني وإياك به، ولكن لا بد من بيان الحقيقة متكاملة، وآمل أن تصبر معي قليلاً؛ فإن الرسالة أوشكت على الانتهاء، وبقيت وقفة مختصرة لبيان منزلة آل البيت لدى أهل السنة والجماعة؛ لكي تعلم وفقك الله تعالى بأن أهل السنة حريصون كل الحرص على التمسك والعمل بالقرآن الكريم (الثقل الأكبر) وهم كذلك متمسكون بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (العترة) وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة مستقلة.
ففيما سبق تأكيد للرحمة بين أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم، وفيهم أقاربه وخواصه الذين دخلوا معه في الكساء، وفي الوقفة الآتية إيضاح لبعض حقوقهم كما قررها علماء السنة رحمهم الله تعالى.
موقف أهل السنة من آل البيت عليهم السلام مطلب في التعريف اللغوي والاصطلاحي: آل البيت أهل الرجل، والتأهل: التزوج، قاله الخليل([1]). وأهل البيت: سكانه. وأهل الإسلام من يدين به([2]).
أما الآل: فجاء في معجم مقاييس اللغة قوله: آل الرجل: أهل بيته([3])..
وقال ابن منظور: "وآل الرجل أهله، وآل الله وآل رسوله: أولياؤه، أصلها (أهل) ثم أبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير (أأل) فلما توالت الهمزتان أبدلت الثانية ألفاً"([4]) وهو لا يضاف إلاّ إلى ما فيه شرف غالباً، فلا يقال (آل الحائك) خلافاً لأهل، فيقال: أهل الحائك. وبيت الرجل داره ([5])، وإذا قيل: البيت انصرف إلى بيت الله الكعبة؛ لأن القلوب -قلوب المؤمنين- تهوي إليه، والنفوس تسكن فيه، وهو القبلة، وإذا قيل: (أهل البيت) في الجاهلية انصرف إلى سكانه خاصة، وبعد الإسلام إذا قيل: (أهل البيت) فالمراد آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([6]).
ما المراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟
اختلف العلماء في تحديد آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أقوال أشهرها:
1- هم الذين حرمت عليهم الصدقة. قاله الجمهور.
2- هم ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته، واختاره ابن العربي في أحكام القرآن وانتصر له، ومن القائلين بهذا القول من أخرج زوجاته.
3- إن آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم أتباعه إلى يوم القيامة، وانتصر له الإمام النووي في شرحه على مسلم، وكذلك صاحب الإنصاف، ومن العلماء من حصره في الأتقياء من أتباع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. والراجح القول الأول.
سؤال: من هم الذين حرموا الصدقة؟؟
هم بنو هاشم وبنو المطلب، وهذا الراجح، وبه قال الجمهور، ومن العلماء من قصره على بني هاشم فقط دون بني المطلب.
والمراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية هم الأئمة الاثني عشر فقط دون غيرهم، ولهم تفصيلات وتفريعات ليس هنا محل بسطها، فإن الخلاف بين فِرَقهم كبير في هذه المسألة ولأجلها حصل التفرق. (راجع كتاب: فرق الشيعة للنوبختي).
عقيدة أهل السنة في آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
لا تكاد تجد كتاباً من كتب العقيدة التي فيها شمول لمسائل الاعتقاد إلا وتجد فيها النص على هذه المسألة، وذلك لما لها من أهمية، وقد كتب فيها العلماء رسائل مستقلة لأهميتها.
وخلاصة الكلام في عقيدة أهل السنة ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية وهي رسالة مختصرة جداً، ومع ذلك قال فيها رحمه الله: «ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)([7]) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)([8])، وقال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) » ([9]) اهـ.
وأكتفي بهذا النص عن إمام يرى كثير من الشيعة أنه من أشد أهل السنة عداوة لهم؛ لأجل كتابه منهاج السنة الذي كتبه رداً على ابن المطهر الحلي.
وتفصيل حقوقهم على النحو الآتي:
أولاً: حق المحبة والموالاة:

أيها القارئ الكريم: لا يخفى عليك أن محبة كل مؤمن ومؤمنة واجب شرعي، وأما ما سبق ذكره من محبة آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وموالاتهم فهذه محبة وموالاة خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لقرابتي). أما الأولى التي لله وهي الأخوة الإيمانية والموالاة فهذه للمسلمين عامة، فإن المسلم أخو المسلم، فهي تشمل جميع المسلمين بما فيهم آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقرابته محبة خاصة بهم؛ لأجل قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) [الشورى:23] وهذا معنى الحديث السابق على المعنى الصحيح في الآية؛ لأن من المفسرين من قال: تحبونني لقرابتي فيكم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له قرابة بجميع بطون قبائل قريش. المقصود أن محبتهم وموالاتهم وتوقيرهم لأجل قرابتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة، وهي غير الموالاة العامة لأهل الإسلام.
ثانياً: حق الصلاة عليهم:

فمن حقوقهم الصلاة عليهم، قال الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [الأحزاب:56].
وروى مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: (أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشر بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله! فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين، إنك حميدٌ مجيد، والسلام كما قد علمتم) ([10]). ومثله حديث أبي حميد الساعدي المتفق عليه.
والأدلة على ذلك كثيرة، قال ابن القيم رحمه الله: إنها حق لهم دون سائر الأمة، بغير خلاف بين الأئمة. اهـ([11]) وهذا في الصلاة الإبراهيمية.
ثالثاً: حق الخمس:

وكذلك لهم الحق في الخُمس، قال الله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)) [الأنفال:41]. والأحاديث كثيرة، وهذا سهم خاص بذي القربى، وهو ثابت لهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح([12]).
فائدة: الحقوق كثيرة، وقد أشرنا إلى أهم تلك الحقوق، وهذه الحقوق يستحقها من ثبت إسلامه ونسبه، فلا بد من ذلك، ولا بد من حسن العمل.
وكان رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من الاعتماد على النسب، كما فَعَلَ في مكة في القصة المشهورة لما قال: (يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! لا أغني عنكِ من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئتِ لا أغني عنك من الله شيئاً) رواه البخاري، ومعلوم ما نزل في أبي لهب نعوذ بالله من النار.

موقف أهل السنة والجماعة من النواصب فائدة: من إتمام الكلام عن مكانة آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندنا معشر أهل السنة والجماعة نشير إلى بيان موقف أهل السنة والجماعة من النواصب، وذلك فيما يلي:
النصب لغة: إقامة الشيء ورَفعِهِ، ومنه ناصِبَةُ الشرِّ والحرب.
وفي القاموس: (النواصب والناصبة وأهل النصب المتدينون بِبُغض علي عليه السلام؛ لأنهم نصبوا له، أي: عادوه).
وهذا أصل التسمية، فكل من أبغض آل البيت فهو من النواصب..
أيها القارئ الكريم: كلام علماء الإسلام صريح وواضح في الثناء على الإمام علي وبنيه عليهم السلام، وعقيدتنا أننا نشهد بأن علياً والحسن والحسين عليهم السلام في جنات النعيم، وهذا ظاهر ولله الحمد.
وأشير هنا إلى موقف أهل السنة من النواصب، وبراءة أهل السنة من النصب، وهذه مسألة مهمة جداً؛ لأنها من أسباب الفرقة والاختلاف في الأمة، وتوجد طائفة من المستفيدين والمنتفعين بهذه الفرقة تتحدث بما يشعل الفرقة ويزيدها في كل مناسبة، بل وبدون مناسبة، بكل كلام يذكي وقودها ويشعل نارها، وهذا الكلام من البهتان والزور والكذب المحض.
فتجد المتحدث يتهم أهل السنة بكراهية الإمام علي وبنيه عليهم السلام، ويطلق للسانه العنان في اختلاق الكذب، وأحسن أحواله أن يكرر ويردد الروايات والقصص الخيالية عن بغض أهل السنة للإمام علي عليه السلام.
وأهل السنة يروون الأحاديث الكثيرة في فضائله، فلا تجد كتاباً في الحديث إلا وفيه ذكر فضائل الإمام علي عليه السلام ومناقبه.
أيها القارئ الكريم: كلام أهل السنة في النواصب واضح، وأكتفي بنقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي يرى الشيعة أنه أشد علماء السنة عداوة لهم، حيث قد صنف أكبر موسوعة سنية في الرد على الشيعة.
قال رحمه الله: (وكان سب علي ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها: الطائفة الباغية؛ كما رواه البخاري في صحيحه عن خالد الحذَّاء عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه! فانطلقنا، فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى به ثم أنشأ يحدثنا، حتى إذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن).
ورواه مسلم عن أبي سعيد أيضاً قال: (أخبرني من هو خير مني أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمار -حين جعل يحفر الخندق جعل يمسح رأسه ويقول-: بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية).
ورواه مسلم أيضاً عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (تقتل عماراً الفئة الباغية).
وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته، وأن الداعية إلى طاعته داعٍ إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داعٍ إلى النار-وإن كان متأولاً- وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي، وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولاً أو باغٍ بلا تأويل، وهو أصح القولين لأصحابنا، وهو الحكم بتخطئة من قاتل علياً، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين([1]).
وتأمل في قوله الآتي:
قال رحمه الله -بعد أن بسط القول في كلام أهل السنة في يزيد، وحرر المسألة، وبين اختلاف الناس فيه- قال ما نصه: (وأما من قتل الحسين، أو أعان على قتله، أو رضي بذلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)([2]).
فهذا كلام إمام من أئمة السلف؟!!
فهل يمكن بعد ذلك لخطيب أو متعالم أن يطعن في أهل السنة ويقول بأنهم نواصب؟
وقفة: أخي المبارك: ربما ثار في نفسك تساؤلات كثيرة حول ما قرأت في هذه الرسالة، وما ثبت تاريخيّاً من وجود قتال في صفين والجمل بين الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ إن في كل فريق طائفة منهم، وعامتهم أو أكثرهم مع علي ومن معه من آل بيته عليهم السلام، وهذه تحتاج إلى رسالة خاصة أسأل الله أن يعينني على إخراجها لبيان حقيقةِ تلك القضايا وغيرها.
وأذكر نفسي وإياك بقول الله سبحانه: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الحجرات:9] ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات:10].
فأثبت لهم الإيمان مع وجود الاقتتال.. والآية صريحة لا تحتاج إلى تعليق ولا تفسير، فكلهم مؤمنون وإن حصل الاقتتال بينهم.
وكذلك قوله سبحانه: ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة:178] وهذا في قتل العمد.. فالله سبحانه وتعالى أثبت الأخوة الإيمانية بين القاتل وأولياء الدم، فجريمة القاتل الشنيعة -والتي ذكر الله عقوبتها الشديدة- لم تخرجه من دائرة الإيمان، فهو مع أولياء المقتول إخوة، والله يقول: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات:10].
والموضوع يحتاج إلى رسالة مستقلة -كما سبق ذكره- لعل الله أن ييسر إخراجها قريبا إن شاء الله تعالى.
------------
([1]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (4/437).
([2]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (4/487).
المصاهرات بين البيت الهاشمي وبين بقية العشرة المبشرين بالجنة المراجع…غيرهم…البيت الهاشمي…م
المصادر كلها…عائشة بنت الصديق
حفصة بنت عمر
رملة بنت أبي سفيان…رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم…1
مصادر كثيرة جداً، وسبق النقل منها حديثاً…عمر بن الخطاب…أم كلثوم بنت علي…2
الأصل في أنساب الطالبيين (ص: 65) لابن الطقطقي
عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب (ص:118) لابن عتبة وغيرهما…عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان…فاطمة بنت الحسين…3
كافة المراجع الشيعية والسنية…العوام بن خويلد، وولدت له الزبير بن العوام قبل الإسلام…صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام…4
منتهى الآمال (ص:341) للشيخ عباس القمي
وتراجم النساء للشيخ محمد حسين الحائري (ص:346) وغيرهما…تزوجها عبد الله بن الزبير
وبقيت معه حتى مات عنها
وبعد قتله أخذها أخوها زيد معه…أم الحسن بنت الحسن بن علي بن أبي طالب…5
منتهى الآمال (ص:342) لعباس القمي
وتراجم النساء لمحمد الأعلى (ص:346) وغيرهما…تزوجها عمرو بن الزبير بن العوام…رقية بنت الحسن بن علي بن أبي طالب…6
تراجم النساء (ص: 361) لمحمد الأعلى…تزوج خالدة بنت حمزة بن مصعب بن الزبير…الحسين الأصغر بن زين العابدين…7
وغير ذلك كثير، وقصة زواج سكينة بنت الحسين من مصعب بن الزبير تكفي شهرتها عن الخوض فيها، والمصاهرات من تتبعها وترجم لها فسيجد ما يملأ مجلدات، فهي كثيرة جداً.
------------
الخاتمة الحمد لله الذي منَّ علينا بحب النبي صلى الله عليه وآله الطيبين وأصحابه الأخيار.
أيها الحبيب: بعد أن عشنا مع آل رسول الله الأطهار عليهم صلوات الله وسلامه، وأصحابه الأخيار عليهم رضوان الله تعالى، بعد أن عشنا معهم وأدركنا تراحمهم وما بينهم من صلة رحم ومصاهرة، ومودة، وأخوة، وتآلف قلوب، ذكرها الله في القرآن الكريم - علينا أن نجتهد في دعاء رب العالمين أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الذين قال فيهم في كتابه الكريم بعد أن أثنى على المهاجرين والأنصار، قال سبحانه: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]، وكما قال زين العابدين عليه السلام: (جاء إلى الإمام نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبرونني؟ أأنتم المهاجرون الأولون: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)) [الحشر:8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الذين: ((تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9]؟ قالوا:لا. قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) [الحشر:10]. اخرجوا عني، فعل الله بكم. اه) كشف الغمة (2/78) ط. إيران.
إنه مهما ظهرت البينات ووضحت الحجة، فإن الإنسان لا يستغني عن مولاه عز وجل، فمن المعلوم أن الله عز وجل أيّد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات الباهرة، وبالقرآن الكريم الذي وصفه الله بالنور المبين، ومع حسن خلق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقوة بيانه وفصاحته وما هو عليه من حسن مظهر ومخبر، ومعرفة أهل مكة له من طفولته إلى بعثته - ومع ذلك كله بقي كثير من أهل مكة على كفرهم حتى جاء الفتح. فعلينا أن نجتهد في الدعاء وطلب التوفيق والثبات على الحق واتباعه أينما كان؛ لأن الهداية من الله عز وجل.
أخي الكريم: تذكر أنك مطالب بما أمرك الله به، والله محاسبك على ذلك؛ فاحذر أن تقدم كلام أي أحد من البشر على كلام الله سبحانه وتعالى، فقد أنزل لك القرآن بلسان عربي مبين وجعله هدى وشفاء للمؤمنين، وجعله عمى على غيرهم؛ كما قال سبحانه: ((قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) [فصلت:44]. فاهتد بهذا القرآن واجعله نصب عينيك، وفقك الله لمرضاته.
أيها المبارك: حساب الخلق كلهم على الله سبحانه وتعالى وليس لبشر ذلك، وإنما لأهل الصلاح الشفاعة بشروطها.. فعلينا أن نبتعد عن التطاول على المولى سبحانه وتعالى والحكم على عباده.
إنه لا يضرنا أن نحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقية أصحابه رضي الله عنهم بل هو الموافق للقرآن الكريم، والموافق للروايات الصحيحة.. فتأمل.
وفي الختام: علينا أن نجتهد في دعاء المولى سبحانه وتعالى أن ينزع ما في قلوبنا من كراهية لهم وأن يبصرنا بالحق، وأن يعيننا على أنفسنا وعلى الشيطان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم...
كتبت : بنتـي دنيتـي
-
فداء وحسن بلاء ..صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
مقدمة كتاب صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن الحمد لله نحمده سبحانه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.

أما بعد:

فإن الأمة الإسلامية تعيش صحوة مباركة -أسأل الله سبحانه أن يجعل ثمارها يانعة- وهذه الصحوة قد أقضت مضاجع الكفار، فلذلك هم يحاولون منعها من النهوض بشتى الوسائل، فهي لن تنهض إلا بعد أن تصابر الأعداء، وتصبر الصبر كله، وتتقي الله ربها، وحينئذ تنال الأمة الإمامة والقيادة وتكون نهضتها مباركة بإذن الله تعالى.

وإن من أهم ما يكيد به الأعداء هذه الأمة هو استغلال افتراقها وشتاتها، واختلاف شعوبها وقياداتها.

ومن أهم أسباب هذه الافتراق وهو وقوده ومادة اشتعاله: ذلك الركام التاريخي الهائل، الذي قد أجاد القصاص فن سبكه وحبكه، وأتقن أصحاب المصالح استغلاله في تحريك العواطف وكسب التأييد، وتحريك الجماهير، وكسب الأموال، حتى أصبح الركام السلّم الذي يرتقونه ليصلوا إلى أهدافهم.

فلذلك ينبغي على المسلمين لا سيما طلبة العلم بيان الحق والذب عنه ودعوة أهل الإيمان إلى الاعتصام بالكتاب والسنة ونبذ الفرقة وإفشال خطط الأعداء في تمزيق الأمة وجعل بأسها بينها. ولا يخفى على القارئ الكريم أن الشرارة التي جعل منها القصاصون ناراً هي ما حصل بين الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وإسهاماً في تجلية الحقيقة والدعوة إلى الله تعالى كتبت هذه الرسالة للمسلمين عامة رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً، على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم، مع الحرص على الأدلة العقلية والنقلية لاسيما من القرآن الكريم مع استخدام أسلوب إثارة العواطف والإقناع العقلي لعل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بذلك. والصواب من توفيق الله وأستغفر الله من تقصيري وكل ذنب وخطيئة.

وأملي في القارئ أن لا ينسانا من الاقتراحات المفيدة، والتوجيهات السديدة.

كتبها:

صالح بن عبد الله الدرويش

القاضي بالمحكمة الكبرى بالقطيف

(ص.ب:31911)

الفصل الأول: من مهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

قال تعالى: ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [البقرة:129].

وقال تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2].

نصوص صريحة وواضحة الدلالة على التلازم بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام([1])؛ فإن من مهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي لأجلها أُرسل ما ذكره الله عز وجل في هذه الآيات، فهي من الواجبات الشرعية عليه، ومن الحكم البالغة في رسالته.

وقد قام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك خير قيام، فأنقذ اللهُ به الناس من الضلال المبين، وأخرجهم من الشرك والكفر إلى الإيمان والتوحيد.

لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين قومه في مكة وبعثه الله فيهم، وأنت –أيها القارئ الكريم- لا تجد بطناً من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم قرابة، حتى الأنصار!! فإن منهم أخوال عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني النجار، قال الله تعالى: ((رَسُولاً مِنْهُمْ)) [البقرة:129].

ولقد اختار الله للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أشرف نسب، فجعله من ذرية إبراهيم عليه السلام، وبعثه في خير البقاع مكة المكرمة، فهو دعوة أبيه إبراهيم عليهما السلام، وهو سيد ولد آدم عليه السلام ولا فخر، وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود، والشفاعة الكبرى يوم القيامة، والمنزلة الرفيعة، فهو صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خير البشر، وإمام المرسلين أجمعين باتفاق الأمة ولله الحمد والمنة.

ومن كمال نعمة الله على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن اختار له خير الأصحاب فهماً ورجولة وشجاعة، ولا غرو في ذلك؛ فهم أقاربه وعشيرته، وخير الناس نسباًَ، وأكرم الناس خُلقاً، وكما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) ([2]).

ولا يخفى عليك أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، فبنو هاشم الذين فازوا بالشرف وعلو المنزلة باصطفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، فهم أصحاب الشِّعْب الذين حوصروا فيه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم الذين حرِّمت عليهم الصدقة، ومنهم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ([3]) ومنهم اختار الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً للعالمين.

أخي القارئ الكريم: تأمل وتدبر!

قال الله تعالى: ((وَيُزَكِّيهِمْ)) [البقرة:129] وقد قام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتربيتهم وتزكيتهم؛ فهل يعقل الطعنُ فيهم؟؟

أخي! تأمل في تقديم التزكية على التعليم؛ فإن فيه لفتة لغوية لها دلالاتها.

وقال الله تعالى: ((وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)) [البقرة:129] وقد فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الواجب عليه، فهل يمكن لعاقلٍ منصفٍ يخاف الله أن يصف طلاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجهل؟!

أيها القارئ الكريم: لا تعجل! وقف مع الآيات وتدبر في معانيها: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة:2] وتأمل في الآية بعدها: ((ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)) [الجمعة:4] فصحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نعمة كبرى وفضل من الله تعالى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وبها فاز الصحابة رضي الله عنهم، وسبقوا غيرهم.

إنه الترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام الذين عاش بينهم ومعهم، وفي مقدمتهم أهل بيته الأطهار، وزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. يفرح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجلوس معهم، ويأنس بهم، فهم جنده ووزراؤه، وطلابه الذين أخذوا العلم عنه، وهم من بينهم عاش وعندهم مات صلى الله عليه وآله وسلم.

إن الذين يحبون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبه يقتدون، يعتقدون بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أدى الأمانة وبلغ الرسالة وقام بما أمره الله به، ومن ذلك أنه علَّم أصحابه العلم وزكاهم، فهم الذين أخذوا القرآن والسنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وعنهم أخذ التابعون؛ فالحكم بعدالتهم من الدين، ومن الشهادة بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قام بما أمره الله به، والطعن فيهم يعني الطعن بإمامهم وقائدهم ومعلمهم سيد المرسلين.

فكِّر وتأمَّل!! إن القضية فيها تلازم لا محالة؛ لذا فإن تخطئة الناقد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوجيه اللوم إليه أو إلى الناقل هو عين الصواب باتفاق العقلاء وإليك شرح ذلك باختصار.

-------------

([1]) القول المختار في الصحابي: أنه من آمن بالنبي وصَحِبَه ولو فترة من الزمن ومات على ذلك، ولطول الصحبة أثر في المنزلة.

([2]) البخاري: (6/298)، ومسلم برقم: (2526) باب خيار الناس.

([3]) سيأتي بيان المراد بآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفضلهم في الرسالة القادمة – إن شاء الله -

تأملات
لا تعجل أيها القارئ الكريم وتأمل معي: إذا خلوت بنفسك أو مع من تثق بعقله فتفكر وتأمل؛ فإن هذا من الدين، قال الله تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)) [سبأ:46].

أرأيتم لو أن رئيساً أو رمزاً لبلد أو لقومية من القوميات جاء من أتباعه الذين ينسبون أنفسهم إليه من يزعم أو يقرر أن هذا الزعيم أحاط به ناسٌ من الانتهازيين، لا بل من الخونة، ممن يحارب فكره، وهؤلاء الخونة هم أقرب الناس إليه وهم خاصته، وأهل مشورته وبيته، وبينه وبينهم نسبٌ وصهر ورحم، بل إنهم هم الذين حملوا فكره ونشروه.

تأمل وفكر ولا تعجل في الجواب: ماذا تقول لو أن ذلك الإمام والرمز مدح أصحابه وأثنى عليهم، وذم من يقدح فيهم أو يقلل من شأنهم؟؟

هل يوجد حاكم له سلطان يُسبّ مستشاروه ووزراؤه ويوصفون بأنهم خونة وأنهم... وأنهم... وهو راض بذلك؟؟

تأمل وفكر!!

ماذا تقول في عالم بذل كل جهده وعلمه لتعليم طلابه الذين صحبوه وعاشوا معه في السراء والضراء، وتركوا الأهل والوطن والمال؛ لأجل صحبته وملازمته، والأخذ عنه، والتأسي به، ثم جاء الجيلُ الذي بعدهم وطعن في هؤلاء الطلاب ووصفهم بالجهل وكتم العلم؟؟

ماذا يُقال عن هذا المعلم؟! وبم يوصف مَن هؤلاء طلابه الذين بذل جهده معهم؟؟

هل العيب فيه؟

أو العيب في الطلاب الذين تركوا أولادهم وأموالهم وديارهم؛ لأجل صحبة المعلم والأخذ عنه والتأسي به، الذين محبته عندهم فوق محبة الأولاد والأهل والمال والوطن ودليل ذلك فعلهم في هجرتهم إليه؟

أو العيب في الناقد الذي طعن في هؤلاء الطلاب ولم يَدر في خلده أن الطعن قد يشمل المعلم، أو يرجع إليه هو، أي: إلى الطاعن الناقد؟

تأمل وفكر في حال المعلم والطلاب والناقد!!

أخي القارئ الكريم:

تأمل في حال إمام أهل التربية والتوجيه -وهو القدوة بين الأنام- وصحبه وأتباعه ومؤيديه، لقد عاشوا معه السراء والضراء، الحرب والسلم، الرخاء والشدة، عصفت المحن بهم معه، وبلغت غايتها، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهم معه لم يتخلوا عنه، ولم يتركوه وكانوا به يقتدون.

لقد أخذوا أقواله من فمه مباشرة، وعاشوا الدقائق والثواني بكنفه، لم يفرطوا في مجالسه وأنفاسه، بل يتسابقون إلى شَعَره وبصاقه. لقد تولى المربي بنفسه توجيههم وتربيتهم، تارة يخاطب الجميع، وأحياناً يخص بعضهم بالموعظة، فتجده ينبه المخطئ إذا أخطأ، ويشكر المحسن إذا أحسن، بذل طاقته، واستفرغ جهده ووقته في تربيتهم، فلم يترك شيئاً فيه مصلحة ونفع لهم إلا فعله وحثهم عليه، ولا ترك شيئا فيه مضرة لهم إلا حذرهم منه.

إن القلم يعجز عن وصف حال المربي مع أصحابه ومحبيه وأتباعه الذين بين يديه، فهم بأمره يعملون وبه يقتدون، يشاهدون تصرفاته وأفعاله، ويسمعون أقواله وتوجيهاته، لقد أخذوا من المنبع الصافي من غير واسطة ولا كدر.

فهل يعقل بعد ذلك وصف هؤلاء بأنهم نكصوا على أعقابهم إلا النادر منهم؟؟ أي: الغالبية لم تنتفع بالتربية والتوجيه!! إذاً: كل ذلك الجهد ذهب سدى، حتى إنهم باعوا دينهم لأجل مال، من أخذه؟؟ ومن الذي دفعه؟؟

تقول: لا. بل لأجل جاه وشرف. أين ذلك الجاه والشرف؟!! هل يعادل شرف صحبة الإمام وخدمته؟ لماذا نكصوا؟ لا أدري.

المهم: أن الناقد يطعن في عدالتهم وتقواهم، فأقل ما يصف به الطاعنُ هؤلاء الذين تربوا على يد الإمام القدوة هو أنهم ضعاف الإيمان، هذا هو أضعف وصف!!

قل لي بربك: العيب في الإمام المربي أم في الذين بذل جهده في تربيتهم وتعليمهم وتزكيتهم الذين مَدَحَهم و...؟ أم العيب في الناقد الطاعن؟؟

لا تتعجل في الجواب.

فكر وتأمل!!

فكر في جهادهم مع الإمام المجاهد، وصبرهم معه، وبذلهم أموالهم، بل محاربة أقرب الناس إليهم لأجل إعلاء كلمة الله، وميدان الجهاد من أوسع ميادين التربية العملية، وهم شاركوا الإمام في كل ميادين الجهاد: جهاد النفس، وجهاد المال، وجهاد الدعوة، بل إنهم في كل أوجه الخير تسابقوا. فهل بعد أن فازوا ونالوا مرتبة الرضا ورضي الله عنهم بعدها رجعوا؟!! يا سبحان الله!!

أخي الكريم: لا تعجل! اصبر معي قليلاً، وبعد التأمل احكم، وتذكر أن من معروفك أن ترسل إليَّ كل ما يخطر ببالك من ملاحظات، فأنا مستعد للرجوع والزيادة والحذف في الطبعات القادمة إن شاء الله، والآن واصل معي القراءة في تأمل واحكم بعد ذلك.

أنت تتفق معي بأن الإمام القائد، القدوة، المعلم، المربي، لا يمكن أن يُتهم بتقصير أو بما هو دون ذلك، وإذا جعلنا العيب والخلل والضعف في الأتباع وأن عامتهم قد خانوا ولم يستفيدوا... إلى آخر الطعن الموجه إليهم فلا شك أن ذلك يؤثر على الإمام لا سيما إذا قلنا بأن الخونة والجهال هم خاصة الإمام ومن يجلس معهم، وهم الذين أحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، فهم الأهل والمستشارون.

وإذا جعلنا العيب في ناقل النقد- الواسطة في النقل ما يسميه العلماء "السند"- أو ذات الطاعن الذي تكلم وطعن فإن هذا هو عين الصواب، وإليك المثال وبعده يتضح المراد.

من المتفق عليه بين المؤرخين أن الإمام علياً رضي الله عنه خرج عليه طائفة من جنده أصبح مصطلح الخوارج علَماً عليهم، وبعد مناظرات ومناقشات نفذ صبر الإمام رضي الله عنه لما اعتدوا على المسلمين الآمنين وقتلوا عبد الله بن خباب، فقام الإمام بعدها بمحاربتهم.

فهل يسوغ لعاقل أن يتهم الإمام علياً بسبب هذه الفئة من جنده، أو يطعن في أصحاب الإمام الذين بايعوه على الخلافة ثم شاركوا معه في القتال؟!

وهل يمكن أن يقال: إن بأن عامة الذين بايعوا الإمام كفار، أو فسقة أو جهال، أو خانوا الإمام بعد وفاته، وغير ذلك من الأوصاف؛ لأجل فئة من الناس قد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروجهم وعلامتهم وبيَّن أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؟!

أخي القارئ:

تتفق معي بأن توجيه النقد إلى الإمام علي رضي الله عنه لا يمكن، وكذلك توجيه الاتهام إلى الذين بايعوه انحراف عن الصواب وبدعة شنيعة يخشى على صاحبها، بل بيعة الإمام متفق على صحتها فلا جدال في ذلك، ومن انتقد الإمام أو الذين بايعوه فإن النقد يرجع عليه وتخطئته هي عين الصواب، وإذا هِبت نقد القائل لسمعته ولشهرته فعليك أن تنظر في السند، فقد يُنسب نقد الإمام إلى إمام من أئمة الإسلام من باب البهتان والزور، وهذا في غاية الوضوح.

فكر معي وتأمل:

أعتقد أنك تتفق معي فيما قررته سابقاً من أن النقد لا يمكن أن يوجه إلى الإمام علي رضي الله عنه ولا إلى الذين بايعوه وناصروه، بل يوجه إلى الناقد أو الناقل عنه.

هل لك اعتراض على ذلك؟ ما هو؟ نعم. تتفق معي. هذه هي النتيجة الصحيحة أليس كذلك؟

مما لا جدال فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من علي رضي الله عنه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير الأصحاب، وآله صلى الله عليه وآله وسلم خير آل، وما قيل فيما مضى يقال هنا، بل هنا أولى وأولى.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المعلم، وصحبه الكرام هم الطلاب الذين تعلموا على يديه، وفي مقدمتهم آل الرسول عليهم السلام.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد، وصحبه الكرام هم الجند الذين بذلوا أنفسهم بين يديه وفي مقدمتهم آل الرسول عليهم السلام.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المربي، وصحبه الكرام هم الجيل الذي تولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه تربيته وفي مقدمته ذريته وأهل بيته عليهم السلام.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الحاكم، وخاصته من المستشارين والوزراء من أصحابه الكرام لا سيما الأصهار والأرحام.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلغ رسالة ربه، وصحبه الكرام هم الذين حملوها عنه وفي مقدمتهم آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

إنه التلازم والترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الكرام، لا ينفك أحدهما عن الآخر وفي مقدمتهم أهل بيته عليهم السلام. وتوجيه اللوم والتقصير إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفر باتفاق الأمة.

حقائق
تأمل وفكر قبل أن تحكم! لماذا يحرص أهل السنة جميعاً على عدالة الصحابة والتشديد في هذه القضية؟

سل نفسك وفكر في الجواب، وإليك بعض الخطوط العريضة في المسألة تفيدك في معرفة الجواب:

الطعن في صحابة رسول صلى الله عليه وآله وسلم يفتح الباب على مصراعيه لأعداء الإسلام؛ لماذا؟

أقول: أولاً: إذا تم الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن توجيه سهام النقد إلى غيرهم والتشهير بهم سيكون من باب أولى؛ وذلك لما يأتي:

أ - الصحابة رضي الله عنهم أنزل الله في فضلهم آيات تتلى إلى يوم القيامة.

ب - مدحهم المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة.

جـ - التلازم والتلاحم بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام لا انفكاك منه، فهو المربي والمعلم والقائد لهم..... و.... و.. كما سبق بيانه.

د - لأن المتفق عليه بين الفرق الإسلامية أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم وهو إمام المرسلين والأئمة المصلحين، فإذا لم يقم عليه الصلاة والسلام بتربية فئة تحمل أعباء هذا الدين وتتمثله سلوكاً وعملاً واعتقاداً، فإن غيره لن يستطيع القيام بهذا مهما كانت منزلته.

هـ - شهد التاريخ لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قادة الفتح الإسلامي، وأنهم الذين حملوا لواء الإسلام ونشروه، وأنهم من ضربوا أروع الأمثلة في حسن الخلق وقوة الإيمان. وغير ذلك من الأسباب التي تجعل منزلة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوق منزلة جميع أصحاب الرسل والأئمة عليهم السلام.

فهذه المميزات وغيرها كثير اختص بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون سائر المسلمين؛ ففتح باب الطعن فيهم فتح لباب الطعن في المسلمين وأئمتهم من باب أولى.

ثانياً: من خلال الطعن في الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين يتم لأعداء الدين الطعن في القرآن الكريم: أين التواتر في تبليغه؟ أين الأمانة والعدالة في حملة القرآن؟

ثالثاً: الطعن في الصحابة هو الطعن في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المطهرة وسيرته الشريفة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين رووا السنة والسيرة.

رابعاً: يجد الأعداء ميداناً خصباً للقول بأن الإسلام مبادئ ومُثُل لم يتم تطبيقها ويستحيل الالتزام بها؛ لأن الذين شهدوا تنزيل القرآن، ورباهم سيد الأنام نكص أكثرهم على أعقابهم.

خامساً: يتم بالطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشويه أمجاد الإسلام وحضارته.

وغير ذلك من الأسباب التي يطول ذكرها وهي تعينك على الجواب.

ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، اللهم ارزقنا صفاء القلوب ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار وصحبه الأخيار أجمعين يا أرحم الراحمين.

خاتمة الفصل الأول
أخي الكريم:

اعلم بأن هذه المسألة في غاية الأهمية، والاختلاف فيها من أهم أسباب افتراق الأمة، وهي مع بساطتها ووضوح الحجة العقلية والنقلية فيها قد خالف فيها طوائف وفرق، فتجد طائفة تكفِّر الإمام علياً رضي الله عنه ومن معه نسأل الله العافية.

ونجد آخرين يكفرون عامة الصحابة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وتجد من يقف في المسألة حائراً مع أن المسألة في غاية البيان كما لا يخفى عليك.

إن الطعن في الصحابة طعن في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو المربي والمعلم والقائد لهم كما سبق بيانه؛ لذا تجب محبتهم، والشهادة بعدالتهم؛ لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكفى بذلك شرفاً وفخراً. اللهم ارزقنا محبتهم، والثناء عليهم يا أرحم الراحمين.

أخي الكريم:

الحذر الحذر أن يصدك عن الحق ما عليه الناس، أين عقلك! أين شخصيتك وفكرك؟ إياك أن تقل: أبناء الطائفة أو الأهل أو العلماء لهم رأي وأنا تبع لهم!!

فأنت ستدخل القبر فرداً، ويوم القيامة ستسأل عن نفسك.

فكر وتأمل!! واسأل ربك الهداية وأنت صادق في الدعاء، وتذكر منزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الله، ومنزلة الصحابة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم تقتنع بما مضى فعليك التأمل في الأدلة التالية، والله الهادي إلى سواء السبيل.

الفصل الثاني: بعض المواقف التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام
مطلب في ذكر الأدلة:

أخي الكريم: إن الدارس للقرآن الكريم يجد آيات كثيرة أُنزلت في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيها تفصيل للمواقف التي عاشها وأحكامها، وما يتعلق بها، فهل عاش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حياته منفرداً؟

لا خلاف بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عاش بين أصحابه وأهل بيته الكرام رضي الله عنهم ؛ لذا فإن الآيات التي أنزلت فيهم كثيرة جداً، وإليك عرض سريع لبعض المواقف وما أُنزل فيها من آيات؛ لكي تدرك مدى الترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، وفضل تلك الصحبة، والفضل الذي لا حد له لمن عاش تلك المواقف مع المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

غزوة بدر:

أنزل الله عز وجل في أحداثها سورة الأنفال، وقد تضمنت هذه السورة آيات كثيرة تدل على ما ذكرناه، نقف مع ثلاث آيات منها.

قال الله تعالى: ((إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)) [الأنفال:11].

تأمل في الآية وتدبر معانيها، فكر في معنى التطهير وإذهاب رجس الشيطان، أما الآية التي بعدها فقد شهد الله لهم فيها بالإيمان، قال تعالى: ((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)) [الأنفال:12] لذا قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)([1]).

فائدة مهمة: أجمع كل من كتب في السيرة من الذين يشهدون بأن محمداً رسول الله وغيرهم أجمعوا على أن النفاق قد حصل بعد ة بدر ولم يكن قبلها نفاق فتنبه لهذا.

أخي القارئ الكريم:

قف وأمعن النظر وتأمل في آخر السورة، فالله سبحانه حكم بأن المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض، وفكر في دلالات قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74] ((وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [الأنفال:75] الله أكبر! هنيئاً لهم، إي وربي! إنها والله الشهادة من المولى سبحانه للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بالإيمان، وتأمل في قوله: (حقاً) فهي للتأكيد، ثم قال سبحانه: ((لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال:74] فهل لمؤمن أن يطعن فيهم مع هذه الشهادة والتأكيدات؟

---------

([1]) البخاري: (7/140)، كتاب المغازي. باب فتح مكة وباب فضل من شهد بدراً وغير ذلك. ومسلم رقم: (2494) من فضائل بدر.

غزوة أحد:

في أحداثها وما يتعلق بها أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه ستين آية من سورة آل عمران، وما تضمنته السورة من الثناء على الصحابة يستحق دراسة موسعة مفردة.

فمن أول آية تجد الترابط بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجنده، والشهادة لهم من الله تعالى بالإيمان، قال الله تعالى: ((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [آل عمران:121] ثم تمضي الآيات وفيها بيان لما حصل، حتى في آية العتاب التي فيها ذكر أسباب الهزيمة تجد قوله سبحانه: ((عَفَا عَنْكُمْ)) [آل عمران:152] العفو من الله لهم، وتأمل في وصف حالهم بعد نهاية المعركة، بل النصر المبين الذي حصل لهم، وهروب قريش منهم، بفضل الله، ورجوع المؤمنين قال الله تعالى: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:173] ((فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)) [آل عمران:174] فهذه شهادة من المولى لهم بزيادة الإيمان، وأنهم اتبعوا رضوان الله، ولا يخفى عليك أن جميع الذين شهدوا غزوة أحد ساروا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد([1])، فهم الذين نزلت فيهم الآيات. ثم تأمل فيما ذكره الله في ختام الآية مما يدل على سعة رحمة الله.

------------

([1]) بعد المدينة بعدة أميال على طريق مكة، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلغه أن قريشاً بعد انصرافهم من أحد أجمعوا الرجوع إلى المدينة مرة أخرى، فنادى منادي الجهاد، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا يخرج إلا من شهد الوقعة، فخرج الصحابة رضي الله عنه مع جراحهم وآلامهم ولم يخرج معهم أَحد من الذين تخلفوا عن أُحد إلا جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فقد ذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عذره في عدم شهود أحد، فأذن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم له بالخروج معهم.

غزوة الخندق:

نزلت فيها آيات من سورة الأحزاب، ومع قصرها إلا أن فيها تصويراً بليغاً للترابط بين الصحابة رضي الله عنهم مع الوصف الدقيق لحالتهم النفسية، وما أصابهم من جهدٍ وجوع وخوف، وحرصهم على ملازمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أخي القارئ: تأمل في الآية التاسعة من سورة الأحزاب التي نادى الله فيها المؤمنين مذكراً أنهم نعمته عليهم في تلك المواقف: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا)) [الأحزاب:9] الآيات.

ثم ذكر المولى نعمته عليهم مرة أخرى بكف يد العدو عنهم وشهد لهم بالإيمان بقوله سبحانه: ((وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ)) [الأحزاب:25] ثم ذكر الله آيتين فيهما بيان لما حصل لبني قريظة القبيلة اليهودية المشهورة.

فتأمل في الآيات واتلها بتدبرٍ وقف عند قوله تعالى: ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)) [الأحزاب:22] وفضل الله سبحانه وتعالى واسع لا يمكن أن يقال بأن هذا خاص بأفراد مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

من هم الذين قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله؟ ومن هم الذين حفروا الخندق مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟

ثم تأمل في شهادة المولى لهم بالإيمان وزيادته، وكذلك فضل الله عليهم في الدنيا الذي ذكره الله في هذه السورة.

من هم الذين ورثوا بني قريظة؟ ومن هم الذين حاربوا اليهود؟

قال الله تعالى: ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)) [الأحزاب:27].

فبعد أن ذكر الله فضله على المؤمنين بفتح حصون اليهود وإنزال الرعب في قلوب اليهود، وقتل اليهود وأسرهم - هلا قمت بتلاوة الآيات من أول القصة: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً)) [الأحزاب:9] حتى النهاية ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)) [الأحزاب:27].

أخي: تدبر معانيها وعش في ظلالها وتأمل التلاحم والترابط بين القائد وجنده والخطاب من الله لهم جميعاً.

صلح الحديبية:

أيها القارئ الكريم: لا يخفى عليك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رؤيا ذكرها الله في سورة الفتح: ((لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)) [الفتح:27] إلى آخر الآية. ورؤى الأنبياء عليهم السلام حق كما تعلم، فكانت هذه بشارة للمؤمنين بعد البلاء الشديد الذي أصابهم في غزوة الخندق.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بها ونادى بالمسير إلى مكة للعمرة، فسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسابقين من المهاجرين والأنصار وعددهم ألف وأربعمائة مقاتل.

وقد تخلف كثير من الأعراب عن المشاركة ولم يشارك من المنافقين إلا رجل واحد.

فكر وتأمل في الحكمة!!

سار الركب الراشد، وجنبات البيداء تردد معهم صدى التكبير والتهليل.

وقامت قريش بالاستعداد لمنعهم من دخول مكة. وفي الحديبية حصلت البيعة.

لقد بايع الركب الراشد المهاجرون والأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصبر وعدم الفرار. وهذه هي بيعة الرضوان.

الاشتياق إلى مكة يفوق الوصف.. البشارة عندهم بدخولها، ولكن محبتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والحرص على طاعته والتأسي به والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله - هي سمة ذلك الجيل. فأكرمهم الله سبحانه وتعالى بما أنزل فيهم من آيات.

أيها القارئ الكريم: تأمل وأنت تتلو سورة الفتح وتدبّر في معانيها، قال الله عز وجل: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)) [الفتح:1] ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً)) [الفتح:2] ((وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً)) [الفتح:3] يذكر الله سبحانه فضله على الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يبين المولى عز وجل فضله على الصحابة الكرام وما حصل لهم من السكينة التي أثمرتْ زيادةَ الإيمان.

ثم يذكر المولى سبحانه وتعالى بيعة الرضوان، قال الله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:18].

إنها حقيقة يعجز الإنسان عن وصفها مهما أوتي من بلاغة وفصاحة.

رب العالمين سبحانه وتعالى رحم هذه الفئة المؤمنة وأوحى إلى سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم بما حصل منها وذكر أدق الأوصاف وأخفى الأسرار: ((مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) [الفتح:18].

إن الصحابة قد بلغوا الغاية في الصدق والإخلاص وطلب رضوان المولى؛ فنالوا الفوز المبين رضي الله عنهم، كل فرد منهم بايع تحت الشجرة -مكان البيعة- يعلم بأنه داخل في الخطاب، فهو يمشي على الأرض وهو يعلم بأنه نال الشرف والسعادة، والغنائم في الدنيا، والفوز المبين في الآخرة.

تأمل في الآيات! وقل معي: كيف يسوغ لعاقل أن يتكلم فيهم؟!

أو يقول: إن الله عز وجل بدا له السخط بعد الرضا؟ يا سبحان الله!

ولا أطيل في النقاش، بل أكتفي بالرد على هذه التأويلات بآية من كتاب الله، فتأمل في الآية وتدبر في معانيها، وهي في غاية الوضوح والبيان، وفيها شفاء لما في الصدور، والطاعنون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حاروا فيها، وعجز خيالهم -نعم حتى الخيال- عن الرد على الآية أو وضع تأويل لها، وارتد خاسئاً وهو حسير، فلم أقف لهم على قول فيها.

ولكن المراء والجدال، واتباع الهوى منع الناس من إتباع الحق.

وإليك الآية، قال الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100] فتأمل فيها، وفي العموم في قوله سبحانه: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ)) [التوبة:100] منهم؟

جاء البيان بقوله سبحانه: ((مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100] فالذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين نصروا هم السابقون بنص القرآن، فلا يمكن الرد أو التأويل. فكن من الصنف الثالث تفز يا عبد الله: ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)) [التوبة:100] فإن الصحابة أئمة يقتدى بهم رضي الله عنهم ([1]).

وتأمل في التأكيدات والمبشرات: ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) [التوبة:100] وقوله:

((وَأَعَدَّ)) [التوبة:100] بصيغة الماضي، والتمليك ((لَهُمْ)) [التوبة:100] والخلود والتأبيد ((خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)) [التوبة:100].

وتأمل في ذكر الأعراب والمنافقين في سياق الآيات.

فلا يمكن لمن يقرأ الآية وهو يؤمن بأن القرآن كلام الله ويفهم لغة العرب - إلا التسليم بفضل الصحابة.

أيها القارئ الكريم: اسمح لي بالإطالة اليسيرة عند قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) [الفتح:29] نعم ورد ذكر الصحابة في التوراة والإنجيل وبيان خصالهم الحميدة، وصفاتهم التي تميزوا بها.

محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام المرسلين، وأصحابه هم خير الأصحاب ((وَالَّذِينَ مَعَهُ)) [الفتح:29] حقيقة الموالاة، والإخاء، والتآلف معه في السراء والضراء ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)) [الفتح:29] من الآباء والأهل والعشيرة وذلك لله. وهم ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح:29] والدارس للسيرة يُدرك ما وصلوا إليه من محبة وإخاء في الدين، والتطبيق العملي للرحمة بينهم لا حصر له من: إيثار على النفس: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر:9] وموالاة صادقة: ((بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [الأنفال:72] وقال تعالى: ((بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)) [التوبة:67] بهذا وصفهم الله سبحانه وتعالى، والواجب الأخذ بما ورد في القرآن في وصفهم: ((رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) فإن الموالاة بينهم والتراحم هو الأصل؛ لأن الله سبحانه وصفهم به فعلينا الأخذ به وترك ما ذكره أصحاب الأساطير التاريخية، وهذه مسألة في غاية الأهمية، فنحن عندنا آيات محكمات ويقابلها روايات الله أعلم بسندها، ومتنها مضاد للقرآن، فتأمل في الآيات وفيما تعتقد: هل هو مطابق للقرآن أم أنك متأثر بالأساطير التاريخية؟

والصحابة هم أصحاب العبادة وهي سمتهم، فهم كما قال الله تعالى: ((تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً)) وهذا الوصف فيه تكريم لهم، حيث ذكر أهم حالات العبادة: الركوع والسجود، والتعبير يشعرك كأنما هذه هيئتهم الدائمة، وهي كذلك؛ لأن محبة الركوع والسجود مستقرة في قلوبهم، فقلوبهم معلقة بالمساجد، فكأنهم يقضون زمانهم كله ركعاً سجدا، والدليل على ذلك قوله سبحانه في الثناء على قلوبهم وصدق نياتهم، حيث قال: ((يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)) هذه مشاعرهم ودوافعهم ورغباتهم، فكل ما يشغل بالهم هو طلب فضل الله ورضوانه.

فليس للدنيا في قلوبهم محل، وهذه رغبة ظهرت آثارها على محياهم، فلا كبر ولا خيلاء، ولا غرور، بل التواضع والخضوع، والخشوع لله سبحانه وتعالى، وإشراق نور الإيمان على سيماهم، وليس المراد ما قد يتبادر إلى الذهن أن المراد العلامة في الجبهة التي تكون من أثر السجود، وليس ثمة مانع من دخولها([2])، فقد ذكرها بعض السلف.

تأمل: هذه صفاتهم عند اليهود في التوراة. ومقابل هذه الصفات ورد في الإنجيل صفاتهم عند النصارى، فهم أقوياء أشداء، مثل الزرع ينبت ضعيفاً ثم ينمو ويشتد.

من المراد بالزرع؟ ومن هو الزارع؟ ومن هم الذين يسوءهم حال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعلهم؟ ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)).

وقد أكد الله المغفرة لهم وأن لهم أجراً عظيماً بقوله سبحانه: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)) و(مِن) في قوله: ((منهم)) لبيان الجنس كقوله: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) [الحج:30] فتأمل ذلك.

تأمل وفكر: انظر إلى هذه الصور الفريدة في بيان واقع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، فهذا مثلهم في التوراة والإنجيل، وقد جاء ليقرر أنهم رحماء بينهم.

وتقرير الموالاة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام حقيقة جاء توكيدها في القرآن في آيات كثيرة كما سبق بيانه، وهي من أعظم نعم الله على الصحابة، قال تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)) [الحجرات:7] وهذه السورة فيها أدلة كثيرة على فضل الصحابة وستأتي إشارة إلى ذلك.

--------------

([1]) ودليل اتباعهم بإحسان ما ورد في قوله تعالى: (وَالّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلاخْوَنِنَا الّذِينَ سبَقُونَا بِالايماَنِ...) الآية. فعليك بالدعاء لهم. والخلاف في حجية قول الصحابي وفعله من المسائل الأصولية المشهورة وليس هنا محل بسطها.

([2]) انظر: تفسير ابن جرير وغيره للآية.

استقبال الوفود:

سورة الحجرات فيها آيات في غاية الوضوح على فضل الصحابة، وقد اشتملت السورة على كليات في الاعتقاد والشريعة، وحقائق الوجود الإنساني، وفيها بيان لمعالم المجتمع المسلم وتقرير الأخوة الإيمانية ومحاربة كل ما يضادها ويضعف كيانها.

ونقف وقفتين مختصرتين مع الآيات التي تخص بحثنا:

أولاً: الآداب التي ينبغي التأدب بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبيان ما عليه الأعراب.

تبدأ السورة بمناداة المؤمنين بوصفهم لأجل التسليم لأمر الله ورسوله وعدم التقدم بين يديه، بل عليهم الرضا والتسليم وعدم التعجل في الاقتراحات على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعليهم ألا يقولوا في أمرٍ قبل بيان الله سبحانه وتعالى، ومن باب أولى ألا يفعلوا.

وانظر إلى الأدب الرفيع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كيفية الكلام وعدم رفع الصوت، وتأمل في التفريق بين توجيه المولى سبحانه وتعالى للصحابة وما ذكره عز وجل عن الأعراب وهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهذه لها دلالات من أهمها: اختلاف منازل الصحابة رضي الله عنهم.

فتأمل وتدبر:

ففي الآيات صور حية من واقع حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه الكرام.

ثانياً: ما تضمنته الآيات من فضل الصحابة، ففيها النص الصريح على النعمة الكبرى، وهي وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ)) [الحجرات:7] ماذا يعني ذلك؟ إن الوحي ينزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو معهم، وهذا اتصال بين الخلق -هذه الفئة المؤمنة- مع الخالق رب العالمين سبحانه وتعالى بواسطة الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم.

يأتيهم خبرهم وما هم عليه، حتى ما في قلوبهم، والفصل في النوازل التي تنزل بهم والحكم فيها.

حتى القضايا الفردية: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)) [المجادلة:1] ورضي الله عن أم أيمن لما بكت على انقطاع الوحي وبكى من عندها من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القصة المشهورة لما زارها الصديق ومن معه تأسياً بزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها.

ثم تأمل وفكر في الآية: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)) [الحجرات:7] ففضلٌ من الله أن جعل الإيمان في قلوبهم راسخاً فطرياً، وجعل محبتهم له أشد من محبتهم للشهوات، وتأمل في التأكيد: ((وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)) [الحجرات:7] ثم ذكرُ ما يضاده وينقص منه: ((وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)) [الحجرات:7].

إذاً: لقد فطر الله الصحابة رضوان الله عليهم على كراهية كل ما ينقص الإيمان، الله أكبر! تأمل في الآية وختامها: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7] فهذا فضل الله على هذه الفئة: أن اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهداهم للإيمان وزيّنه في قلوبهم، وجعلهم أهلاً لصحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فهم يكرهون الكفر والفسوق والعصيان؛ ولحكمة بالغة جاء النص مشتملاً على الأسماء الثلاثة: الكفر.. الفسوق.. العصيان، فلم يترك شيئاً.

وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في وصفهم: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه).

فهذه آية لها دلالات على فضل الصحابة وعدالتهم واستحقاقهم لهذا الفضل وما لهم من فضل عند الله عز وجل.

وتأمل في قول المولى: ((أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7] حيث عقب المولى على ذلك بقوله سبحانه: ((فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) [الحجرات:8] فصحبة الرسول نعمة من الله تفضّل الله بها على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو العليم الحكيم، ومن حكمته سبحانه أن اختار محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً، وجعله خير الرسل عليهم السلام وكذلك اختار له أصحاباً وجعلهم خير الصحب رضي الله عنهم أجمعين، فمنزلة الصحابة؛ لأجل الصحبة ولأجل قيامهم بحقوقها.

غزوة تبوك:

وقد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة التوبة في أحداث الغزوة وما قبلها وما بعدها، وهي من أواخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففيها تفصيلات جليلة للمجتمع النبوي.

ودراستها مهمة جداً؛ لأنها نزلت بعد فتح مكة، ففيها بيان لواقع المجتمع المسلم، وهذا الذي يهمنا في هذه الدراسة، فهو صلب الموضوع، فعليك أن تتأمل وأنت تتلو آيات السورة.

تجد –أيها القارئ الكريم- ذكر أحوال المنافقين بالتفصيل، وبيان صفاتهم وحالهم وأن من أهل المدينة مَن مردوا على النفاق، وأنهم تخلفوا عن الخروج ولم يشاركوا في النفقات، بل لمزوا المطوعين من المؤمنين، وأنهم أصحاب مصالح، ويبادرون للحلف، ويتمسكون بأدنى شبهة ويجعلونها حجة لهم، فهل منهم العشرة المبشرون بالجنة أو غيرهم من السابقين؟

أخي الكريم:

تأمل في صفات المنافقين وانظر فيما ذكره الله عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وعليك أن تفرح بما ذكره الله سبحانه وتعالى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنت تجد في السورة ذكر الأعراب وأنهم ليسوا سواء، بل منهم كما قال الله تعالى: ((وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [التوبة:98] فهذا صنف من الأعراب عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الصنف الآخر: ((وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:99].

وفي الآيات تجد ذكر الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشاركوا في جيش العسرة، من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

التفصيلات واضحة ودقيقة، وفيها بيان لواقع المجتمع، ولا تجد ذكر المهاجرين والأنصار إلا بخير، وذلك في القرآن كله، وتجد البشارة الناصعة في الآيات المحكمة التي شملت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام في نسق واحد، إنه التلازم بين الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وبين أصحابه، اقرأ وتأمل: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117].

وهذه لجميع المهاجرين والأنصار، فتأمل في التوبة عليهم أول الآية ثم في وسطها، ثم تأمل في قوله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ((إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117] فما بالك بقوم تولاهم الله برحمته، فهو بهم رءوف رحيم؟!

وقد جاء في الآية التي قبلها ذكر مزايا وخصائص للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وفيها لطائف كثيرة سبق الإشارة إلى بعضها.

السؤال: من هم السابقون؟

كل من صلى القبلتين فهو من السابقين، وقال آخرون: كل من بايع تحت الشجرة فهو من السابقين، وعلى كل حال فإن الآية تدل على أن الصحابة رضي الله عنهم طبقات، ولكل طبقة منزلة ومكانة، فخير الصحابة هم السابقون الأولون، وهم أصحاب بدر وأحد والخندق وبعدهم أصحاب البيعة: بيعة الرضوان.

ولو أن أحداً من هؤلاء -وحاشاهم رضي الله عنهم - نافق لجاء البيان، يا سبحان الله! تخلف الثلاثة وصدقوا فجاءت الآيات - وهم ثلاثة- ببيان حالهم، وكذلك في بيان حال الضعفة الذين لا يجدون ما ينفقون، وسكت الله عن غيرهم الذين فيهم الخطر وهم رأس النفاق! كما يزعم الذين في قلوبهم مرض.

فالدارس للسورة يجزم بأنه لا يمكن أن يوجد في المجتمع النبوي من هو مستخفٍ على شرٍ أو فيه خطر على الإسلام والمسلمين إلا وقد ورد ما يفضحهم في سورة التوبة ونزل كشف حالهم، كيف لا وهي السورة الفاضحة والكاشفة؟

تقسيمات المجتمع من خلال السورة:
1- ذكر الله سبحانه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فقال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين معه على العموم، أي من السابقين ومن غيرهم من المؤمنين، قال الله تعالى: ((لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [التوبة:88].

وذكر سبحانه المهاجرين والأنصار من غير ذكر الأولين، فجاءت الآية الأخرى صريحة في البيان، قال الله تعالى: ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [الحديد:10].

فهنا التفريق واضح، والله سبحانه وعدهم جميعاً بالحسنى، وهو سبحانه صاحب الفضل.

2- ذكر المولى سبحانه أحداث أفراد من المجتمع وهم الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزوة وكذلك الذين لا يجدون ما ينفقون.

3- ذكر الله سبحانه الذين خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا، وأثنى الله على أصحاب المسجد الذي أسس على التقوى.

فتأمل في ذكر التفصيلات الدقيقة، وهؤلاء كلهم من المؤمنين.

4- ذكر الله سبحانه وتعالى المنافقين وفصّل في أحوالهم وصفاتهم وأن منهم ومنهم... وذكر صفات أفراد منهم، فتأمل في ذلك وتدبر في ذكر التفصيلات عن المؤمنين، والأعراب (وفيهم من هو مؤمن صادق ومن هو منافق كاذب) والمنافقين كما سبق الإشارة؛ فهل يتصور عاقل أن تَرد تلك التفصيلات ويتم السكوت عمن هو أخطر؟

قبل الختام:
قال الله تعالى: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) [الكهف:28] فالله عز وجل يأمر نبيه بالصبر مع طائفة من أصحابه.

تأمل في الآية، وانظر إلى هذا الشرف: النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع منزلته يأمره الله بالصبر مع الذين يدعون ربهم. من هم هؤلاء؟... إنه التلازم بين النبي وأصحابه الكرام.

وقال الله تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران:159] فمن رحمة الله ما حصل للصحابة من لين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم واستغفاره والدعاء لهم ومشاورتهم..

أخي الكريم: تأمل في معاني الآية! الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يأتيه الوحي من رب السموات والأرض وهو مسدد في أفعاله وأقواله، وهو خير البشر ومع ذلك يأتيه الأمر بمشاورة أصحابه الكرام، ولهذا دلالات منها: أهمية المشورة في الإسلام، والشاهد من الآية: منزلة الذين شاورهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويدرك ذلك من كان له قلب وبصيرة.

تأمل في منزلة المصطفى تدرك مكانة الذين شاورهم وتأمل في استغفار الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم لهم رضي الله عنهم!

فهنيئاً لهم هذا الاستغفار من الحبيب وتلك المنزلة التي حصلوا عليها لأجل مصاحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

أخي القارئ الكريم: إن الدارس للقرآن الكريم يجد كثرة ما نزل من آيات في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام على سبيل العموم، وقد ذكرنا بعض ما نزل على سبيل الإجمال والاختصار، وفيه قناعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

الخاتمة
أيها القارئ الكريم: تذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل، وتأمل في الآيات التي مرت بك، والمواقف التي عاشها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه الكرام في السراء والضراء، والرخاء والشدة... تأمل في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: مع من قضاها؟

من هم طلابه الذين أخذوا العلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم جنده الذين حارب بهم أعداءه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم جلساؤه الذين شاورهم صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم الذين أكل معهم وشرب وأنس بهم وفرحوا به صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم الذين صلوا خلفه واستمعوا مواعظه وخطبه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم الذين زارهم وزاروه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم الذين أنفقوا أموالهم بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم الذين بذلوا أرواحهم رخيصة بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم الذين نقلوا القرآن عنه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم الذين تحملوا الرسالة وبلغوها عنه صلى الله عليه وآله وسلم ؟

من هم الذين صحبهم وصحبوه وعاش معهم وبعد أن قضى حياته مات بينهم صلى الله عليه وآله وسلم وصلوا عليه، وحزنوا على فراقه صلى الله عليه وآله وسلم، ونالوا أجر مصيبتهم في فقده كما نالوا أجر العيش معه صلى الله عليه وآله وسلم.

وبعد: لقد ذكر الذين وفقهم الله للتوبة من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والطعن فيهم ما حصل لهم من طمأنينة ولذة عيش وأنهم شعروا حقيقة بلذة الإيمان، وكيف كانت حالهم قبل توبتهم وبعدها.

لقد عاشوا حقيقة قوله تعالى: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10] ارتفع الغل من قلوبهم، وأحبوا آل البيت الأطهار وسائر الصحابة الكرام، فالجمع بين محبة آل البيت والصحابة هو عين الصواب وبه يجتمع شتات القلب ويشعر المؤمن بالسعادة والطمأنينة ويأتي -بإذن الله تعالى- يوم القيامة بقلب سليم.

فاحرص على سلامة قلبك، وانزع ما فيه من غلٍ وكراهية للمؤمنين عامة، وللصحابة ومنهم آل البيت على وجه الخصوص الذين فازوا بفضل الصحبة وحق القرابة.

اللهم ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

=========================


كتبت : سنبلة الخير .
-


ِ
الصفحات 1 2 

التالي

احذروا الصلاة على هذه السجادة...

السابق

الرد على أصول الرافضة الجزء الثاني.

كلمات ذات علاقة
أسوء , الثالث , الجزء , الرافضة , الرد , على