ضوابط الفتوى والإفتاء .. ومخاطر من يفتي وهو غير أهل لذلك

مجتمع رجيم فتاوي وأحكام
الكاتبة: || (أفنان) l|

ضوابط الفتوى والإفتاء .. ومخاطر من يفتي وهو غير أهل لذلك

.. بسم الله الرحمن الرحيم ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..





خطر الإفتاء .


( اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير ال ، كثير الفضل ، لأن المفتي وارث الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وقائم بفرض الكفاية ولكنه معرض للخطأ ؛ ولهذا قالوا : المفتي عن الله تعالى .

قال ابن المُنكدر – رحمه الله - : " العالم بين الله تعالى وخلقه ، فلينظر كيف يدخل بينهم " ) .



من ضوابط الإفتاء ( الحلقة رقم1 )


الضابط رقم 1 :
أن يكون الإفتاء عن نية خالصة صالحة .

قال تعالى : {وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} . البينة : 5 .

وقال صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " .

وقال بعض السلف : « من أحب أن يُسأل ، فليس بأهل أن يُسأل » .

فينبغي عليه أن يقصد إرشاد وهداية العامة إلى معرفة الأحكام الشرعية ، وغير ذلك من النوايا الصالحة .


الضابط رقم 2 :
أن يستعين فيه بالله ويبدأ باسمه سبحانه .

جاء عن مكحول ومالك - رحمهما الله - أنهما كانا لا يفتيان حتى يقولا : لا حول ولا قوة إلا بالله .
قال الصيمري وغيره : ينبغي أن يدعو إذا أراد الإفتاء .


الضابط رقم 3 :
أن يصدر الإفتاء عن شخص مؤهل لذلك .

قال العلماء – رحمهم الله - وهو من اجتمعت فيه الشروط التالية :
1. الإسلام .
2. العقل .
3. البلوغ .
4. العدالة والورع ، والديانة والصيانة ، والثقة والأمانة ، وفقه النفس وسلامة الذهن ورصانة الفكر ، وصحة التصرف والاستنباط ، والتيقظ ، والسلامة من الفسق وخوارم المروءة .

5. أن يكون محيطاً بمدارك الشرع ( الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرذلك من المدارك ) مقدماً ما يجب تقديمه ومؤخراً ما يجب تأخيره ، وأقل شيئ أن يعلم من الكتاب آيات الأحكام وهي خمسمائة آية فيعرف تفسيرها ومواضعها ولا يشترط حفظها ، ولكن إن كان يقدر على حفظها فهو أحسن وأكمل ، وأن يعلم من السنة أحاديث الأحكام ، وهي وإن كانت زائدة على ألوف فهي محصورة ولا يلزمه حفظها بل يكفي أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام ، ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى الفتوى ، وإن كان يقدر على حفظها أيضاً فهو أكمل وأحسن ، كما لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث بالمواعظ وأحكام الآخرة وغيرها ، وأما الإجماع فينبغي أن تتميز عنده مواقع الإجماع حتى لا يفتي بخلاف الإجماع ، ولا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف بل كل مسألة يفتي فيها ينبغي أن يعلم أن فتواه فيها ليس مخالفاً للإجماع .

6. معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة في آيات وأحاديث الأحكام ، ولا يشترط أن يكون جميعه على حفظه بل كل واقعة يفتي فيها بآية أو حديث فينبغي أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية ليست من جملة المنسوخ .

7. معرفة صحيح السنة من ضعيفها فيما يفتي فيه معتمداً على السنة ، والتعويل فيه على كتب الأئمة الثقات في هذا الباب جائز .

8. أن يكون عالماً بالفقه ضابطاً لأمهات مسائله وتفاريعه .

9. معرفة أصول الفقه وقواعده .

10. معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب الوارد في الكتاب والسنة إلى حد يميز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه .

11. معرفة الناس وأحوالهم .

12. الإنصاف .


وهذه الشروط هي أخف الشروط التي وجدت أن العلماء - رحمهم الله -

يقولون أن من لم يتصف بها لا يصلح للإفتاء ، وإلا فإن هناك من العلماء من يرى أن حتى هذا المتصف بهذه الصفات لا يصلح للإفتاء حتى يحيط بالقرآن والسنة وعلومهما إحاطة أشمل وأعم وأوسع من ذلك ، ولكني أقول يا ليت أن المفتين في زماننا يلتزمون على الأقل بهذه الشروط التي ذكرتها ها هنا ، خاصةً في هذا الزمان الذي تجرأ فيه حتى غير المتخصصين في العلم الشرعي على الإفتاء حتى سمعنا العجائب التي لم يُسمع بها من قبل .


الضابط رقم 4 :
يجوز للأنثى أن تفتي إذا توفرت بها هذه الشروط .


الضابط رقم 5 :
يجوز لطالب العلم نقل فتاوى العلماء للناس إذا اتقنها وعرف دليلها وصحتها والتزم بضوابط الإفتاء الواردة في هذا البحث وغيره (على الصحيح ) .


هذه المسألة يعبر عنها العلماء - رحمهم الله – بقولهم : هل لمقلدٍ أن يفتي بما هو مقلد فيه ؟ .

وقد اختلفوا فيها على قولين فمنهم من جزم بتحريمه ، ومنهم من أجازه ، "

قال أبو عمرو بن الصلاح – رحمه الله - : قولُ من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله من عند نفسه ، بل يضيفه إلى إمامه الذي قلَّده ، فعلى هذا من عددناه من المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة ، لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم ، وسبيلهم أن يقولوا مثلاً: مذهب الشافعي كذا أو نحو هذا، ومن ترك منهم الإضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به ، ولا بأس بذلك" .

وقال بعض السلف : ما أعيب على رجل يحفظ عن أحمد خمس مسائل استند إلى بعض سواري المسجد يفتي بها .

قال ابن القيم – رحمه الله - : وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله ، وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيراً ، ومَنعُ هذا من الإفتاء بما عَلِمَ خطأ محض ، وبالله التوفيق .


الضابط رقم 6 :
يجوز لمن اتقن باباً من أبواب الفقه أن يفتي فيه دون غيره . ( على الصحيح ) .
تعبير آخر : يجوز للمفتي التخصص في باب معين من أبواب الفقه يفتي فيه .

وذلك مثل أن يتخصص في المعاملات الخاصة بالبنوك والشركات الاستثمارية والبورصات ، أو أن يتخصص في الفتاوى المتعلقة بالطب ونقل الأعضاء والأخطاء الطبية وما شابه ذلك ، أو يتخصص في أبواب المواريث والفرائض ، أو غير ذلك من الأبواب التي تهم الناس ، وما أحوجنا في هذا الزمان إلى مثل هذا النوع من التخصص خاصةً وأنه بسبب ما حصل في العالم من تقدم أصبحت بعض أبواب الفقه بحر لا ساحل له .

قال النووي – رحمه الله - : " فأما مُفتٍ في باب خاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفة ذلك الباب " أ. هـ . ،
وهو اختيار ابن القيم رحمه الله .


الضابط رقم 7 :
يحرم الإفتاء بغير علم .

قال تعالى :
{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}
ووصف النبي صلى الله عليه وسلم من يفتي بغير علم بأنه ضال مضل ، قال صلى الله عليه وسلم : « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا » .
وقال صلى الله عليه وسلم : « من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه » .
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما - أنه قال : « من أفتى الناس بفتيا يعمى عنها فإنما إثمها عليه» .


الضابط رقم 8 :
ألا يُعَيَّن للفتوى من لا يستحق ذلك .

قال الخطيب البغدادي – رحمه الله - : ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين ، فمَنْ صَلحَ للفتيا أقرَّه ، ومن لا يصلح منعه ، ونهاه أن يعود ، وتوعده بالعقوبة إن عاد .
وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته ، ويعتمد أخبار الموثوق به .


الضابط رقم 9 :
ألا يتصدر للإفتاء أحد حتى يجيزه بذلك أهل العلم في زمانه .

قال مالك - رحمه الله - : " ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك " .
وفي رواية : " ما أفتيت حتى سألتُ من هو أعلم مني : هل يراني موضعا لذلك " ؟ .

وقال- رحمه الله - : " ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه " ، وقيل له : لو نهوك
( يعني نهاك هؤلاء العلماء عن الفتوى ) فقال - رحمه الله - : كنت أنتهي .

قلت : أحسب أن أكثر من تصدى للإفتاء اليوم لم يفعل ذلك ، ولم يعرض نفسه على العلماء قبل أن يتصدى لهذا المنصب الشرعي العظيم .


الضابط رقم 10 :
أن يتجرد من الهوى تماماً عند الفتوى حتى يستوي عنده نفسه والعدو والصديق .

قال تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } المائدة : 8 .

قال النووي – رحمه الله - : " ومن التساهل ( أي في الفتوى ) أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره " .

وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح – رحمه الله - : وينبغي أن يكون ( أي المفتي ) كالراوي في أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة ، وجر نفع ودفع ضر .
قال : وذكر صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصاً معيناً صار خصماً له ، فتُردُّ فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه .

فهذه أمانة عظيمة ينبغي على المتصدي لها أن يراقب الله فيها ، ويعلم أنه محاسب بين يدي الله غداً عن كل كلمة كانت في فتوى أو غيره ، فلا يفضل نفسه أو صديقه أو قريبه في الفتوى ويشدد على الآخرين ، وليذكر دائماً أنه مُوَقع عن الله ، والناس عند الله سواء .


الضابط رقم 11 :
ألا يندفع إلى الاستفتاء اندفاعاً ويسابق إليه وعليه .

قال الخطيب البغدادي – رحمه الله - : قل من حرص على الفتوى ، وسابق إليها ، وثابر عليها إلا قل توفيقه ، واضطرب في أمره ، وإذا كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه ، وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره ، كانت المعونة له من الله أكثر ، والصلاح في فتواه وجوابه أغلب . أ.هـ .
وروى بسنده عن ابن عيينة - رحمه الله – قال : « أعلم الناس بالفتوى أسكتهم فيه ، وأجهل الناس بالفتوى أنطقهم فيه » .



الضابط رقم 12 :
أن يكون عزيزاً لا يستجدي بالإفتاء ولا يرتكب شيئاً يخل بشرف منزلته .

حُكي أن فتوى وردت من السلطان إلى أبي جعفر : محمد بن جرير الطبري – رحمه الله - لم يكتب له الدعاء فيها ، فكتب الجواب في أسفلها : لا يجوز ، أو كتب : يجوز ولم يزد على ذلك ، فلما عادت الرقعة إلى السلطان ، ووقف عليها ، علم أن ذلك كان من أبي جعفر الطبري ، للتقصير في الخطاب الذي خوطب به ، فاعتذر إليه .

وذكر الآمدي – رحمه الله – في كتابه الإحكام أنه يستحب للمفتي أن يكون " متصفا بالسكينة والوقار ، ليرغب المستمع في قبول ما يقول ، كافاً نفسه عما في أيدي الناس ، حذراً من التنفير عنه " .

قال النووي - رحمه الله - : المختار للمتصدي للفتوي أن يتبرع بذلك ، ويجوز أن يأخذ عليه رزقا من بيت المال إلا أن يتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح .أ.هـ

وقال الصيمري والخطيب – رحمهما الله - : لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقا من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز ، أما الهدية فقال أبو مظفر السمعاني – رحمه الله - : له قبولها قال أبو عمر : وينبغي أن يحرم قبولها إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد . أ.هـ


الضابط رقم 13 :
ألا يتعجل في الفتوى حتى يستوعبها ويضبطها .

قال مالك – رحمه الله - : « العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق » .
وقال النووي – رحمه الله - : " يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه ، فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر " .


الضابط رقم 14 :
ألا يستحي أو يتردد في قول " لا أدري " إن كان لا يدري ، ولو كانت المسألة سهلةً.

سُئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي البلاد شر ؟ فقال : " لا أدري " ، فسأل جبريل فقال : " لا أدري " ،
فسأل ربه عز وجل فقال : أسواقها .

وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان : { إذا أغفل العالم " لا أدري " أُصِيبت مقاتله }.

وعن الأثرم : سمعتُ أحمد بن حنبل يكثر أن يقول : " لا أدري " ، وذلك فيما عرف الأقاويل فيه .

وسئل مالك - رحمه الله - عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها : " لا أدري" .
أي لم يجب إلا على أربع مسائل فقط من أربعين مسألة .

وسأله رجل عن مسألة فقال : " لا أدري " فقال : يا أبا عبد الله تقول " لا أدري " ؟
قال : نعم ، فأبلغ من وراءك أني " لا أدري " ،
وقال : سمعت ابن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده " لا أدري " ،
حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه .

قال الصيمري – رحمه الله - : قال بعض العلماء : ينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده ، وكان محمد بن الحسن يفعله .

قلت : لكن المنبغي له مع ذلك أن يراجع المسألة ويبذل وسعه في معرفتها .

نص الشافعي – رحمه الله - على أن العالم لا يقول في مسألة : " لا أعلم " حتى يجهد نفسه في النظر فيها ثم يقف .


الضابط رقم 15 :
إذا كان لا يعرف الجواب فإنه لا يحيل السائل إلا على مفتٍ ثقةٍ متبعٍ للسنة .

قال أبو داود في مسائله : قلت لأحمد : الرجل يسأل عن المسألة فأدله على إنسان يسأله ؟ فقال : إذا كان -
( يعني الذي أرشدته إليه )- متبعا ويفتي بالسنة .


الضابط رقم 16 :
أنه إذا صح في المسألة قولين أو أكثر وكانت كلها جائزة شرعاً ، فإن على المفتى أن يرشد السائل إلى أفضل الأقوال في حقه وأصلحها له .

قال صلى الله عليه وسلم : « من أشار على أخيه بما يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه » .


الضابط رقم 17 :
على المفتي أن يرشد السائلين إلى مواضع الرخص .

قال صلى الله عليه وسلم : « إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه » .


الضابط رقم 18 :
يحرم على المفتي إفتاء الناس وتعليمهم الحيل المؤدية إلى استحلال ما حرم الله .

قال صلى الله عليه وسلم : « لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل» .

وقال صلى الله عليه وسلم : « لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها » .

قال بعض العلماء : وإذا سأله أحدهم وقال : بأي شيء تندفع دعوى كذا وكذا ؟ أو بينة كذا ؟ لم يجبه كي لا يتوصل بذلك إلى إبطال حق .
وسمى بعض العلماء المفتي الذي يعلم الناس مثل هذا النوع من الحيل بـ ( المفتي الماجن ) وجعل ذلك من عوارض أهليته .

وقال ابن القيم - رحمه الله - : لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه ، فإن تتبع ذلك فسق ، وحرم استفتاؤه .

الضابط رقم 19 :
ويجوز له أن يفتيهم ويرشدهم إلى الحيل المشروعة المباحة لتخليصهم والتوسعة عليهم .

قال النووي – رحمه الله - : وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها للتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل ، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا ،
كقول سفيان : إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة ، فأما التشديد فيحسنه كل احد .أ.هـ
وقال ابن القيم - رحمه الله - : فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك ، بل استحب ، وقد أرشد الله - تعالى - نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به المرأة ضربة واحدة .
وسئل بعض السلف : أمر على العاشر( من نصبه ولي الأمر لأخذ الصدقات من التجار ) فيستحلفني بالمشي إلى بيت الله ،
قال : « احلف له ، وانو مسجد حيك » .

وإليك هذه القصة العجيبة : عن محمد بن عبد الله بن نمير ، قال : سمعت وكيعاً ، يقول :
« كان لنا جار من خيار الناس ، وكان من الحفاظ للحديث ، فوقع بينه وبين امرأته شيء وكان بها معجبا ، فقال لها : أنت طالق إن سألتيني الطلاق الليلة ، إن لم أطلقك الليلة ثلاثاً ، فقالت المرأة : عبيدها أحرار ، وكل مال لها صدقة إن لم أسألك الطلاق الليلة ، فجاءني هو والمرأة في الليل ، فقالت المرأة : إني بليت بكذا ، وقال الرجل : إني بليت بكذا ، فقلت ما عندي في هذا شيء ، ولكنا نصير إلى الشيخ أبي حنيفة فإني أرجو أن يكون لنا عنده فرج ، وكان الرجل يكثر الوقيعة في أبي حنيفة وبلغه ذلك عنه ، فقال : أستحيي منه ، فقلت : امض بنا إليه ، فأبى ، فمضيت معه إلى ابن أبي ليلى وسفيان ، فقالا : ما عندنا في هذا شيء ، فمضينا إلى أبي حنيفة ، فدخلنا عليه ، وقصصنا عليه القصة وأخبرته أنا مضينا إلى سفيان وابن أبي ليلى ،
فعزب الجواب عنهما ، فقال: إني والله ما أجد الفرض إلا جوابك ، وإن كنت لي عدوا ، فسأل الرجل : كيف حلف ؟
وسأل المرأة : كيف حلفت ؟ وقال : وأنتما تريدان الخلاص من الله في أيمانكما ولا تحبان الفرقة؟
فقالت : نعم ، وقال الرجل : نعم ، قال : سليه أن يطلقك ، فقالت : طلقني ، فقال للرجل : قل لها أنت طالق ثلاثاً إن شئت ، فقال لها ذلك ، فقال للمرأة قولي : لا أشاء ، فقالت : لا أشاء ، فقال : قد بررتما وخرجتما من طلبة الله لكما ، فقال للرجل : تب إلى الله من الوقيعة في كل من حمل إليك شيئا من العلم »
قال وكيع : فكان الرجل بعد ذلك يدعو لأبي حنيفة في دبر الصلوات ، وأخبرني أن المرأة تدعو له كلما صلت .

وسأل رجل الشافعي فقال : حلفت بالطلاق إن أكلت هذه التمرة أو رميت بها ، قال : « تأكل نصفها وترمي بنصفها » .


الضابط رقم 20 :
على المفتي أن يعرف ه من جهة الفتوى بشكل عام ومن جهة المسألة المطروحة عليه بشكل خاص .

فيميز بين ما لا يدري وبين ما يدري فيتوقف فيما لا يدري ويفتي فيما يدري .
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : وسمعت أبي يقول : كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق ، ويقول : من يحسن هذا ؟ .


الضابط رقم 21 :
أن يفتي وهو معتدل الحال في جسمه ومزاجه ، فارغ القلب للناس ومسائلهم .

قال النووي – رحمه الله - : ينبغي أن لا يفتى في حال تغير خلقه وانشغال قلبه بما يمنعه التأمل كغضب وجوع وعطش وحزن وفرح غالب ونعاس أو ملل أو حر مزعج أو مرض مؤلم أو مدافعة حدث وكل حال يشتغل فيه قلبه ويخرج عن حد الاعتدال ، فإن أفتى في بعض هذه الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب جاز وإن كان مخاطراً بها ( أي بالفتوى ) .أ.هـ



الضابط رقم 22 :
يجب على المفتي معرفة عرف أهل البلد الذين يفتيهم والتعويل عليه في الفتوى خاصةً فيما يتعلق بالألفاظ ، وإلا لم يجز له إفتاؤهم .

قال النووي – رحمه الله - : لا يجوز أن يفتي في الأيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ أو متنزلاً منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها .
وقال القرافي – رحمه الله - : فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها ( أي معرفة العرف والتعويل عليه في الفتوى ) ، وبالإحاطة بها يظهر لك غلط كثير من الفقهاء المفتين فإنهم يجرون المسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار
( دون مراعاةٍ لتغير العرف ) ، وذلك خلاف الإجماع وهم عصاة آثمون عند الله تعالى غير معذورين بالجهل لدخولهم في الفتيا وليسوا أهلا لها ولا عالمين بمدارك الفتاوى وشروطها واختلاف أحوالها .


الضابط رقم 23 :
لا ينبغي له أن يفتي في المسائل التي لها خصوصية ببلدٍ غير البلد الذي يسكنه ، وعليه أن يحيل المستفتي على علماء أهل هذا البلد الذي تعلقت به المسألة .

انظر كلام النووي السابق .

وقال علماء الأصول : ( الحكم على الشيء فرع عن تصوره ) .

قلت : وكيف يَتصور واقع الحال من هو بعيد عنه ولا يقاسي ما فيه .

وبناءً على ذلك إذا نزلت بأحد بلاد المسلمين نازلة من حرب أو عدو أو نحوه فإن على المفتين خارج هذا البلد أن يمتنعوا عن الفتوى فيما يتعلق بهذه النازلة ويحيلوا الفتوى على علماء أهل هذا البلد لأنهم أدرى بواقع حالهم .

وبناءً على ذلك أيضاً فإن المسائل المتعلقة بالمقاومة في فلسطين أو العراق أو غيرها ، والمسائل التي تنبني على واقع الحال هناك ، أو المسائل التي يعلم يقيناً أن لها خصوصية ببلد معين ، أو الفتاوى التي تتعلق بالمسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية أو غير ذلك من المسائل المشابهة ينبغي ألا يفتي فيها غير علماء أهل هذه البلاد ، وعلى المفتي إذا سُئل عن مثل هذه المسائل وهو ليس من أهل بلد النازلة أو المسألة أن يُفهم السائل أن الإفتاء في هذه المسائل ليس من اختصاصه وأن عليه أن يراجع العلماء في هذا البلد .
وقد استفدت هذا الضابط أيضاً من سماع وحضور بعض مجالس العلم لمشايخ أجلاء من أهل العلم والإفتاء .


الضابط رقم 24 :
على من كانت فتواه نقلاً لفتاوى العلماء وليس اجتهاداً مستقلاً أن يستثبت منها وينقلها من مصادر موثوقة .

قال النووي – رحمه الله - : لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته .


الضابط رقم 25 :
ألا يفتي فتاوى تخالف النصوص لأنه لا اجتهاد مع النص .
تعبير آخر : ألا يقدم رأيه وعقله على النصوص .

مثل ما وقع أن بعض العلماء قال لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان : إن عليك صوم شهرين متتابعين فلما أُنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة أولاً ( وهو ما جاء به النص ) مع اتساع ماله ،
قال : لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته ، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به .

قال العلماء – رحمهم الله - : هذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال .
ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم ، وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في كتابه المطالب العالية : " باب ذم الفتوى بالرأي " ، ثم ساق بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله ، ثم تعمل برهة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تعمل بالرأي ، فإذا عملوا بالرأي ، فقد ضلوا وأضلوا » .


الضابط رقم 26 :
أن يراعي في الفتوى " حسم مادة الشر عند المستفتي " .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : وكذلك الشر والمعصية ينبغي حسم مادته ، وسد ذريعته ، ودفع ما يفضي إليه ، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة .
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن توبة قاتل فقال : ( لا توبة له ) فلما سئل ( أي روجع في هذه الفتوى ) قال : " رأيت في عينه إرادة القتل فمنعته " .


الضابط رقم 27 :
كما له أن يُوَرِّي بخلاف مذهبه ليشدد في الفتوى على من يخشى منه التساهل .

كمن يرى مثلاً أن تارك الصلاة ليس بكافر ، ثم يأتيه من يسأله هل تارك كافر أم لا ؟ فيجيبه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " .
ويكتفي بهذا الجواب ولا يعقب عليه خوفاً من تساهل السائل في الصلاة .


الضابط رقم 28 :
لو سأل عامي عمَّا لم يقع لم يَجِب جوابه .

قال ابن عباس لمولاه عكرمة : اذهب فأفت الناس وأنا لك عون ، فمن سألك عما يعنيه فأفته ، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته ، فإنك تطرح عن نفسك ثلث مؤنة الناس .


الضابط رقم 29 :
إذا أفتى بفتوى ثم تبين له خطؤه فيها وجب عليه أن يبلغ المستفتي ، وإن رجع عنها ففيه تفصيل .

عن محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد ، عن أبيه : « أن الحسن بن زياد أُستفتي في مسألة فأخطأ، فلم يعرف الذي أفتاه ، فاكترى ( أي استأجر ) مناديا ينادي : أن الحسن بن زياد اُستفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه ، فمكث أياماً لا يفتي ، حتى وجد صاحب الفتوى ، فأعلمه أنه قد أخطأ ، وأن الصواب كذا وكذا » .

وأما إن كان رجوع المفتي عن فتواه ليس من باب الخطأ ولكن من باب تغير الاجتهاد وكان بعد عمل المستفتي بالفتوى الأولى نُظر في ذلك ، فإن كان قد بان للمفتي أنه خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع وجب نقض العمل بها وإبطاله ، ولزم المفتي تعريف المستفتي ذلك ، وإن كان رجوع المفتي عن قوله الأول من جهة اجتهاد هو أقوى أو قياس هو أولى لم ينقض العمل المتقدم ، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ،
قلت : وعلى ذلك لا يلزمه إعلام المستفتي في هذه الحالة .


الضابط رقم 30 :
ينبغي أن لا يقتصر في فتواه على قوله : في المسألة خلاف ، أو قولان ، أو وجهان ، أو روايتان ، ونحو ذلك ، فهذا ليس بجواب ، فينبغي أن يجزم له بما هو الراجح .

قلت : وعلى هذا أيضاً لا ينبغي للمفتي أن يقول في فتواه ( فيما أظن ) أو ( تقريباً ) فإن عرف الجواب تماماً وإلا سكت عنه وأحال على غيره .
والله أعلم .


الضابط رقم 31 :
فإذا أفتاه بالراجح يلزمه أن يبين الجواب بياناً يزيل الإشكال ، وليختصره بحيث تفهمه العامة .


قال ابن القيم – رحمه الله - : لا يجوز للمفتي إلقاء السائل في الإشكال والحيرة ، بل عليه أن يبين بياناً مزيلاً للإشكال ، متضمنا لفصل الخطاب ، كافيا في حصول المقصود ، لا يحتاج معه إلى غيره ، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال : يقسم بين الورثة على فرائض الله عز وجل ! وكتبه فلان .

وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال : تصلى على حديث عائشة ! .

وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال : أما أهل الإيثار فيخرجون المال كله ! ، وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه ! ، أو كما قال.أ.هـ .

قال صاحب الحاوي – رحمه الله - : يقول ( أي في جوابه على مسألة المستفتي ) : يجوز، أو لا يجوز، أو حق ، أو باطل .
وحكى شيخه الصيمري – رحمه الله - عن شيخه القاضي أبي حامد أنه كان يختصر غاية ما يمكنه ، واستفتي في مسألة آخرها : يجوز أم لا ؟ فكتب : (لا، وبالله التوفيق) .


الضابط رقم 32 :
أن ينزل الناس منازلهم .

قال الصيمري – رحمه الله - : وينبغي إذا تعلقت الفتوى بالسلطان أن يدعو له فيقول :
( وعلى ولي الأمر أو السلطان أصلحه الله أو سدده الله أو قوى الله عزمه أو أصلح الله به ، أو شد الله أزره ) ،
ولا يقل : ( أطال الله بقاءه ) ، فليست من ألفاظ السلف .


الضابط رقم 33 :
لا يجوز له أن يفتي بغير الراجح .

قال ابن القيم – رحمه الله - : لا يجوز للمفتي أن يعمل بما يشاء من الأقوال والوجوه من غير نظر من الترجيح ، ويكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولاً قاله إمام أو وجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه عمل به ، فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح ، وهذا حرام باتفاق الأمة .أ.هـ بتصرف يسير .

وقال الآمدي – رحمه الله - : وأما أن العمل بالدليل الراجح واجب ، فيدل عليه ما نقل وعلم من إجماع الصحابة والسلف في الوقائع المختفلة على وجوب تقديم الراجح من الظنين ،
وذلك كتقديمهم خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين على خبر أبي هريرة – رضي اله عنه - في قوله إنما الماء من الماء .


الضابط رقم 34 :
إذا تساوى عنده قولين في مسألة ولم يعلم أيهما الراجح فإن عليه أن يتوقف عن الفتوى في هذه المسألة ( على الصحيح ) .

قال ابن القيم – رحمه الله - :
لا يفتيه بشيء حتى يتبين له الراجح منهما ؛ لأن أحدهما خطأ ، فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب ، وليس له أن يخيره بين الخطأ والصواب .

الضابط رقم 34 :
إذا تساوى عنده قولين في مسألة ولم يعلم أيهما الراجح فإن عليه أن يتوقف عن الفتوى في هذه المسألة ( على الصحيح ) .

قال ابن القيم – رحمه الله - :
لا يفتيه بشيء حتى يتبين له الراجح منهما ؛ لأن أحدهما خطأ ، فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب ، وليس له أن يخيره بين الخطأ والصواب .



الضابط رقم 35 :
إذا أفتى بفتوى يلزم بها الحد على إنسان وجب عليه أن يبين أن إقامة الحدود لا تجوز إلا للسلطان وحده ، كما يجب عليه أن يتروى في مثل هذه الفتاوى ويبين الشروط التي تلزمها .

وهذه من الضوابط المهمة جداً في هذا الزمان الذي انتشر فيه التكفير واستباحة الدماء وتطبيق الحدود ممن لا يجوز له ذلك شرعاً . عافا الله الإسلام والمسلمين .

كان أبو حنيفة – رحمه الله - إذا سئل عمن قال : أنا أصدق من محمد بن عبد الله ، أو عمن قال : الصلاة لعب وعبث ، أو قال لقصيدة بعض الشعراء هي أحسن من القرآن قال : يجب أن لا يبادر المفتي بأن يقول : هذا حلال الدم ، أو مباح النفس ، أو عليه القتل ، بل يقول : إذا صح ذلك إما بالبينة أو بالإقرار استتابه السلطان ، فإن تاب قَبِلَ توبته ، وإن لم يتب أنزل به كذا وكذا ، وبالغ في ذلك وأشبعه .
قال : وإن سئل عمَّن تكلم بشيء ، يحتمل وجوهاً يكفر ببعضها دون بعض قال : يسأل هذا القائل . فإن قال : أردت كذا ، فالجواب كذا .
وإن سئل عمن فعل ما يوجب التعزير ، ذكر ما يعزر به فيقول : يضربه السلطان كذا وكذا ، ولا يزاد على كذا .


الضابط رقم 36 :
عليه أن يقدم في الإفتاء الأسبق فالأسبق ، ويستثنى من ذلك المرأة وذا الحاجة .


قال النووي – رحمه الله - : يجب على المفتي عند اجتماع الرِّقاع بحضرته أن يقدم الأسبق فالأسبق ، كما يفعله القاضي في الخصوم ، وهذا فيما يجب فيه الإفتاء ، فإن تساووا أو جهل السابق قدم بالقرعة .
والصحيح أنه يجوز تقديم المرأة والمسافر الذي شدَّ رحله ، وفي تأخيره ضرر بتخلفه عن رفقته ونحو ذلك على من سبقهما ، إلا إذا كثر المسافرون والنساء ، بحيث يلحق غيرهم بتقديمهم ضررٌ كثير فيعود بالتقديم بالسبق أو القرعة ، ثم لا يقدم أحداً إلا في فتيا واحدة .


الضابط رقم 37 :
إذا تيقن بأن السائل أُفتي بفتوى خاطئة لا توافق أي مذهبٍ من المذاهب المعتبرة وجب عليه أن يفتيه بالصواب
( ولا يجوز له السكوت عن هذه الفتوى ) ، بخلاف ما لو كانت من مسائل الخلاف المعتبر .


الضابط رقم 38 :
على المفتي أن يختار الأيسر في الفتوى دون الخروج عن الدليل الشرعي أو مجاوزته .

عن عائشة – رضي الله عنها - قالت : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه . متفق عليه


الضابط رقم 39 :
على المفتي أن يحذر كل الحذر أن يأتي في مسألة بقول لم يسبقه إليه أحد .

( وذلك لأن الأمة لا تجتمع كلها على الخطأ بل لابد أن يكون في كل زمان من يصيب الحق ، فإذا جاء في هذا الزمان إنسان بقول جديد لم يسبق إليه في مسألة معروفة من قبل فكأنه يدعي أن السابقين كلهم قد أخطئوا الحق فيها وأصابه هو وهذا بعيد جداً ) . ولذلك على المفتي أن يحذر من ذلك تمام الحذر . أما هل يحرم عليه ذلك أم لا ؟
فالله أعلم .
وانظر إلى فتاوى بعض أهل هذا الزمان تجد العجب العجاب مما هو على هذا المنوال .

قال الإمام أحمد – رحمه الله - : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام .
وقال ابن هانئ : سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث { أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار }
قال أبو عبد الله - رحمه الله - : يفتي بما لم يسمع .


الضابط رقم 40 :
يستحب له أن يطلب من السائل تكرار السؤال . ( فيقول له : أعد ) .

قال ابن القيم – رحمه الله - :
وفي ذلك فوائد عديدة : منها أن المسألة تزداد وضوحا وبياناً بتفهم السؤال ، ومنها أن السائل لعله أهمل فيها أمرا يتغير به الحكم فإذا أعادها ربما بينه له ، ومنها أن المسئول قد يكون ذاهلاً عن السؤال أولاً ، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك .


الضابط رقم 41 :
لا يفتي المفتي في شيء تم فصله بالقضاء الشرعي .

لأن القاضي الشرعي حكمه في المسائل الشرعية ملزم لجميع الأطراف ولا يجوز نقضه .
قال الآمدي – رحمه الله - : اتفقوا على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية .
وقال ابن الشاط – رحمه الله - : المفتي إذا استفتي في عين تلك المسألة التي وقع الحكم فيها لا تسوغ له الفتوى فيها بعينها ، لأنه قد نفذ فيها الحكم ومضى العمل بها .


الضابط رقم 42 :
وعليه أن يحيل بعض المسائل إلى القضاء الشرعي أو دور الفتوى ولا يفتي فيها بنفسه .

وذلك كمسائل الإرث والطلاق والمنازعات وما شابه ذلك ، وقد سمعت عدداً المشايخ في برامج الإفتاء إذا سئل عن مسألة في الطلاق .
يطلب من السائل أن يراجع مثل هذه الجهات ولا يفتيه هو فيها .
ولا شك أن هذا هو الأفضل في الدين ، لأن دور الفتوى والمحاكم الشرعية في مسائل الطلاق مثلاً يمكنها أن تستحضر المرأة والرجل وتسألهم بالتفصيل عن الواقعة وتحيط بالملابسات كافة وهذا لا يتوفر للمفتي في كثير من الأحيان ، كما أنه يجعل الناس لا يتساهلون في هذه المسائل بعد ذلك .
والله أعلم .


وأختم هذا البحث بعدد من الضوابط المصاغة من كلام الإمام النووي رحمه الله والواردة في مقدمة كتابه ( المجموع ) :


الضابط رقم 43 :
إذا كان المستفتي بعيد الفهم فليرفقْ به ، ويصبر على تفهم سؤاله ، وتفهيم جوابه ، فإن ثوابه جزيل .


الضابط رقم 44 :
له انتهار السائل تأديباً له إذا أتى ما يوجب ذلك .


الضابط رقم 45 :
إذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب ، وله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنه الواقع للسائل .


الضابط رقم 46 :
لا يُظهر من أسئلة السائلين وفتاويهم ما يقبح إبداؤه ، أو يؤثر السائل كتمانه ، أو في إشاعته مفسدة .




والحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

منقول للأهمية هنا بارك الله فيكن أخواتي الغاليات





الكاتبة: سنبلة الخير .

جزاكِ الله خيرا على الموضوع المهم
سلمت يمنياكِ
لاحرمك الله الأجر والثواب
الكاتبة: || (أفنان) l|

الكاتبة: بنتـي دنيتـي

الكاتبة: || (أفنان) l|

شرفني مرورك وازهى
على متصحفي الجمال والسرور
الكاتبة: فارسة التحدي

الصفحات 1 2  3 

التالي
السابق