مجتمع رجيمأرشيف معهد رجيم

بدء التسجيل لدورة الاربعين النووية

طالبة الفردوس 11:31 AM 09-23-2010
الحديث الأربعون


عرض عرض حفظ: استماع:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمنْكبيَّ فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُوْلُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ. وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوْتِكَ.[274]رواه البخاري.
الشرح
قوله: "أَخَذَ بِمنْكَبَيَّ" أي أمسك بكفتي من الأمام. وذلك من أجل أن يستحضر مايقوله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "كُنْ فِي الدُّنِيا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ" فالغريب لم يتخذها سكناً وقراراً، وعابر السبيل: لم يستقر فيها أبداً، بل هو ماشٍ.
وعابر السبيل أكمل زهداً من الغريب، لأن عابر السبيل ليس بجالس، والغريب يجلس لكنه غريب.
"كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابرُ سَبِيْلٍ" وهذا يعني الزهد في الدنيا، وعدم الركون إليها، لأنه مهما طال بك العمر فإن مآلك إلى مفارقتها. ثم هي ليست بدار صفاء وسرور دائماً، بل صفوها محفوف بكدرين، وسرورها محفوف بحزنين كما قال الشاعر:
ولاطيبَ للعيشِ مَادامت منغّصةً لذاتُهُ بادّكارِ الموتِ والهَرَمِ
إذاً كيف تركن إليها؟ كن فيها كأنك غريب لاتعرف أحداً ولايعرفك أحد، أوعابر سبيل أي ماشٍ لاتنوي الإقامة.
وَكَانُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُوْلُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. رواه البخاري.
هذه كلمات من ابن عمر رضي الله عنهما يقول:
إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ والمعنى: اعمل العمل قبل أن تصبح ولاتقل غداً أفعله، لأن منتظر الصباح إذا أمسى يؤخر العمل إلى الصباح، وهذا غلط، فلا تؤخر عمل اليوم لغد.
وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ أي اعمل وتجهّز، وهذا أحد المعنيين في الأثر.
أو المعنى: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاح لأنك قد تموت قبل أن تصبح. وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاء لأنك قد تموت قبل أن تمسي. وهذا في عهدنا كثير جداً، انظر إلى الحوادث كيف نسبتها؟ تجد الرجل يخرج من بيته وهو يقول لأهله هيؤوا لي الغداء، ثم لا يتغدى، يصاب بحادث ويفارق الدنيا، أو يموت فجأة، وقد شوهد من مات فجأة. وفي هذا يقول بعضهم: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) والمعنى: الدنيا لاتهمّك، الذي لاتدركه اليوم تدركه غداً فاعمل كأنك تعيش أبداً، والآخرة اعمل لها كأنك تموت غداً، بمعنى: لاتؤخر العمل.
وهذا يروى حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ليس بحديث.
وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ فالإنسان إذا كان صحيحاً تجده قادراً علىالأعمال منشرح الصدر، يسهل عليه العمل لأنه صحيح، وإذا مرض عجز وتعب، أو تعذر عليه الفعل، أو إذا أمكنه الفعل تجد نفسه ضيّقة ليست منبسطة، فخذ من الصحة للمرض، لأنك ستمرض أو تموت.
وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ الحي موجود قادر علىالعمل، وإذامات انقطع عمله إلا من ثلاث، فخذ من الحياة للموت واستعد.
هذه كلمات نيّرات، ولو أننا سرنا على هذا المنهج في حياتنا لهانت علينا الدنيا ولم نبال بها واتخذناها متاعاً فقط.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ينبغي للإنسان أن يجعل المال كأنه حمار يركبه، أو كأنه بيت الخلاء يقضي فيه حاجته فهذا هو الزّهد. وأكثر الناس اليوم يجعلون المال غاية فيركبهم المال، ويجعلونه مقصوداً فيفوتهم خير كثير.
من فوائد هذا الحديث:
.1التزهيد في الدنيا وأن لايتخذها الإنسان دار إقامة، لقوله: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ".
.2 حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثال المقنعة، لأنه لو قال: ازهد في الدنيا ولاتركن إليها وما أشبه ذلك لم يفد هذا مثل ما أفاد قوله: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَريْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ".
.3 فعل ما يكون سبباً لانتباه المخاطب وحضور قلبه، لقوله: "أَخَذَ بِمنْكَبَيَّ" ، ونظير ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علَّمَ ابن مسعود رضي الله عنه التشهد أمسك كفه وجعله بين كفيه[275] حتى ينتبه.
.4 أنه ينبغي للعاقل مادام باقياً والصحة متوفرة أن يحرص على العمل قبل أن يموت فينقطع عمله.
.5 الموعظة التي ذكرها ابن عمر رضي الله عنهما: أن من أصبح لاينتظر المساء، وذكرنا لها وجهين في المعنى، وكذلك من أمسى لاينتظر الصباح.
والموعظة الثانية: أن يأخذ الإنسان من صحته لمرضه، لأن الإنسان إذا كان في صحة تسهل عليه الطاعات واجتناب المحرمات بخلاف ما إذاكان مريضاً، وكذلك أيضاً أن يأخذ الإنسان من حياته لموته.
.6 فضيلة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث تأثّر بهذه الموعظة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.


[274] أخرجه البخاري – كتاب: الرقاق، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم :" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، (6416)

[275] أخرجه البخاري – كتاب: الاستئذان، باب: الأخذ باليدين، (6265). ومسلم – كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، (402)،(59).
طالبة الفردوس 11:32 AM 09-23-2010
الحديث الحادي والأربعون


عرض عرض حفظ: استماع:

عَنْ أَبِيْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بِنِ عمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَيُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ"[276] حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ.
الشرح
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من المكثرين رواية للحديث،لأنه كان يكتب، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يغبطه على هذا،ويقول: لا أعلم أحداً أكثر حديثاً مني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما،فإنه كان يكتب ولا أكتب[277]
يقول: "لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ" يعني الإيمان الكامل.
"حَتَّى يَكُونَ هَواهُ" أي اتجاهه وقصده.
"تَبَعَاً لِمَا جِئْتُ بِهِ" أي من الشريعة.
قوله: "حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ" . تعقّب ابن رجب - رحمه الله - هذا التصحيح من المؤلف وقال: الحديث لايصح، ولذلك يحسن تتبع شرح ابن رجب - رحمه الله - ونقل تعقيبه على الأحاديث، لأن ابن رجب - رحمه الله - حافظ من حفّاظ الحديث، وهو إذا أعلّ الأحاديث التي ذكرها النووي - رحمه الله - يبيّن وجه العلة.
لكن معنى الحديث بقطع النظر عن إسناده صحيح، وأن الإنسان يجب أن يكون هواه تبعاً لما جاء به صلى الله عليه وسلم.
من فوائد هذا الحديث:
.1-تحذير الإنسان من أن يحكم العقل أو العادة مقدماً إياها على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وجه ذلك: نفي الإيمان عنه.
فإن قال قائل: لماذا حملتموه على نفي الكمال؟
فالجواب: أنَّا حملناه على ذلك لأنه لايصدق في كل مسألة، لأن الإنسان قد يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر مسائل الدين، وفي بعض المسائل لايكون هواه تبعاً، فيحمل على نفي الكمال، ويقال: إن كان هواه لايكون تبعاً لماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في كل الدين فحينئذ يكون مرتدّاً.
.2 أنه يجب علىالإنسان أن يستدلّ أولاً ثم يحكم ثانياً،لا أن يحكم ثم يستدل، بمعنى أنك إذا أردت إثبات حكم في العقائد أو في الجوارح فاستدل أولاً ثم احكم، أما أن تحكم ثم تستدلّ فهذا يعني أنك جعلت المتبوع تابعاً وجعلت الأصل عقلك والفرع الكتاب والسنة.
ولهذا تجد بعض العلماء - رحمهم الله، وعفا عنهم-الذين ينتحلون لمذاهبهم يجعلون الأدلة تبعاً لمذاهبهم، ثم يحاولون أن يلووا أعناق النصوص إلى ما يقتضيه مذهبهم علىوجه مستكره بعيد، وهذا من المصائب التي ابتلي بها بعض العلماء، والواجب أن يكون هواك تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
.3 تقسيم الهوى إلى محمود ومذموم، والأصل عند الإطلاق المذموم كما جاء ذلك في الكتاب والسنة، فكلما ذكر الله تعالى اتباع الهوى فهوعلى وجه الذم، لكن هذا الحديث يدلّ على أن الهوى ينقسم إلى قسمين:
محمود: وهو ما كان تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
ومذموم: وهو ماخالف ذلك.
وعند الإطلاق يحمل على المذموم، ولهذايقال: الهدى، ويقابله الهوى.
.4-وجوب تحكيم الشريعة في كل شيء، لقوله: "لِمَا جِئتُ به" والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بكل ما يصلح الخلق في معادهم ومعاشهم، قال الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(النحل: الآية89)
فليس شيء يحتاج الناس إليه في أمور الدين أو الدنيا إلا بيّنه - والحمد لله - إما بياناً واضحاً يعرفه كل أحد، وإما بياناً خفياً يعرفه الراسخون في العلم.
.5أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. والله أعلم.


[276] أخرجه البخاري في كتاب قرة العيون – ج1/ ص38، (45)

[277] أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم، (113)
طالبة الفردوس 11:33 AM 09-23-2010
الحديث الثاني والأربعون


عرض عرض حفظ: استماع:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: "يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوتَنِيْ وَرَجَوتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِيْ، يَا ابْنَ آَدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آَدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيْتَنِيْ بِقِرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيْتَنِيْ لاَتُشْرِك بِيْ شَيْئَاً لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغفِرَةً"[278] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحَيْحٌ.
الشرح
هذا حديث قدسي وقد سبق تعريفه.
قوله: "مَا دَعَوتَنِي" (ما) هنا شرطية، وفعل الشرط: (دعا) في قوله: "دَعَوتَنِي" وجواب الشرط: "غَفَرْتُ" .
وإذا أردت أن تعرف: (ما) الشرطية فاجعل بدلها: (مهما) فلو قلت: مهما دعوتني ورجوتني غفرت لك صحّ.
"مَا دَعَوتَنِيْ" الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة، ودعاء عبادة.
فدعاء المسألة أن تقول: يا رب اغفر لي. ودعاء العبادة أن تصلي لله
فنحتاج الآن إلى دليل وتعليل على أن العبادة تسمّى دعاءً؟
الدليل: قول الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60) فقال:(ادْعُونِي) ثم قال: (يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) فسمى الدعاء عبادة، وقد جاء في الحديث: "أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ"[279] ووجهه ظاهر جداً،لأن داعي الله متذلل لله عزّ وجل منكسر له، قد عرف قدر نفسه،وأنه لايملك لها نفعاً ولاضرّاً.
أما كيف كانت العبادة دعاءً: فلأن المتعبّد لله داعٍ بلسان الحال، فلو سألت المصلي لماذا صلى لقال: أرجو ثواب الله، إذاً فهو داع بلسان الحال، وعليه فيكون قوله: "مَا دَعَوتَنِيْ وَرَجَوتَنِي" يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، ولكن لاحظ القيد في قوله: "وَرَجَوتَنِيْ" فلابد من هذا القيد، أي أن تكون داعياً لله راجياً إجابته، وأما أن تدعو الله بقلب غافل فأنت بعيد من الإجابة، فلابد من الدعاء والرجاء.
وقوله: "غَفَرْتُ لَكَ" المغفرة: هي ستر الذّنب والتجاوز عنه.
"عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ" أي على ما كان منك من الذنوب والتقصير.
"وَلاَ أُبَالِي" أي لا أهتم بذلك.
"يَا ابْنَ آدَمَ لَو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ" المراد بقوله: "عَنَانَ السَّمَاء" أي أعلى السماء،وقيل إن "عَنَانَ السَّمَاء" ما عنَّ لك حين تنظر إليها ، وقيل "عَنَانَ السَّمَاء" أي السحاب أعلاه، ولاشك أن السحاب يسمى العنان ، لكن الظاهر أن المراد به ( عنان السماء) .
والسماء على الأرض كالقبة له جوانب وله وسط، أعلاه بالنسبة لسطح الأرض هو الوسط.
"ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِيْ" أي طلبت مني المغفرة، سواء قلت: أستغفر الله، أو قلت: اللهم اغفر لي. لكن لابد من حضور القلب واستحضار الفقر إلى الله عزّ وجل.
"يَا ابنَ آدَمَ إنِّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقِرَابِ الأَرْضِ خطَايَا ثُمَّ لَقِيْتَني لاتُشْرِك بِيْ شَيْئَاً لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغْفِرَةً"
قوله: "لَوْ أَتَيْتَنِيْ" أي جئتني بعد الموت. "بِقِرَابِ الأَرْضِ" أي مايقاربها، إما ملئاً،أو ثقلاً، أو حجماً، خَطَايا جمع خطيئة وهي الذنوب، "ثُمَّ لَقِيْتَنِيْ لاَتُشْرِكْ بِي شَيْئَاً" قوله: "شَيئَاً" نكرة في سياق النفي تفيد العموم أي لا شركاً أصغر ولا أكبر، وهذا قيد عظيم قد يتهاون به الإنسان ويقول: أنا غير مشرك وهو لايدري، فحُبُّ المال الذي يلهي عن طاعة الله،من الإشراك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ ،تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيْصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيْلَةِ"[280] فسمّى النبي صلى الله عليه وسلم من كان هذا همّه: عبداً لها.
"لأَتَيْتُكَ بِقِرَابِهَا مَغْفِرَةً" وهذا لاشكّ من نعمة الله وفضله، بأن يأتي الإنسان ربه بملء الأرض خطايا ثم يأتيه عزّ وجل بقرابهامغفرة، وإلا فمقتضى العدل أن يعاقبه على الخطايا، لكنه جل وعلا يقول بالعدل ويعطي الفضل.
من فوائد هذا الحديث:
.1شرف بني آدم حيث وجه الله إليه الخطاب بقوله "يَا ابْنَ آدَمَ" ولاشك أن بني آدم فضّلوا على كثير ممن خلقهم الله عزّ وجل وكرّمهم الله سبحانه وتعالى، قال الله تبارك وتعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الاسراء: 70)
.2 أن كلمة (ابن) أو: (بني) أو ما أشبه ذلك إذا أضيفت إلى القبيلة أو إلى الأمة تشمل الذكور والإناث، وإذا أضيفت إلى شيء محصور فهي للذكور فقط. وهي هنا في الحديث مضافة إلى الأمة كلها،حيث قال: "يَا ابنَ آدَمَ" فيشمل الذكور والإناث.
ويتفرّع على هذه المسألة: لو قال قائل: هذا البيت وقف على بني صالح وهو واحد، فيشمل الذكور فقط، لأنهم محصورون،أما لو قال: هذا وقف على بني تميم شمل الذكور والإناث.
.3 أن من دعا الله ورجاه فإن الله تعالى يغفر له.
.4 أنه لابد مع الدعاء من رجاء، وأما القلب الغافل اللاهي الذي يذكر الدعاء علىوجه العادة فليس حريّاً بالإجابة، بخلاف الذكر كالتسبيح والتهليل وما أشبه ذلك، فهذا يُعطى أجراً به، ولكنه أقل مما لو استحضر وذكر بقلبه ولسانه.
والفرق ظاهر، لأن الداعي محتاج فلابد أن يستحضر في قلبه ما احتاج إليه، وأنه مفتقر إلى الله عزّ وجل.
.5-إثبات صفات النفي التي يسميها العلماء الصفات السلبية، لقوله: "وَلاَ أُبَالِي" فإن هذه صفة منفية عن الله تعالى، وهذامن قسم العقائد. وهذا كثير في القرآن مثل قوله: ( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ )(البقرة: الآية255) وقوله: ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(الكهف: الآية49) وقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ)(الفرقان: الآية58) وهي كثيرة.
ولكن اعلم أن المراد بالصفات المنفية إثبات كمال الضد، فيكون نفي المبالاة هنا يراد به كمال السلطان والفضل والإحسان، وأنه لاأحد يعترض علىالله أو يجادله فيما أراد.
.6 أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً مهما عظمت لقوله: "لَوبَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاء ثُمَّ استَغْفَرْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ" وأن الإنسان متى استغفر الله عزّ وجل من أي ذنب كان عِظَمَاً وقدراً فإن الله تعالى يغفره، وهذا كقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء: 110)
ولكن هل الاستغفار مجرّد قول الإنسان: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله؟
الجواب: لا، لابد من فعل أسباب المغفرة وإلا كان دعاؤه كالاستهزاء كما لو قال الإنسان: اللهم ارزقني ذرية طيبة، ولم يعمل لحصول الذرية، والذي تحصل به المغفرة التوبة إلى الله عزّ وجل.
والتوبة: من تاب يتوب أي رجع. وهي الرجوع من معصية الله إلىطاعته. ويشترط لها خمسة شروط:
الشرط الأول: الإخلاص:
والإخلاص شرط في كل عبادة، والتوبة من العبادات، قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(البينة: الآية5) فمن تاب مراءاة للناس، أو تاب خوفاً من سلطان لاتعظيماً لله عزّ وجل فإن توبته غير مقبولة.
الشرط الثاني: الندم على ما حصل:
وهو انكسار الإنسان وخجله أمام الله عزّ وجل أن فعل مانهي عنه، أو ترك ما أوجب عليه.
فإن قال قائل: الندم انفعال في النفس، فكيف يسيطر الإنسان عليه؟
فالجواب: أنه يسيطر عليه إذا أشعر نفسه بأنه في خجل من الله عزّ وجل وحياء من الله ويقول: ليتني لم أفعل وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن الندم ليس بشرط:
أولاً: لصعوبة معرفته.
والثاني: لأن الرجل إذا أقلع فإنه لم يقلع إلا وهونادم، وإلا لاستمر. لكن أكثر أهل العلم -رحمهم الله - على أنه لابد أن يكون في قلبه ندم.
الشرط الثالث: الإقلاع عن المعصية التي تاب منها:
فإن كانت المعصية ترك واجب يمكن تداركه وجب عليه أن يقوم بالواجب،كما لو أذنب الإنسان بمنع الزكاة، فإنه لابد أن يؤدي الزكاة، أو كان فعل محرماً مثل أن يسرق لشخص مالاً ثم يتوب،فلابد أن يرد المال إلى صاحبه، وإلا لم تصح توبته
فإن قال قائل: هذا رجل سرق مالاً من شخص وتاب إلى الله، لكن ا لمشكل كيف يؤدي هذا المال إلى صاحبه؟ يخشىإذا أدى المال إلى صاحبه أن يقع في مشاكل فيدّعي مثلاً صاحب المال أن المال أكثر، أو يتَّهَم هذا الرجل ويشيع أمره، أو ما أشبه ذلك، فماذا يصنع؟
نقول: لابد أن يوصل المال إلى صاحبه بأي طريق، وبإمكانه أن يرسل المال مع شخص لايتهم بالسرقة ويعطيه صاحبه، ويقول: يا فلان هذامن شخص أخذه منك أولاً والآن أوصله إليك، ويكون هذاالشخص محترماً أميناً بمعنى أنه لايمكن لصاحب المال أن يقول: إما أن تعين لي من أعطاك إياه وإلا فأنت السارق، أما إذاكان يمكن فإنه مشكل.
مثال ذلك: أن يعطيه القاضي، أو يعطيه الأمير يقول: هذا مال لفلان أخذته منه، وأنا الآن تائب، فأدّه إليه. وفي هذه الحال يجب علىمن أعطاه إياه أن يؤدّيه إنقاذاً للآخذ وردّاً لصاحب المال.
فإذا قال قائل: إن الذي أخذت منه المال قد مات، فماذا أصنع؟
فالجواب: يعطيه الورثة، فإن لم يكن له ورثة أعطاه بيت المال.
فإذا قال :أنا لا أعرف الورثة، ولا أعرف عنوانهم؟
فالجواب: يتصدّق به عمن هو له، والله عزّ وجل يعلم هذا ويوصله إلى صاحبه. فهذه مراتب التوبة بالنسبة لمن أخذ مال شخص معصوم.
تأتي مسألة الغيبة: فالغيبة كيف يتخلص منها إذا تاب:
من العلماء من قال: لابد أن يذهب إلى الشخص ويقول: إني اغتبتك فحللني، وفي هذا مشكلة.
ومنهم من فصّل وقال: إن علم بالغيبة ذهب إليه واستحله، وإن لم يعلم فلاحاجة أن يقول له شيئاً لأن هذا يفتح باب شرّ.
ومنهم من قال: لايُعلِمْه مطلقاً،كما جاء في الحديث: "كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَستَغْفِرَ لَهُ"[281] فيستغفر له ويكفي.
ولكن القول الوسط هو الوسط، وهو أن نقول: إن كان صاحبه قد علم بأنه اغتابه فلابد أن يتحلل منه، لأنه حتى لو تاب سيبقىفي قلب صاحبه شيء، وإن لم يعلم كفاه أن يستغفر له.
الشرط الرابع: العزم على أن لايعود:
فلابد من هذا، فإن تاب من هذا الذنب لكن من نيته أن يعود إليه متىسنحت له الفرصة فليس بتائب، ولكن لو عزم أن لايعود ثم سوّلت له نفسه فعاد فالتوبة الأولىلاتنتقض، لكن يجب أن يجدد توبة للفعل الثاني.
ولهذا يجب أن نعرف الفرق بين أن نقول: من الشرط أن لايعود، وأن نقول:من الشرط العزم علىأن لايعود.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة وقت قبول التوبة:
فإن كانت في وقت لاتقبل فيه لم تنفعه، وذلك نوعان: نوع خاص، ونوع عام.
النوع الخاص: إذا حضر الإنسان أجله فإن التوبة لاتنفع،لقول الله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)(النساء: الآية18) ولما غرق فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين فقيل له: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس:91)
أي الآن تسلم، ومع ذلك لم ينفعه.
وأما العام: فهو طلوع الشمس من مغربها، فإن الشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، فإذا طلعت من المغرب آمن الناس كلهم، ولكن لاينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لاً تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَةُ، وَلاتَنْقَطعُ التَّوبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا"[282] .
فهذه هي شروط التوبة، وأكثر العلماء - رحمهم الله - يقولون:شروط التوبة ثلاثة: الندم، والإقلاع، والعزم على أن لايعود.
ولكن ما ذكرناه أوفى وأتمّ، ولابد مما ذكرناه.
.6 أن الإنسان إذا أذنب ذنوباً عظيمة ثم لقي الله لايشرك به شيئاً غفر الله له. ولكن هذا ليس على عمومه لقول الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء:48)
فقوله هنا في الحديث:"لأَتيتُكَ بِقِرَابِهَا مَغْفِرَةً" هذا إذا شاء، وأما إذا لم يشأ فإنه يعاقب بذنبه.
.7-فضيلة التوحيد وأنه سبب لمغفرة الذنوب، وقد قال الله عزّ وجل: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)(الأنفال: الآية38) فمهما عظمت الذنوب إذا انتهى الإنسان عنها بالتوحيد غفر الله له.
.8 إثبات لقاء الله عزّ وجل، لقوله: "ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَتُشْرِك بِي شَيْئَاً" وقد دلّ على ذلك كتاب الله عزّ وجل، قال الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(الكهف: الآية110) وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق: 6)
فلابد من ملاقاة الله عزّ وجل، والنصوص في هذا كثيرة، فيؤخذ من ذلك: أنه يجب على الإنسان أن يستعد لملاقاة الله، وأن يعرف كيف يلاقي الله، هل يلاقيه علىحال مرضيةٍ عند الله عزّ وجل، أو على العكس؟ ففتّش نفسك واعرف ما أنت عليه.
ومن حسن تأليف المؤلّف - رحمه الله - أنه جعل هذا الحديث آخر الأحاديث التي اختارها - رحمه الله - المختوم بالمغفرة، وهذا يسمّى عند البلاغيين براعة اختتام.
وهناك مايسمّى براعة افتتاح فإذا افتتح الإنسان كتابه بما يناسب الموضوع يسمونه براءة افتتاح، مثل قول ابن حجر - رحمه الله - في بلوغ المرام:
"الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة قديماً وحديثاً" يشير إلى أن هذا الكتاب في الحديث.
وإلىهنا ينتهي الكلام على الأربعين النووية المباركة،التي نحثُّ كل طالب علم على حفظها وفهم معناها والعمل بمقتضاها،نسأل الله عزّ وجل أن يجعلنا ممن سمع وانتفع إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلىآله وصحبه أجمعين


[278] أخرجه الترمذي – كتاب: الدعوات، باب: خلق الله مائة رحمة، (3540). والإمام أحمد – في مسند الانصار عن أبي ذر الغفاري، (21804)

[279] أخرجه الترمذي - كتاب: تفسير القرآن، باب: سورة البقرة، (2969). والإمام أحمد بن حنبل - ج4/ص267، في مسند الكوفيين عن النعمان بن بشير، (18542). وابن ماجه - كتاب: الدعاء، باب: فضل الدعاء، (3828). وأبو داود - كتاب: الوتر، باب: الدعاء، (1479). والنسائي في سننه الكبرى - كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة غافر، (11464).

[280] أخرجه البخاري - بلفظ "تعس عبدالدينار والدرهم والقطيفة والخميلة، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض"، كتاب: الجهاد والسير، باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله، (2886)

[281] مسند الحارث – ج2/ص74، (1080)، بلفظ" عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفارة الاغتياب أن تسغفر لم اغتبته"

[282] أخرجه أبو داود – كتاب: الجهاد، باب: الهجرة هل انقطعت؟، (2479)والإمام أحمد بن حنبل – في مسند الشاميين عن معاوية بن أبي سفيان، ج4/ص99، (17030)
بنتـ ابوها 01:23 AM 09-29-2010
|| (أفنان) l| 07:55 PM 09-29-2010


بارك الله فيكِ وجعل جهودكِ في ميزان حسناتك

إن شاء الله تلقى التفاعل من الأخوات الغاليات
وأتمنى من الجميع التفاعل معها للتحقيق الفائدة منها
طالبة الفردوس 08:34 PM 09-29-2010
آمــــــــــــــــــــــــــــين يارب
دعواتك حبيبتي
الأولى ... 6  7  8  9  10 11