مجتمع رجيمأرشيف معهد رجيم

صفحة الاحاديث

الحديث الثاني والثلاثون

عنْ أَبي سَعيدٍ سَعدِ بنِ مَالِك بنِ سِنَانٍ الخُدريِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهٍِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ)[231] حَدِيْث حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ، وَالدَّارَقطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا مُسْنَدَاً،

الشرح
"لاَ ضَرَرَ" الضرر معروف،والضرر يكون في البدن ويكون في المال، ويكون في الأولاد، ويكون في المواشي وغيرها.
"ولا ضرار" أي ولا مضارة والفرق بين الضرر والضرار:
أن الضرر يحصل بدون قصد، والمضارة بقصد، ولهذا جاءت بصيغة المفاعلة.
مثال ذلك: رجل له جار وعنده شجرة يسقيها كل يوم، وإذا بالماء يدخل على جاره ويفسد عليه، لكنه لم يعلم، فهذا نسمية ضرراً.
مثال آخر: رجل بينه وبين جاره سوء تفاهم، فقال : لأفعلن به ما يضره، فركب موتوراً له صوت كصوت الدركتر عند جدار جاره وقصده الإضرار بجاره، فهذا نقول مضار.
والمضار لا يرفع ضرره إذا تبين له بل هو قاصده، وأما الضرر فإنه إذا تبين لمن وقع منه الضرر رفعه.
وهذا الحديث أصل عظيم في أبواب كثيرة، ولا سيما في المعاملات:كالبيع والشراء والرهن والارتهان، وكذلك في الأنكحة يضار الرجل زوجته أو هي تضار زوجها، وكذلك في الوصايا يوصي الرجل وصية يضر بها الورثة.
فالقاعدة: متى ثبت الضرر وجب رفعه، ومتى ثبت الإضرار وجب رفعه مع عقوبة قاصد الإضرار.
من ذلك مثلاً: كانوا في الجاهلية يطلق الرجل المرأة فإذا شارفت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها ثانية فإذا شارفت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها ثالثة ورابعة، لقصد الإضرار،فرفع الله تعالى ذلك إلى حد ثلاث طلقات فقط.
مثال آخر:رجل طلق امرأته ولها أولاد منه،حضانتهم للأم إلا إذا تزوجت، والمرأة تريد أن تتزوج ولكن تخشى إذا تزوجت أن يأخذ أولاده، فتجده يهددها ويقول:إن تزوجتي أخذت الأولاد،وهو ليس له رغبة في الأولاد ولا يريدهم،ولو أخذهم لأضاعهم لكن قصده المضارة بالمرأة بأن لا تتزوج، فهذا لا شك أنه حرام وعدوان عليها، ولو تزوجت وأخذ أولادها منها مع قيامها بواجب الحضانة ورضا زوجها الثاني بذلك، لكن قال:أريد أن أضارها،ونعرف أنه إذا أخذهم لم يهتم بهم، بل ربما يدعهم تحت رعاية ضرة أمهم، يعني الزوجة الثانية، وما ظنك إذا كان أولاد ضرتها تحت رعايتها سوف تهملهم، وسوف تقدم أولادها عليهم، وسوف تهينهم، ولكنه أخذهم للمضارة، فهذا لا شك أنه من المحرم.
مثال آخر:رجل أوصى بعد موته بنصف ماله لرجل آخر من أجل أن ينقص سهام الورثة، فهذا محرم عليه مع أن للورثة أن يبطلوا ما زاد على الثلث.
مثال آخر:رجل له ابن عم بعيد لا يرثه غيره، فأراد أن يضاره وأوصى بثلث ماله مضارة لابن العم البعيد أن لا يأخذ المال، فهذا أيضاً حرام.
ولو سرنا على هذا الحديث لصلحت الأحوال، لكن النفوس مجبولة على الشح والعدوان، فتجد الرجل يضار أخاه،وتجده يحصل منه الضرر ولا يرفع الضرر.
يقول المؤلف - رحمه الله - حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً أي متصل السند.
وقوله ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسقط أبا سعيد والحديث إذا سقط منه الصحابي سمي مرسلاً، ولكن النووي- رحمه الله- قال: وله طرق يقوي بعضها بعضاً ولا شك أنه إذا تعددت طرق الحديث وإن كان كل طريق على انفراده ضعيفاً فإنه يقوى، ولهذا قال الشاعر:
لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قوياً
هذا الحديث يعتبر قاعدة من قواعد الشريعة، وهي أن الشريعة لا تقر الضرر، وتنكر الإضرار أشد وأشد والله الموفق.


[231] سبق تخريجه صفحة (265)
الحديث الثالث والثلاثون


عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدعوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَال قَومٍ وَدِمَاءهُمْ، وَلَكِنِ البَينَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمينُ عَلَى مَن أَنكَر"[232] حديث حسن رواه البيهقي هكذا بعضه في الصحيحين.



الشرح


قوله: "لَو يُعطَى" المعطي هو من له حق الإعطاء كالقاضي مثلاً والمصلح بين الناس.

وقوله: "بِدَعوَاهُم" أي بادعائهم الشيء،سواء كان إثباتاً أو نفياً.

مثال الإثبات:أن يقول: أنا أطلب فلاناً ألف ريال.

ومثال النفي:أن ينكر ما يجب عليه لفلان، مثل أن يكون في ذمته ألف ريال لفلان،ثم يدعي أنه قضاها، أو ينكر أن يكون له عليه شيء.

"لادعى" هذا جواب "لَو"

"لادعَى رِجَال" المراد بهم الذين لا يخافون الله تعالى،وأما من خاف الله تعالى فلن يدعي ماليس له من مال أو دم، "أَموَال قَوم" أي بأن يقول هذا لي، هذا وجه.

ووجه آخر أن يقول: في ذمة هذا الرجل لي كذا وكذا ، فيدعي ديناً أو عيناً.

"وَ دِمَاءهُم" بأن يقول: هذا قتل أبي، هذا قتل أخي وما أشبه ذلك، أو يقول: هذا جرحني، فإن هذا نوع من الدماء.

فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لأن كل إنسان لا يخاف الله عزّ وجل لا يهمه أن يدعي الأموال والدماء.

"وَلَكِنِ البَينَةُ" البينة:ما يبين به الحق، وتكون في إثبات الدعوى "عَلَى المُدَعي" "وَاليَمين" أي دفع الدعوى "عَلَى مَنْ أَنكَر" .

فهنا مدعٍ ومدعىً عليه، والمدعي : عليه البينة، والمدعى عليه: عليه اليمين ليدفع الدعوى.

"وَاليَمين عَلَى مَنْ أَنكَر" أي من أنكر دعوى المدعي.

هذا الحديث أصل عظيم في القضاء، وهو قاعدة عظيمة في القضاء ينتفع بها القاضي وينتفع بها المصلح بين اثنين وما إلى ذلك.



من فوائد هذا الحديث:


.1أن الدعوى تكون في الدماء والأموال، لقوله "أَموَال قَوم وَدِمَاءهُم" وهو كذلك، وتكون في الأموال الأعيان، وفي الأموال المنافع،كأن يدعي أن هذا أجره بيته لمدة سنة فهذه منافع، وتكون أيضاً في الحقوق كأن يدعي الرجل أن زوجته لا تقوم بحقه أو بالعكس، فالدعوى بابها واسع، لكن هذا الضابط، وذكر المال والدم على سبيل المثال، وإلا قد يدعي حقوقاً أخرى.

.2أن الشريعة جاءت لحماية أموال الناس ودمائهم عن التلاعب.

.3أن البينة على المدعي، والبينة أنواع منها: الشهادة ، قال الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)(البقرة: الآية282)

ومن البينة : ظاهر الحال فإنها بينة، مثال ذلك: رجل ليس عليه عمامة يلحق رجلاً عليه عمامة وبيده عمامة ويقول:يا فلان أعطني عمامتي. فالرجل الذي ليس عليه عمامة معه ظاهر الحال، لأن الملحوق عليه عمامة وبيده عمامة ولم تَجرِ العادة بأن الإنسان يحمل عمامة وعلى رأسه عمامة.

فالآن شاهد الحال للمدعي، فهو أقوى، فنقول في هذه الحال: الذي ادعى أن العمامة التي في يد الهارب له هو الذي معه ظاهر الحال، لكن لا مانع من أن نحلفه بأنها عمامته.

كذلك أيضاً لو اختلف الزوجان في أواني البيت، فقالت الزوجة: الأواني لي، وقال الزوج:الأواني لي. فننظر حسب الأواني: إذا كانت من الأواني التي يستعملها الرجال فهي للزوج،وإذا كانت من الأواني التي يستعملها النساء فهي للزوجة، وإذا كانت صالحة لهما فلابد من البينة على المدعي.

فإذاً القرائن بينة، وعليه فالبينات لا تختص بالشهود.

ومن العمل بالقرائن قصة سليمان عليه السلام، فإن سليمان عليه السلام مرت به امرأتان معهما ولد، وكانت المرأتان قد خرجتا إلى البر فأكل الذئب ولد الكبرى، واحتكمتا إلى داود عليه السلام، فقضى داود عليه السلام بأن الولد للكبيرة اجتهاداً منه، لأن الكبيرة قد تكون انتهت ولادتها والصغيرة في مستقبل العمر.

فخرجتا من عند داود عليه السلام وكأنهما - والله أعلم - في نزاع، فسألهما سليمان عليه السلام فأخبرتاه بالخبر، فدعا بالسكين وقال: سأشق الولد نصفين، أما الكبيرة فوافقت، وأما الصغيرة فقالت: الولد ولدها يا نبي الله، فقضى به للصغيرة[233]، لأن هنا بينة وهي القرينة الظاهرة التي تدل على أن الولد للصغيرة لأنها أدركتها الشفقة وقالت: كونه مع كبيرة ويبقى في الحياة أحب إلي من فقده الحياة، والكبيرة لا يهمها هذا، لأن ولدها قد أكله الذئب.

كذلك قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز لما قال الحاكم: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ*وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ*فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (يوسف:26-28)

ومن ذلك أيضاً :امرأة ادعت على زوجها أن له سنة كاملة لم ينفق، والرجل يشاهد هو يأتي للبيت بالخبز والطعام وكل ما يحتاجه البيت،وليس في البيت إلا هو وامرأته،وقال هو:إنه ينفق فالظاهر مع الزوج، فلا نقبل قولها وإن كان الأصل عدم الإنفاق لكن هنا ظاهر قوي وهو مشاهدة الرجل يدخل على بيته بالأكل والشرب وغيرهما من متطلبات البيت.

في القسامة:القسامة أن يدعي قوم قتل لهم قتيل بأن القبيلة الفلانية قتلته،وبين القبيلتين عداوة،فادعت القبيلة التي لها القتيل أن هذه القبيلة قتلت صاحبهم وعينت القاتل أنه فلان، فهنا مدعي ومدعىً عليه، المدعي أولياء المقتول، والمدعى عليه القبيلة الثانية.

فإذا قلنا:البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقلنا البينة ليست الشاهد، بل ما أبان الحق اختلف الحكم.

ولو قلنا إن البينة الشاهد لقلنا للمُدَّعين هاتوا بينة على أن فلاناً قتله وإلا فلا شيء لكم، ولكن السنة جاءت على خلاف هذا، جاءت بأن المُدَّعين يحلفون خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قتل صاحبهم[234] ، فإذا حلفوا فهو كالشهود تماماً، فيأخذونه برمته ويقتلونه.

وهذه وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقضى بها هكذا، على أنه إذا حلف خمسون رجلاً من أولياء المقتول فإنهم يستحقون قتل المدعى عليه، وهذا هو الحق،وإن كان بعض السلف والخلف أنكر هذا وقال:كيف يُحكم لهم بأيمانهم وهم مدعون.

فيقال:السنة هنا مطابقة تماماً للواقع،لأن مع المُدَّعين قرينة تدل على أنهم قتلوا صاحبهم وهي العداوة،فهذا القتيل رؤي عند القبيلة الأخرى المدعى عليها،ولا نقول:هاتوا شهوداً،لأن قرينة الحال أقوى من الشهود.

فإذا قال قائل: لماذا كررت الأيمان خمسين يميناً؟

فالجواب:لعظم شأن الدماء،فليس من السهل أن نقول احلف مرة واقتل المدعى عليه.

فإن قال قائل:كيف يحلف أولياء المقتول على شخص معين وهم لا يدرون عنه؟

فالجواب:أننا لا نسلم أنهم لا يدرون عنه، فربما يكونون شاهدوه وهو يقتل صاحبهم،وإذا سلمنا جدلاً أو حقيقة أنهم لم يشاهدوه فلهم أن يحلفوا عليه بناء على غلبة الظن وتتم الدعوى،والحلف بناء على غلبة الظن جائز.

ولذلك القسامة قال عنها بعض العلماء:إنها تخالف القياس من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن الأيمان صارت في جانب المُدَّعين، والأصل أن اليمين في جانب المنكر.

الوجه الثاني: أنها كررت إلى خمسين يميناً.

الوجه الثالث:أن أولياء المقتول يحلفون على شخص قد لايكونون شاهدوا قتله.

وسبق الجواب عن هذا،وأن القسامة مطابقة تماماً للقواعد الشرعية.

.4فيه أنه لو أنكر المنكر وقال لا أَحلف فإنه يقضي عليه بالنكول،ووجه ذلك أنه إذا أبى أن يحلف فقد امتنع مما يجب عليه،فيحكم عليه بالنكول،والله أعلم.


[232] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ج10/ص252، (20990). وفي البخاري بمعناه – كتاب: التفسير، باب: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً)، (4552). ومسلم – كتاب: الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه، (1711)،(1).
[233] أخرجه البخاري – كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب)، (3427). ومسلم – كتاب: الأقضية، باب: بيان اختلاف المجتهدين، (1720)،(20)
[234] أخرجه البخاري- كتاب: الادب، باب: إكرام الكبير ويبدأ الاكبر بالكلام والسؤال، (6142)، (6142). ومسلم – كتاب: القسامة والمحاربين، باب: القسامة، (1669)،(1)
الحديث الرابع والثلاثون

عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رِسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: (مَن رَأى مِنكُم مُنكَرَاً فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِقَلبِه وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ)[235] رواه مسلم.


الشرح


"مَنْ" اسم شرط جازم،و: "رأى" فعل الشرط،وجملة "فَليُغَيرْه بَيَدِه" جواب الشرط.
وقوله: "مَنْ رَأَى" هل المراد من علم وإن لم يرَ بعينه فيشمل من رأى بعينه ومن سمع بأذنه ومن بلغه خبر بيقين وما أشبه ذلك، أو نقول: الرؤيا هنا رؤية العين، أيهما أشمل؟
الجواب :الأول،فيحمل عليه،وإن كان الظاهر الحديث أنه رؤية العين لكن مادام اللفظ يحتمل معنى أعم فليحمل عليه.
وقوله: "مُنْكَراً" المنكر:هو ما نهى الله عنه ورسوله، لأنه ينكر على فاعله أن يفعله.
" فَلْيُغَيِّرْهُ" أي يغير هذا المنكر بيده.
مثاله: من رأى مع شخص آلة لهو لا يحل استعمالها أبداً فيكسرها.
وقوله: "مُنْكَرَاً" لابد أن يكون منكراً واضحاً يتفق عليه الجميع، أي المنكر والمنكر عليه،أو يكون مخالفة المنكر عليه مبينة على قول ضعيف لا وجه له.
أما إذا كان من مسائل الاجتهاد فإنه لا ينكره.
"فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ" أي إن لم يستطع أن ينكره بيده "فَبِلِسَانِهِ" أي فلينكره بلسانه ويكون ذلك: بالتوبيخ،والزجر وما أشبه ذلك،ولكن لابد من استعمال الحكمة، كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله، وقوله "بِلِسَانِهِ" هل نقيس الكتابة على القول؟
الجواب: نعم، فيغير المنكر باللسان، ويغير بالكتابة، بأن يكتب في الصحف أو يؤلف كتباً يبين المنكر.
"فَإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقَلْبِهِ" أي فلينكر بقلبه، أي يكرهه ويبغضه ويتمنى أن لم يكن.
" وَذَلِكَ" أي الإنكار بالقلب "أَضْعَفُ الإِيْمَانِ" أي أضعف مراتب الإيمان في هذا الباب أي في تغيير المنكر.


من فوائد هذا الحديث:

1-أن النبي صلى الله عليه وسلم ولى جميع الأمة إذا رأت منكراً أن تغيره،ولا يحتاج أن نقول: لابد أن يكون عنده وظيفة،فإذا قال أحد: من الذي أمرك أو ولاك؟ يقول له؟النبي صلى الله عليه وسلم لقوله "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ" .
.2أنه لا يجوز إنكار المنكر حتى يتيقن المنكر، وذلك من وجهين:الوجه الأول: أن يتيقن أنه منكر. والوجه الثاني:أن يتيقن أنه منكر في حق الفاعل،لأن الشيء قد يكون منكراً في حد ذاته،لكنه ليس منكراً بالنسبة للفاعل.
مثال ذلك: الأكل والشرب في رمضان،الأصل أنه منكر، لكن قد لا يكون منكراً في حق رجل بعينه:كأن يكون مريضاً يحل له الفطر،أو يكون مسافراً يحل له الفطر.
.3أنه لابد أن يكون المنكر منكراً لدى الجميع،فإن كان من الأمور الخلافية فإنه لا ينكر على من يرى أنه ليس بمنكر،إلا إذا كان الخلاف ضعيفاً لا قيمة له،فإنه ينكر على الفاعل، وقد قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلافاً له حظ من النظر
فلو رأيت رجلاً أكل لحم إبل وقام يصلي،فلا تنكر عليه،لأن المسألة خلافية،فبعض العلماء يرى أنه يجب الوضوء من أكل لحم الإبل، وبعضهم لا يرى هذا،لكن لا بأس أن تبحث معه وتبين له الحق.
ولو رأيت رجلاً باع عشرة ريالات من الورق بأحد عشر، فهل تنكر عليه أو لا تنكر؟
الجواب:لا أنكر،لأن بعض العلماء يرى أن هذا جائز،وأنه لا ربا في الأوراق، لكني أبين له في المناقشة أن هذا منكر، وعلى هذا فقس.
فإن قال قائل:ما موقفنا من العوام،لأن طالب العلم يرى هذا الرأي فلا ننكر عليه،لكن هل نقول للعوام اتبعوا من شئتم من الناس؟
الجواب:لا،العوام سبيلهم سبيل علمائهم، لأنه لو فتح للعامي أن يتخير فيما شاء من أقوال العلماء لحصلت الفوضى التي لا نهاية لها ، فنقول:أنت عامي في بلد يرى علماؤه أن هذا الشيء حرام،ولا نقبل منك أن تقول:أنا مقلد للعالم الفلاني أو العالم الفلاني.
وهل قوله: "فَلْيُغَيِّرْهُ بيدهِ" على إطلاقه، بمعنى أنه مع القدرة يغير على كل حال؟
الجواب:لا،إذا خاف في ذلك فتنة فلا يغير،لأن المفاسد يدرأ أعلاها بأدناها، كما لو كان يرى منكراً يحصل من بعض الأمراء،ويعلم أنه لو غير بيده استطاع،لكنه يحصل بذلك فتنة:إما عليه هو،وإما على أهله،وإما على قرنائه ممن يشاركونه في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهنا نقول: إذا خفت فتنة فلا تغير،لقوله تعالى: ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ )(الأنعام: الآية108)
.4أن اليد هي آلة الفعل، لقوله: "فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ" لأن الغالب أن الأعمال باليد،ولذلك تضاف الأعمال إلى الأيدي في كثير من النصوص،مثل قوله: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)(الشورى: الآية30) والمراد: بما كسبتم بأيديكم أو أرجلكم أو أعينكم أو آذانكم.
.5أنه ليس في الدين من حرج،وأن الوجوب مشروط بالاستطاعة، لقوله: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وهذه قاعدة عامة في الشريعة،قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(التغابن: الآية16) وقال عزّ وجل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)(البقرة: الآية286) وقال النبي صلى الله عليه وسلم "مَا نَهَيتُكُم عَنهُ فَاجتَنِبوهُ،وَمَا أَمَرتُكُم بِهِ فَأتوا مِنهُ مَا استَطَعتُم"[236] وهذا داخل في الإطار العام أن الدين يسر.
.6أن الإنسان إذا لم يستطع أن يغير باليد ولا باللسان فليغير بالقلب،وذلك بكراهة المنكر وعزيمته على أنه متى قدر على إنكاره بلسانه أو يده فعل.
فإن قال قائل:هل يكفي في إنكار القلب أن يجلس الإنسان إلى أهل المنكر ويقول:أنا كاره بقلبي؟
فالجواب :لا،لأنه لو صدق أنه كاره بقلبه ما بقي معهم ولفارقهم إلا إذا أكرهوه،فحينئذ يكون معذوراً.
.7أن للقلب عملاً، لقوله: "فَإن لَم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ" عطفاً على قوله: "فَليُغَيرْهُ بيَدِهِ" وهو كذلك.
فالقلب له قول وله عمل، قوله عقيدته، وعمله حركته بنية أو رجاء أو خوف أو غير ذلك.
.8أن الإيمان عمل ونية،لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه المراتب من الإيمان، والتغيير باليد عمل،وباللسان عمل، وبالقلب نية، وهو كذلك، فالإيمان يشمل جميع الأعمال،وليس خاصاً بالعقيدة فقط،لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَة، أو قال: وَستونَ شُعبَة، أَعلاهَا: قَولُ لاَ إِلهَ إِلا الله، وَأَدناهَا إِماطَةُ الأَذَى عَنِ الطَريقِ"[237] فقول: لا إله إلا الله قول لسان، وإماطة الأذى عن الطريق فعل الجوارح والحياء وهذا عمل قلب مِنَ الإيمَانِ ولا حاجة أن نقول ما يدور الآن بين الشباب وطلبة العلم :هل الأعمال من كمال الإيمان أو من صحة الإيمان؟ فهذا السؤال لا داعي له،أي إنسان يسألك ويقول: هل الأعمال شرط لكمال الإيمان أو شرط لصحة الإيمان؟
نقول له: الصحابة رضي الله عنهم أشرف منك وأعلم منك وأحرص منك على الخير،ولم يسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم هذا السؤال، إذاً يسعك ما يسعهم.
إذا دلّ الدليل على أن هذا العمل يخرج به الإنسان من الإسلام صار شرطاً لصحة الإيمان، وإذا دلّ دليل على أنه لا يخرج صار شرطاً لكمال الإيمان وانتهى الموضوع،أما أن تحاول الأخذ والرد والنزاع، ثم مَنْ خالفك قلت:هذا مرجىء. ومن وافقك رضيت عنه، وإن زاد قلت،هذا من الخوارج، وهذا غير صحيح.
فلذلك مشورتي للشباب ولطلاب العلم أن يدعوا البحث في هذا الموضوع، وأن نقول: ما جعله الله تعالى ورسوله شرطاً لصحة الإيمان وبقائه فهو شرط، وما لا فلا ونحسم الموضوع[238] .
فإن قال قائل: قوله: "فَليُغَيرهُ بيَدِهِ" هل هذا لكل إنسان؟
فالجواب:ظاهر الحديث أنه لكل إنسان رأي المنكر، ولكن إذا رجعنا إلى القواعد العامة رأينا أنه ليس عاماً لكل إنسان في مثل عصرنا هذا، لأننا لو قلنا بذلك لكان كل إنسان يرى شيئاً يعتقده منكراً يذهب ويغيره وقد لا يكون منكراً فتحصل الفوضى بين الناس.
نعم راعي البيت يستطيع أن يغير بيده،لأنه هو راعي البيت،كما أن راعي الرعية الأكبر أو من دونه يستطيع أن يغير باليد .
وليعلم أن المراتب ثلاث: دعوة، أمر، تغيير، فالدعوة أن يقوم الداعي في المساجد و في أي مكان يجمع الناس ويبين لهم الشر ويحذرهم منه ويبين لهم الخير ويرغبهم فيه.
والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر هو الذي يأمر الناس ويقول: افعلوا ،أو ينهاهم ويقول لهم : لا تفعلوا . ففيه نوع إمرة.
والمغير هو الذي يغير بنفسه إذا رأى الناس لم يستجيبوا لدعوته ولا لأمره ونهيه،والله الموفق.


[235] اخرجه مسلم- كتاب: الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، (49)، (78)

[236] أخرجه مسلم – كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر، (1337)،(412).

[237] سبق تخريجه صفحة (162)

[238] انظر شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ رحمه الله تعالى ص (573) ط دار الثريا.
الحديث الخامس والثلاثون

عَنْ أَبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَحَاسَدوا، وَلاَتَنَاجَشوا، وَلاَ تَبَاغَضوا، وَلاَ تَدَابَروا، وَلاَ يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ، وَكونوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانَاً، المُسلِمُ أَخو المُسلم، لاَ يَظلِمهُ، وَلاَ يَخذُلُهُ، وَلا يكْذِبُهُ، وَلايَحْقِرُهُ، التَّقوَى هَاهُنَا - وَيُشيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلاَثَ مَراتٍ - بِحَسْبِ امرىء مِن الشَّرأَن يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسِلمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَام دَمُهُ وَمَالُه وَعِرضُه)[239] رواه مسلم


الشرح

قوله: "لا تَحَاسَدوا" أي لا يحسد بعضكم بعضاً.
وما هو الحسد؟
قال بعض أهل العلم:الحسد تمني زوال نعمة الله عزّ وجل على الغير، أي أن يتمنى أن يزيل نعمته على الآخر،سواء كانت النعمة مالاً أو جاهاً أو علماً أو غير ذلك.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - الحسد:كراهة ما أنعم الله به على الغير وإن لم يتمن الزوال.
ومن المعلوم أن من لازم الكراهة أن يتمنى الزوال،لكن كلام الشيخ-رحمه الله - أدق، فمجرد ما تكره أن الله أنعم على هذا الرجل بنعمة فأنت حاسد.
"وَلا تَنَاجَشوا" أي لا ينجش بعضكم على بعض، وهذا في المعاملات، ففي البيع المناجشة: أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، لكن يريد الإضرار بالمشتري أو نفع البائع، أو الأمرين معاً .
مثال ذلك:عرضت سلعة في السوق فسامها رجل بمائة ريال، هذا الرجل السائم تعدى عليه رجل آخر وقال:بمائة وعشرة قصده الإضرار بهذا السائم وزيادة الثمن عليه، فهذا نجش.
ورجل آخر رأى رجلاً يسوم سلعة وليس بينه وبين السائم شيء، لكن السلعة لصديق له، فأراد أن يزيد من أجل نفع صديقه البائع، فهذا حرام ولا يجوز.
ورجل ثالث: أراد الإضرار بالمشتري ونفع البائع فهذا أيضاً حرام.
قال: "وَلا تَبَاغَضوا" أي لا يبغض بعضكم بعضاً ، والبغضاء لا يمكن تعريفها، تعريفها لفظها:كالمحبة والكراهة، والمعنى: لا تسعوا بأسباب البغضاء.
وإذا وقع في قلوبكم بغض لإخوانكم فاحرصوا على إزالته وقلعه من القلوب.
"وَلا تَدَابَروا" إما في الظهور بأن يولي بعضكم ظهر بعض، أولا تدابروا في الرأي، بأن يتجه بعضكم ناحية والبعض الآخر ناحية أخرى.
"وَلاَ يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ" مثال ذلك:رأيت رجلاً باع على آخر سلعة بعشرة،فأتيت إلى المشتري وقلت: أنا أعطيك مثلها بتسعة،أو أعطيك خيراً منها بعشرة،فهذا بيع على بيع أخيه، وهو حرام.
"وَكونوا عِبَادَ اللهِ إِخوانَاً" أي صيروا مثل الإخوان،ومعلوم أن الإخوان يحب كل واحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه.
وقوله: "عِبَادَ اللهِ" جملة اعتراضية،المقصود منها الحث على هذه الإخوة .
ثم قال: "المُسلِمُ أَخو المُسلِمِ" أي مثل أخيه في الولاء والمحبة والنصح وغير ذلك.
" لاَ يَظلِمهُ" أي لا ينقصه حقه بالعدوان عليه، أو جحد ما له ، سواء كان ذلك في الأمور المالية ،أو في الدماء،أو في الأعراض، في أي شيء.
" وَلاَ يَخذُلُهُ" أي لا يهضمه حقه في موضوع كان يحب أن ينتصر له.
مثاله:أن يرى شخصاً مظلوماً يتكلم عليه الظالم، فيقوم هذا الرجل ويزيد على الذي يتكلم عليه ولا يدافع عن أخيه المخذول ، بل الواجب نصر أخيه ولا يكذبه أي لا يخبره بالكذب، الكذب القولي أو الفعلي.
مثال القولي:أن يقول حصل كذا وكذا وهو لم يحصل.
ومثال الفعلي: أن يبيع عليه سلعة مدلسة بأن يظهر هذه السلعة وكأنها جديدة، لأن إظهاره إياها على أنها جديدة كأنه يقول بلسانه هي جديدة، فلا يحل له أن يكذبه لا بالقول ولا بالفعل.
" وَلاَ يَحْقِرُهُ" أي لا يستصغره، ويرى أنه أكبر منه، وأن هذا لا يساوي شيئاً,
ثم قال: "التَّقوى هَاهُنا" يعني تقوى الله عزّ وجل في القلب وليست في اللسان ولا في الجوارح،وإنما اللسان والجوارح تابعان للقلب.
"وَيُشيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلاثَ مِرَاتٍ" يعني قال: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، تأكيداً لكون القلب هو المدبر للأعضاء.
ثم قال: "بِحَسبِ امرُىءٍ مِنَ الشَّرِّ" الباء هذه زائدة، وحسب بمعنى كافٍ و "أَن يَحْقِرُهُ" مبتدأ والتقدير حقر أخيه كافٍ في الشر، وهذه الجملة تتعلق بقوله: "وَلا يحَقِرَهُ" أي يكفي الإنسان من الإثم أن يحقر أخاه المسلم، لأن حقران أخيك المسلم ليس بالأمر الهين.
"كُل المُسلِم عَلَى المُسلِم حَرَام" ثم فسر هذه الكلية بقوله: "دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرضُهُ" يعني أنه لا يجوز انتهاك دم الإنسان ولا ماله ولا عرضه،كله حرام.
من فوائد هذا الحديث:


1-أن هذا الحديث العظيم ينبغي للإنسان أن يسير عليه في معاملته إخوانه، لأنه يتضمن توجيهات عالية من النبي صلى الله عليه وسلم.
.2تحريم الحسد لقوله "لاَ تَحَاسَدوا".
وهل النهي عن وقوع الحسد من الجانبين ، أو من جانب واحد؟
الجواب:من جانب واحد،يعني لو فرضنا إنساناً يريد أن يحسد أخاه وذاك قلبه سليم لا يحسد صار هذا حراماً، فيكون التفاعل هنا في قوله "لا تَحَاسَدوا" ليس من شرطه أن يكون من الجانبين،كما إذا قلت: لا تقاتلوا يكون القتال من الجانبين.
فإن قال قائل: ما يرد على القلب أحياناً من محبة كون الإنسان أعلى من أخيه، فهل يدخل في الحسد؟
فالجواب:لا، لأن الرجل لم يكره نعمة الله عزّ وجل على هذا العبد،لكن أحب أن يفوقه، وهذا شيء طبيعي، ولذلك لما ألقى النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه السؤال: أن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن، كلهم لم يعرفوها، ذكروا أشياء من الشجر لكنها لم تكن إياه، وابن عمر رضي الله عنهما يقول:وقع في قلبي أنها النخلة،ولكني أصغر القوم فلم أتكلم، قال أبوه:وددت أنك قلت هذا[240] ،لأنه إذا قالها تفوق على الحاضرين.
فإن وقع في قلبه حسد لشخص ولكنه يدافعه ولم يعتد على الشخص، فهل يؤاخذ به؟
الجواب:لا يؤاخذ،لكنه ليس في حال الكمال، لأن حال الكمال أن لا تحسد أحداً،وأن ترى نعمة الله عزّ وجل على غيرك كنعمته عليك،لكن الإنسان بشر قد يقع في قلبه أن يكره ما أنعم الله به على هذا الشخص من علم أو مال أو جاه أو ما أشبه ذلك،لكنه لا يتحرك ولا يسعى لإضرار هذا المحسود، فنقول: هذا ليس عليه شيء،لأن هذا أمر قد يصعب التخلص منه، إلا أنه لو لم يكن متصفاً به لكان أكمل وأطيب للقلب، وفي الحديث إِذَا "ظَنَنتَ فَلاَ تُحَقق، وَإِذَا حَسَدتَ فَلاَ تَبغِ"[241].
فمن الناس من إذا حسد بغى فتجده مثلاً يتكلم في الشخص المرموق عند الناس الذي يعتبر رمزاً للإنفاق في سبيل الله وفي الصدقات، ثم يأخذ بمدحه ويقول:لكنه يتعامل بالربا، فإذا قال هذه الكلمة معناها أنه أهبط ميزانه عند الناس، وهذا حسد ببغي والعياذ بالله.
وكذلك مع العلماء، وأكثر ما يكون الحسد بين المتفقين في مهنة، كالحسد بين العلماء، والحسد بين التجار،والحسد بين أهل الصنائع،هذا الغالب ،وإلا فمن المعلوم أنه لا يأتي نجار مثلاً يحسد عالماً.
والحسد على مراتب:
الأولى: أن يتمنى أن يفوق غيره، فهذا جائز، بل وليس بحسد.
الثانية:أن يكره نعمة الله عزّ وجل على غيره،ولكن لا يسعى في تنزيل مرتبة الذي أنعم الله عزّ وجل عليه ويدافع الحسد، فهذا لا يضره،ولكن غيره أكمل منه.
الثالثة:أن يقع في قلبه الحسد ويسعى في تنزيل مرتبة الذي حسده، فهذا هو الحسد المحرم الذي يؤاخذ عليه الإنسان.
والحسد من خصال اليهود،كما قال الله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ )(البقرة: الآية109) قال الله تعالى في ذمهم )أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (النساء:54) والحسد يضر صاحبه لأن الحاسد لا يبقى مسروراً- والعياذ بالله- إذ إن نعم الله على العباد تترى ولا منتهى لها، وهذا الرجل كلما رأى نعمة من الله على غيره زاد غماً وهماً.
والحسد اعتراض على قدر الله عزّ وجل لأنه يريد أن يتغير المقدور،ولله الحكمة فيما قدره.
والحسد في الغالب تحدث فيه معاصٍ:كالعدوان على الغير، والمخاصمة، ونشر المعائب وغير ذلك، ولهذا يجب على المسلم أن يتجنبه كما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
.3تحريم المناجشة ولو من جانب واحد،وسبق أن النجش في البيع:هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وضربنا لهذا أمثلة.
ولكن لو أن الرجل يزيد في السلعة من أجل أن يربح منها، بمعنى أنه لا يريدها، بل يريد الربح منها،فلما ارتفع سعرها تركها، فهل يعد هذا نجشاً؟
الجواب:لا يعد هذا نجشاً،لأن هذا له غرض صحيح في الزيادة،وهو إرادة التكسب،كما لو كان يريد السلعة، وهذا يقع كثيراً بين الناس، تُعرَض السلعة والإنسان ليس له رغبة فيها ولا يريدها، ولكن رآها رخيصة فجعل يزيد فيها حتى إذا بلغت ثمناً لا يرى معه أن فيها فائدة تركها، فنقول: هذا لا بأس به، لأنه لم يرد إضرار الآخرين إنما ظن أن فيها فائدة فلما رأى أن لا فائدة تركها.
.4النهي عن التباغض،وإذا نُهي عن التباغض أمر بالتحاب، وعلى هذا فتكون هذه الجملة مفيدة لشيئين:
الأول: النهي عن التباغض، وهو منطوقها.
والثاني:الأمر بالتحاب، وهو مفهومها.
ولكن إذا قال قائل: كيف نتصرف في التباغض، والبغضاء والمحبة ليست باختيار الإنسان، ولهذا لما ذكر العلماء- رحمهم الله - أن الرجل المتزوج لأكثر من واحدة يلزمه العدل قالوا: إلا في المحبة ، وعللوا ذلك بأن المحبة لا يمكن السيطرة عليها وكذلك البغضاء؟
فالجواب على هذا: أن نقول:المحبة لها أسباب، والبغضاء لها أسباب، فابتعد عن أسباب البغضاء وأكثر من أسباب المحبة ، فمثلاً إذا كنت أبغضت شخصاً لأنه عمل عملاً ما، فاذكر محاسنه حتى تزيل عنك هذه البغضاء، وإلا ستبقى على ما أنت عليه من بغضائه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "لاَ يَفرك مؤمِن مؤمِنَة إِن كَرِهَ مِنهَا خُلُقَاً رَضيَ مِنهَا خُلُقاً آخر"[242] أي لا يبغض الرجل زوجته لأنها أساءت في خلق واحد، بل يقارن:إن كره خلقاً منها رضي منها خلقاً آخر.
كذلك المحبة:يذكر بقلبه ما يكون سبباً لمحبة الرجل من الخصال الحميدة والآداب العالية وما أشبه ذلك.
فالبغضاء لها سبب والمحبة لها سبب، فليفعل أسباب المحبة وليتجنب أسباب البغضاء.
.5النهي عن التدابر،سواء بالأجسام أو بالقلوب.
التدابر بالأجسام بأن يولي الإنسان ظهره ظهر أخيه، لأن هذا سوء أدب،ويدل على عدم اهتمامه به، وعلى احتقاره له، ويوجب البغضاء.
والتدابر القلبي بأن يتجه كل واحد منا إلى جهة أخرى،بأن يكون وجه هذا يمين ووجه هذا شمال، ويتفرع على هذا:
وجوب الاجتماع على كلمة واحدة بقدر الإمكان، فلنقرب الهوة بيننا حتى نكون على هدف واحد ،وعلى منهاج واحد، وعلى طريق واحد،وإلا حصل التدابر .
وانظر الآن الأحزاب الموجودة في الأمم كيف هم متدابرون في الواقع، كل واحد يريد أن يقع الآخر في شرك الشر، لأنهم متدابرون.
فالتدابر حرام، ولا سيما التدابر في القلوب،لما يترتب عليه من الفساد.
.6تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، ومثاله سبق ذكره في الشرح.
وهل هذا يشمل ما كان بعد زمن الخيار، وما كان في زمن الخيار، أو خاص فيما إذا كان ذلك في زمن الخيار؟
الجواب:في هذا للعلماء قولان:
القول الأول:إن تحريم البيع على بيع أخيه إذا كان هناك خيار، لأنه إذا كان هناك خيار تمكن من فسخ البيع، وأما إذا لم يكن خيار فلا حرج.
وأضرب لهذا مثلاً: زيد باع سلعة على عمرو بمائة ريال، وجاء بكر وقال لعمرو:أنا أعطيك مثلها بتسعين ريالاً، فهل هذا حرام،سواء كان في زمن الخيار أو بعد زمن الخيار، أو خاص بزمن الخيار؟
ننظر:إذا كان البائع قد أعطى المشتري مهلة ثلاثة أيام خيار، وبكر جاء إلى عمرو في هذه المدة،وقال:أنا أعطيك مثلها بتسعين، هنا يتمكن عمرو من فسخ البيع لأنه يوجد خيار.
أما إذا لم يكن خيار بأن باع زيد على عمرو هذه السلعة بمائة ريال وتقابضا،ولا خيار بينهما،ثم جاء بكر بعد ذلك،وقال لعمرو: أنا أعطيك مثلها بتسعين ريالاً ،فهل هذا حرام أو ليس بحرام؟
اختلف في هذا العلماء رحمهم الله فمنهم من قال: إن هذا حرام لعموم قوله: "وَلا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ" ، ومنهم من قال:إنه ليس بحرام،لأنه لا خيار للمشتري، فلو أراد أن يفسخ البيع ويعقد مع بكر لم يحصل له ذلك.
والصحيح أنه عام لما كان بعد زمن الخيار أو قبله،لأنه إذا كان قبل زمن الخيار فالأمر واضح بأن يفسخ البيع ويشتري من الثاني، لكن بعد زمن الخيار أيضاً لا يجوز لأنه يترتب عليه مفاسد:
أولاً: أن المشتري يكون في قلبه حقد على البائع، ويقول: هذا الرجل غلبني وخدعني.
ثانياً:أن المشتري يندم ويقول: كيف أشتري هذا بمائة وهو بتسعين،وإدخال الندم على المسلم محرم.
ثالثاً: أنه ربما يسعى المشتري إلى إحداث عيب في السلعة، أو إلى دعوى اختلال شرط من الشروط من أجل أن يفسخ البيع.
فلذلك كان القول الراجح في هذه المسألة:إن بيع المسلم على المسلم حرام، سواء كان في زمن الخيار أو بعد زمن الخيار .
وهل يقال:إن شراء الإنسان على شراء أخيه كبيعه على بيع أخيه؟
فالجواب:نعم، إذ إن المعنى واحد، ومثال الشراء على شراء أخيه، أن يبيع زيد على عمرو سلعة بمائة، فيذهب بكر إلى زيد- البائع - ويقول:أنا أشتريها منك بمائة وعشرين، فهذا حرام لما فيه من العدوان، وإحداث العداوة والبغضاء والنزاع بين الناس.
وسبق لنا: هل هذا خاص في زمن الخيار أو هو عام؟ وبينَّا أن القول الراجح إنه عام.
.7وجوب الأخوة الإيمانية، لقوله صلى الله عليه وسلم "وَكونوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانَاً".
ولكن كيف يمكن أن يحدث الإنسان هذه الأخوة؟
فالجواب:أن يبتعد عن كل تفكير في مساوئ إخوانه، وأن يكون دائماً يتذكر محاسن إخوانه،حتى يألفهم ويزول ما في قلبه من الحقد.
ومن ذلك: الهدايا، فإن الهدية تُذهِب السخيمة وتوجب المودة.
ومن ذلك:الاجتماع على العبادات ولا سيما على الصلوات الخمس والجمع والأعياد،فإن هذا يوجب المودة والأخوة، والأسباب كثيرة، والموانع كثيرة أيضاً، لكن يجب أن يدافع الموانع.
.8أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن نكون إخواناً بيّن حال المسلم مع أخيه
.9أن المسلم على المسلم حرام : دمه و ماله و عرضه.
.10أنه لا يجني عليه بأي جناية تريق الدم أو بأي جناية تنقص المال،سواء كان بدعوى ما ليس له أو بإنكار ما عليه.
.11تحريم عرض المسلم، يعني غيبته،فغيبة المسلم حرام، وهي من كبائر الذنوب كما قال ابن عبد القوي في منظومته:
وقد قيل صغرى غيبة ونميمة وكلتاهما كبرى على نص أحمد
والغيبة فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها: "ذكرك أخاك بما يكره في غيبته"[243] فإن كان في حضوره فهو سب وليس بغيبة، لأنه حاضر يستطيع أن يدافع عن نفسه، وقد شبهها الله عزّ وجل بأكل لحم الميت تقبيحاً لها حتى لا يقدم أحد عليها.
واعلم أن الغيبة تختلف مراتبها باختلاف ما ينتج عنها، فغيبة الأمراء أعظم من غيبة عامة الناس، لأن غيبتهم تؤدي إلى كراهتهم، وإلى التمرد عليهم، وإلى عدم تنفيذ أوامرهم التي يجب تنفيذها،وربما تؤدي إلى الخروج المسلح عليهم، فيحصل بذلك من الشر ما الله به عليم.
كذلك أيضاً غيبة العلماء أشد من غيرهم، لأن غيبة العلماء تتضمن الاعتداء على أشخاصهم،وتتضمن الاعتداء على ما يحملونه من الشريعة، لأن الناس إذا خف ميزان العالم عندهم لم يقبلوا منه.
ولذلك أحذركم ما حذرتكم به من قبل، من أولئك القوم الذين أعتبرهم مفسدين في الأرض، فيأتون في المجالس يغتابون فلاناً وفلاناً، مع أنك لو فكرت لوجدت عندهم من العيوب أكثر مما يعيبون به هذا الشخص، احذروا هؤلاء، لا تركنوا إليهم وانبذوهم من مجالسكم نبذاً،لأنهم مفسدون في الأرض،سواء قصدوا أو لم يقصدوا، فالفساد متى حصل فصاحبه مفسد،لكن مع نية الإفساد يكون ضرره أكثر وأعظم .
كما أن التشبه بالكفار مثلاً متى حصل ولو بغير قصد التشبه ثبت حكمه،ومع نية التشبه يكون أعظم.
.12أنه لا يحل ظلم المسلم بأي نوع من أنواع الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة،وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "مَنْ تَعَدُّونَ المُفلِسَ فيكُم؟" قَالوا: الذي لَيسَ عِندَهُ دِرهَم وَلاَ دينَار - أَو وَلاَ مَتَاع- قَالَ: "المُفلِس مَنْ يَأتي يَومَ القيامَةِ بِحَسَنَات ٍأَمثَالِ الجِبَالِ، فَيَأَتي وَقَد ضَرَبَ هَذا، وَشَتَمَ هَذا، وَأَخَذَ مَالَ هَذا، فَيَأخُذُ هَذا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذا مِنْ حَسَنَاتِهِ،وَهَذا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِن لَمْ يَبقَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيء أُخِذَ مِنْ سَيئَاتِهِم فَطُرِحَ عَلَيهِ ثُمَ طُرِحَ في النَّارِ"[244].
.13وجوب نصرة المسلم، وتحريم خذلانه، لقوله: "وَلاَيَخذلهُ" ويجب نصر المسلم،سواء كان ظالماً أو مظلوماً،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "انصُر أَخَاكَ ظَالِمَاً أَو مَظلُومَاً" قَالوا: يَارَسُول الله هَذا المَظلوم، فَكَيفَ نَنصُرُ الظَالِمَ؟ قَالَ: "تَمنَعهُ مِنْ الظلم فَذلِكَ نَصرُكَ إيَّاهُ"[245] وأنت إذا منعته من الظلم فقد نصرته على نفسه، وأحسنت إليه أيما إحسان.
.14وجوب الصدق فيما يخبر به أخاه، وأن لا يكذب عليه، بل ولا غيره أيضاً،لأن الكذب محرم حتى ولو كان على الكافرين، لكن ذكره في حق المسلم لأن السياق في ذلك.
فإن قال قائل: ما تقولون في التورية؟
فالجواب: التورية فيها تفصيل:
.1إن أدت إلى باطل فهي حرام.
.2 إن أدت إلى واجب فهي واجبة.
.3 إن أدت إلى مصلحة أو حاجة فجائزة.
.4-أن لا يكون فيها هذا ولا هذا ولا هذا،فاختلف العلماء فيها: هل تجوز أو لا تجوز؟
والأقرب أنه لا يجوز الإكثار منها، وأما فعلها أحياناً فلا بأس لا سيما إذا أخبر صاحبه بأنه مورٍّ، لنضرب لهذا أمثالاً خمسة:
المثال الأول في التورية المحرمة التي تؤدي إلى الباطل: تخاصم شخصان عند القاضي فقال أحدهما لي في ذمة فلان ألف ريال، فهذه دعوى، فأنكر المدعى عليه فنقول للمدعي:هات البينة.فقال:ليس عندي بينة، فإذا قال هذا توجهت اليمين على المدعي عليه، فأقسم المدعى عليه قال: والله ما له عندي شيء.
وأراد بـ ( ما) اسم الموصول، اسم الموصول يعني: الذي ، أي الذي له عندي شيء، وهو صحيح، أن ألف ريال شيء، فهذه تورية حرام لأنها تؤدي إلى محرم، أي أكل المال بالباطل.
ثم إن هذا الرجل لا ينجو في الآخرة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يَمينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ"[246] .
المثال الثاني: التورية الواجبة:مثل أن يسأل ظالم عن مكان شخص يريد أن يقتله، فسأل رجلاً،وقال:أتدري أين فلان؟وهو يدري أنه في المكان الفلاني، فقال: لا أدري،وينوي لا أدري عن كل أحواله، فقال له: هل هو في هذا البيت؟وهو يدري أنه في البيت، فقال:ليس في البيت،وينوي ليس في السطح مثلاً أو ليس في الدور الأسفل، أوليس في الحجرة الفلانية .
فهذه التورية حكمها الوجوب، لأن فيها إحياء نفس.
المثال الثالث:أن تكون التورية لمصلحة:سأل رجل عن شخص في حلقة علم فقال الحاضرون:ليس هاهنا.ويشيرون إلى شيء ليس هو فيه، بل هو في مكان آخر،فهذه مصلحة.
ويذكر أن الإمام أحمد -رحمه الله - كان في جلسة فجاء رجل يسأل عن المروذي، فقال الإمام أحمد:ليس المروذي هاهنا،وما يصنع المروذي هاهنا.وأشار إلى يده، يعني أنه ليس في يده وهو ليس في يده، لكنه حاضر.
المثال الرابع:أن تكون التورية لحاجة: كأن يلجئك رجل في سؤال عن أمور بيتك، وأنت لا تريد أن تخبره عن أمور بيتك، فهنا تحتاج إلى التورية،فإذا قال مثلاً: أنت تفعل في بيتك كذا وكذا ، وأنت لا تحب أن يطلع على هذا، فتقول:أنا لا أفعل. وتنوي لا تفعل في زمن لست تفعل فيه هذا الذي سأل عنه،فالزمن متسع فمثلاً:أنت تفعله في الضحى فتقول:أنا لا أفعل هذا يعني في الصباح والمساء، فهذه حاجة.
المثال الخامس: أن لا تكون التورية لحاجة ولا لمصلحة ولا واجب ولا حرام، فهذه مختلف فيها،فقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لا تحل التورية ، وقال إنها حرام،لأن التورية ظاهرها يخالف باطنها، إذ إن معنى التورية أن ينوي بلفظه ما يخالف ظاهره، ففيها نوع من الكذب،فيقول:إنها لا تجوز.
وفيها أيضاً مفسدة وهي:أنه إذا أطلِعَ أن الأمر خلاف ما فهمه المخاطب وصف هذا الموري بالكذب وساء ظنه فيه وصار لا يصدقه، وصار هذا الرجل يلعب على الناس، وما قاله الشيخ - رحمه الله تعالى - قوي بلا شك.
لكن لو أن الإنسان فعل ذلك أحياناً فأرجو أن لا يكون فيه حرج ،لا سيما إن أخبر صاحبه فيما بعد،وقال:إني قلت كذا وكذا،وأريد كذا وكذا،خلاف ظاهر الكلام،والناس قد يفعلون ذلك على سبيل المزاح، مثل أن يقول لك صاحبك:متى تزورني؟أنا أحب أن تزورني، فقلت له:بعد غد،هو سيفهم بعد غد القريب،وأنت تريد بعد غد مالا نهاية له إلى يوم القيامة، وهذا يؤخذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه في صلح الحديبية لما قال للرسول صلى الله عليه وسلم :ألست تحدثنا أننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال:نعم،لكني لم أقل هذا العام وإنك آتيه ومطوف به[247].
وجرت لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله - قصة حول هذا الموضوع،جاءه رجل في آخر شهر ذي الحجة، أي باقي أيام على انقضاء السنة، وقال له:يا شيخ نريد وعداً، فقال: هذه السنة لا يمكن أن أواعدك فيها،فظن المتكلم أنها اثنا عشر شهراً، فغضب،ولما رآه الشيخ غضب فقال له:لم يبق في السنة إلا عشرة أيام أو نحوها، فاقتنع الرجل، فمثل هذا لا بأس به أحياناً لا سيما إذا أخبر صاحبه.
.15تحريم احتقار المسلم مهما بلغ في الفقر وفي الجهل، فلا تحتقره، قال النبي صلى الله عليه وسلم "رُبَّ أَشعَثَ أَغبَرَ مَدفوعٌ بالأَبوابِ لَو أَقسَمَ عَلَى اللهِ لأَبرَّهُ "[248].
أشعث أغبر لا يستطيع أن ينظف نفسه، مدفوع بالأبواب لا يُفتح له، وإذا فتح له أحد عرف أنه فلان رد الباب عليه،فدفعه بالباب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لَو أَقسَمَ عَلَى اللهِ لأَبرَّهُ" فكيف تحتقر أخاك المسلم؟!.
ولعل يوماً من الدهر يكون أعلى منك، ولهذا قال الشاعر الجاهلي:
لا تهين الفقير علك أن تر كع يوماً والدهر قد رفعه
تركع يوماً: أي تذل، وهذا أمر مشاهد، كم من أناس كانوا فقراء في أول حياتهم لا يؤبه لهم فصاروا قادة وصاروا أغنياء.
إذاً لا تحقر أخاك المسلم،حتى لو سألته عن مسألة كلٌّ يفهمها وهو لم يفهمها لا تحتقره، فلعل الله يفتح عليه ويتعلم من العلم ما يكون به أعلم منك.
.16أن التقوى محلها القلب، لقوله: "التَّقوَى هَاهُنَا،وَأَشَارَ إِلَى صَدرِهِ" يعني في قلبه.
.17أن الفعل قد يؤثر أكثر من القول في المخاطبات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بإمكانه أن يقول: التقوى في القلب، لكنه قال: التقوى هاهنا وأشار إلى صدره، لأن المخاطب يتصور هذه الصورة ويتخيلها في ذهنه، وقد مر علينا أمثلة من هذا من الصحابة وغيرهم.
.18الرد على أولئك المجادلين بالباطل الذين إذا فعلوا معصية بالجوارح ونُهوا عنها قالوا: التقوى هاهنا ، فما جوابنا على هذا الجدلي؟
جوابنا أن نقول: لو اتقى ما هاهنا لاتقت الجوارح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَة إِذَا صَلحَت صَلحَ الجَسَد كُلهُ،وَإِذا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُهُ أَلاَ وَهِيَ القَلب"[249].
.19عظمة احتقار المسلم، لقوله: "بِحَسبِ امرئ مِنَ الشَّرِِّأَن يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِم".
20- وجوب احترام المسلم في هذه الأمور الثلاثة: دمه وماله و عرضه،والله الموفق.


[239] أخرجه مسلم – كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، (2564)،(32)

[240] أخرجه البخاري – كتاب: العلم، طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، (62). ومسلم – كتاب: الجنة والنار، باب: مثل المؤمن مثل النخلة، (2811)،(64)

[241] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير – ج3/ص288، (3227)، وابن عمبر الشيباني في الآحاد والمثاني، ج4/ص18، (1962)

[242] أخرجه مسلم – كتاب: الرضاع، باب: الوصية بالنسائ، (1469)، (61)

[243] أخرجه مسلم – كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الغيبة، (2589)، (70).

[244] أخرجه البخاري – كتاب: البر والصلة والأداب، باب: تحريم الظلمن (2581)،(59)

[245] أخرجه البخاري – كتاب: المظالم، باب: أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً، (2444).

[246] أخرجه مسلم – كتاب: الأيمان، باب: يمين الحالف على نية المستحلف، (1653)،(20).

[247] أخرجه البخاري – كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد، (2731)،(2732).

[248] أخرجه مسلم – كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل الضعفاء والخاملين، (2622)، (138).
الحديث السادس والثلاثون

عَنْ أَبي هُرَيرَة رضي الله عنه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: )مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِن كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كرَبِ يَوم القيامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ على مُعسرٍ يَسَّرَ الله عَلَيهِ في الدُّنيَا والآخِرَة، وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً سَتَرَهُ الله في الدُّنيَا وَالآخِرَة، وَاللهُ في عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ في عَونِ أخيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَريقَاً يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طَريقَاً إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِنْ بيوتِ اللهِ يَتلونَ كِتابِ اللهِ وَيتَدارَسونهَ بَينَهُم إِلا نَزَلَت عَلَيهُم السَّكينَة وَغَشيَتهم الرَّحمَة وحَفَتهُمُ المَلائِكة وَذَكَرهُم اللهُ فيمَن عِندَهُ،وَمَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بهِ نَسَبُهُ[250](رواه مسلم بهذا اللفظ
الشرح


قوله: "مَنْ نَفسَ" أي وسع.
"عَنْ مُؤمِنٍ كُربَةً" الكربة ما يكرب الإنسان ويغتم منه ويتضايق منه.
"مِنْ كُربِ الدنيَا" أي من الكرب التي تكون في الدنيا وإن كانت من مسائل الدين،لأن الإنسان قد تصيبه كربة من كرب الدين فينفس عنه.
"نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القيامَة" الجزاء من جنس العمل من حيث الجنس،تنفيس وتنفيس،لكن من حيث النوع يختلف اختلافاً عظيماً،فكرب الدنيا لا تساوي شيئاً بالنسبة لكرب الآخرة،فإذا نفس الله عن الإنسان كربة من كرب الآخرة كان ثوابه أعظم من عمله.
وقوله: "يَومِ القيامَة" هو الذي تقوم فيه الساعة، وسمي بذلك لثلاثة أمور:
الأول:أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله عزّ وجل،قال الله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين:6)
الثاني:أنه تقام فيه الأشهاد،كما قال الله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51)
الثالث:أنه يقام فيه العدل،لقول الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً)(الانبياء: الآية47)
"وَمَنْ يَسَّرَ" أي سهل.
"عَلَى مُعسَر" أي ذي إعسار كما قال الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)(البقرة: الآية280)
"يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ في الدُّنيَا وَالآخِرَة" ويشمل هذا التيسير تيسير المال،وتيسير الأعمال، وتيسير التعليم وغير ذلك،أي نوع من أنواع التيسير.
وهنا ذكر الجزاء في موضعين:
الأول:في الدنيا، والثاني:في الآخرة.
"وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً" أي أخفى وغطى،ومنه الستارة تخفي الشيء وتغطيه، والمقصود ستر مسلماً ارتكب ما يعاب. إما في المروءة والخلق ،وإما في الدين والعمل، "سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة" .
"وَاللهُ في عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ في عَونِ أخيهِ" يعني أنك إذا أعنت أخاك كان الله في عونك كما كنت تعين أخاك.
ويرويه بعض العوام: ما دام العبد في عون أخيه وهذا غلط، لأنك إذا قلت ما دام العبد في عون أخيه صار عون الله لا يتحقق إلا عند دوام عون الأخ، ولم يُفهم منه أن عون الله للعبد كعونه لأخيه،فإذا قال: ما دام العبد في عون أخيه عُلم أن عون الله عزّ وجل كعون الإنسان لأخيه.
وما دام هذا اللفظ هو اللفظ النبوي فلا يعدل عنه.
"وَمَنْ سَلَكَ طَريقَاً" أي دخله ومشى فيه.
"يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً" أي يطلب علماً.
"سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَريقَاً إِلَى الجَنَّةِ" يعني سهل الله له هداية التوفيق بالطريق إلى الجنة، والمراد بالعلم هنا علم الشريعة وما يسانده من علوم العربية والتاريخ وما أشبه ذلك.
أما العلوم الدنيوية المحضة كالهندسة وشبهها فلا تدخل في هذا الحديث، لكن هل هي مطلوبة أو لا؟
يأتي إن شاء الله في الفوائد.
والجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين،فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأوصافها وأوصاف ما فيها من النعيم موجود في الكتاب والسنة بكثرة.
"وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِنْ بيوتِ اللهِ" ما : نافية بدليل أنها جاء بعدها إلا المثبتة.
وبيوت الله هي المساجد، فإن المساجد هي بيوت الله عزّ وجل،كما قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور:37،36].
"يَتلونَ كِتَابَ الله" أي يقرؤونه لفظاً ومعنى.
أما اللفظ فظاهر،وأما المعنى : فالبحث في معاني القرآن.
"وَيَتَدَارَسونَهُ بَينَهُم" أي يدرس بعضهم على بعض هذا القرآن.
"إِلا نَزَلَت عَلَيهم السَّكينَة" أي طمأنينة القلب،وانشراح الصدر.
"وَغَشيَتهم الرَّحمَة" أي غطتهم، والرحمة هنا يعني رحمة الله عزّ وجل.
"وَحَفَّتهُم المَلائِكة" أي أحاطت بهم إكراماً لهم.
"وَذكرهُم اللهُ فيمَن عِنده" أي أن هؤلاء القوم الذين اجتمعوا في المسجد يتدارسون كلام الله عزّ وجل يذكرهم الله فيمن عنده،وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي: "من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"[251] فإذا ذكرت الله في ملأ بقراءة القرآن أو غيره فإن الله تعالى يذكرك عند ملأ خير من الملأ الذي أنت فيهم.
وَمَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرع بِهِ نَسَبُهُ بطأ: بمعنى أخَّر، والمعنى: من أخره العمل لم ينفعه النسب،لقوله تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )(الحجرات: الآية13)



من فوائد هذا الحديث:


1-الحث على تنفيس الكرب عن المؤمنين، لقوله: "مَنْ نَفَّس عَنْ مُؤمِن كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَوم القيامَةِ".
وهذا يشمل : كُرَب المال ، وكرب البدن، وكرب الحرب وغيرها فكل كربة تنفس بها عن المؤمن فهي داخلة في هذا الحديث.
.2أن الجزاء من جنس العمل،تنفيس بتنفيس،وهذا من كمال عدل الله عزّ وجل ولكن يختلف النوع، لأن الثواب أعظم من العمل، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
.3إثبات يوم القيامة، لقوله: "نَفّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَوم القيامَةِ".
.4أن في يوم القيامة كرباً عظيمة، لكن مع هذا والحمد لله هي على المسلم يسيرة،لقول الله تعالى: ( وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً)(الفرقان: الآية26) وقال الله عزّ وجل: (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (المدثر:10) وقال عزّ وجل:( يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) [القمر:8] أما المؤمن فإن الله عزّ وجل ييسره عليه ويخففه عنه والناس درجات، حتى المؤمنون يختلف يسر هذا اليوم بالنسبة إليهم حسب ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح.
.5الحث على التيسير على المعسر،وأنه ييسر عليه في الدنيا والآخرة.
والمعسر تارة يكون معسراً بحق خاص لك،وتارة يكون معسراً بحق لغيرك،والحديث يشمل الأمرين: "مَنْ يَسّرَ على مُعسَرٍ يَسّرَ الله عَلَيهِ" .
لكن إذا كان الحق لك فالتيسير واجب، وإن كان لغيرك فالتيسير مستحب،مثال ذلك:رجل يطلب شخصاً ألف ريال،والشخص معسر،فهنا يجب التيسير عليه لقول الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)[البقرة:280] ولا يجوز أن تطلبه منه ولا أن تعرض بذلك، ولا أن تطالبه عند القاضي لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)(البقرة: الآية280) ومن هنا نعرف خطأ أولئك القوم الذين يطلبون المعسرين ويرفعونهم للقضاء ويطالبون بحبسهم، وأن هؤلاء- والعياذ بالله - قد عصوا الله عزّ وجل ورسوله فإن الله تعالى يقول: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة) .
فإن قال قائل: ما أكثر أهل الباطل في الوقت الحاضر الذين يدعون الإعسار وليسوا بمعسرين، فصاحب الحق لايثق بادعائهم الإعسار؟
فنقول:نعم، الأمانات اليوم اختلفت لا شك، وقد يدعي الإعسار من ليس بمعسر، وقد يأتي بالشهود على أنه معسر،لكن أنت إذا تحققت أو غلب على ظنك أنه معسر وجب عليك الكف عن طلبه ومطالبته.
أما إذا علمت أن الرجل صاحب حيلة وأنه موسر لكن ادعى الإعسار من أجل أن يماطل بحقك فهنا لك الحق أن تطلب وتطالب، هذا بالنسبة للمعسر بحق لك.
أما إذا كان معسراً بحق لغيرك فإن التيسير عليه سنة وليس بواجب،اللهم إلا أن تخشى أن يُساء إلى هذا الرجل المعسر ويحبس بغير حق وما أشبه ذلك،فهنا قد نقول بوجوب إنقاذه من ذلك، ويكون هذا واجباً عليك مادمت قادراً.
.6أن التيسير على المعسر فيه أجران: أجر في الدنيا وأجر في الآخرة.
فإن قال قائل: لماذا لم يذكر الدنيا في الأول: "مَنْ نَفّسَ عَنْ مُؤمِن كُربَةً مِن كُرَبِ الدُنيَا نَفّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَوم القيامَةِ" فقط؟
قلنا : الفرق ظاهر، لأن من نفس الكربة أزالها فقط،لكن الميسر على المعسر فيه زيادة عمل وهو التيسير، وفرق بين من يرفع الضرر ومن يحدث الخير.
فالميسر محدث للخير وجالب للتيسير، والمفرج للكربة رافع للكربة فقط، هذا والله أعلم وجه كون الأول لا يجازى إلا في الآخرة، والثاني يجازى في الدنيا والآخرة.
.7الحث على الستر على المسلم لقوله: "وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً سَتَرَهُ الله في الدُّنيَا وَالآخِرَة".
ولكن دلت النصوص على أن هذا مقيد بما إذا كان الستر خيراً، والستر ثلاثة أقسام:
القسم الأول:أن يكون خيراً.
والقسم الثاني: أن يكون شراً.
والقسم الثالث:لا يدرى أيكون خيراً أم شراً.
أما إذا كان خيراً فالستر محمود ومطلوب.
مثاله:رأيت رجلاً صاحب خلق ودين وهيئة- أي صاحب سمعة حسنة - فرأيته في خطأ وتعلم أن هذا الرجل قد أتى الخطأ قضاءً وقدراً وأنه نادم، فمثل هذا ستره محمود ، وستره خير .
الثاني: إذا كان الستر ضرراً: كالرجل وجدته على معصية،أو على عدوان على الناس وإذا سترته لم يزدد إلا شراً وطغياناً، فهنا ستره مذموم ويجب أن يكشف أمره لمن يقوم بتأديبه، إن كانت زوجة فترفع إلى زوجها، وإن كان ولداً فيرفع إلى أبيه،وإن كان مدرساً يرفع إلى مدير المدرسة، وهلم جرا.
المهم: أن مثل هذا لا يستر ويرفع إلى من يؤدبه على أي وجه كان،لأن مثل هذا إذا ستر- نسأل الله السلامة- ذهب يفعل ما فعل ولم يبال.
الثالث:أن لا تعلم هل ستره خير أم كشفه هو الخير:فالأصل أن الستر خير،ولهذا يذكر في الأثر( لأن أخطىء في العفو أحب إليّ من أن أخطىء في العقوبة)[252] فعلى هذا نقول: إذا ترددت هل الستر خير أم بيان أمره خير، فالستر أولى، ولكن في هذه الحال تتبع أمره، لا تهمله، لأنه ربما يتبين بعد ذلك أن هذا الرجل ليس أهلاً للستر.
.8أن الله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه،ففيه الحث على عون إخوانه من المسلمين في كل ما يحتاجون إلى العون فيه حتى في تقديم نعليه له إذا كان يشق على صاحب النعلين أن يقدمهما،وحتى في إركابه السيارة، وحتى في إدناء فراشه له إذا كان في بَرٍّ أو ما أشبه ذلك.
فباب المعونة واسع، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
.9علم الله عزّ وجل بأمور الخلق وأنه يعلم من نفس عن مؤمن كربة، ومن يسر على معسر، ومن ستر مسلماً، ومن أعان مسلماً ، فالله تعالى عليم بذلك كله.
.10بيان كمال عدل الله عزّ وجل، لأنه جعل الجزاء من جنس العمل، وليتنا نتأدب بهذا الحديث ونحرص على تفريج الكربات وعلى التيسير على المعسر،وعلى ستر من يستحق الستر،وعلى معونة من يحتاج إلى معونة، لأن هذه الآداب ليس المراد بها مجرد أن ننظر فيها وأن نعرفها، بل المراد أن نتخلق بها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ساقها من أجل أن نتخلق بها، لا يريد منا أن نعلمها فقط، بل يريد أن نتخلق بها ولذلك كان سلفنا الصالح من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين - رحمهم الله - يتخلقون بالأخلاق التي يعلمهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم .
.11الحث على معونة أخيك المسلم، ولكن هذا مقيد بما إذا كان على بر وتقوى،لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: الآية2) أما على غير البر والتقوى فينظر:
إن كان على إثم فحرام،لقوله تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )(المائدة: الآية2)
وإن كان على شيء مباح فإن كان فيه مصلحة للمعان فهذا من الإحسان،وهو داخل في عموم قول الله تعالى: ( وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة:93] وإن لم يكن فيه مصلحة للمعان فإن معونته إياه أن ينصحه عنه، وأن يقول: تجنب هذا، ولا خير لك فيه.
.12أن الجزاء من جنس العمل، بل الجزاء أفضل، لأنك إذا أعنت أخاك كان الله في عونك، وإذا كان الله في عونك كان الجزاء أكبر من العمل.
.13الحث على سلوك الطرق الموصلة للعلم،وذلك بالترغيب فيما ذكر من ثوابه.
.14الإشارة إلى النية الخالصة، لقوله : "يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً" أي يطلب العلم للعلم،فإن كان طلبه رياءً وهو مما يبتغى به وجه الله عزّ وجل كان ذلك إثماً عليه.
وما ذكر عن بعض العلماء من قولهم: ( طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ) فمرادهم أنهم في أول طلبهم لم يستحضروا نية كونه لله عزّ وجل ثم فتح الله عليهم ولا يظهر أنهم أرادوا أنهم طلبوا العلم رياءً، لأن هذا بعيد لا سيما في الصدر الأول.
.15إطلاق الطريق الموصل للعلم، فيشمل الطريق الحسي الذي تطرقه الأقدام، والطريق المعنوي الذي تدركه الأفهام.
الطريق الحسي الذي تطرقه الأقدام: مثل أن يأتي الإنسان من بيته إلى مدرسته، أو من بيته إلى مسجده، أو من بيته إلى حلقة علم في أي مكان.
أما الذي تدركه الأفهام: فمثل أن يتلقى العلم من أهل العلم، أو يطالع الكتب،أوأن يستمع إلى الأشرطة وما أشبه ذلك.
.16أن الجزاء من جنس العمل، فكلما سلك الطريق يلتمس فيه العلم سهل الله له به طريقاً إلى الجنة.
.17أنه ينبغي الإسراع في إدراك العلم وذلك بالجد والاجتهاد، لأن كل إنسان يحب أن يصل إلى الجنة على وجه السرعة، فإذا كنت تريد هذا فاعمل العمل الذي يوصل إليها بسرعة.
.18أن الأمور بيد الله عزّ وجل، فبيده التسهيل، وبيده ضده، وإذا آمنت بهذا فلا تطلب التسهيل إلا من الله عزّ وجل.
.19الحث على الاجتماع على كتاب الله عزّ وجل، ثم إذا اجتمعوا فلهم ثلاث حالات:
الحال الأولى:أن يقرؤوا جميعاً بفم واحد وصوت واحد، وهذا على سبيل التعليم لا بأس به،كما يقرأ المعلم الآية ثم يتبعه المتعلمون بصوت واحد، وإن كان على سبيل التعبد فبدعة،لأن ذلك لم يؤثر عن الصحابة ولا عن التابعين.
الحال الثانية:أن يجتمع القوم فيقرأ أحدهم وينصت الآخرون، ثم يقرأ الثاني ثم الثالث ثم الرابع وهلم جراً، وهذا له وجهان:
الوجه الأول: أن يكرروا المقروء، فيقرأ الأول مثلاً صفحة، ثم يقرأ الثاني نفس الصفحة، ثم الثالث نفس الصفحة وهكذا، وهذا لا بأس به ولا سيما لحفاظ القرآن الذين يريدون تثبيت حفظهم.
الوجه الثاني:أن يقرأ الأول قراءة خاصة به أو مشتركة، ثم يقرأ الثاني غير ما قرأ الأول، وهذا أيضاً لا بأس به.
وكان علماؤنا ومشايخنا يفعلون هذا،فيقرأ مثلاً الأول من البقرة، ويقرأ الثاني الثمن الثاني، ويقرأ الثالث الثمن الثالث وهلم جراً، فيكون أحدهم قارئاً والآخرون مستمعين، والمستمع له حكم القارىء في الثواب، ولهذا قال الله عزّ وجل في قصة موسى وهارون: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا )(يونس: الآية89) والداعي موسىعليه السلام ، كما قال الله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ* قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)[يونس:88-89] قيل:إن موسى يدعو وهارون يؤمن ، ولهذا شرع للإنسان المستمع لقراءة القارىء إذا سجد القارىء أن يسجد.
الحال الثالثة:أن يجتمعوا وكل إنسان يقرأ لنفسه دون أن يستمع له الآخرون، وهذه هو الذي عليه الناس الآن، فتجد الناس في الصف في المسجد كلٌّ يقرأ لنفسه والآخرون لا يستمعون إليه.
20- إضافة المساجد إلى الله تشريفاً لها لأنها محل ذكره وعبادته.
والمضاف إلى الله عزّ وجل إما صفة، وإما عين قائمة بنفسها، وإما وصف في عين قائمة بنفسها.
الأول الذي من صفات الله عزّ وجل كقدرة الله وعزة الله،وحكمة الله وما أشبه ذلك.
الثاني :العين القائمة بنفسها مثل: ناقة الله، مساجد الله، بيت الله، فهذا يكون مخلوقاً من مخلوقات الله عزّ وجل لكن أضافه الله إلى نفسه تشريفاً وتعظيماً.
الثالث:أن يكون عين قائمة بنفسها ولكنها في عين أخرى مثل: روح الله كما قال الله عزّ وجل: ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا )(التحريم: الآية12) وقال في آدم: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي )(الحجر: الآية29) فهنا ليس المراد روح الله عزّ وجل نفسه، بل المراد من الأرواح التي خلقها،لكن أضافها إلى نفسه تشريفاً وتعظيماً.
.21أن رحمة الله عزّ وجل تحيط بهؤلاء المجتمعين على كتاب الله، لقوله: "وَغَشيتهم الرَّحمَةُ" أي أحاطت بهم من كل جانب كالغشاء وهو الغطاء يكون على الإنسان.
.23أن حصول هذا الثواب لا يكون إلا إذا اجتمعوا في بيت من بيوت الله،لينالوا بذلك شرف المكان،لأن أفضل البقاع المساجد.
.24تسخير الملائكة لبني آدم، لقوله: "حَفَّتهم المَلائِكة" فإن هذا الحف إكرام لهؤلاء التالين لكتاب الله عزّ وجل.
.25إثبات الملائكة،والملائكة عالم غيبي، كما سبق الكلام عليهم في شرح حديث جبريل عليه السلام.
.26علم الله عزّ وجل بأعمال العباد، لقوله: "وَذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَن عِنده" جزاء لذكرهم ربهم عزّ وجل بتلاوة كتابه.
.27أن الله عزّ وجل يجازي العبد بحسب عمله، فإن هؤلاء القوم لما تذاكروا بينهم، وكان كل واحد منهم يسمع الآخر،ذكرهم الله فيمن عنده من الملائكة تنويهاً بهم ورفعة لذكرهم.
وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: "أَنَا عِند ظَنِّ عَبدي بي، وَأَنَا مَعَهُ،إِذَا ذَكَرَني في نَفسِهِ ذَكَرتهُ في نَفسي،وَإِن ذَكَرَني في مَلأ ذَكَرتهُ في مَلأ خير مِنهُم"[253] .
.28أن النسب لا ينفع صاحبه إذا أخره عن صالح الأعمال لقوله: "مَن بطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ" يعني أخَّره "لَم يُسرِع بِهِ نَسَبُهُُ".
فإن لم يبطىء به العمل وسارع إلى الخير وسبق إليه، فهل يسرع به النسب؟
فالجواب:لا شك أن النسب له تأثير وله ميزة، ولهذا نقول : جنس العرب خير من غيرهم من الأجناس، وبنو هاشم أفضل من غيرهم من قريش،كما جاء في الحديث "إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة،واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم،واصطفاني من بني هاشم"[254] وقال "خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا"[255].
فالنسب له تأثير ، لذلك تجد طبائع العرب غير طبائع غيرهم،فهم خير في الفهم، وخير في الجلادة وخير في الشجاعة وخير في العلم ، لكن إذا أبطأ بهم العمل صاروا شراً من غيرهم.
انظر إلى أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم ماذا كانت أحواله؟
كانت أحواله أن الله تعالى أنزل فيه سورة كاملة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ* سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) [المسد:1-5].
.29أنه ينبغي للإنسان أن لا يغتر بنسبه وأن يهتم بعمله الصالح حتى ينال به الدرجات العلى والله الموفق.


[250] أخرجه مسلم – كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، (2699)،(38).

[251] أخرجه البخاري – كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه)، (7405). ومسلم – كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: الحث على ذكر الله تعالى،(2675)، (2).

[252] عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" أخرجه الترمذي - كتاب: الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود، (1424). والحاكم في المستدرك – ج4، ص426، كتاب: الحدود،(8163). والدارقطني في سننه – ج3/ص84،(8). ، والبيهقي في سننه الكبرى – ج8،ص238، (16834). ورويت العبارة عن عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما، ولم أجدها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[253] سبق تخريجه صفحة (358)

[254] أخرجه مسلم – كتاب: الفضائل، باب: نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، (2276)،(1).

[255] أخرجه البخاري – كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قصة إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، (3374). ومسلم – كتاب: الفضائل، باب: من فضائل يوسف عليه السلام، (2378)،(168).
الحديث السابع والثلاثون
عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ الله كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ إِلىَ أَضْعَاف كَثِيْرَةٍ. وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)[256] رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيْحَيْهِمَا بِهَذِهِ الحُرُوْفِ.
الشرح


قوله "فيمَا يَرويهِ عَنْ رَبِّهِ" يسمى هذا الحديث عند العلماء حديثاً قدسياً.
قوله "كَتَبَ" أي كتب وقوعها وكتب ثوابها، فهي واقعة بقضاء الله وقدره المكتوب في اللوح المحفوظ، وهي أيضاً مكتوب ثوابها كما سيبين في الحديث.
أما وقوعها: ففي اللوح المحفوظ.
وأما ثوابها: فبما دل عليه الشرع.
" ثُمَ بَيَّنَ ذَلِك" أي فصله.
"فَمَن هم بِحَسَنةٍ فَلَم يَعمَلهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً" والمهم هنا ليس مجرد حديث النفس، لأن حديث النفس لا يكتب للإنسان ولا عليه، ولكن المراد عزم على أن يفعل ولكن تكاسل ولم يفعل، فيكتبها الله حسنة كاملة.
فإن قيل: كيف يثاب وهو لم يعمل؟
فالجواب: يثاب على العزم ومع النية الصادقة تكتب حسنة كاملة.
واعلم أن من هم بالحسنة فلم يعملها على وجوه:
الوجه الأول:أن يسعى بأسبابها ولكن لم يدركها، فهذا يكتب له الأجر كاملاً، لقول الله تعالى: ( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )(النساء: الآية100)
وكذلك الإنسان يسعى إلى المسجد ذاهباً يريد أن يصلي صلاة الفريضة قائماً ثم يعجز أن يصلي قائماً فهذا يكتب له أجر الصلاة قائماً، لأنه سعى بالعمل ولكنه لم يدركه.
الوجه الثاني:أن يهم بالحسنة ويعزم عليها ولكن يتركها لحسنة أفضل منها،فهذا يثاب ثواب الحسنة العليا التي هي أكمل، ويثاب على همه الأول للحسنة الدنيا،ودليل ذلك أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة،وقال:يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس؟ فقال: "صَلِِّ هَاهُنَا" فكرر عليه، فقال له "شَأنُكَ إذاً"[257] فهذا انتقل من أدنى إلى أعلى.
الوجه الثالث:أن يتركها تكاسلاً، مثل أن ينوي أن يصلي ركعتي الضحى،فقرع عليه الباب أحد أصحابه وقال له:هيا بنا نتمشى،فترك الصلاة وذهب معه يتمشى،فهذا يثاب على الهم الأول والعزم الأول، ولكن لا يثاب على الفعل لأنه لم يفعله بدون عذر،وبدون انتقال إلى ما هو أفضل.
"وَإِن هَمَّ بِهَا فَعمَلَهَا" تكتب عشر حسنات - والحمد لله - ودليل هذا من القرآن قول الله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام:160)
"كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ عَشرَ حَسَنَاتٍ" هذه العشر حسنات كتبها الله على نفسه ووعد به وهو لا يخلف الميعاد.
"إلى سَبعمَائةِ ضِعف" وهذا تحت مشيئة الله تعالى، فإن شاء ضاعف إلى هذا، وإن شاء لم يضاعف.
"إلى أَضعَافٍ كَثيرةٍ" يعني أكثر من سبعمائة ضعف.
قال: "وَإِن هَمَّ بِسَيئةٍ فَلَم يَعمَلهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنةً كَامِلَةً" جاء في الحديث: "لأنهُ إِنَمّاٍ تَرَكَهَا مِن جَرائي" أي من أجلي، فتكتب حسنة كاملة،لأنه تركها لله.
واعلم أن الهم بالسيئة له أحوال:
الحال الأولى:أن يهم بالسيئة أي يعزم عليها بقلبه،وليس مجرد حديث النفس، ثم يراجع نفسه فيتركها لله عزّ وجل،فهذا هو الذي يؤجر، فتكتب له حسنة كاملة، لأنه تركها لله ولم يعمل حتى يكتب عليه سيئة.
الحال الثانية:أن يهم بالسيئة ويعزم عليها لكن يعجز عنها بدون أن يسعى بأسبابها:كالرجل الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليت لي مثل مال فلان فأعمل فيه مثل عمله وكان فلان يسرف على نفسه في تصريف ماله،فهذا يكتب عليه سيئة، لكن ليس كعامل السيئة،بل يكتب وزر نيته،كما جاء في الحديث بلفظه: "فَهوَ بِنيَّتهِ"، فَهُمَا في الوِزرِ سواء[258]
الحال الثالثة:أن يهم بالسيئة ويسعى في الحصول عليها ولكن يعجز، فهذا يكتب عليه وزر السيئة كاملاً، دليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اِلتَقَى المُسلِمَانِ بِسيفَيهِمَا فَالقَاتِل وَالمَقتول في النَّار قَالَ:يَا رَسُول الله هَذا القَاتِلُ،فَمَا بَالُ المَقتُول؟" أي لماذا يكون في النار- قَالَ: "لأَنَّهُ كَانَ حَريصَاً عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ"[259] فكتب عليه عقوبة القاتل.
ومثاله:لو أن إنساناً تهيأ ليسرق وأتى بالسلم ليتسلق، ولكن عجز، فهذا يكتب عليه وزر السارق، لأنه هم بالسيئة وسعى بأسبابها ولكن عجز.
الحال الرابعة:أن يهم الإنسان بالسيئة ثم يعزف عنها لا لله ولا للعجز، فهذا لا له ولا عليه،وهذا يقع كثيراً،يهم الإنسان بالسيئة ثم تطيب نفسه ويعزف عنها، فهذا لا يثاب لأنه لم يتركها لله، ولا يعاقب لأنه لم يفعل ما يوجب العقوبة.
وعلى هذا فيكون قوله في الحديث: "كَتَبَهَا عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً" أي إذا تركها لله عزّ وجل.
"وَإِن هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيئةً وَاحِدةً" ، ولهذا قال الله عزّ وجل: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)(الأنعام: الآية54) وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "إِنَّ رَحْمَتِيْ سَبَقَتْ غَضَبِيْ"[260] وهذا ظاهر من الثواب على الأعمال، والجزاء على الأعمال السيئة.
قال النووي - رحمه الله - :
فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ
وقوله: "عِندَهُ" إشارة إلى الاعتناء بها.
وقوله: "كَامِلَةً" للتأكيد وشدة الاعتناء بها.
وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فأكدها بكاملة وإن عملها كتبها سيئة واحدة، فأكد تقليلها بواحدة، ولم يؤكدها بكاملة، فلله الحمد والمنة، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه ، وبالله التوفيق.
هذا تعليق طيب من المؤلف - رحمه الله - .


من فوائد هذا الحديث:


.1رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه،وما رواه عن ربه في الأحاديث القدسية:هل هو من كلام الله عزّ وجل لفظاً ومعنى، أو هو كلام الله معنى واللفظ من الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
اختلف المحدثون في هذا على قولين، والسلامة في هذا أن لا تتعمق في البحث في هذا،وأن تقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجل وكفى،وتقدم الكلام على ذلك.
.2اثبات كتابة الحسنات والسيئات وقوعاً وثواباً وعقاباً، لقوله إن الله كتب الحسنات والسيئات.
.3 أن الحسنات الواقعة والسيئات الواقعة قد فرِغ منها وكتبت واستقرت.
ولكن ليس في هذا حجة للعاصي على معاصي الله، لأن الله تعالى أعطاه سمعاً وبصراً وفهماً وأرسل إليه الرسل، وبيّن له الحق وهو لا يدري ماذا كُتِبَ له في الأصل، فكيف يقحم نفسه في المعاصي،ثم يقول: قد كتبت عليَّ، لماذا لم يعمل بالطاعات ويقول: قد كتبت لي؟‍‍ ‍!!
فليس في هذا حجة للعاصي على معصيته:
أولاً: للدليل الأثري، وثانياً: للدليل النظري.
أما الأثري:فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال للصحابة: "مَا مِنكُم مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ كُتِبَ مَقعَدهُ مِنَ الجَنةِ وَالنَّار" قَالوا:يَا رَسُول الله أَفَلا نَدع العَمَلَ وَنَتَّكِلَ عَلَى الكِتَابِ الأَولِ ؟ قَالَ: "لاَ، اعمَلوا فَكل ميسر لِمَا خُلِقَ لَهُ"[261] هذا دليل، يعني لا تعتمد على شيء مكتوب وأنت لا تدري عنه "اعمَلوا فَكل ميسرٍ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهلُ السعَادَةِ فَيُيَسّرونَ لِعَمَلِ أَهلِ السَّعَادَةِ،وَأَمَا أَهَلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرونَ لِعَمَلِ أَهلِ الشَّقَاوَةِ،ثُمَ تَلاَ قَولَهُ تَعالَى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)" [الليل:5-10].
فهذا دليل أثري، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع الاتكال على ما كتب وأن نعمل.
أما الدليل النظري العقلي فيقال لهذا الرجل:ما الذي أعلمك أن الله كتبك مسيئاً؟ هل تعلم قبل أن تعمل الإساءة؟
الجواب:لا،كلنا لا نعلم المقدور إلا إذا وقع، فلا حجة عقلية ولا حجة أثرية.
.4إثبات أفعال الله عزّ وجل لقوله: "كَتَبَ" وسواء قلنا إنه أمر بأن يكتب، أو كتب بنفسه عزّ وجل.
وهذه المسألة اختلف فيها الناس،وليس هذا موضع ذكر الاختلاف،لأن كلامنا على شرح الحديث.
والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن صفات الله عزّ وجل:فعلية متعلقة بمشيئته، وذاتية لازمة لله.
.5عناية الله عزّ وجل بالخلق حيث كتب حسناتهم وسيئاتهم قدراً وشرعاً.
.6أن التفصيل بعد الإجمال من البلاغة، يعني أن تأتي بقول مجمل ثم تفصله،لأنه إذا أتى القول مجملاً تطلعت النفس إلى بيان هذا المجمل،فيأتي التفصيل والبيان وارداً على نفس مشرئبة مستعدة، فيقع منها موقعاً يكون فيه ثبات الحكم.
.7فضل الله عزّ وجل ولطفه وإحسانه أن من هم بالحسنة ولم يعملها كتبها الله حسنة،والمراد بالهم: العزم، لا مجرد حديث النفس، لأن الله تعالى عفا عن حديث النفس لا للإنسان ولا عليه.
وسبق شرح أحوال من هم بالحسنة ولم يعملها فليرجع إليه.
.8مضاعفة الحسنات، وأن الأصل أن الحسنة بعشر أمثالها، ولكن قد تزيد إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
ومضاعفة ثواب الحسنات تكون بأمور ، منها:
الأول: الزمان، مثاله: قول النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من ذي الحجة "مَا مِنْ أَيَّام العَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشر قَالوا: ولاَ الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ، قَالَ: وَلا الجِهَادُ في سَبيلِ الله"[262] هذا عظم ثواب العمل بالزمن.
ومن ذلك قوله تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر:3)
الثاني:باعتبار المكان، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"صَلاَةٌّ في مَسجِدي هَذا أَفضَلُ مِنْ أَلفِ صَلاَة فيمَا سِواهُ إِلاَّ مَسجِدِ الكَعبَة"[263]
الثالث:باعتبار العمل فقد قال الله تعالى في الحديث القدسي "مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيْ بِشَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مَمَّا افتَرَضْتُ عَلَيْهِ"[264] فالعمل الواجب أفضل من التطوع.
الرابع:باعتبار العامل قال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد وقد وقع بينه وبين عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما- ما وقع "لاَ تَسِبوا أَصحَابي،فوالذي نَفسي بيَدِهِ لَو أَنفَقَ أَحَدُكُم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا بَلَغَ مَد أَحَدِكُم ولاَ نصيفَهُ"[265] .
وهناك وجوه أخرى في المفاضلة تظهر للمتأمل و متدبر الأدلة.
أيضاً يتفاضل العمل بالإخلاص، فلدينا ثلاثة رجال: رجل نوى بالعمل امتثال أمر الله عزّ وجل والتقرب إليه،وآخر نوى بالعمل أنه يؤدي واجباً، وقد يكون كالعادة، والثالث نوى شيئاً من الرياء أو شيئاً من الدنيا.
فالأكمل فيهم: الأول، ولهذا ينبغي لنا ونحن نقوم بالعبادة أن نستحضر أمر الله بها، ثم نستحضر متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها،حتى يتحقق لنا الإخلاص والمتابعة.
.9أن من هم بالسيئة ولم يعملها كتبها الله حسنة كاملة، وقد مر التفصيل في ذلك أثناء الشرح، فإن هم بها وعملها كتبها الله سيئة واحدة.
ولكن السيئات منها الكبائر والصغائر،كما أن الحسنات منها واجبات وتطوعات ولكلٍ منهما الحكم والثواب المناسب، والله الموفق.

[256] أخرجه البخاري – كتاب: الرقاق، باب: من هم بالحسنة أو سيئة، (6491). ومسلم – كتاب: الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب، (131)،(207)

[257] أخرجه أبو داود – كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر أن يصلي في بيت المقدس، (3305). وسكت عنه المنذري وصححه الحاكم والحافظ تقي الدين بن دقيق العيد.

[258] أخرجه ابن ماجه- كتاب: الزهد، باب: النية، (4228). والإمام أحمد – في مسند الشاميين حديث أبي كبشة الأنماري، ج4، ص230، (18187)

[259] أخرجه البخاري – كتاب: الإيمان، باب: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، (31). ومسلم – كتاب: الفتن، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفهما، (2888)، (14).

[260] سبق تخريجه صفحة (244)

[261] سبق تخريجه صفحة (69)

[262] أخرجه الإمام أحمد – ج1/ص224، عن أبي معاوية بهذا الإسناد، (1968). والترمذي – كتاب: الصوم، باب: ما جاء في العمل في أيام العشر، (757). وابن ماجه في كتاب: الصيام، باب: صيام العشر، (1727). والدارمي – ج2/ص41، كتاب: الصوم، باب: في فضل العمل في العشر، (1773). وأيو داود – كتاب: الصوم، باب: في صوم العشر، (2438). والبخاري بمعناه – كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق، (969)

[263] أخرجه البخاري – كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، (1190). ومسلم – كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، (1394)، (505)

[264] أخرجه البخاري – كتاب: الرقاق، باب: التواضع، (6502).

[265] أخرجه البخاري – كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو كنت متخذاً خليلاً"، (3673). ومسلم – كتاب: فضائل الصحابة، باب: تحريم سب الصحابة، (2541)،(222).
الأولى ... 3  4  5  6  7 8