التجديد في أصول الفقه .. الشيخ عبد الرحمن السديس

التجديد في أصول الفقه .. الشيخ عبد الرحمن السديس التجديد في أصول الفقه .. الشيخ عبد الرحمن السديس

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
التجديد في أصول الفقه .. الشيخ عبد الرحمن السديس

التجديد في أصول الفقه .. الشيخ عبد الرحمن السديس
التجديد في أصول الفقه .. الشيخ عبد الرحمن السديس



التجديد 8urkacdbomxo21mvt78d


التجديد في أصول الفقه .. الشيخ عبد الرحمن السديس


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الولي الحميد، أحمده - تعالى -وهو المستحق للتمجيد، وأشكره وهو الواسع المجيد، وأصلي وأسلم على نبيه محمد سيد العبيد المبعوث برسالة التوحيد وشريعة التأصيل والتجديد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والتأييد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من فضل الله - عز وجل - على عباده أن بعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين:( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) النساء : 165.
وقد ختم الله الرسالات السماوية بشريعة نبينا محمد التي تميزت بخصائص الشمول والكمال والخلود والصلاحية لكل زمان ومكان، مما يمكنها من وضع الحلول الناجعة لكل الأدواء والمشكلات، ومواجهة التحديات وتغير الظروف والأحوال، ومواكبة التطورات والمستجدات المتسارعة، والنوازل والمتغيرات المتعاقبة.
وحيث إن من سنة الله - عز وجل - وجود الصراع بين الحق والباطل فقد اقتضت حكمته -تبارك وتعالى- أن يهيئ لهذا الدين من يقوم به وينافح عنه، ويجدد ما اندرس من معالمه، لاسيما مع تقادم الزمان وبعد البشرية عن مشكاة النبوة وأنوار الرسالة، مصداقًا لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"

الراوي: أبو هريرة المحدث:الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 599
خلاصة حكم المحدث:
إسناده صحيح


ولذلك ازدان عقد التاريخ عبر أحقابه المتلاحقة بكوكبة من المجددين من العلماء الربانيين الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وقد كانت مهمة هؤلاء المجددين منحصرة في إزالة كل ما علق بالدين من مظاهر المخالفات التي غيرت رونقه وبهاءه، وإعادة الناس إلى ما كانت عليه القرون المفضلة، والعودة بالدين وأصوله، ومناهج الاستدلال والاستنباط، فيه غضة طرية كما أنزلها الله وأوحاها إلى رسوله، غير أن هذا المسلك الوضاء، والجانب المشرق اللألاء من التجديد قابله جانب آخر كالح يمتطي أصحابه صهوة التجديد، ولكنهم يسعون في الخراب والتفسيد، ويرفعون شعار الإصلاح، وهم يرومون الفساد والإقباح، في هدمٍ لأصول الدين، ونقضٍ لأسس الملة، ومساسٍ بثوابت الأمة، ونيلٍ من مثلها وقيمها، والمستقرئ للتاريخ يجد أن الانحراف عن هذا الدين القويم أخذ مسالك متعددة، وطرائق قدداً كلها يرى أصحابها أنهم مجددون مصلحون، ولاغرو فقد زعم المنافقون أنهم أرباب إصلاح، قال - تعالى -عنهم:( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) البقرة: 11.
كما أن المتأمل في أسباب الانحراف يرى أن من أكبرها التأويل والتحريف للنصوص، ولي أعناقها وتطويعها للأهواء، وجعل العقل حكمًا على النقل، ولله در العلامة ابن القيم - رحمه الله - حيث يقول:
هذا وأصل بلية الإسلام تأويل *** ذي التحريف والبطلان
وتمر القرون وتتابع الأعصار والسنون، وتصاب هذه الأمة - في عصرنا الحاضر- بألوان من التحديات، تعد هي الأخطر عبر تاريخ هذه الأمة الغابر، ولعل أشدها ضراوة وأعتاها كيدًا تلك الحروب الفكرية التي ترمي إلى فرض أنماط ثقافية، ومفاهيم ومصطلحات غير شرعية في المجتمعات الإسلامية، وتكمن الخطورة حينما يتولى كبر ذلك بعض أبناء المسلمين، ومن هم من بني جلدتهم، ويتكلمون بلغتهم، ممن اهتزت ثقتهم بدينهم، وانبهروا أمام بهرج حضارة أعدائهم، وسقطوا صرعى أمام طوفان غزوهم، وبريق مدنيتهم الزائفة، وكان شعار "التجديد" والتحديث والعصرنة سلاحًا يرفعونه للوصول إلى مآربهم المشبوهة، التي تجتاح في طريقها مسلّمات الأمة وثوابتها، وتطيح بأصول الشريعة وقطعياتها.
ومع شديد الأسى والأسف أن هذه الشعارات البراقة قد امتد تأثيرها إلى أفكار بعض المنتسبين للدعوة والفكر الإسلامي والمهتمين بعلوم الشريعة، فخدعوا بها وظنوا أنهم بمثل هذه الدعوات يظهرون سماحة الدين ويسر الشريعة ومحاسن الإسلام لدى الآخرين، ولكنهم ضيّعوا الأمرين، فلا للإسلام نصروا، ولا للكفر كسروا، وتلك عاقبة كل من حاد عن فهم الإسلام على ضوء ما فهمه خيار هذه الأمة - رضي الله عنهم - ورحمهم.
وقد اكتسحت دعاوى التجديد العلوم الشرعية والمعارف والفنون الإسلامية، فأصبحت ترى وتسمع من يطالب بالتجديد في علوم العقيدة والسنة والفقه والأصول والتفسير والسيرة واللغة وغيرها، وهي دعاوى تعرف منها وتنكر، فقد تمس الأساس والجوهر والأصول والقطعيات ولا ريب أنها حينئذٍ ممنوعة، وقد لا يعدو التجديد في الوسائل والأساليب والأشكال والصياغة، فالخطب فيه يسير بل قد يكون مطلوبًا للوصول إلى مقاصد شرعية معتبرة من درء مفسدة راجحة، أو تحقيق مصلحة غالبة.

ومن أشهر العلوم الشرعية التي طالتها أيدي أدعياء التجديد: علم أصول الفقه، ذلك العلم الذي يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فقد امتدت يد التجديد إليه ما بين مشروع وممنوع، فأما الأول فيقتضي تجريد علم الأصول من الإغراق في المباحث الكلامية والمسائل الجدلية، وتدعيم قواعده بصحيح النقل والأثر وإبراز علم المقاصد الشرعية، وإعادة عرضه بما يسهل فهمه ويبعده عن الغموض والجمود والجفاف والتعقيد، والتركيز على كثرة الأمثلة والتطبيقات، وربط الفروع بالأصول، وما تجديد شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي في هذا العلم إلا نموذج يحتذى في التجديد المشروع، الذي يتطلع إليه كل محب لهذا العلم متشوف للإفادة منه، لاسيما في حل المشكلات المعاصرة، وإبراز الحكم الشرعي في المستجدات والمتغيرات والنوازل الحاضرة.

وأما الآخر: فهو التجديد الممنوع الذي يرمي إلى تخطي النصوص، وتجاوز الأحكام والإطاحة بالقطعيات، والنسف للمسلّمات، والتغيير في الأصول والكليات، والطعن في القواعد المحكمات.

وإنك لسامع هذه الأطروحات في هذا العصر تجتاح كثيرًا من الكتب والصحف والمجلات والمنتديات والساحات، لاسيما مع ثورة التقانات وتدفق شبكات المعلومات، وقد استغل كثير ممن في قلوبهم مرض هذا الجو المربد، والماء العكر، فحاولوا الاصطياد فيه طعنًا في هذا الدين، ونيلاً من علمائه، ووقيعة في دعاته وصلحائه، مما زاد الفجوة وعمق الهوة، وترك آثارًا بالغة ونتائج خطرة على المجتمعات الإسلامية، وأسهم في إيجاد سلوكيات خاطئة بين إفراط وتفريط في غياب عن المنهج الصحيح والمسلك النيّر الصريح.
ومع شدة الهجمات وخطورة التحديات فإن ممّا يؤرق الغيور ما يلمسه من الفتور في التصدي لعلاج هذه الظواهر الخطيرة، لذلك أصبح لزامًا على علماء الشريعة وطلاب العلم وشداته، لاسيما المتخصصون في علم أصول الفقه أن يبذلوا جهودهم في العمل على الحد من التردي في هذا الفكر المنحرف، وأن يتصدوا لكل الأطروحات التي تمس دينهم وفقههم، لاسيما أصوله وقواعده معالجين لكل الأدواء والظواهر الخطيرة بالأسلوب العلمي الرصين، والطرح المؤصل الرزين، في بعد عن الأسلوب العاطفي، والتلاسن والتراشق الكلامي الذي يبعد النجعة، ويعمق الشقّة؛ لأن الهدف إقامة الحجّة وبراءة الذمّة.

وانطلاقًا مما أخذ على عواتق طلاب العلم من بيان الحق، والحذر من كتمانه ومشاركةً في الدفاع عن هذا الدين أصوله وفروعه، ورد الأخطار المحدقة به، وحرصًا في تجلية الحق في دعاوى التجديد بين الصحيح منها والمنحرف، وبيان حقيقته، ومجالاته، ومناهجه، والموقف الحق منه على ضوء الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، ولقلة الأبحاث والكتابات بل ندرة الكتب والرسائل العلمية المتخصصة في هذا المجال أمام السيل الجارف، والبحر الهائج من الأطروحات المثيرة في هذا الموضوع، ولما منّ الله عليّ من التخصص الدقيق في فن الأصول، فقد عزمت بعد استخارة الله - سبحانه - ثم استشارة عدد من أهل العلم والفضل على الإسهام في ذلك بعد تردد طويل في خوض غمار هذه القضية، لعلّي أجد من يكفيني، بل حتى ولو وجدت لكانت القضية - لخطورتها- جديرة أن يتصدى لها أكثر من متخصص، بل لا أبالغ حينما أقول: إنها محتاجة لفريق عمل متخصص، وطرح على مستوى المجامع، والهيئات العلمية الكبيرة، لكن هذه المشاركة غيض من فيض، ومفتاح بداية لأبحاث ودراسات أشمل وأعمق، غير أن هذا ليس غضًا من الأعمال التي سبقت، لكني لم أقف على ما يشفي العليل، ويروي الغليل، في علاج هذه القضية الخطيرة، على منهج السلف الصالح، جمعًا بين الأصالة والمعاصرة، راجيًا أن يسد هذا البحث ثغرة مهمة، ويضيء شمعة في هذا الطريق، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

أهمية الموضوع وأسباب اختياره

1- إن شرف العلم بشرف المعلوم، وشرف البحث بشرف المبحوث، وهذا البحث يتعلق بعلم أصول الفقه الذي هو الأداة العملية لتحقيق الاجتهاد وبناء المجتهد، وغني عن البيان حاجتنا - لاسيما في زماننا المعاصر - للمجتهدين، فلا غرو أن يكون البحث فيه على غاية الأهمية.
2- معالجة البحث لدعوة جديرة بالعناية والاهتمام، ألا وهي: الدعوة إلى تجديد أصول الفقه، وتلك الدعوة قد يلتبس فيها الحق بالباطل؛ لذا كان لابد من معالجة شرعية، وتأصيل مؤسس على الأدلة النقلية الصحيحة والعقلية الصريحة لتمييز الحق من الباطل.
3- حاجة هذا العلم الفعلية إلى التجديد، فلا يمكن رد من ينادي بالتجديد المشروع (المنشود) بل التجديد - وفق الضوابط الشرعية - حاجة ملحة لا محيص عنها.
4- حال المتصدرين للتجديد، المنادين به، حيث إنهم غير متضلعين بالعلم الشرعي، مما يستدعي أن ينتصب أهل العلم الشرعي - من المسؤولية - لصد تلك الموجة الزاحفة على الثوابت والأصول.
5- الحاجة الماسّة التي تعيشها المكتبة الإسلامية إلى الأبحاث المستقلة التي تبرز حكم الشرع وضوابطه في النوازل والقضايا المعاصرة.
6- أهمية وضع خطة ورسم طريق لتجديد هذا العلم؛ ليكون بمثابة انطلاقة نحو التنفيذ العملي لهذا التجديد المنشود على أرض الواقع.
7- ضرورة استبيان سبيل المجرمين، وفضح المناهج المنحرفة عن سبيل المؤمنين في التجديد؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيي عن بينة.
8- ما قذفت به المدنية الحديثة من وسائل التقانات والفضائيات، وشبكات المعلومات، وخوضها في قضايا أصول، ومناقشة ثوابت من قبل مجهولين تارة، ومتهمين تارة أخرى، مما يعد من قبيل الإعلام الموجه الذي يستوجب الإسهام في تكوين إعلام مضاد يرد على الباطل ويدمغه.
تلك أهم الأسباب والعوامل التي دعتني إلى اختيار هذا البحث، سائلاً الله التوفيق والتسديد بمنّه وكرمه.
خاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير البريات، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والمكرمات، أما بعد:
فبعد حطّ الرحال من هذه الرحلة الممتعة مع التجديد في علم أصول الفقه، يحسن أن أورد بعض النتائج في هذا الموضوع المهم:
فقد تضمن البحث في هذه القضية عدداً من النتائج المهمّة أجملها فيما يلي:
1- أهميّة علم أصول الفقه لكونه الباب الرئيس الذي يدخل منه المجتهدون لدراسة الأدلة، وتنزيلها على الوقائع الحادثة، ويقارنون به بين أقوال العلماء، ويعملون بالراجح، وينافحون به أهل الأهواء ويردون عليهم أباطيلهم وزيفهم، مؤيدين بالدليل الشرعي والعقلي، بما يحفظ على هذه الشريعة الغراء دوامها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
2- تبين للقارئ الكريم المراد بالتجديد وحقيقته، والتفريق بينه وبين البدعة من حيث المعنى اللغوي والمعنى الشرعي وكذا مناهجه...فالتجديد المرتكز على الأدلة الشرعية الصحيحة على فهم السلف الصالح لها، والذي يبحث عن الحلول السليمة لكل مستجدات العصر، وينأى بالأمة عن الوقوع في الانحرافات العقدية والسلوكية؛ فإن هذا التجديد هو المطلوب شرعًا، وليس التجديد الذي ينادي به من غشيت أبصارهم؛ لمرض في قلوبهم، أو عدم فهم حقيقي لدينهم الحق، فصاروا يخبطون خبط عشواء، ويهدمون ما شُيِّد باسم التطوير العقلاني - وإن خالف فهم السلف الصالح بحجة أن لكل عصر رجاله فصاروا معاول هدم أصول الشريعة الغراء، باطّراحهم بعض أصولها خاصة الأصل الثاني منها وهو السنّة، بحجة أنها غير محفوظة زعموا فأدّاهم ذلك إلى فهم وتأويل القرآن على غير ما أراد الله - سبحانه وتعالى -.
3- أوضحت لك -أيها القارئ الكريم- أن التجديد المطلوب يتناول مجالات كثيرة في الأحكام والأدلة والدلالات والاجتهاد والترجيح، فما كان تجديدًا في عرضها وأسلوبها وصياغتها دون مساس بجوهرها، فهو مقبول، وإلا فلا.
4- أوضحت أهم ملامح المنهج المشروع بل المنشود الذي يحسن اتباعه في التجديد في هذا الفن، ومن أهم هذه الملامح: توجيه هذا العلم الوجهة العملية؛ ليكون طريقًا للاجتهاد الصحيح على طريقة السلف السهلة الميسّرة، بعيدًا عن التعقيدات الشكلية التي سدّت باب مسالك الاستنباط الصحيح، وذلك يكون باتباع خطوات منهجية مبنية على مبادئ علمية، من أهمها: موافقة الوحيين في كل أصل وقاعدة، مع البرهان والاستدلال الصحيح لكل قاعدة، مع العناية بأن يكون للقاعدة الأصولية ثمرة علمية، في إطار من الحريّة الدائرة مع الدليل دون تعصب أو تقليد لمذهب، والابتعاد عن الموضوعات التي لا جدوى من دراستها في طيات هذا العلم، والإغراق في القضايا الكلامية، والمباحث الجدلية.
ومن ثم إيراد الأبواب والمسائل التي قام الدليل على نفعها، وجدواها مثل: أبواب مقاصد الشريعة، وقواعد التفاضل والأفضلية، ثم تخريج الفروع على أصولها، والإكثار من ضرب أمثلة واقعية في حياتنا المعاصرة، مما له أكبر الأثر على الدارسين في تدريبهم على استخراج الفروع الفقهية من القواعد الأصولية، وفيه سد الباب أمام المتحللين من الشريعة، الزاعمين بأن هذا العلم لا يحقق مقتضيات العصر، وكل ذلك ينبغي أن يكون في أسلوب جديد، سهل العبارة بعيدٍ عن التكلّف والاعتساف، مع حسن العرض وروعة البيان وقوة السبك، على طريقة أسلافنا الأولين عليهم رحمة الله مع البعد عن التقليد والجمود، دون تحرير أو ترجيح.
ثم ذكرت ملامح المنهج الممنوع المرفوض الذي سار عليه دعاة التجديد والتغريب، ومنها:
(أ) العمومية والإجمال ورفع الشعارات البرّاقة، كالتحرير والتنوير ومسايرة التقدم والتطوير.
(ب) التهويل والتضخيم لأمور شكلية لا جدال في أهمية السعي، لدرء وقوعها، كعلم الكلام، والافتراضات الجدلية.
(ج) فتح باب الاجتهاد لمن لا يملك أدواته المقررة، ولعل هذا لأنّهم غير متخصصين في علوم الشريعة، ولا صلة لهم بعلم الأصول، أو لتحقيق مآربهم المشبوهة في الطعن في الشريعة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
(د) سلوك سبيل المغالطة والتشويش، وحسبك تهجمهم على سلف الأمة الصالح بأنهم كانوا منغلقين في مجالسهم العلمية، بعيدين عن تطور الحياة المادية من حولهم.
ولا يخفى خطورة هذه المغالطات، وخصوصًا حينما يتلقاها من لم يتشرب فقه الشريعة ومقاصدها.
(ه) دعوتهم لفتح باب الاجتهاد في الأصول والفروع على حد سواء، ولكل أحد، ومسلكهم في هذا الخلط بين الدعوة إلى الاجتهاد؛ لمن يملكون أدواته، وبين تغيير القواعد الأصولية وتفريغها من محتواها، إذ أنها تشكل حجر عثرة في طريق دعوتهم العرجاء.
(و) سعيهم الدؤوب في تجميد النصوص وتعطيل الأحكام، متخذين في ذلك طرائق قدداً، فأحيانًا يشترطون التواتر زعموا في النصوص، وتارة يقبلون السنة العلمية القولية، وتارة يأخذون بخصوص السبب ويردون عموم النص، وتارة باعتماد الفهم المقاصدي للإسلام، ليس بغرض فهم مراد الشارع؛ وإنما بغرض تعطيل الأحكام، وتجميد النصوص، وثالثة الأثافي قولهم بتاريخية الأحكام، فهي تتبدل عندهم من عصر إلى عصر، وهي نسبية، وليست مطلقة دائمة، كما زعموا.

(ز) تفخيمهم لدور المصالح والعلل والحكم التي انطوت عليها الشريعة، واتخاذهم لها شعارًا أخّاذًا، ومطيةً ذلولاً؛ ليصلوا بدعواهم هذه إلى نتيجة مفادها أن هذه الأحكام تتبدل تبعًا لتبدل المصالح، مدعين أن هذا التبديل والنسخ حق أعطته الشريعة للمجتهدين، ولا يخفى على كل عاقل حصيف ما في هذا الهراء من رمي للشريعة الغرّاء بالقصور، والعجز عن رعاية مصالح الناس.
وبعد سرد هذه المزاعم والدعاوى، لا أشك أنك - أيها القارئ اللبيب - تدرك أن منهج أهل التجديد العصراني المرفوض، لا يعدو كونه مُروقًا من الدين، وتحللاً من أحكامه باسم التجديد والاجتهاد والإصلاح، وما هو في حقيقته إلاّ دعوة تغريبية مغلّفة باسم الإسلام، وتمهيد لهيمنة القوى التي تدعو إلى وحدة الأديان، إذ ما من دين ولا حضارة في الأرض، إلا وهي تدعو إلى القيم العامّة، والمثل العليا، والمقاصد الكبيرة، وتتبنى الأخلاق والفضائل، وذلك في ضوء المفاهيم والقيم التي يؤمنون بها.
5- أوردت الضوابط المهمة للتجديد، وأنها باختصار تتمثل في موافقته للكتاب والسنة، ومحافظته على ثوابت الأمة وعقيدتها وأصولها، دون مساس بها وخروج عنها، كما خلصت إلى آثار التجديد إيجابًا وسلباً، وأنه في حال أخذ الأمة بالتجديد الشرعي، فستحقق النفع والخير في الدارين، وإن هي سلكت مسالك التجديد المنحرف، فستجني الفساد والشر في الحياتين، والله المستعان.
تلك أهم النتائج التي خرجت منها في عرض هذه القضية المهمة وبحثها، وإن كان هناك من توصيات ومقترحات، فإني أرى - لخطورة القضية وجَلَد دعاتها على المنهج المخالف للشريعة - أن تتولى الهيئات العلمية والمجامع الفقهية، ومراكز الأبحاث، وأقسام الأصول في الجامعات الإسلامية، العناية بها والاهتمام عن طريق المؤلفات والمؤتمرات والأبحاث ونحو ذلك، مع استثمار وسائل الإعلام في بيان هذه القضية وعلاجها كما يجب على العلماء وأهل الفكر والرأي، العناية بهذه القضية، وبيان ضوابطها وشروطها، حتى لا تختلط المفاهيم، وتلتبس الحقائق، سائلاً الله للجميع التوفيق والسداد، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويهدي ضال المسلمين إلى الحق، ويجمع كلمتهم على الهدى، ويحق الحق ويبطل الباطل، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

منتهى اللذة
أسـ عٍ ـد الله أوٍقـآتَكُـم بكُـل خَ ـيرٍ

دآئمـاَ تَـبهَـرٍينآآ بَمَ ـوٍآضيعكـ

التي تَفُـوٍح مِنهآ عَ ـطرٍ الآبدآع وٍالـتَمـيُزٍ

لكِ الشكر من كل قلبي



دكتورة سامية
أختي الغالية
أحسن الله إليكِ
اللهم الطف بها فيما جرت به المقادير اللهم أعنها على ما ينجيها مما خوفتها منه وارزقها شوقَ الصالحين إلى ما شوقتهم إليه اللهم لا تحجبها بدنياها عنك واجعل بُغيتها من الدنيا بغيةَ الراكب المـُجِدِّ للآخرة ، واجعل همومها همًا واحدًا هو لقائك يا أرحم الراحمين وصلِ اللهُ على سيِّدِنا مُحمَّد وَعلى آلِهِ وصحبه وَسلّم
دمـتِ برعـاية الله وحفـظه
سنبلة الخير .

التالي

واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا

السابق

القمة والهوة .. الشيخ الدكتور على بن عمر بادحدح

كلمات ذات علاقة
أسوء , التحديد , الرحمن , الصحى , السديس , الفقه , عبد