الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها

مجتمع رجيم السنن المهجورة والامثال النبوية
الكاتبة: || (أفنان) l|

الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها







شرح رياض الصالحين المجلد الثاني</B>
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله

باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها



قال الله تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7)

وقال تعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم:3،4)

وقال تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) (آل عمران:31) ،

وقال تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)
(الأحزاب:21) .


الشرح


قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ : باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها ، السنة : يراد بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي طريقته التي كان عليها في عباداته وأخلاقه ومعاملاته ، فهي أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراراته ، هذه هي السنة .

ويطلق الفقهاء السنة على العمل الذي يترجح فعله على تركه ، وهو الذي يثاب على فعله ، ولا يعاقب على تركه .

ولا شك أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعثه الله ـ تعالى ـ بالهدى ودين الحق .

والهدى : هو العلم النافع ودين الحق : هو العمل الصالح ، فلابد من علم ، ولابد من عمل ، ولا يمكن أن يحافظ الإنسان
على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم
إلا بعد أن يعلمها ، وعليه فيكون الأمر بالمحافظة على السنة أمراً بالعلم وطلب العلم .

وطلب العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام : فرض عين ، وفرض كفاية ، وسنة .

أما فرض العين : فهو علم ما تتوقف العبادة عليه . يعني العلم الذي لا يسع المسلم جهله ، مثل العلم بالوضوء ، بالصلاة ، بالزكاة ، بالصيام ، بالحج ، وما أشبه ذلك ،


فالذي لا يسع المسلم جهله ؛ فإن تعلمه يكون فرض عين .


ولهذا نوجب على هذا الشخص أن يتعلم أحكام الزكاة لأنه ذو مال ، ولا نوجب على الآخر أن يتعلم أحكام الزكاة
لأنه ليس ذا مال .


كذلك الحج : نوجب على هذا أن يتعلم أحكام الحج لأنه سوف يحج ، ولا نوجب على الآخر أن يتعلمها ؛ لأنه ليس بحاج .

أما فرض كفاية : فهو العلم الذي تحفظ به الشريعة ، يعني هو العلم الذي لو ترك لضاعت الشريعة ، فهذا فرض كفاية ، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين ،


فإذا قدر أن واحداً في البلد قد قام بالواجب في هذا الأمر وتعلم ، وصار يفتي ويدرس ، ويعلم الناس ، صار طلب العلم في حق غيره سنة وهو القسم الثالث .


إذن طالب العلم يدور أجره بين أجر السنة ، وأجر فرض الكفاية ، وأجر فرض العين . والمهم أنه لا يمكن أن نحافظ على السنة وآدابها إلا بعد معرفة السنة وآدابها .

ثم ذكر المؤلف من كتاب الله عز وجل ، منها قوله تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )
(آل عمران:31)
هذه الآية يسمها بعض العلماء آية المحنة ، أي آية الامتحان ، لأن الله ـ تعالى ـ
امتحن قوماً ادعوا أنهم يحبون الله
قالوا : نحن نحب الله ، دعوى يسيرة ، لكت على المدعي البينة

قال الله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ) فمن ادعى محبة الله ، وهو لا يتبع الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فليس صادقاً .
بل هو كاذب ، فعلامة محبة الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن تتبع رسوله صلى الله عليه وسلم .

واعلم أنه بقدر تخلفك عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم يكون نقص محبتك لله ، وما نتيجة متابعة الرسول
صلى الله عليه وسلم ؟
جاء ذلك في الآية نفسها (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) وهذه الثمرة ؛ أن الله يحبك ، لا أن تدعي محبة الله .
فإذا أحبك الله ؛ فإنه لن يحبك إلا إذا أتيت ما يحب

فليس الشان أن يقول القائل : أنا أحب الله ، ولكن الشأن كل الشأن أن يكون الله عز وجل ـ يحبه .
نسأل الله عز وجل ـ أن يجعلنا وإياكم من أحبابه . وهذا هو الشأن .
وإذا أحب الله الشخص ، يسر الله له أمور دينه ودنياه ،
ورد في الحديث : ( أن الله إذا أحب شخصاً نادى جبريل : أني أحب فلاناً فأحبه ، فيحبه جبريل ،

ثم ينادي في أهل السماوات : أن الله يحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماوات ، ثم يوضع له القبول في الأرض )(199)
فيحبه أهل الأرض ، ويقبلونه ، ويكون إماماً لهم ، إذاً محبة الله هي الغاية ، ولكنها غاية لمن كان متبعاً للرسول
صلى الله عليه وسلم غاية كمن كان يحب الرسول صلى الله عليه وسلم فمن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم أحبه الله .

وذكر المؤلف قوله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(الحشر:7)

وهذه الآية في سياق قسمة الفيء ؛ يعني المال الذي يؤخذ من الكفار .

يقول الله عز وجل : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ ) يعني ما أعطاكم من المال فخذوه ولا تردوه ،

(وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) أي لا تأخذوه .

ولهذا بعث الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ على الصدقة في سنة من السنوات ،
فلما رجع أعطاه فقال : يا رسول الله تصدق به على من هو أفقر مني ،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما جاءك من هذا المال ، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك )
(200) فما أعطانا الرسول صلى الله عليه وسلم فإننا نأخذه ، وما نهانا عنه فإننا لا نأخذه .

وهذه الآية ـ وإن كانت في سياق قسمة الفيء ـ فإنها كذلك بالنسبة للأحكام الشرعية ، فما أحله النبي صلى الله عليه وسلم لنا فإننا نقبله ونعمل به على أنه حلال ، وما نهانا عنه فإننا ننتهي عنه ، ونتركه ولا نتعرض له ، فهي وإن كانت في سياق الفيء
فهي عامة تشمل هذا وهذا .

ثم ذكر أيضاً قوله تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ)
يعني بالأسوة : القدوة . والحسنة : ضد السيئة ،
والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ هو أسوتنا وقدوتنا ، ولنا فيه أسوة حسنة ، وكل شيء تتأسى فيه برسول الله
صلى الله عليه وسلم فإنه خير وحسن .

ويشمل قوله تعالى : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) معنيين :
المعنى الأول : هو أن كل ما يفعله فهو حسن ، فالتأسي به حسن .
الثاني : أننا مأمورون بأن نتأسى به أسوة حسنة ، لا نزيد على ما شرع ولا ننقص عنه ، لأن الزيادة أو النقص ضد الحسن ، ولكننا مأمورون بأن نتأسى به وكل شيء نتأسى به فيه فإنه حسن .

وأخذ العلماء من هذه الآية أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حجة يحتج بها ويقتدى به فيها ، إلا ما قام الدليل على أنه خاص به ، فما قام الدليل على أنه خاص به فهو مختص به ، مثل قوله تعالى :
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ )
إلى أن قال ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ )
(الأحزاب:50) ، فما كان من خصائصه فهو من خصائصه .

ومن ذلك أيضاً : الوصال في الصوم ، أي أن يسدد الإنسان صوم يومين بلا فطر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، قالوا : يا رسول الله ، إنك تواصل ، يعني فكيف تنهانا ؟ فقال : ( إني لست كهيئتكم ، إني أطعم وأسقي )(201)
وفي لفظ : ( إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني )(202)

يعني يطعمه الله ويسقيه بما يمده به من ذكره ، وتعلق قلبه به حتى ينسى الأكل والشرب ولا يطلبه .

ونحن نعلم الآن أن الرجل لو شغل بأمر من أمور الدنيا نسى الأكل والشرب حتى أن الشعراء يتمثلون بهذا بقولهم :

لـهـا أحــاديـث مــن ذكـــراك تـشــغـلـهـا
عـــن الشــراب وتـلــهـيـهــا عـــن الــزاد

يعني أن أحاديثها بك إذا قامت تتحدث ؛ ألهاها ذلك عن الشراب وعن الزاد .

فالنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لقوة تعلقه بربه ، إذا قام من الليل يتهجد ، فإن الله ـ تعالى ـ يعطيه قوة بما يحصل له من الذكر ، تكفيه عن الأكل والشرب . أما نحن فلسنا كهيئته ، ولهذا منع الوصال ، وبين أنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم .


* * *


وذكر المؤلف قوله تعالى :
( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65) .


الشرح

ساق المؤلف رحمه الله تعالى ـ فيما ساقه من الآيات الدالة على المحافظة على السنة وآدابها قوله تعالى :
( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما)
هذه الآية لها صلة بما قبلها وهي قوله تعالى
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59) ،
فأمر الله ـ تعالى ـ بطاعته ، وبطاعة رسوله وأولي الأمر منا .

وأولو الأمر : يشمل العلماء والأمراء ، لأن العلماء ولاة أمورنا في بيان دين الله ، والأمراء ولاة أمرنا في تنفيذ شريعة الله
ولا يستقيم العلماء إلا بالأمراء ، ولا الأمراء إلا بالعلماء .
فالأمراء عليهم أن يرجعوا إلى العلماء ليستبينوا منهم شريعة الله .
والعلماء عليهم أن ينصحوا الأمراء ، وأن يخوفوهم بالله ، وأن يعظوهم حتى يطبقوا شريعة الله في عباد الله عز وجل .

ثم قال : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )

يعني : إن اختلفتم في شيء من الأشياء ، فليس قول بعضكم حجة على الآخر ، ولكن هناك حكم الله ـ عز وجل ـ ورسوله صلى الله عليه وسلم فعليكم بالرجوع إلى حكم الله ـ تعالى ـ وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم أما الرجوع إلى الله فهو الرجوع إلي كتابه، القرآن العظيم،أما الرجوع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الرجوع إلى سنته صلى الله عليه وسلم إن كان حياً بمراجعه شخصياً ، وإن كان ميتاً فبمراجتة ما صح من سنته صلى الله عليه وسلم ،ِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر )
وهذا حث على الرجوع إلى الله ـ تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن الرجوع إلى الله ورسوله من مقتضيات الإيمان .
( ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )
يعني أحسن عاقبة ، فالرجوع إلى الله ورسوله خير للأمة وأحسن عاقبة ، مهما ظن الظان أن الرجوع إلى الكتاب والسنة يشكل أمراً قد يعجز الناس ، وقد لا يطيقون ذلك ، فهذا ظن خاطئ لا قيمة له ، فبعض الناس يظنون أن الرجوع إلى الإسلام الذي كان في صدر هذه الأمة لا يتناسب مع الوقت الحاضر والعياذ بالله ، ولم يعلم هؤلاء أن الإسلام حاكم وليس محكوماً عليه ،
وأن الإسلام لا يتغير باختلاف الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص ، الإسلام هو الإسلام ، فإن كنا نؤمن بالله واليوم الأخر ؛ فلنرجع إلى الكتاب والسنة ( ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )
أي : أحسن مآلاً وعافية .
ثم قال تعالى :
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) (النساء:60) ،

والاستفهام هذا للتعجب ح يعني ألا تتعجب من قوم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل عليك ، وبما أنزل من قبلك ، ولكنهم لا يريدون التحاكم إلى الله ورسوله ، إنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ؛ وهو كل ما خالف شريعة الله .

ومن هؤلاء القوم ما ابتلى الله به المسلمين من بعض الحكام الذين يريدون أن يرجعوا في الحكم بين الناس إلى قوانين ضالة بعيدة عن الشريعة ، وضعها فلان وفلان من كفار ، لا يعلمون عن الإسلام شيئاً ، هم أيضاً في عصر قد تختلف العصور عنه ،
وفي أمة قد تختلف عنها الأمم الأخرى .

لكن ـ مع الأسف ـ إن بعض الذين استعمروهم الكفار من البلاد الإسلامية ، أخذوا هذه القوانين ، وصاروا يطبقونها على الشعب الإسلامي ، غير مبالين بمخالفتها لكتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله صلى اله عليه وسلم وهم يزعمون أنهم آمنوا بالله ورسوله ، كيف ذلك ؟ وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ، وقد أمروا أن يكفروا به ، أمروا أمراً من الله أن يكفروا بالطاغوت ، ومع ذلك يريدون أن يكون التحاكم إلى الطاغوت ،
( وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ) (النساء:60) ،

يريد الشيطان أن يضلهم عن دين الله ضلالاً بعيداً ليس قريباً ، لأن من حكم غير شريعة الله فقد ضل أعظم الضلال ،
وأبعد الضلال .

قال الله عز وجل : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً)
(النساء:61)
أي إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ؛؛ وهو القرآن ، وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً

ولم يقل : رأيتهم لأجل أن يبين أه هؤلاء منافقين ، فأظهر في وضع الإضمار لهذه الفائدة .
ولأجل أن يشمل هؤلاء وغيرهم من المنافقين ، فإن المنافق ـ والعياذ بالله ـ إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض وصد .

( فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً)
يعني كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة وكشفت عوراتهم واطلع عليها ، ثم جاءوك يحلفون بالله وهم كاذبون :

( إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً )
يعني ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق بين الشريعة وبين القوانين الوضعية ، ولا يمكن أن يكون هناك توفيق بين حكم الله وحكم الطاغوت أبداً ، حكم الطاغوت لو فرض أنه وافق حكم الله ؛ لكان حكماً لله لا للطاغوت ؛ ولهذا ما في القوانين الوضعية من المسائل النافعة ، فإنها سبق إليها الشرع الإسلامي .

ولهذا قال : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (النساء:63) ، يعني : هؤلاء هم الذين يعلم الله ما في قلوبهم ، وإن أظهروا للناس أنهم يؤمنون بالله ، وأنهم يريدون الإحسان والتوفيق بين الأحكام الشرعية والأحكام القانونية ، هؤلاء هم الذين يعلم الله ما في قلوبهم ، وماذا أرادوا لأمتهم (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ )
وهذا الأمر بالإعراض عنهم تهديد لهم ( وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً )

أي قل لهم قولاً بليغاً يبلغ إلى أنفسهم ليتعظوا به .
ثم قال : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) يعني ما أرسلنا الرسل لتقرأ أقوالهم ويتركون ، بل ما أرسلت الرسل إلا ليطاعوا، وإلا فلا فائدة من إرسالهم .


الرسالة معناها ومقتضاها أن الرسول يطاع :


( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً )


يعني لو أنهم إذا ظلموا أنفسهم بما أضمروه في نفوسهم من الباطن ، جاءوك فاستغفروا الله : يعني طلبوا من الله المغفرة ، واستغفرت لهم أنت ؛ لوجدوا الله تواباً رحيماً ،


ولكنهم ـ والعياذ بالله ـ بقوا على نفاقهم وعلى عنادهم .


وهذه الآية استدل بها دعاة القبور الذين يدعون القبور ويستغفرونها حيث قالوا :
لأن الله قال لنبيه عليه الصلاة والسلام :
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً )
فأنت إذا أذنبت ، فأذهب إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، واستغفر الله ليستغفر لك الرسول .

ولكن هؤلاء ضلوا ضلالاً بعيداً ؛ لأن الآية صريحة قال : ( إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ )

ولم يقل : إذا ظلموا أنفسهم جاءوك ، فهي تتحدث عن شيء مضى وانقضى ، يقول : لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بما أحدثوا ، ثم جاءوك في حياتك ، واستغفروا الله ، واستغفر لهم الرسول ، لوجدوا الله توباً رحيما ، أما بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ فإنه لا يمكن أن يستغفر الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد ؛ لأنه انقطع عمله ،
كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام :
( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له )(203)

فعمل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بعد موته لا يمكن ، لكنه صلى الله عليه وسلم يكتب له أجر كل ما عملته الأمة ،

فكل ما عملنا من خير وعمل صالح من فرائض ونوافل ، فإنه يكتب أجره للرسول عليه الصلاة والسلام ؛
لأنه هو الذي علمنا ، فهذا داخل في قوله : ( أو علم ينتفع به ) .

الحاصل أنه لا دلالة في هذه الآية على ما زعمه هؤلاء الداعون لقبر النبي عليه الصلاة والسلام .

ثم ذكر المؤلف ـ رحمه اله ـ قوله تعالى :
( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً )

هذه الآية ذكرها الله ـ عز وجل ـ عقب قوله تعالى :
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُواأَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوااللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)
وهذه الآية فيها إقسام من الله ـ عز وجل ـ بربوبيته لمحمد صلى الله عليه وسلم ، الدالة على عنايته به صلى الله عليه وسلم عناية خاصة ، وذلك لأن الربوبية هنا ربوبية خاصة .

ولله ـ عز وجل ـ على خلقه ربوبيتان : ربوبية عامة لكل أحد ، مثل قوله تعالى : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة:2) ، وربوبية خاصة لمن اختصه من عباده


مثل هذه الآية : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) .


وقد اجتمع النوعان في قوله ـ تعالى ـ عن سحرة آل فرعون : ( قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف:122) ،

فرب العالمين عامة ، ورب موسى وهارون خاصة .

والربوبية الخاصة تقتضي عناية خاصة من الله عز وجل ، فاقسم ـ سبحانه وبحمده ـ بربوبيته لعبده محمد صلى الله عليه وسلم فسماً مؤكداً بلا في قوله : ( فَلا وَرَبِّكَ ) و( لا ) هذه يراد بها التوكيد ولو قال: فوربك لا يؤمنون ؛ لتم الكلام ،
ولكنه أتي بلا للتوكيد،
كقوله تعالى : (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (القيامة:1) ، ليس المراد النفي أن الله لا يقسم بيوم القيامة ، بل المراد التوكيد ،
فهي هنا للتوكيد والتنبيه .

( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) أي يجعلونك حكماً فيما حصل بينهم من النزاع ؛
لأن معنى ( شجر ) أي حصل من النزاع ( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) يجعلوك أنت الحكم فيما حصل بينهم من النزاع ،
في أمور الدين ، وفي أمور الدنيا .

ففي أمور الدين : لو تنازع رجلان في حكم مسألة شرعية ؛ فقال أحدهما : هي حرام ، وقال الثاني : هي حلال ، فالتحاكم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ فلا يؤمن أحد منهما ـ أي من المتشاجرين ـ إلا إذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولو تنازع الناس في أمر دنيوي بينهم ،
كما حصل بين الزبير بن العوام ـ رضي الله عنه ـ وجاره الأنصاري ، حين تحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
في ماء الوادي ، فحكم بينهما ، فهذا تحاكم في أمور الدنيا ،
المهم أنه لا يؤمن أحد حتى يكون تحاكمه في أمور الدين والدنيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم إن الإيمان المنفي هنا ، إن الإنسان لا يرضى بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقاً ، فهو نفى للإيمان من أصله، لأن من لا يرضى بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقاً كافر ، ـ والعياذ بالله ـ خارج عن الإسلام، وإن كان عدم الرضا بالحكم
في مسألة خاصة ، وعصى فيها ، فإنها ـ إذا لم تكن مكفرة ـ فإنه لا يكفر .

وقوله عز وجل : (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) لو قال قائل : كيف يكون تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته ؟

فالجواب أن نقول : يكون تحكيمه بعد موته بتحكيم سنته صلى الله عليه وسلم .

فالشيء الأول : ( لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) .

والشيء الثاني : ( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) ،

يعني أن الإنسان قد يحكم الكتاب والسنة ، ولكن يكون في قلبه حرج ، يعني ما يطمئن أو ما يرضى إلا رغماً عنه، فلابد من أن لا يجد الإنسان في نفسه حرجاً مما قضى الله ورسوله .

الشيء الثالث : ( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) أي ينقادوا انقياداً تاماً ، ليس فيه تأخر ولا تقهقر ،

فهذه شروط ثلاثة لا يتم الإيمان إلا بها .

أولاً : تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم.

والثاني : أن لا يجد الإنسان في نفسه حرجاً مما قضاه الرسول صلى الله عليه وسلم .

والثالث : أن يسلم تسليماً تاماً بالغاً .

وبناءً على هذا نقول : إن الذين يحكمون القوانين الآن ، ويتركون وراءهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
ما هم بمؤمنين ؛ ليسوا بمؤمنين، لقول الله تعالى:( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ )

ولقوله : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:44) ،

وهؤلاء المحكمون للقوانين لا يحكمونها في قضية معينة خالفوا فيها الكتاب والسنة ، لهوى أو لظلم ، ولكنهم استبدلوا الدين بهذا القانون ، وجعلوا هذا القانون يحل محل شريعة الله ، وهذا كفر ؛ حتى لو صلوا وصاموا وتصدقوا وحجوا ، فهم كفار ما داموا عدلوا عن حكم الله ـ وهم يعلمون بحكم الله ـ وإلى هذه القوانين المخالفة لحكم الله .

( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65) ،


فلا تستغرب إذا قلنا : إن من استبدل شريعة الله بغيرها من القوانين فإنه يكفر ولو صام وصلى ؛ لأن الكفر ببعض الكتاب كفر بالكتاب كله ، فالشرع لا يتبعض ،


إما تؤمن به جميعاً ، وإما أن تكفر به جميعاً ، وإذا آمنت ببعض وكفرت ببعض ، فأنت كافر بالجميع ، لأن حالك تقول : إنك لا تؤمن إلا بما لا يخالف هواك .

وأما ما خالف هواك فلا تؤمن به .


هذا هو الكفر . فأنت بذلك اتبعت الهوى ، واتخذت هواك إلهاً من دون الله .


فالحاصل أن المسألة خطيرة جداً ، من أخطر ما يكون بالنسبة لحكام المسلمين اليوم ، فإنهم قد وضعوا قوانين تخالف الشريعة وهم يعرفون الشريعة ، ولكن وضعوها ـ والعياذ بالله ـ
تبعاً لأعداء الله من الكفرة الذين سنوا هذه القوانين ومشى الناس عليها ، والعجب أنه لقصور علم هؤلاء وضعف دينهم ، أنهم يعلمون أن واضع القانون هو فلان بن فلان من الكفار ، في عصر قد اختلفت العصور عنه من مئات السنين ،
ثم هو في مكان يختلف عن مكان الأمة الإسلامية ، ثم هو في شعب يختلف عن شعوب الأمة الإسلامية ،
ومع ذلك يفرضون هذه القوانين على الأمة الإسلامية ، ولا يرجعون إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

فأين الإسلام ؟ وأين الإيمان ؟ وأين التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول إلى الناس كافة ؟
وأين التصديق بعموم رسالته وأنها عامة في كل شيء ؟.

كثير من الجهلة يظنون أن الشريعة خاصة بالعبادة التي بينك وبين الله ـ عز وجل ـ فقط ، أو في الأحوال الشخصية من نكاح وميراث وشبهه ، ولكنهم أخطئوا في هذا الظن ، فالشريعة عامة في كل شيء ، وإذا شئت أن يتبين لك هذا ؛
فسال ما هي أطول آية في كتاب الله ؟

سيقال لك إن أطول آية هي: آيه الدين : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ....) (البقرة: 282)
كلها في المعاملات ، فكيف نقول إن الشرع الإسلامي خاص بالعبادة أو بالأحوال الشخصية .

هذا جهل وضلال ، إن كان عن عمد فهو ضلال واستكبار ، وإن كان عن جهل فهو قصور ،
والواجب أن يتعلم الإنسان ويعرف ، نسأل الله لنا ولهم الهداية .

المهم أن الإنسان لا يمكن أن يؤمن إلا بثلاثة شروط :

الأول : تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم .

والثاني : ألا يجد في صدره حرجاً ولا يطيق صدره بما قضى النبي عليه الصلاة والسلام .

والثالث : أن يسلم تسليماً ، وينقاد انقياداً تاماً . فبهذه الشروط الثلاثة يكون مؤمناً ، وإن لم تتم فإنه إما خالي من الإيمان مطلقاً ، وإما ناقص الإيمان ، والله الموفق .

تابع
الكاتبة: || (أفنان) l|

وقال تعالى : ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) .
الشرح
ثم ينقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في سياق الآيات في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها قوله تعالى :
( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) من يطع الرسول محمد صلى اله عليه وسلم فقد أطاع الله .

والطاعة : موافقة الأمر ، سواء كان ذلك في فعل المأمور أو ترك المحذور ، فإذا قيل طاعة ومعصية فالطاعة لفعل المأمور والمعصية لفعل المحذور .

أما إذا قيل : طاعة على سبيل الإطلاق ، فإنها تشمل الأوامر والنواهي ، يعني أن امتثال الأوامر طاعة واجتناب النواهي طاعة ، فالذي يطيع النبي صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه ،
أي إذا أمره امتثل ، وإذا نهاه اجتنب ، فإنه يكون مطيعاً لله عز وجل ، هذا منطوق الآية ،
ومفهومها : أن من يعص الرسول فقد عصى الله .

وفي هذه الآية دليل على أن ما ثبت في السنة ، فإنه كالذي ثبت في القرآن ، أي أنه من شريعة الله ويجب التمسك به ، ولا يجوز لأحد أن يفرق بين الكتاب والسنة ، ولقد أخبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ محذراً ؛
حينما قال : ( لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من عندي فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه )
(204) ،
يعني إنه يحذر من أنه ربما يأتي زمان على الناس
يقولون : لا نتبع إلا ما في القرآن ، أما ما في السنة فلا تأخذ به .
وهذا أمر قد وقع ، فوجد من الملاحدة
من يقول : لا نقبل السنة ، لا نقبل إلا القرآن ، والحقيقة لأنهم كذبة ، فإنهم لم يقبلوا لا السنة ولا القرآن ، لأن القرآن يدل على وجوب اتباع السنة ، وأن ما جاء في السنة كالذي جاء في القرآن ، ولكنهم يموهون على العامة ،
ويقولون : إن السنة ما دامت ليست قرآناً يتلى ويتواتر بين المسلمين ، فإن ما فيها قابل للشك ، وقابل للنسيان ،
وقابل للوهم وما أشبه ذلك . والله الموفق .

* * *
وقال تعالى : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .

الشرح
ذكر المؤلف قوله تعالى : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63) ،
وهذا تحذير من الله ـ عز وجل ـ للذين يخالفون عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، يعني يرغبون عن أمره فيخالفونه ، ولهذا لم يقل : يخالفون أمره ، وإنما قال : ( يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)

أي يرغبون عنه فيخالفونه ، حذرهم من أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ،

قال الإمام أحمد : أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك ، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك والعياذ بالله .
أي أنه إذا رد شيئاً من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ، فربما يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك . ويهلك لبس هلاكاً بدنياً ، بل هلاكاً دينياً.
والهلاك الديني أشد من الهلاك البدني مثآل كل حي ، طالت به الحياة أم قصرت ، لكن الهلاك الديني خسارة في الدنيا والآخرة والعياذ بالله .
وقوله (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
يعني أنهم يعاقبون قبل أن تحل بهم الفتنة تسأل الله العافية ، ففي هذا دليل على وجوب قبول أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الذي يخالف عنه مهدد بهذه العقوبة ( أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
* * *
وقال الله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .
الشرح
نقل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما ذكره من الآيات التي صدر بها باب المحافظة على اتباع السنة وآدابها قوله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ )
والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم أخبره الله ـ عز وجل ـ أنه يهدي إلى صراط مستقيم ؛
يعني يدل إليه ويبينه للناس ، والصراط المستقيم بينه الله في قوله : (صِرَاطِ اللَّهِ )
يعني الصراط الذي نصبه الله ـ تعالى ـ لعباده ، هو شريعته ، وأضافه الله إلى نفسه ، لأنه هو الذي نصبه ، لأنه يوصل إليه ، كما أنه أضافه في سورة الفاتحة إلى الذين أنعم الله عليهم ، لأنهم هم الذين يسلكونه .
فالنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يهدي الناس إلى الصراط ، ويدلهم عليه ، ويدعوهم إليه ، ويرغبهم في سلوكه ، ويحذرهم من مخالفته ، وهكذا من خلفه في أمته من العلماء الربانيين ، فإنهم يدعون إلى الصراط المستقيم ، صراط الله العزيز الحكيم .

فإذا قال قائل : ما الجمع بين هذه الآية : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
وبين قوله تعالى : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) (القصص:56) ، فإن هذه الآية نزلت حين اغتم النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب ، وكان عمه أبو طالب مشركاً ، ولكنه كان يدافع عنه ، ويرفع منزلته ، ويذب عنه ، ويقول فيه المدائح والقصائد العظيمة ، ولكنه حرم خير الإسلام والعياذ بالله ، ومات على الكفر .

قال أهل العلم : الجمع بينهما أن الآية التي وفيها إثبات الهداية يراد بها هداية الدلالة ، يعني أنك تدل الخلق ، وليس كل من دل على الصراط اهتدى ، وأما الهداية التي نفى الله عن رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ
حيث قال : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) فهي هداية التوفيق ، لا أحد يستطيع أن يوفق أحد للحق ، ولو كان أباه
، أو أبنه أو عمه ، أو أمه ، أو خاله ، أو جدته ، أبداً ، من يضلل الله فلا هدي له .

ولكن علينا أن ندعو عباد الله إلى دين الله ، وأن نرغبهم فيه ، وأن نبينه لهم ، ثم إن اهتدوا فلنا ولهم ، وإن لم يهتدوا فلنا وعليهم ، قال الله تعالى : ( طسَمَ (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء :1-3) ، يعني لعلك تهلك نفسك بالهم والغم ، إذا لم يكونوا مؤمنين ، فلا تفعل ، إن الهداية بيد الله ، بل أدّ ما عليك وقد برئت ذمتك ، والله الموفق .

* * *

وقال الله تعالى : ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) .

الشرح
ختم المؤلف الآيات بقوله تعالى : ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)
(الأحزاب:34) ، والخطاب لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات المطهرات الطيبات ، هؤلاء النسوة هن أطهر زوجات على وجه الأرض منذ خلق أدم .

وقد حاول المنافقون أن يدنسوا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك في قصة الإفك ؛ التي نسجوا خيوطها ورموا بها الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها ، حيث اتهموها بما هي بريئة منه ، فأنزل الله في براءتها عشر آيات من كتابه تتلى إلى يوم القيامة، فقال تعالى : ( نَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ )
إلى قوله تعالى : ( تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور:11) ، فنساء النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة ما يتلى ، يتلوه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ويتلونه هن أيضاً ،

فيقول عز وجل : اذكرن هذا ، اذكرن ما يتلى في البيوت ، والتزمن بالسنة ، وقمن بما يجب ، لأن الذي يتلى في بيته الكتاب والحكمة ، لا شك أنه قد حصل على خير كثير ، وعلم غزير ، وأنه مسئول عن هذا العلم ، فكل من آتاه الله علماً وحكمة ،
فإنه مسئول عنه أكثر ممن جهل ، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى العلم والحكمة . إنه جواد كريم .

تابع
الكاتبة: || (أفنان) l|

* * *
156ـ فالأول عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم )

متفق عليه (205) .

الشرح
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( دعوني ما تركتكم )
قاله النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأن بعض الصحابة من حرصهم على العلم ومعرفة السنة ، كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء قد لا تكون حراماً فتحرم من أجل مسألتهم ، أو قد لا تكون واجبة ، فتجب من أجل مسألتهم ، فلهذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوه ، أن يتركوا ما تركه ما دام لم يأمرهم ولم ينههم ، فليحمدوا الله على العافية .

ثم علل ذلك بقوله : (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم )

يعني أن الذين من قبلنا أكثروا المسائل على الأنبياء ، فشدد عليهم كما شددوا على أنفسهم ، ثم اختلفوا على أنبيائهم أيضاً ، فليتهم لما سألوا فأجيبوا قاموا بما يلزمهم ، ولكنهم اختلفوا على الأنبياء .

والاختلاف على الإنسان يعني مخالفته ، وهنا مثال جاء به القرآن مصدقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا ، اختلف بنو إسرائيل في قتيل قتل بينهم ، فادعت كل قبيلة أن الأخرى هي التي قتلته ، وادارءوا فيها ، وتنازعوا فيها ، ورفعوا الأمر إلى نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام ، فقال لهم : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) (البقرة:67) ،
اذبحوا بقرة وخذوا عضواً من أعضائها واضربوا به القتيل وسيخبركم القتيل من الذي قتله .

فقالوا له : ( قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ) أي : أتضحك علينا ؟ وما صلة البقرة برجل قتل ؟ وكيف يحيا القتيل بعد موته ؟ وهذا من جبروت بين إسرائيل وعنادهم ، ورجوعهم إلى العقول دون النص ، هؤلاء رجعوا إلى عقولهم الوهمية دون النص ،
ولو أخذوا بالنص لسلموا من هذا ( قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) لأن الذي يسخر بالناس جاهل معتد عليهم ، والجهل هنا بمعنى العدوان ، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين .

فلما رأوا أنه صادق ، وهو صادق عليه الصلاة والسلام : ( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ )

لو أنهم أخذوا أي بقرة من السوق وذبحوها لحصل المقصود ، لكن تعنتوا ، وتشددوا فشدد الله عليهم

( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ ) ؛
لا فارض : يعني لا طاعن في السن كبيرة ،

ولا بكر : يعني صغيرة ( عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ) (البقرة:68)
،
أمرهم أن يفعلوا ، وهذا تأكيد للأمر السابق : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) لكنهم أبوا ،
( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ) عرفنا سنها فأخبرنا ما هو لونها ،

( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (البقرة:69) ،

شدد عليهم مرة ثانية ، لو ذبحوا أي بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك لكفى ، لكن تشددوا فشدد عليهم .

من يجد بقرة على هذه الصفة ؟ صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ، لونها جميل صاف بين .

ومع ذلك ما امتثلوا : ( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ) يعني ما عملها ؟
( إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا ) ليس فيها عيب : ( قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ )
أعوذ بالله من الضلال ، وتحكم العقول على النصوص ، الآن جئت بالحق ، وقبل ما جاء بالحق !! لكن أهواءهم وعقولهم أنكرت ذلك . (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)
يعني ما قاربوا أن يفعلوا ، ولكن بالإلحاح والمساءلات فعلوا .
ثم أخذوا جزءاً منها . فضربوا به القتيل فأحياه الله ثم قال : الذي قتلني فلان وانتهت المشكلة .

المهم أن كثرة السؤال للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ قد تسبب شدة الأمر على الأمة .

ومن ذلك ما وقع للنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في قضية الأقرع بن حابس . الأقرع بن حابس من بني تميم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا ) فرض الحج مرة ، وحيث لم يطلب منا أن نكرر فيكفي مرة واحدة ، فقال الأقرع : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فهذا السؤال في غير محله .
قال : ( لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ، ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك من قبلكم : كثرة مسائلهم ، واختلافهم على أنبيائهم ) (206).
هذا أيضاً من التشديد ، ففي عهد الني صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يسأل عن شيء مسكوت عنه
، ولهذا قال : ( دعوني ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم )
أما في عهدنا ، وبعد انقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم فسأل ، اسأل عن كل شيء تحتاج إليه ؛ لأن الأمر مستقر الآن ، وليس هناك زيادة ولا نقص ، أما في عهد التشريع فيمكن أن يزاد ويمكن أن ينقص ،وبعض العوام يفهم
من قوله تعالى : ( لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (المائدة: من الآية101)،
وقوله صلى الله عليه وسلم : (دعوني ما تركتكم ...)
يفهم من ذلك فهماً خاطئاً فتجده يفعل الحرام ، ويترك الواجب ولا يسأل ، حتى إن بعضهم
يقال له : هذا حرام ، اسأل العلماء ، فيقول لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم ، وهذا لا يجوز .

فالواجب على الإنسان أن يتفقه في دين الله .
قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )(207).

ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم )
فعمم في النهي وخص في الأمر .

أما في النهي فقال : ( ما نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه ) .

فأي شيء ينهانا عنه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإننا نتجنبه ، وذلك لأن المنهي عنه متروك ، فالنهي أمر بالترك ليس فيه مشقة . كل إنسان يستطيع أن يترك وليس عليه مشقة ولا ضرر ، فما نهانا عنه فإننا نتجنبه ، إلا أن هذا مقيد بالضرورة ،
فإذا اضطر الإنسان إلى شيءٍ محرم ، وكان لا يجد سواه ، وتندفع به ضرورته ،

فإنه حلال لقول الله تعالى : ( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه) (الأنعام: من الآية119) ،

ولقوله تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... )

إلى قوله : ( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:3) .

فيكون قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (ما نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه )
يكون مقيداً بحال الضرورة ، يعني أنه وجدت ضرورة إلى شيءٍ محرم صار هذا المحرم حلالاً بشرطين :
الشرط الأول : أن لا تندفع ضرورته بسواه .
الشرط الثاني : أن يكون مزيلاً للضرورة . وبهذين القيدين نعرف أنه لا ضرورة إلى دواء محرم ،
يعني لو كان هناك ولكنه محرم ، فإنه لا ضرورة إليه .
فلو قال قائل : أنا أريد أن أشرب دماً أستشفي به ، كما يدعي بعض الناس أنه إذا شرب من دم الذئب شفي من بعد الأمراض ، نقول : هذا لا يجوز .
أولاً : لأن الإنسان ربما يشفى بغير هذا المحرم ؛ إما من الله ، وإما بدعاء ، وإما بقراءة ، وإما بدواء آخر مباح
وثانياً : أنه ليس يقيناً أنه إذا تداوى بالدواء يشفى ، فما أكثر الذين يتداوون ولا يشفون ، بخلاف من كان جائعاً وليس عنده إلا ميتة ، أو لحم خنزير ، أو لحم حمار ، فإنه يجوز أن يؤكل في هذه الحالة ؛ لأننا نعلم أن ضرورته تندفع بذلك ، بخلاف الدواء .
وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) .

فهذا يوافق قول الله عز وجل : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (التغابن: من الآية16) ،
يعني إذا أمرنا بأمر ، فإننا نأتي منه ما استطعنا ، وما لا نستطيعه يسقط عنا ،
مثلاً : أمرنا بأن نصلي الفرض قياماً ، فإذا لم نستطع صلينا جلوساً ، فإذا لم نستطع صلينا على جنب ،
كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن حصين : ( صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ن فإن لم تستطع فعلى جنب )(208).

وتأمل قوله : (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) بخلاف النهي ، لأن الأمر فعل وإيجاب ، قد يكون شاقاً على النفس ولا يستطيع الإنسان أن يقوم به ، فلهذا قيده بقوله : (فأتوا منه ما استطعتم ) ، مع ذلك فإن هذا الأمر مقيد بقيد آخر ، وهو ألا يوجد مانع يمنع ، فإذا وجد مانع يمنع ، فهذا يدخل في قوله:(فأتوا منه ما استطعتم).

ولهذا قال العلماء : لا واجب مع عجز ، ولا محرم مع الضرورة . والشاهد من هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم :
(ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ) فإن هذا يدخل في المحافظة على السنة وآدابها .

وأما ما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو عفو ، وهذا من رحمة الله . فالأشياء إما مأمور بها ، أو منهي عنها ،
أو مسكوت عنها ، فما سكت الله ورسوله فإنه عفو لا يلزمنا فعله ولا تركه ، والله الموفق .

157ـ الثاني : عن أبي نجيح العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ قال :
( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا .
قال : ( أوصيكم بتقوى الله . والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً . فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة ) ر
واه أبو داود والترمذي(209)، وقال حديث حسن صحيح .

( النواجذ ) بالذال المعجمة : الأنياب ، وقيل الأضراس .
الشرح
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله في باب الأمور بالمحافظة على السنة وآدابها ، عن العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ قال : ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منا القلوب وذرفت منها العيون )
وهذا من دأبه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعظ الناس بالمواعظ أحياناً على وجهٍ راتب ، كما في يوم الجمعة ، خطب يوم الجمعة ، وخطب العيدين . وأحياناً على وجهٍ عارض ، إذا وجد سبب يقضي الموعظة ، قام ـ عليه الصلاة والسلام ـ فوعظ الناس .

ومن ذلك موعظته صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الكسوف ، فإنه خطب ووعظ موعظة عظيمة بليغة ، من أحب أن يرجع إليها فعليه بكتاب زاد المعاد لابن القيم رحمه الله .

أما هنا فيقول : (وعظنا موعظة بليغة، وجلت منا القلوب ، وذرفت منها العيون ) .
وجلت : يعني خافت . وذرفت العيون من البكاء ، فأثرت فيهم تأثيراً بالغاً ،
حتى قالوا : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع فأوصنا ؛ لأن المودع إذا أراد المغادرة ، فإنه يعظ من خلفه بالمواعظ البليغة التي تكون ذكرى لهم فلا ينسونها ، ولهذا تجد الإنسان إذا وعظ عند فراقه لسفر أو غيره ، فإن الموعظة تمكث في قلب الموعوظ وتبقى ، لهذا قالوا : كأنها موعظة مودع فأوصنا .

فقال صلى الله عليه وسلم : (أوصيكم بتقوى الله )
وهذه الوصية التي أوصى بها الله ـ عز وجل ـ عباده ،
كما قال تعالى : ( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ) (النساء: من الآية131)
، والتقوى كلمة جامعة من أجمع الكلمات الشرعية
ومعناها : أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله ، ولا يكون هذا إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي ، ولا يكون فعل الأوامر واجتناب النواهي إلا بعلم الأوامر والنواهي . إذاَ فلابد من علم ، ولابد من عمل ، فإذا اجتمع للإنسان العلم والعمل ،
نال بذلك خشية الله ، وحصلت له التقوى .
فتقوى الله إذن : أن يتخذ الإنسان وقاية من عذابه ، بفعل أوامره ، واجتناب نواهيه ، ولا وصول إلى ذلك إلا بالعلم . وليس المراد بالعلم أن يكون الإنسان بحراً في العلم ، بل المراد به العلم بما يعين عليه من أوامر الله . والناس يختلفون في ذلك : فمثلاً من عنده مال يجب أن يعلم أحكام الزكاة ، ومن قدر على الحج وجب عليه أن يعلم أحكام الحج ، وغيرهم لا يجب عليهم ، فعلوم الشريعة فرض كفاية إلا ما تعين على العبد فعله، فإن علمه يكون فرض عين .

قال صلى الله عليه وسلم : (والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي ) .
السمع والطاعة، يعني لولى الأمر ( وإن تأمر عليكم عبد حبشي )
، سواء كانت إمرته عامة ، كالرئيس الأعلى في الدولة ،
أو خاصة كأمير بلدة ، أو أمير قبيلة وما أشبه ذلك .

وقد أخطأ من ظن أن المراد بقوله : ( وإن تأمر عليكم عبد حبشي)
أن المراد بهم الأمراء الذين دون الولي الأعظم الذي يسميه الفقهاء الإمام الأعظم ، لأن الإمارة في الشرع تشمل الإمارة العظمى ، وهي الإمامة وما دونها ؛ كإمارة البلدان ، والمقاطعات والقبائل وما أشبه ذلك . ودليل هذا أن المسلمين منذ تولى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يسمون الخليفة ( أمير المؤمنين ) فيجعلونه أميراً . وهذا لا شك فيه ، ثم يسمى أيضاً إماماً ، لأنه السلطان الأعظم ، ويسمى سلطاناً .
لكن الذي عليه الصحابة أنهم يسمونه ( أمير المؤمنين ) .

وقوله : ( وإن تأمر عليكم عبد حبشي )
يعني حتى ولو لم يكن من العرب ، لو كان من الحبشة ، وتولى ، وجعل الله له السلطة ، فإن الواجب السمع والطاعة له ، لأنه صار أميراً ، ولو قلنا بعدم السمع والطاعة له ، لأصبح الناس فوضى ، كلٌ يعتدي على الآخر ، وكلٌ يضيع حقوق الآخرين ،
وقوله : (والسمع والطاعة )
هذا الإطلاق مقيد بما قيده به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( إنما الطاعة في المعروف )(210) ثلاث مرات ،
يعني فيما يقره الشرع ، وأما ما ينكره الشرع ، فلا طاعة لأحد فيه حتى لو كان الأب أو الأم أو الأمير العام أو الخاص ،
فإنه لا طاعة له .
فمثلاً لو أمر ولي الأمر بأن لا يصلي الجنود ، قلنا : لا سمع ولا طاعة ، لأن الصلاة فريضة ، فرضها الله على العباد وعليك أنت أيضاً ، أنت أول من يصلي ، وأنت أول من تفرض عليه الصلاة ، فلا سمع ولا طاعة .
ولو أمرهم بشيء محرم ، كحلق اللحى مثلاً .
قلنا : لا سمع ولا طاعة ، نحن لا نطيعك ، إنما نطيع النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال : ( اعفوا اللحى ، وحفّوا الشوارب )(211).

وهكذا كل ما أمر به ولي الأمر ، إذا كان معصية لله ، فإنه لا سمع له ولا طاعة ، يجب أن يعصى علناً ولا يهتم به ،
أن من عصى الله وأمر العباد بمعصية الله ، فإنه لا حق له في السمع والطاعة . لكن يجب أن يطاع في غير هذا .
يعني ليس معنى ذلك أنه إذا أمر بمعصية تسقط طاعته مطلقاً . لا .
إنما تسقط طاعته في هذا الأمر المعين الذي هو معصية لله .
أما ما سوى ذلك ، فإنه تجب طاعته ، وقد ظن بعض الناس أنه لا تجب طاعة ولي الأمر إلا فيما أمر الله به ، وهذا خطأ ، لأن ما أمر الله به فإنه يجب علينا أن ننفذه ونفعله ، سواء أمرنا به ولي الأمر أم لا .

فالأحوال ثلاثة : إما أن يكون ما أمر به ولي الأمر مأموراً به شرعاً، كما لو أمر بالصلاة مع الجماعة مثلاً ، فهذا يجب امتثاله لأمر الله ورسوله ولأمر ولي الأمر .
وأما أن يأمر ولي الأمر بمعصية الله ، من ترك واجب أو فعل محرم ، فهنا لا طاعة له ولا سمع
. وأما أن يأمر الناس بما ليس فيه أمر شرعي ولا معصية شرعية ، فهذا تجب طاعته فيه

، لأن الله قال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: 59)

فطاعة ولي الأمر في غير معصية طاعة لله ولرسوله . والله الموفق .

ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( فإنه من يعش منكم ، فسيرى اختلافاً كثيراً )

يعني أن من يعش منكم ويمد له في عمره ، فسيرى اختلافاً كثيراً ؛ اختلافاً كثيراً في الولاية ، واختلافاً كثيراً في الرأي ، واختلافاً كثيراً في العمل ، واختلافاً كثيراً في حال الناس عموماً ، وفي حال بعض الأفراد خصوصاً ، وهذا الذي وقع ؛
فإن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لم ينقرضوا حتى حصلت الفتن العظيمة في مقتل عثمان رضي الله عنه ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقبلها مقتل عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، وغير ذلك من الفتن المعروفة في كتب التاريخ .

والذي يجب علينا ـ نحن إزاء هذه الفتن ، أن نمسك عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم ، وألا نخوض فيه ، وألا نتكلم فيه ؛ لأنه كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : هذه دماء طهر الله سيوفنا منها ، فيجب أن نطهر ألسنتنا منها , وصدق رضي الله عنه ، فما فائدتنا أن ننبش عما جرى بين علي بن أبي طالب وعائشة رضي الله عنهما ، أو بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ـ من الحروب التي مضت وانقضت ، ذكر هذه الحروب وتذكرها لا يفيدنا إلا ضلالاً ؛
لأننا في هذه الحال نحقد على بعض الصحابة ، ونغلو في بعض ،
كما فعلت الرافضة حين غلوا في آل البيت ، فزعموا أنهم يوالون آل البيت ، وبالله العظيم إن آل البيت لبرآء من غلوهم ،
وأول من تبرأ من غلوهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ،
فإن السبئية أتباع عبد الله بن سبأ ، وهو أول من سن الرفض في هذه الأمة ، وكان يهودياً ، أظهر الإسلام ليفسد الإسلام ،

كما قال شيخ الإسلام أبن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو العلم الذي قد سبر حال القوم وعرفها ،
قال : إن عبد الله بن سبأ يهودي دخل في الإسلام ليفسده ، كما دخل بولس في دين النصارى ليفسده ، هذا الرجل ـ أعني عبد الله بن سبأ ـ عليه من الله ما تولاه ـ تظاهر بأنه يحب آل البيت ، وبأنه يدافع عنهم ، ويدافع عن علي بن أبي طالب ،
حتى أنه قام بين يدي علي بن أبي طالب يقول له : أنت الله حقاً ، قاتله الله ،لكن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ
أمر بالأخدود ؛ يعني بالحفر فحفرت ، ثم ملئت حطباً ، ثم دعا بأتباع هذا الرجل ثم أوقد فيهم النار ، أحرقهم بالنار ؛
لأن ذنبهم عظيم والعياذ بالله ، ويقال : إن عبد الله بن سبأ أفلت منه وهرب إلى مصر .
والله أعلم .

قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حينما بلغه الخبر : إن علي بن أبي طالب أصاب في قتلهم ،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من بدل دينه فاقتلوه ) وهؤلاء بدلوا دينهم ؛ ولكن لو كنت إياه لم أحرقهم ؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تعذبوا بعذاب الله )(212)
فبلغ ذلك علي بن أبي طالب فقال : ما أسقط ابن أم الفضل على الهنات
يعني : العيب ، كأنه ـ رضي الله عنه ـ صوب ما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهم .

إنني أقول : إن من مذهب أهل السنة والجماعة ؛ أن نسكت عما شجر بين الصحابة ، فلا نتكلم فيه ، نعرض بقلوبنا وألسنتنا عما جرى بينهم
، ونقول : كلهم مجتهدون ، المصيب منهم له أجران ، والمخطئ منهم له أجر واحد ، تلك أمة قد خلت ، لما ما كسبت ، ولكم ما كسبتم ، ولا تسألون عما كانوا يعملون ، لو قرأ إنسان التاريخ حول هذه الأمور ؛ لوجد العجب العجاب ، وجد من ينتصر لبي أمية ، ويقدح في علي بن أبي طالب وآل النبي ، ووجد من يغلو في علي بن أبي طالب وآل النبي ويقدح قدحاً عظيماً في بني أمية ؛ لأن التاريخ يخضع للسياسة .

لذا يجب علينا ـ نحن ـ فيما يتعلق بالتاريخ ألا نتعجل في الحكم ، لأن التاريخ يكون فيه كذب ، ويكون فيه هوى وتغيير للحقائق ، ينشر غير ما يكون ، ويحذف ما يكون ، كل هذا تبعاً للسياسة ، ولكن ـ على كل حال ـ ما جرى بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يجب علينا أن نكف عنه .

كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، حتى لا يكون في قلوبنا غل على أحد منهم . نحبهم كلهم ، ونسأل الله أن يميتنا على حبهم ، نحبهم كلهم ونقول : ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ،
ربنا إنك رؤوف رحيم .

قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو الصادق المصدوق ـ : (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً )
وهذا هو الذي وقع . ولكن هل هذه الجملة تنزل على كل زمان ، بمعنى أن من عاش من الناس فسوف يرى التغير ،
أو أن هذا خاص بمن خاطبهم الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ .

نقول : إنه ينطبق على كل زمن ، فالذين عمروا منا يجدون الاختلاف العظيم بين أول حياتهم وآخر حياتهم ، فمن عاش ومد له في العمر ؛ رأى التغير العظيم في الناس ، رأى التغير لأنه كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام :
( من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) قد وقع ، وحصل خلاف بين الأمة في السياسة ، وفي العقيدة ، وفي الأفعال ، والأحكام العملية ، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم حث عند هذا الاختلاف على لزوم سنة واحدة فقال :
( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ) .

فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا ـ عندما نرى هذا الاختلاف ـ أن نلزم سنته ،

فقال: ( عليكم بسنتي ) يعني ألزموها.
وكلمة :عليكم ، يقول علماء النحو : أنها جار ومجرور محول إلى فعل الأمر ، يعني: ألزموا سنتي .

وسنته عليه الصلاة والسلام هي : طريقته التي يمشي عليها ، عقيدة ، وخلقاً ، وعملاً ، وعبادةً وغير ذلك ، نلزم سنته ، ونجعل التحاكم إليها ،
كما قال الله تعالى :
( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65) ،
فسنة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ هي سبيل النجاة لمن أراد الله نجاته من الخلافات والبدع ، وهي ـ ولله الحمد ـ موجودة في كتب أهل العلم الذين ألفوا في السنة ، مثل الصحيحين للبخاري ومسلم ، والسنن والمسانيد وغيرها مما ألفه أهل العلم وحفظوا به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقوله : ( وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ) .
الخلفاء جمع خليفة : وهم الذين خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمته علماً وعملاً ودعوة وسياسة ، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين الأربعة ؛ أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله عنهم ، وألحقنا بهم في جنات النعيم ، هؤلاء الخلفاء الأربعة ومن بعدهم من خلفاء الأمة ، الذين خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمته ، هم الذين أمرنا باتباع سنتهم ، ولكن ليعلم أن سنة هؤلاء الخلفاء تأتي بعد سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلو تعارضت سنة خليفة من الخلفاء مع سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الحكم لسنة محمد صلى الله عليه وسلم لا لغيرها ؛ لأنها ـ أعني سنة الخلفاء -تابعة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم .

أقول هذا ؛ لأنه قد جرى نقاش بين طالبين من طلبة العلم في صلاة التراويح ،
أحدهما يقول : السنة أن تكون ثلاثاً وعشرون ركعة .

والثاني يقول : السنة أن تكون ثلاث عشرة ركعة ، أو إحدى عشرة ركعة .

فقال الأول للثاني :هذه سنة الخليفة عمر بن الخطاب أنها ثلاث وعشرون ، يريد أن يعارض بهذا سنة الرسول
صلى الله عليه وسلم
فقال الآخر : سنة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة ، هذا إن صح عن عمر أنها ثلاث وعشرون ، ومع أن الذي صح عن عمر بأصح إسناد ، رواه مالك في الموطأ أنه أمر تميماً الداري وأبي بن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة لا ثلاث وعشرون ،
هذا الذي صح عنه رضى الله عنه .
على كل حال لا يمكن أن نعارض سنة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بسنة أحد من الناس ، لا الخلفاء ولا غيرهم ، وما خالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال الخلفاء ، فإنه يعتذر عنه ولا يحتج به ، ولا يجعل حجة على سنة الرسول صلى اله عليه وسلم .

المهم أن سنة الخلفاء الراشدين تأتي بعد سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول : قال رسول الله ،
وتقولون : قال أبو بكر وعمر !! هذا وهما أبو بكر وعمر فكيف بمن عارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم
بقول من دون أبى بكر وعمر بمراحل .

يوجد بعض الناس إذا قيل له : هذه هي السنة ، قال : لكن قال العالم الفلاني كذا وكذا ، من المقلدين المتعصبين .

أما من احتج بقول عالم وهو لا يدري عن السنة فهذا لا بأس به ، لأن التقليد لمن لا يعلم بنفسه جائز ولا بأس به .

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تمسكوا بها ) أي تمسكوا بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ،

(عضوا عليها بالنواجذ )
والنواجذ : أقصى الأضراس ، وهو كناية عن شدة التمسك ، فإذا تمسك الإنسان بيديه بالشيء وعض عليه بأقصى أسنانه ،
فإنه يكون ذلك أشد تمسكاً مما لو أمسكه بيد واحدة ، أو بيدين بدون عض ، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نمسك أشد التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده عليه الصلاة والسلام .

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وحث علة التمسك بها ، والعض عليها بالنواجذ ، قال : ( وإياكم ومحدثان الأمور ) .

يعني أحذركم من محدثات الأمور ، أي من الأمور المحدثة ،وهذه الإضافة من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ،
والأمور المحدثة يعني بها صلوات الله وسلامه عليه : المحدثات في دين الله .
وذلك لن الأصل قيما يدين به الإنسان ربه ، ويتقرب به إليه ، والأصل فيه المنع والتحريم ، حتى يقوم دليل على أنه مشروع .

ولهذا أنكر الله ـ عز وجل ـ على من يحللون ويحرمون بأهوائهم؛ فقال تعالى :

( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) (النحل: من الآية116)
وأنكر على من شرع في دينه ما لم يأذن به

فقال : ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى: من الآية21)
وقال ( قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس: من الآية59) .

أما الأمور العادية وأمور الدنيا ، فهذه لا ينكر على محدثاتها إلا إذا كان قد نص على تحريمه ، أو كان داخلاً في قاعدة عامة تدل على التحريم ، فمثلاً السيارات والدبابات وما أشبهها ، لا نقول إن هذه محدثة لم توجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ،
فلا يجوز استعمالها ، لأن هذه من الأمور الدنيوية ، الثياب وأنواعها ، لا نقول لا تلبس إلا ما كان يلبسه الصحابة
، البس ما شئت مما أحل الله لك ؛ لأن الأصل الحل ، إلا ما نص الشرع على تحريمه ،
كتحريم الحرير والذهب على الرجال ، وتحريم ما فيه الصورة وما أشبه ذلك .

فقوله صلوات الله وسلامه عليه : (وإياكم ومحدثان الأمور) يعني في دين الله ، وفيما يتعبد به الإنسان لربه ،
ثم قال : ( فإن كل بدعة ضلالة )
يعني أن كل بدعة في دين الله فهي ضلالة ، وإن ظن صاحبها أنها خير ، وأنها هدى ، فإنها ضلالة لا تزيده من الله إلا بعداً .

وقوله صلوات الله وسلامه عليه : ( كل بدعة ضلالة )
يشمل ما كان مبتدعاً في أصله ، وما كان مبتدعاً في وصفه . فمثلاً : لو أن أحد أراد أن يذكر الله بأذكار معينة بصفتها أو عددها ، بدون سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنا ننكر عليه ولا ننكر أصل الذكر ، ولكن ننكر ترتيبه على صفة معينة بدون دليل .

فإن قال قائل : ما تقولون في قول عمر ـ رضي الله عنه ـ حين أمر أبي بن كعب وتميماً الداري ـ رضي الله عنهما ـ أن يقوما بالناس في رمضان في تراويحهم ، وأن يجتمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا أوزاعاً ، فخرج ذات ليلة والناس خلف إمامهم فقال : ( نعمت البدعة هذه ) فأثنى عليها ووصفها بأنها بدعة ، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول :
( كل بدعة ضلالة ) .

قلنا : إن هذه البدعة ليست بدعة مبتدأة ، لكنها بدعة نسبية ،
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ثلاث ليال أو أربع ليال في رمضان ، يقوم بهم ، ثم تخلف في الثالثة
أو الرابعة ،
وقال : ( إني خشيت أن تفرض عليكم )(213)
فصار الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن تركها خزفاً من أن تفرض علينا .

ثم بقيت الحال ما هي عليه ، يصلي الرجلان والثلاثة والواحد على حده ؛ في خلافة أبي بكر وفي أول خلافة عمر رضي الله عنهما جمع الناس على إمام واحد ، فصار هذا الجمع بدعة بالنسبة لتركه في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ،
وفي عهد أبي بكر ، وفي أوا خلافة عمر رضي الله عنهما ، فهذه بدعة نسبية ، وإن شئت فقل : إنها بدعة إضافية ،
يعني بالنسبة لترك الناس لها هذه المدة آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخلافة أبي بكر وأول خلافة عمر .

ثم أنه بعد ذلك استؤنفت هذه الصلاة ، وإلا فلا شك أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( كل بدعة ضلالة )
عام ، وهو صادر من أفصح الخلق وأنصح الخلق ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو كلام واضحة ، كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها ، فإنها ضلالة .
والله الموفق .
تابع

الكاتبة: || (أفنان) l|

160ـ الخامس : عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) متفق عليه(214).

وفي رواية لمسلم :
( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح ، حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوماً ، فقام حتى كاد أن يكبر ، فرأى رجلاً بادياً صدره فقال :
( عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) (215).

الشرح
قال المؤلف رحمة الله تعالى ، فيما نقله عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) .

الجملة الأولى : مؤكدة بثلاثة مؤكدات ؛ بالقسم المقدر ، واللام ، ونون التوكيد ، ( أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) ،
يعني إن لم ننسو الصفوف ؛ خالف الله بين وجوهكم ،

وهذا الجملة أيضاً مؤكدة بثلاثة مؤكدات : بالقسم ، واللام ، والنون .

واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في معنى مخالفة الوجه .
فقال بعضهم : إن المعنى أن الله يخالف بين وجوههم مخالفة حسية ، بحيث يلوي الرقية ، حتى يكون وجه هذا مخالفاً لوجه هذا ، والله على كل شيء قدير ، فهو عز وجل قلب بعض بني أدم قردة ،
قال لهم : كونوا قردة ، فكانوا قردة ، فهو قادر على أن يلوي رقبة لإنسان حتى يكون وجهه من عند ظهره ، وهذه عقوبة حسية .
وقال بعض العلماء : بل المراد بالمخالفة : المخالفة المعنوية ، يعني مخالفة القلوب ؛ لأن القلب له اتجاه ، فإذا اتفقت القلوب على وجهة واحدة حصل في هذا الخير الكثير ، وإذا اختلفت تفرقت الأمة .

فالمراد بالمخالفة مخالفة القلوب ، وهذا التفسير أصح ؛ لأنه قد ورد في بعض الألفاظ : ( أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) .
وفي رواية : ( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) .

وعلى هذا فيكون المراد بقوله : ( أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) ،
أي بين وجهات نظركم ، وذلك باختلاف القلوب . وعلى كل حال ، ففي هذا دليل على وجوب تسوية الصفوف ،
وأنه يجب على المأمومين أن تسوى صفوفهم ، وأنهم إن لم يفعلوا ذلك ، فقد عرضوا أنفسهم لعقوبة الله والعياذ بالله .

وهذا القول ـ أعني وجوب تسوية الصف ـ هو الصحيح ، والواجب على الأئمة أن ينظروا في الصف ، فإذا وجدوا فيه اعوجاجاً أو تقدماً أو تأخراً ، نبهوا على ذلك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ـ أحياناً -يمشي على الصفوف يسويها بيده الكريمة ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، من أول الصف لآخره ، ولما كثر الناس في زمن الخلفاء ، أمر عمر بين الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رجلاً يسوي الصفوف إذا أقيمت الصلاة ، فإذا جاء وقال إنها قد سويت كبر للصلاة ، وكذلك فعل عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، وكل رجلاً يسوي صفوف الناس ، فإذا جاء وقال قد استوت كبر .

وهذا يدل على اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بتسوية الصف .

ولكن مع الأسف الآن نجد أن المأمومين لا يبالون بالتسوية ، يتقدم إنسان ويتأخر إنسان ولا يبالي ، وربما يكون مستوياً مع أخيه في أول الركعة ، ثم عند السجود يحصل من الاندفاع تقدم أو تأخر ، ولا يساوون الصف في الركعة الثانية ، بل يبقون على ما هو عليه ، وهذا خطأٌ ، فالمهم أنه يجب تسوية الصف .

فإذا قال قائل : إذا كان هناك إمام ومأموم فقط ، فهل يتقدم الإمام قليلاً ، أو يسوي المأموم ؟

فالجواب : أنه يساوي المأموم ؛ لأنه إذا كان إمام ومأموم ، فالصف واحد ، لا يمكن أن يكون المأمون خلف الإمام وحده ، بل هم صف واحد ، والصف الواحد يسوى فيه خلافاً لما قال بعض أهل العلم إنه يتقدم الإمام قليلاً ؛ لأن هذا لا دليل عليه ، بل الدليل على خلافه ، وهو أن يسوي بين الإمام والمأموم إذا كانا اثنين .

ثم قال في رواية : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا كأنما يسوي بها القداح ) .
والقداح : هي ريش السهم ، كانوا يسوونها تماماً ، بحيث لا يتقدم شيء على شيء ، مثل مشط البندق ، يكون مستوياً ، فكان يسوي الصفوف كأنما يسوي بها القداح ، حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه ، يعني فهمنا وعرفنا أن التسوية لابد منها ، خرج ذات يوم فرأى رجلاً بادياً صدره ،
فقال : ( عباد الله ، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) ,
فدل هذا على سبب قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لتسون صفوفكم ) ،
لأن سببه أنه رأى رجلاً بادياً صدره فقط ، يعني ظاهراً صدره قليلاً من على الصف ، فدل ذلك على أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتفقد الصف ، وأنه يتوعد من تقدم على الصف بهذا الوعيد :
( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) .

فعلينا أن نبين هذه المسألة لأئمة المساجد ، وكذلك للمأمومين حتى ينتبهوا لهذا الأمر ويعتنوا بشأن تسوية الصف ،
ولا يحصل تهاون بين الناس . والله الموفق
* * *
161ـ السادس : عن أبي موسى رضي الله عنه قال : احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل ، فلما حدث رسـول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم قال : ( إن هذه النار عدو لكم ، فإذا نمتم فأطفئوها عـنكم ) متفق عليه(216).
الشرح
ذكر المؤلف في باب الحث على اتباع السنة وآدابها هذا الحديث ؛ الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، أن قوماً احترق عليهم بيتهم في الليل ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم ) .

هذه النار التي خلقها الله ـ عز وجل ـ وأنشأ شجرها ، امتن الله بها على عباده ؛ فقال سبحانه وتعالى :
(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ) (الواقعة:71-72)،

والجواب ؛ بل أنت يا ربنا الذي أنشأتها : ( نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ) (الواقعة:73)
تذكرة يتذكر بها الإنسان جهنم ، فإن هذه النار جزء من ستين جزءاً من نار جهنم ، كل نار الدنيا الشديدة الحرارة والخفيفة ، كلها جزء من ستين جزءاً من نار جهنم ، أعاذني الله وإياكم منها .

فجعلها الله تذكرة ؛ حتى إن بعض السلف كان إذا هم بمعصية ذهب إلى النار ، ووضع إصبعه عليها ؛
يعني يقول لنفسه : اذكري هذه الحرارة ؛ حتى لا تتجرأ نفسه على المعصية التي هي سبب لدخول النار نسأل الله العافية .

ومن هذا يقول تعالى : (وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ ) يعني جعلناها متاعاً للمسافرين وغيرهم من المحتاجين إليها ، يتمتعون بها ، ويستدفئون بها في الشتاء ، ويسخنون بها مياههم ، ويطبخون عليها أطعمتهم ، فهي مصلحة ، ولكن قد تكون مضرة ؛

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث : ( إن هذه النار عدوٌ لكم )

فهي عدو إذا لم يحسن الإنسان ضبطها وقيدها ، وصارت عدواً إذا فرط فيها أو تعدى ، فرط فيها بأن لم يبعد ما تكون سبباً لاشتغاله ، أو تعدى فيها بأن أوقدها حول ما يشتعل سريعاً ، كالبنزين والغاز وما أشبه ذلك ، فإنها تكون عدواً للإنسان .

وفي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي له أن يتخذ الاحتياط في الأمور التي يخشى شرها، ولهذا أمر الإنسان عند النوم أن يطفئ النار ولا يقول هذه سهلة أنا آمن من ذلك ، ربما يظن هذا الظن ولكن يحدث مالا يخطر على باله .

ومن ذلك أيضاً صمامات الغاز التي حدثت في عصرنا الحاضر ، فصمامات الغاز يجب على الإنسان أن يتفقدها ؛ لئلا يكون فيها شيء من التسريب ؛ فتملأ الجو من الغز ، فإذا أشعل النار احترق المكان كله .

ومن ذلك أيضاً أفياش الكهرباء ، ينبغي على الإنسان أن يكون حريصاً عليها ومتفقداً لها ، وأن يكون الذي يركبها شخصاً عارفاً مهندساً ؛ حتى لا تركب على وجه الخطأ ؛ فيحصل بذلك الاحتراق ، إما احتراقاً كلياً للبيت كله أو لجزء منه . المهم أن الإنسان يجب عليه الاحتراز من كل ما يخشى ضرره .

وإذا كان هذا في نار الدنيا ، فكذلك يجب أن يحترس مما يكون سبباً لعذاب النار في الآخرة ، من أسباب المعاصي ، ووسائلها ، وذرائعها ولهذا قال أهل العلم رحمهم الله : إن الوسائل لها أحكام المقاصد ، وأن الذرائع يجب أن تسد إذا كانت ذريعة إلى محرم ، خشية من الوقوع في الهلاك .
والله الموفق .

* * *
162ـ السابع : عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة ، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا . وأصاب طائفة منا أخرى ، أنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ . فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه بما بعثني الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به )
متفق عليه (217) .

( فقه ) بضم القاف على المشهور ، وقيل بكسرها ، أي صار فقيهاً .
الشرح
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ في هذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم فقال (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً )

الغيث : يعني المطر ، فكانت هذه الأرض ثلاثة أقسام : قسم رياض : قبلت الماء ، وأنبتت العشب الكثير والزرع ،
فانتفع الناس بها ، وقسم آخر قيعان : أمسكت الماء وانتفع الناس به فاسقوا مه ورووا منه ،

والقسم الثالث : أرض سبخة : ابتلعت الماء ولم تنبت الكلأ .

فهكذا الناس بالنسبة لما بعث الله به النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والهدى ، منهم من فقه في دين الله ، فعلم وعلم ، وانتفع الناس بعلمه.
وانتفع هو بعلمه، وهذا كمثل الأرض لتي أنبتت العشب والكلأ فأمل الناس منها ، وأكلت منها مواشيه .

والقسم الثاني : في قوم حملوا الهدى ، ولكن لم يفقهوا في هذا الهدى شيئاً ، بمعنى أنهم كانوا رواة للعلم والحديث ،
لكن ليس عندهم فقه ، فهؤلاء مثلهم مثل الأرض التي حفظت الماء ، واستقى الناس منه ، وشربوا منه ، لكن الأرض نفسها لم تنبت شيئاً ؛ لأن هؤلاء يروون أحاديث وينقلونها ، ولكن ليس عندهم فيها فقه وفهم .

والقسم الثالث : من لم يرفع بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والهدى رأساً ، وأعرض عنه ، ولم يبال به ، فهذا لم ينتفع بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم ينفع غيره ، فمثله كمثل الأرض التي بلعت الماء ولم تنبت شيئاً .

وفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله ، وعلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعلم فإنه خير الأقسام ، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس ، ويليه من علم ولكن لم يفقه ، يعني روى الحديث وحمله لكن لم يفقه منه شيئاً ، وإنما هو رواية فقط ، يأتي في المرتبة الثانية في الفضل بالنسبة لأهل العلم والإيمان .

والقسم الثالث : لا خير له ، رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكنه لم يرفع به رأساً ولم ينتفع به ، ولم يعلمه الناس ، فكان ـ والعياذ بالله ـ كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئاً للناس ، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به .

وفي هذا الحديث دليل على حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام ، ذلك بضرب الأمثال لأن ضرب الأمثال الحسية يقرب المعاني العقلية
أي : ما يدرك بالعقل يقربه ما يرك بالحس ، وهذا مشاهد ؛ فإن كثيراً من الناس لا يفهم ، فإذا ضربت له مثلاً محسوساً فهم وانتفع ، ولهذا قال الله تعالى : ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) (العنكبوت:43)
وقال تعالى: ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) (الروم: 58)
فضرب الأمثال من أحسن طرق التعليم ووسائل العلم .
والله الموفق .
تابع
الكاتبة: || (أفنان) l|

163ـ الثامن : عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار ، وأنتم تفلتون من يدي ) رواه مسلم (218).

( الجنادب ) : نحو الجراد والفراش ، هذا هو المعروف الذي يقع في النار ،
و( الحجز ) : جمع حجزة ، وهي معقد الإزار والسراويل .

الشرح
قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن جابر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً ) أراد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهذا المثل أن يبين حاله مع أمته عليه الصلاة والسلام ، وذكر أن هذه الحال كحال رجل في برية ، أوقد ناراً ، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها .

والجنادب : نزع من الجراد ، أما الفراش فمعروف ، ( يقعن فيها )
لأن هذه هي عادة الفراش والجنادب والحشرات الصغيرة ، إذا أوقد إنسان ناراً في البر ؛ فإنها تأوي إلى هذا الضوء .

قال : ( وأنا آخذ بحجزكم ) يعني لأمنعكم من الوقوع فيها ، ولكنكم تفلتون من يدي .

ففي هذا دليل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم ـ جزاه الله عنا خيراً ـ على حماية أمته من النار ، وأنه يأخذ بحجزها ويشدها حتى لا تقع في هذه النار ، ولكننا نفلت من ذلك ، ونسأل الله أن يعاملنا بعفوه . فالإنسان ينبغي له أن ينقاد لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون لها طوعاً ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يدل على الخير واتقاء الشر ، كالذي يأخذ بحجزة غيره ، يأخذ بها حتى لا يقع في النار ، لأن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ
كما وصفه الله في كتابه :
( لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128) ،
صلوات الله وسلامه عليه .

ومن فوائد هذا الحديث : أنه ينبغي للإنسان ـ بل يجب ـ أن يتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به ، وفي كل ما نهى عنه ، وفي كل ما فعله ، وفي كل ما تركه ،

يلتزم بذلك ، ويعتقد أنه الإمام المتبوع صلوات الله وسلامه عليه ، لكن من المعلوم أن من الشريعة ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه ، وما هو محرم يأثم بفعله ،

ومنها ما هو مستحب ؛ إن فعله فهو خير وأجر ، وأن تركه فلا أثم عليه .

وكذلك من الشريعة ما هو مكروه كراهة تنزيه ؛ إن تركه الإنسان فهو خير له ، وإن فعله فلا حرج عليه ، لكن المهم أن تلتزم بالسنة عموماً ، وأن تعتقد أن أمامك ومتبوعك هو

محمد صلى الله عليه وسلم وأنه ليس هناك سبيل إلى النجاة إلا باتباعه ، والسير في طريقه ، والتمسك بهديه .

ومن فوائد هذا الحديث : بيان عظم حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ، وأنه كان لا يألو جهداً في منعها وصدها عن كل ما يضرها في دينها ودنياها ،

كما يكون صاحب النار التي أوقدها وجعل الجنادب والفراش تقع فيها وهو يأخذ بها .

وبناءً على ذلك ، فإذا رأيت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ؛ فأعلم أن فعله شر ، ولا تقل هل هو للكراهة أم هو للتحريم ، اترك ما نهى عنه ، سواء كان للكراهة أو للتحريم ، ولا تعرض نفسك للمساءلة لأن الأصل في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه للتحريم ، إلا إذا قام دليل على أنه للكراهة التنزيهية .
وكذلك إذا أمر بشيءٍ ، فلا تقل هذا واجب أو غير واجب ، افعل ما أمر به ، فهو خير لك ، إن كان واجباً فقد أبرأت ذمتك ، وحصلت على الأجر ، وإن كان مستحباً فقد حصلت على الأجر ، وكنت متبعاً تمام الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم ، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم إتباعه ظاهراً وباطناً .

* * *
164ـ التاسع : عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال :
( إنكم لا تدرون في آيه البركة ) رواه مسلم(219) .


وفي رواية له : ( إذا وقعت لقمة أحدكم . فيأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان ، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه ، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة )(220) .

وفي رواية له : ( إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى فليأكلها ، ولا يدعها للشيطان )(221) .

الشرح
ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم في آداب من آداب الأكل ، منها : إن الإنسان إذا فرغ من أكله فإنه يلعق أصابعه ويلعق الصفحة ،
يعني يلحسها حتى لا يبقى فيها أثر الطعام ، فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ، فهذان أدبان :

الأول : لعق الصفحة ،
والثاني : لعق الأصابع ، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يأمر أمته بشيء إلا وفيه الخير والبركة .

ولهذا قال الأطباء : إن في لعق الأصابع من بعد الطعام فائدة ؛ وهو تيسير الهضم ؛ لأن الأنامل فيها مادة ـ بإذن الله ـ تفرزها عند اللعق بعد الطعام تيسر الهضم ،
ونحن نقول : هذا من باب معرفة حكمة الشرع فيما يأمر به ، وإلا فالأصل أننا نلعقها امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، كثير من الناس لا يفهمون هذه السنة ، تجده ينتهي من الطعام وحافته التي حوله كلها طعام ، تجده أيضاً يذهب ويغسل دون أن يلعق أصابعه ، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ نهى أن يمسح الإنسان يديه بالمنديل حتى يلعقها وينظفها من الطعام ، ثم بعد ذلك يمسح بالمنديل ، ثم بعد ذلك يغسلها إذا شاء .

كذلك أيضاً من آداب الأكل : أن الإنسان إذا سقطت لقمه على الأرض فإنه لا يدعها ؛ لأن الشيطان يحضر للإنسان في جميع شؤونه ، كل شؤونك من أكل ، وشرب ، وجماع ، أي شيء يحضر الشيطان ، فإذا لم تسم الله عند الأكل شاركك في الأكل ، وصار يأكل معك ؛ ولهذا تنزع البركة من الطعام إذا بم تسم عليه ، وإذا سميت الله على الطعام ، ثم سقطت اللقمة من يدك فإن الشيطان يأخذها ، ولكن لا يأخذها ونحن ننظر ، لأن هذا شيء غيبي لا نشاهده ، ولكننا علمناه بخبر الصادق المصدوق ـ عليه الصلاة والسلام ـ يأخذ الشيطان فيأكلها ، وإن بقيت أمامنا حسياً ، لكنه يأكلها غيباً ،
هذه من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها .

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم دلنا على الخير فقال :
( فليأخذها وليمط ما بها من أذى ، وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان )
خذها وأمط ما بها من أذى ـ من تراب أو عيدان أو غير ذلك ـ ثم كلها ولا تدعها للشيطان .

والإنسان إذا فعل هذا امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعاً لله عز وجل وحرماناً للشيطان من أكلها ؛ حصل على هذه الفوائد الثلاثة : الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، والتواضع ، وحرمان الشيطان من أكلها. هذه فوائد ثلاث ، ومع ذلك فإن أكثر الناس إذا سقطت اللقمة على السفرة أو على سماط نظيف تركها ، وهذا خلاف السنة .

وفي هذا الحديث من الفوائد : أنه لا ينبغي للإنسان أن يكل طعاماً فيه أذى ، لأن نفسك عندك أمانة ، لا تأكل شيئاً فيه أذى ، من عيدان أو شوك أو ما أشبه ذلك ،

وعليه فإننا نذكر الذين يأكلون السمك أن يحتاطوا لأنفسهم ، لأن السمك لها عظام دقيقة مثل الإبر ، إذا لم يحترز الإنسان منها ، فربما تخل إلى بطنه وتجرح معدته أو أمعاءه

وهو لا يشعر ، لهذا ينبغي للإنسان أن يراعي نفسه ، وأن يكون لها أحسن راع ، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
* * *
165 ـ العاشر : عن أبن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال :
( يا أيها الناس ، إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلاً
( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: 104) ،

ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ؛ فأقول : يا رب أصحابي ؛ فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح :
( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ ) إلى قوله ( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (المائدة:117-118)
فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) متفق عليه(222) .

( غرلاً ) : أي غير مختونين .
الشرح
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله عن أبن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً ؛ وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل من هدي النبي عليه الصلاة والسلام ، أنه كان يخطب أصحابه الخطب الراتبة والخطب العارضة .

أما الخطب الراتبة : فمثل خطبة الجمعة ، خطبة العيد ، خطبة الاستسقاء ، خطبة الكسوف . هذه خطب راتبة ، كلما وجد سببها خطب عليه الصلاة السلام ؛ في الجمعة يخطب خطبتين قبل الصلاة ، وفي العيد خطبة واحدة بعد الصلاة ،
وكذلك في الاستسقاء ، وفي كسوف خطبة واحدة بعد الصلاة .

أما الخطب العارضة : فإنها تكون إذا وجد سبب عارض ؛ فيقوم النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ خطيباً يخطب الناس .

فمن ذلك : أن رجلاً بعثه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ عاملاً على الصدقة يأخذها من أهلها ،
فرجع إلى المدينة ومعه أبل فقال : هذه لكم وهذه أهديت إلى . فخطب النبي عليه الصلاة والسلام ،
وقال : ( ما بال أحدكم نسـتعمله على العمل ، فيرجع ويقول : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا ؟ )(223) .
وصدق النبي عليه الصلاة والسلام ، أنه لم يهد لهذا العمل الذي هو تابع للدولة إلا من أجل أنه عامل ، لو كانوا يريدون أن يهدوا إليه لشخصه ، لأهدوا إليه في بيت أبيه وأمه .

ومن هذا الحديث نعرف عظمة الرشوة ، وأنها من عظائم الأمور التي أدت إلى أن يقوم النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ خطيباً يخطب في الناس ، ويحذرهم من هذا العمل ؛ لأنه إذا فشا في قوم الرشوة هلكوا ، وصار كل واحد منهم لا يقول الحق ،
ولا يحكم بالحق ، ولا يقوم بالعدل إلا إذا رشي والعياذ بالله .

والرشوة ملعون آخذها ، وملعون معطيها ، إلا إذا كان الآخذ يمنع حق الناس إلا برشوة ، فحينئذ تكون اللعنة على هذا الآخذ لا على المعطي ؛ لأن المعطي إنما يريد أن يعطي لأخذ حقه ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بدفع الرشوة ، فهو معذور . كما يوجد ـ والعياذ بالله ـ الآن في بعض المسئولين في الدول الإسلامية ؛ من لا يمكن أن يقضي مصالح الناس إلا بهذه الرشوة والعياذ بالله ، فيكون آكلاً للمال بالباطل ، معرضاً نفسه للعنة . نسأل الله العافية .

والواجب على من ولاه الله عملاً أن يقوم به بالعدل ، وأن يقوم بالواجب فيه بحسب المستطاع .

ومن ذلك أيضاً : أن بريرة وهي أمة لجماعة من الأنصار ، كاتبها أهلها على تسع أوراق من الفضة ، فجاءت إلى أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ تستعينها ؛ تطلب منها العون لتقضي كتابتها ، فقالت : إن شاء أهلك أن أعدها لهم ، يعني أنقدها نقداً ، ويكون ولاؤك لي فعلت ، فذهبت بريرة إلى أهلها ، يعني أسيادها، فقالت لهم ذلك .
فقالوا : لا . الولاء لنا . فرجعت بريرة إلى عائشة ـ رضي الله عنها ـ وأخبرتها بأن أهلها قالوا : لابد أن يكون الولاء لنا . فقال النبي عليه الصلاة والسلام :
( خذيها واشترطي لهم الولاء ، فإنما الولاء لمن أعتق )
فأخذتها واشترطت الولاء لهم ، ثم خطب الناس عليه الصلاة والسلام
وقال : ( ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق )(224) .

ومن ذلك أيضاً : أن امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع ، تقول للناس : أعيروني شيئاً ، فيعيرونها المتاع ؛ القدر والقربة وما أشبه ذلك من متاع البيت ، ثم بعد ذلك تقول : ما أعرتموني شيئاً !! تجحد ذلك ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يدها ؛ لأنها سارقة ، هذه سرقة ، فاهتمت قريش لهذا الأمر ؛ كيف تقطع يد مخزومية من بني مخزوم ، من كبار قبائل العرب ، فطلبوا من يشفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فأرسلوا أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبه ويحب أباه ، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم في شأن تلك المرأة يشفع لها ،
فقال النبي عليه الصلاة السلام : ( أتشفع في حد من حدود الله ؟)
يقول منكراً عليه ، لأن حدود الله ليس فيها شفاعة ، فإذا وصلت للسلطان فلعن الله الشافع والمشفع له .

ثم قام في الناس يخطب ، فقال :
( ألا وإن من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه . وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) . وأخبر أن هذا هو الذي أهلك الأمم السابقة . ثم قال عليه الصلاة والسلام :
( وايم الله ـ يعني أحلف بالله ـ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )(225)
فهل هذه المخزومية أفضل أم فاطمة بنت محمد ؟ فاطمة أفضل منها ، ومع ذلك يقول عليه الصلاة والسلام :
( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت ، لقطعت يدها ) .

فهذه من الخطب العارضة ، فكان ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من هديه أنه يخطب الناس لأمور راتبة ولأمور عارضة ، وسبق لنا حديث العرباض بن سارية قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بليغة ، وجلت منها القلوب ،
وذرفت منها العيون .

والخلاصة : أنه يستفاد من هذا الحديث أنه ينبغي للإنسان من قاض ، أو مفتٍ ، أو عالم ، أو داعية ، أن يخطب الناس في الأمور العارضة التي يحتاجون فيها إلى بيان الحق ، وفي الأمور الراتبة ، مثل الجمعة ، والعيدين ، والاستسقاء ، والكسوف كما مر ، وهذا من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن تبليغه ، لأن الشيء إذا جاء في وقته عند حاجته صار له قبول أكثر .

وقد نقل المؤلف ـ رحمة الله ـ عن أبن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فيهم خطيباً ،
وهذه من خطبه العارضة صلى الله عليه وسلم ، فقد قام فيهم خطيباً وقال :
( إنكم محشورون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً ) .
محشورون : يعنى مجمعون في صعيد واحد النبي صلي الله عليه وسلم ليس فيه جبال، وليس فيه أودية، ولا بناء ، ولا أشجار ، يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، يعني لو دعاهم داع لأسمعهم جميعاً ؛ لأنه ليس هناك ما يحول بينهم وبين إسماعهم وينفذهم البصر أي يدركهم جميعاً .

(حفاة عراة غرلاً )

وفي رواية : ( بهماً ) .

حفاة : ليس عليهم نعال ، ولا خفاف ، ولا يقوون به أرجلهم .

عراة : ليس عليهم كسوة ، بادية أبشارهم .

غزلاً : يعني غير مختونين .

والختان هو : قطع الجلدة التي تكون على الحشفة ، وتقطع من أجل تمام الطهارة كما سنبينه إن شاء الله .

بهماً : قال العلماء بهماً : أي ليس معهم مال ، فيكون الإنسان مجرداً من كل شيء ، ثم استدل لذلك بقوله تعالى
( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: من الآية104) ،
يعني أن الله يحشرهم كما بدأهم أول خلق ، يخرجون من بطون الأرض كما خرجوا من بطون أمهاتهم ، حفاة عراة غرلاً ؛
(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) .

ثم قال عز وجل : (وَعْداً عَلَيْنَا ) أي مؤكداً ، أكده الله على نفسه ، لأن هذا المقام يقضي التوكيد ، فإن من البشر من كذب بالحشر والعياذ بالله ، وقال :( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (المؤمنون:37) ،
فقال عز وجل : (وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) .

حدث النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهذا الحديث ، فقالت عائشة رضى الله عنها : واسوءتاه . الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عائشة ، الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك)(226)
الأمر عظيم ، ما ينظر أحد لأحد ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس:34-37).

حتى الرسل ـ عليه الصلاة والسلام ـ عند عبور الصراط فدعاؤهم : اللهم سلم ، اللهم سلم ، لا يدري أحد أينجو أم لا .الأمر عظيم .
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك ) ثم قال : ( ألا وأن أول من يكسى إبراهيم ) إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، هو أول مي يكسى يوم القيامة .

وهذه الخصيصة ـ أنه يكون أول من يكسى لا تدل على التفضيل المطلق ، وأنه أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام ، لأن محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والرسل ، سيد ولد أدم يوم القيامة ، لا يؤذن لأحد يشفع للخلائق يوم القيامة إلا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما في قوله تعالى : ( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) (الإسراء: من الآية79) ،
لكن قد يخص الله بعض الأنبياء بشيء لا يخص به الآخر ،
مثل قوله تعالى : ( يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي) (الأعراف:144) .

فالرسالات كانت موجودة في غيره ، لكن في وقته كان هو الرسول لبني إسرائيل ، كذلك أيضاً قد يخص الله أحد من الأنبياء أو غيرهم بخصيصة يتميز بها عن غيره ، ولا يوجب ذلك الفضل المطلق .

( ألا وإن أول من يكسى إبراهيم )

عليه الصلاة والسلام ، ولا يقال : لماذا كان أول من يكسى ، لأن الفضائل لا يسأل عنها ،

كما قال الله تعالى : ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )

(الحديد: من الآية21) ، لا يسأل عنها ؛ لأن الإنسان قد يصل فيها إلى نتيجة وقد لا يصل ، فكما أن الله تعالى ـ

فضل بني أدم بعضهم على بعض في الرزق ، وفي كمال الأخلاق والآداب ، وكذلك فضل بعضهم على بعض في العلم ، وكذلك في البدن والفكر وغير ذلك ،

فالله ـ تعالى ـيؤتي فضله من يشاء .

وفي هذا الحديث دليل على أن الناس يكسون بعد أن يخرجون حفاة عراة غرلاً . ولكن بأي طريق يكسون؟ الله أعلم بذلك ، ليس هناك خياطون ، ولا هناك ثياب تفصل ولا شيء ، فالله أعلم بكيفية ذلك .

الذي خلقهم هو الذي يكسوهم سبحانه وتعالى ، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الحديث .

وفي هذا الحديث إشارة إلى الختان ، في قوله : ( غرلاً ) فالأغرل هو الذي بقيت عليه جلدة الحشفة ؛

أي لم يختن . والختان اختلف العلماء في وجوبه ، فمنهم من قال : إنه واجب على الذكور والإناث ، وأنه يجب أن تختن البنت كما يختن الولد .
ومن العلماء من قال : أنه لا يجب الختان لا على الرجال ولا على النساء ، وأن الختان من الفطرة المستحبة ، وليس من الفطرة الواجبة .
ومنهم من توسط بين القولين فقال : الختان واجب في حق الذكور ، وسنة في حق النساء ، وهذا القول أوسط الأقوال وأعدلها ، فإنه واجب في حق الرجال ، لأن الرجل إذا بقيت هذه الجلدة فوق حشفته ، فإنها ستكون مجمعاً للبول ، فيكون في ذلك تلويث للرجل ، وربما يحدث إثر هذا التهابات فيما بين الجلدة والحشفة ، ويتضرر الإنسان .

فالصحيح أن الختان واجب على الذكور ، وسنة في حق الإناث ، وهو أعدل الأقوال وأحسنها .

ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يؤتي برجال من أمته فيؤخذ بهم ذات الشمال ، أي إلى طريق أهل النار والعياذ بالله . فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أصحابي ) أي يشفع إلى ـ الله سبحانه وتعالى ـ

فيهم ، فيقال له : ( إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك )

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم كما قال العبد الصالح ؛ يعني به عيسى بن مريم ؛ حين يقول يوم القيامة

إذا قال الله تعالى له: ( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)

كما يزعم النصارى الذين يقولون : أنهم متبعون له :
( قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) (المائدة:116)

لأن الألوهية ليست حقاً لأحد إلا الله رب العالمين .

ثم يقول :
( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة :116-117) .

فإذا قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ، قال كما قال عيسى بن مريم :
( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) .

ثم يقال للرسول عليه الصلاة والسلام :
( إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) فيقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( سحقاً سُحقاً ) .

قوله : ( إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )

تمسك به الرافضة الذين قالوا : إن الصحابة كلهم ارتدوا عن الإسلام والعياذ بالله ، ومنهم أبو بكر ، عمر ، وعثمان رضي الله عنهم . أما على وآل البيت ـ رضي الله عنهم ـ فهم لم يرتدوا على زعمهم .

ولا شك أنهم في هذا كاذبون ، وأن الخلفاء الأربعة كلهم لم يحصل منهم ردة ب'جماع المسلمين ، وكذلك عامة أصحاب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يحصل منهم ردة بالإجماع المسلمين ، إلا قوماً من الأعراب كانوا حديثي عهد بالإسلام لما مات النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ افتتنوا ، وارتدوا على أدبارهم ، ومنعوا الزكاة ،
حتى قاتلهم الخليفة الراشد أبو بكر رضي الله عنه ، وعاد أكثرهم إلى الإسلام .

ولكن الرافضة من شدة حنقهم وبغضهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تمسكوا بظاهر هذا الحديث .

أما أهل السنة والجماعة فقالوا : إن هذا الحديث عام يراد به الخاص ، وما أكثر العام الذي يراد به الخاص . فقوله : ( أصحابي ) يعني ليسوا كلهم ، بل الذين ارتدوا على أدبارهم ، لأن هكذا قيل للرسول عليه الصلاة والسلام :
( إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) .

ومعلوم أن الخلفاء الراشدين ، عامة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، لم يرتدوا بالإجماع ،
ولو قدر أنهم ارتدوا لم يبق لنا ثقة بالشريعة . ولهذا كان الطعن في الصحابة يتضمن الطعن في شريعة الله ، وستضمن الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتضمن الطعن بالله رب العالمين .

الذين يطعنون في الصحابة تضمن طعنهم أربعة محاذير ومنكرات عظيمة والعياذ بالله : الطعن في الصحابة ،
والطعن في الشريعة ، والطعن في النبي صلى الله عليه وسلم ، والطعن في رب العالمين تبارك وتعالى ،
لكنهم قوم لا يفقهون ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون ) (البقرة: من الآية171) .

أما كونه طعناً في الشريعة : فلأن الذين نقلوا إلينا الشريعة هم الصحابة ، وإذا كانوا مرتدين ، والشريعة جاءت من طريقهم ، فإنها لا تقبل لأن الكافر لا يقبل خبره ، بل الفاسق أيضاً ؛
كما قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6) .

وأما كونه طعناً برسول الله صلى الله عليه وسلم :
فيقل : إذا كان أصحاب النبي بهذه المثابة من الكفر والفسوق ، فهو طعن بالرسول صلى الله عليه وسلم ، لأن القرين على دين قرينه ، وكل إنسان يعاب بقرينه إذا كان قرينه سيئاً ؛
يقال : فلان ليس فيه خير ؛ لأن قرناءه فلان وفلان وفلانٌ من أهل الشر . فالطعن في الأصحاب طعن بالمصاحب .

وأما كونه بالله رب العالمين فظاهر جداً : أن يجعل أفضل الرسالات وأعمها وأحسنها على يد هذا الرجل الذي هؤلاء أصحابه ، وأيضاً أن يجعل أصحاب هذا النبي الذي هو أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ـ مثل هؤلاء الأصحاب الذين زعمت الرافضة أنهم ارتدوا على أدبارهم .

ولهذا نعتقد أن هذه فرية عظيمة على الصحابة رضي الله عنهم ، وعدوان على الله ورسوله وشريعة الله ؛ ولا شك أننا نكن الحب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ،
ولآل النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين ، ونرى أن لآله المؤمنين حقين : حق الإيمان ، وحق قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قال تعالى : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (الشورى: من الآية23) ،

يعني إلا أن تودوا قرابتي على أحد التفاسير .

والتفسير الآخر لقوله تعالى : ( إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) أي إلا أن تودوني لقرابتي منكم .

وعلى كل حال ، فهذا الحديث ليس فيع مطمع للرافضة في القدح في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه لا يصدق إ لا على من ارتدوا ، أما من بقوا على الإسلام ، وأجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ؛ فإنهم لا يدخلون في هذا الحديث ، ويقال : إن الذي خصص هذا الحديث إجماع المسلمين على أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لم يرتدوا ،
وإنما ارتدت طائفة قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ورجع أكثرهم إلى الإسلام .

والله الموفق .
الكاتبة: || (أفنان) l|


166 ـ الحادي عشر : عن أبي سعيد عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف وقال :
(إنه لا يقتل الصيد ، ولا يتكأ العدو ، وإنه يفقأ العين ، ويكسر السن) متفق عليه (227).

وفي رواية : أن قريباً لابن مغفل حذف ؛ فنهاه وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال :
( إنها لا تصيد صيداً ) ثم عاد فقال : أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، ثم عدت تحذف !؟
لا أكلمك أبداً (228).

الشرح
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن مغفلٍ ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحذف ، وقال : ( إنه يقتل صيداً ) وفي لفظ : ( لا يصيد صيداً ) ( ولا ينكأ عدواً ، وإنما يفقأ العين ويكسر ) .

والحذف : قال العلماء : معناه أن يضع الإنسان حصاه بين السبابة والإبهام ، فيضع على الإبهام حصاة يدفعها بالسبابة ،
أو يضع على السبابة ويدفعها بالإبهام .
وفد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وعلل ذلك بأنه يفقأ العين وكسر السن إذا أصابه ، ( ولا يصيد الصيد )
لأنه ليس له نفوذ ( ولا ينكأ العدو )
يعني لا يدفع العدو ؛ لأن العدو إنما ينكأ بالسهام لا بهذه الحصاة الصغيرة .
ثم إن قريباً له خرج بخذف ، فنهاه عن الخذف وقال : أخبرتك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف ، ثم إنه رآه مرة ثانية يخذف فقال له : ( أخبرتك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف ، فجعلت تخذف !! لا أكلمك أبداً )
فهجره ؛ لأنه خالف نهي النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذا كما فعل عبد بن عمر في أحد أبنائه ، حين حدث أبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) .
فقال أحد أبنائه وهو بلال بن عبد الله بن عمر : ( والله لنمنعهن ) ؛ لأن النساء تغيرت بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، والناس تغيروا ، فقال بلال:( والله لنمنعهن ) .
فأقبل عليه أبوه عبد الله ابن عمر ، وجعل يسبه سباً عظيماً ، ما سبه مثله قط ، وقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : والله لنمنعهن (229).

ثم هجره حتى مات ، لم يكلمه ، فدل هذا على عظم تعظيم السلف الصالح لأتباع السنة .

فهذا عبد الله بن مغفل أقسم أن لا يكلم قريبه ؛ لأنه حذف ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخذف ، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يعظم سنة النبي عليه الصلاة والسلام .

ولكن إذا قال قائل : هل مثل الأمر يوجب الهجر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هجر المؤمن فوق ثلاث ؟ (230).

فالجواب عن هذا : أن هذين الصحابيين ـ وأمثالهما ممن فعل مثل فعلهما ـ فعلا ذلك من باب التعزير ، ورأيا في هذا تعزير لهذين الرجلين ، وإلا فالأصل أن المؤمن إذا فعل ذنباً وتاب منه ، فإنه يغفر له ما سلف ، حتى الكفار إذا تابوا غفر الله لهم ما سبق .

قال الله تعالى : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ) (الأنفال: من الآية38) كل ما مضى .

ولكن نظراً لأن هذين الصحابيين رضي الله عنهما ، أرادا أن يعزرا من خالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، إما بقوله وما بفعله ، ولو عن اجتهاد لأن بلال بن عبد الله بن عمر ، إنما قال ذلك عن اجتهادٍ ، لكن لا ينبغي للإنسان أن يعارض قول الرسول هذه المعارضة الظاهرة ،
ولو أنه قال مثلاً : لعل النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهن في زمن كانت النيات فيه سليمة ، والأعمال مستقيمة ، وتغيرت الأحوال بعد ذلك ، وأتى بالكلام على هذا الوجه ، لكان أهون .

ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها ـ وهي فقيهة ـ :لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع النساء من بعده لمنعهن ـ يعني من المساجد ـكما منعت بنو إسرائيل نساءها . ولكن على كل حال ما فعله عبد الله بن مغفل ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، يدل على تعظيم السنة ، وأن الإنسان يجب أن يقول في حكم الله ورسوله : سمعنا وأطعنا . والله الموفق .

* * *
167 ـ وعن عباس بن ربيعة قال : ( رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل الحجر ـ يعني الأسود ـ ويقول : ( إني أعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ) متفق عليه(231) .
الشرح
هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في باب الأمر باتباع السنة وآدابها ، فقد كان ـ رضي الله عنه ـ يطوف بالكعبة ، فقبل الحجر الأسود ، والحجر كما نعلم حجر من الأرض جعل في هذا الركن(232) .
وشرع الله ـ سبحانه وتعالى ـ لعباده أن يقبلوه ؛ لكمال الذل والعبودية ،

ولهذا قال عمر ـ رضي الله عنه ـ حين قبله ( إني لأعلم حجر أنك لا تضر ولا تنفع ) .

وصدق رضي الله عنه ، فإن الأحجار لا تضر ولا تنفع . الضرر والنفع بيد الله ـ عز وجل ـ
كما قال تعالى : ( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
(المؤمنون: 88-89).

ولكن بين ـ رضى الله عنه ـ أن تقبيله إياه لمجرد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ،
فقال ( ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)

يعني فأنا أقبلك اتباعاً للسنة ، لا رجاء للنفع ، أو خوف الضرر ؛ ولكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك .
ولهذا لا يشرع أن يقبل شيء من الكعبة المشرفة إلا الحجر الأسود فقط ، أما الركن اليماني فيستلم ـ يعني يمسح ولا يقبل .

والحجر الأسود أفضل شيء أن يمسحه بيده اليمني ويقبله ، فإن لم يمكن استلمه وقبل يده ، فإن لم يمكن أشار إليه بشيء معه أو بيده ، ولكن لا يقبل ما أشار به ، لأن هذا الذي أشار به لم يمس الحجر حتى يقبله .

أما الركن اليماني فليس فيه إلا استلام فقط ، ويكون الاستلام باليد اليمنى .
ونرى بعض الجهال الذين لا يدرون لماذا استلموا هذا الحجر يستلم باليد اليسرى ،
واليد اليسرى كما قال أهل العلم : لا تستعمل إلا في الأذى ، في القذر والنجاسات وما أشبهها ،
أما أن تعظم بها شعائر الله فلا .
ثم أن بقية الأركان : الركن الشامي ، والعراقي ، يعني الشمالي الشرقي والشمالي الغربي ، هذان الركنان لا يقبلان ولا يمسحان ، وذلك لأنهما ليس على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وذلك أن قريشاً لما أرادوا بناء الكعبة ، قالوا : لن نبنها إلا بمال طيب ، لا نبتها بأموال الربا ، وانظر كيف عظم الله بيته حتى على أيدي الكفار ، فجمعوا المال الطيب ، فلم يكف لبنائها على قواعد إبراهيم ، ثم فكروا من أي جانب ينقصوها . قالوا ننقصها من الشمال ؛ لأن الجانب اليماني الجنوبي فيه الحجر الأسود ، ولا يمكن أن ننقصها من جانب الحجر الأسود ، فتقصوها من هناك ، قلم تكن على قواعد إبراهيم عليه الصلاة السلام ، لذلك لم يقبل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولم يمسح الركن الشمالي الشرقي ولا الركن الشمالي الغربي .

ولما طاف معاوية ـ رضي الله عنه ـ ذات سنة ، وكان معه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، جعل معاوية يمسح الأركان الأربعة ؛ الحجر الأسود، والركن اليماني ، والشمالي ، والغربي ، فقال له أبن عباس : كيف تمسح الركنين الشماليين ، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يمسح إلا الركن اليماني والحجر الأسود . ؟

فقال معاوية : إنه ليس شيء من البيت مهجوراً . يعني البيت لا يهجر ، كله يحترم ويعظم ، فقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وهو أفقه من معاوية قال : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الأحزاب: من الآية21) ،
وما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح إلا الركنين اليمانيين ، يعني ركن الحجر الأسود والركن اليماني ,
فقال له معاوية : صدقت ورجع إلى قوله(233).
لأن الخلفاء فيما سبق ـ وإن كانوا كالملوك في الأبهة والعظمة ـ لكنهم كانوا يرجعون إلى الحق ، ولهذا رجع معاوية
ـ رضي الله عنه ـ إلى الحق ، وقال له : صدقت ، وترك مسح الركنين الشمالي الشرقي والشمالي الغربي .

وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف عن عمر ـ رضي الله عنه ـ دليل على جهالة اؤلئك القوم الذين نشاهدهم ، يقف أحدهم عن الركن اليماني فيمسحه بيده ، ويكون معه طفل فد حمله ، فيمسح الطفل بيده يتبرك بالركن ، وكذلك لو تيسر له لمسح على الحجر الأسود ، مسح الطفل للبركة ، وهذا لا شك أنه بدعة ، وأنه نوع من الشرك الأصغر ؛ لأن هؤلاء جعلوا ما ليس سبباً سَبباً ،

والقاعدة : أن كل أحد يجعل شيئاً سبباً لشيء بدون إذن من الشارع فإنه يكون مبتدعاً ، ولهذا يجب على من رأى أحداً يفعل هذا أن ينصحه ،
يقول له : ( هذا غير مشروع ، هذا بدعة ) حتى لا يظن الناس أن الأحجار تنفع أو تضر ، ثم تتعلق قلوبهم بها في شيء أكبر وأعظم من هذا .
وقد بين أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه لا يفعل ذلك إلا اتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا فإنه يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ، وفي هذا دليل على أن كمال التعبد أن ينقاد الإنسان لله عز وجل ، سواء عرف السبب والحكمة في المشروعية أم لم يعرف .
فعلى المؤمن إذا قيل له أفعل ؛ أن يقول : سمعنا وأطعنا ، وإن عرفت الحكمة فهو نور على نور ، وإن لم تعرف فالحكمة أمر الله ـ تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .

ولهذا قال الله في كتابه : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (الأحزاب: من الآية36) .
وسئلت عائشة ـ رضي الله عنها ـ لماذا تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة ،

فقالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ، كأنها ـ
رضي الله عنها تقول : إن وظيفة المؤمن أن يعمل بالشرع ، سواء عرف الحكمة أم لم يعرفها ، وهذا هو الصواب .

نسأل الله أن يرزقنا وإياكم اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يتوفانا عليها ، وأن يحشرنا في زمرته ،
إنه جواد كريم .

* * *
(199) أخرجه البخاري ، كتاب الأدب ، باب المقة من الله تعالى،رقم (6040) ، ومسلم كتاب البر والصلة ، باب إذا أحب الله عبداً حببه عباده رقم (2637) .

(200) أخرجه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب من أعطاه الله شيئاً من غير مسألة،رقم (1473) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ...رقم ( 1045) .

(201) أخرجه البخاري ، كتاب الصوم ، باب الوصال ، رقم (1962)، ومسلم ، كتاب الصيام ، باب النهي عن الوصال في الصوم ، رقم (1103) .

(202) أخرجه البخاري ، كتاب الصوم ، باب التنكل لمن أكثر الوصال، رقم (1965) ،ومسلم، كتاب الصيام ، باب النهي عن الوصال في الصوم ،رقم (1103) .

(203) تقدم تخريجه .

(204) أخرجه أبو داود ، كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ، رقم (4605)، والترمذي ، كتاب العلم ، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم ( 2663) وقال : حديث حسن صحيح .

(205) أخرجه البخاري ، كتاب الاعتصام ، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم (7288) ، ومسلم ، كتاب الحج ، باب فرض الحج مرة في العمر ، رقم ( 1337) .

(206) تقدم تخريجه .

(207) أخرجه البخاري ، كتاب العلم ، باب من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ، رقم (71) ، ومسلم ، كتاب الزكاة ، باب النهي عن المسألة ، رقم (1037) .

(208) تقدم تخريجه .

(209) أخرجه أبو داود ، كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ، رقم (4607)، والترمذي ، كتاب العلم ، باب ما جاء في الأخذ بالسنة ، رقم (2676)، وابن ماجه ، المقدمة ، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين ، رقم (42) .

(210) أخرجه البخاري ، كتاب الأحكام ، باب السمع والطاعة للإمام ...، رقم (7145) ، ومسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ، رقم (1840) .

(211) أخرجه البخاري كتاب اللباس ، باب تقليم الأظفار ، رقم (5892) ، ومسلم ، كتاب الطهارة ، باب خصال الفطرة ، رقم (259) .

(212) أخرجه البخاري ن كتاب استتابة المرتدين ، باب حكم المرتد ...، رقم (6922) .

(213) أخرجه البخاري ، كتاب صلاة التراويح ، باب فضل من قام رمضان ، رقم (2012) ، ومسلم كتاب صلاة المسافرين ، باب الترغيب في قيام رمضان ... ، رقم (761) .

(214) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب تسوية الصفوف عند الأقامة وبعدها ، رقم (717) ، ومسلم ، كتاب الصلاة ، باب تسوية الصفوف وإقامتها رقم ( 436) .

(215) أخرجه مسلم ، كتاب الصلاة ، باب تسوية الصفوف وإقامتها ، رقم (436) .

(216) أخرجه البخاري ، كتاب الاستئذان ، باب لا تترك النار في البيت عند النوم ، رقم ( 6294) ، ومسلم ، كتاب الأشربة ، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء رقم ( 2016) .

(217) أخرجه البخاري ، كتاب العلم ، باب فضل من علم وعلم ، رقم (79) ومسلم كتاب الفضائل ،
باب بيان مثل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم رقم (2282) .


(218) أخرجه مسلم ، كتاب الفضائل ، باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ... ، رقم (2285) .


(219) أخرجه مسلم ، كتاب الأشربة ، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة ... ، رقم (2033) .

(220) أخرجه مسلم ، كتاب الأشربة ، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة ... ، رقم (2033) .

(221) أخرجه مسلم ، كتاب الأشربة ، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة ... ، رقم (2033) .

(222) أخرجه البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قوله تعالى : ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) ، رقم (3349) ،
ومسلم ، كتاب الجنة ، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ، رقم (2860) .

(223) أخرجه البخاري ، كتاب الحيل ، باب احتيال العامل ليهدى إليه ، رقم (6979)، ومسلم ، كتاب الإمارة ، باب تحريم هدايا العمال رقم (1832) .

(224) أخرجه البخاري ، كتاب الشروط في الولاء ، رقم ( 2729) ، ومسلم ،كتاب العتق ، باب إنما الولاء لمن أعتق ،
رقم (1504) .

(225) أخرجه البخاري ، كتاب الحدود ، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ، رقم (6788)، ومسلم ،
كتاب الحدود ، باب قطع السارق الشريف وغيره ...، رقم ( 1688) .

(226) أخرجه البخاري ، كتاب الرقاق ، باب الحشر ، رقم (6527) ، ومسلم ، كتاب الجنة باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة رقم ( 2859) .

(227) أخرجه البخاري ،كتاب الأدب ، باب النهي عن الخذف ، رقم (6220) ، ومسلم كتاب الصيد والذبائح ، باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدو وكراهة الخذف ، رقم (1954) .

(228) أخرجه البخاري ، كتاب الذبائح والصيد ، باب الخذف والبندقة ، رقم (5479)، ومسلم ، كتاب الصيد والذبائح ، باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدو وكراهة الخذف ، رقم (1954) . واللفظ لمسلم .

(229) أخرجه مسلم ، كتاب الصلاة ، باب خروج النساء إلى المساجد ,,, ، رقم (442) .

(230) أخرجه البخاري ، كتاب الأدب باب الهجرة ، رقم (6076 ، 6077) ومسلم ، كتاب البر والصلة ، باب النهي عن التباغض والتحاسد والتدابر ، رقم (2559) .

(231) أخرجه البخاري ، كتاب الحج ، باب تقبيل الحجر ، رقم ( 1610) ، ومسلم ، كتاب الحج ، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف ، رقم (1270) .

(232) وفي الشرح الممتنع (7/268) قال فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ : يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم :
( أنه نزل من الجنة أشد بياضاً من اللبن ، ولكن سودته خطايا بني آدم ) أخرجه الإمام أحمد ، (4/223) والترمذي ، كتاب الحج ، باب ما جاء في فضل الحجر الأسود ، (877) وقال : حسن صحيح ، والنسائي ، كتاب مناسك الحج ، باب ذكر الحجر الأسود
( 2935) .
فإن كان صحيحاً فلا غرابة أن يكون نازلاً من الجنة ، وإن لم يكن الحديث صحيحاً فلا إشكال فيه . أه .
(233) أخرجه بهذا السياق أحمد في المسند ، رقم (1/217) وأصله في البخاري ، كتاب الحج باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين رقم ( 1608) .



الصفحات 1 2 

التالي
السابق