هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح

هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح

هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح
هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح
هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح




p5hxtdmltvymh4nb59f.
هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح


من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالغفلة والذنوب والمعاصي والسيئات، فعلى المسلم أن يتفقد إيمانه، وأن يجدده بين الحين والآخر؛ فإنه يبلى كما يبلى الثوب، ومن أهم ما يجدد الإيمان ويزيده طاعة الله عز وجل ورسوله، وتجنب المعاصي والمنكرات، واتقاء الشبهات.

أهمية تجديد الإيمان

الحمد لله، الحمد لله جلت عن الإدراك صفته، ووسعت كل شيء رحمته، وعظمت على كل شيء عظمته، له الحمد سبحانه وتعالى، جعل الإيمان به أماناً من كل فتنة، وثباتاً في كل محنة، وزاداً في كل كربة، فله الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون!
هيا بنا نؤمن، فكم نحن في حاجة إلى هذا النداء؟
ولعلنا مباشرة يدور في أذهاننا: هل نحن غير مؤمنين حتى نؤمن؟
ومباشرة يأتينا الإيضاح ربانياً ونبوياً في قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ ) [النساء:136]، فهذا خطاب للمؤمنين أن آمنوا بالله ورسوله. قال ابن كثير رحمه الله: ليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل هو من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه. وقال السعدي رحمه الله: الأمر يوجه إلى من دخل في الشيء، وهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه، ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات، ويقتضي الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله.
فكم هو المفقود في حياتنا من علم الإيمان وأعماله؟
جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان ليخلق -أي: ليبلى- في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم). رواه الطبراني


الراوي: عبدالله بن عمروالمحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 1585
خلاصة حكم المحدث: رجاله رجال مسلم غير عبدالرحمن بن ميسرة وهو حسن الحديث

من حديث عمر بن الخطاب ، وقال الهيثمي : إسناده حسن. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عمرو ورواته ثقات، وأقره الذهبي ، وقال المناوي في شرحه: شبه الإيمان بالشيء الذي لا يستمر على هيئته، والعبد يتكلم بالإيمان بكلمة الإيمان، ثم يدنسها بسوء أفعاله، فإذا عاد واعتذر فقد جدد ما أخلق، وطهر ما دنس. وقوله: (فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) قال: حتى لا يكون لقلوبكم وجهة لغيره ولا رغبة لسواه، ولهذا قال معاذ رضي الله عنه لبعض أصحابه: (اجلس بنا نؤمن ساعة)، أي: نذكره ذكراً يملأ قلوبنا، فهل كانوا في حاجة لذلك ونحن في غنى عنه؟
وهل كان ينقصهم من علم الإيمان وعمله مثل ذلك الذي ينقصنا؟

وجوب الثبات أمام الفتن والشهوات
نحن اليوم في زمن الشبهات وفي عصر الشهوات وفي أوان المغريات وفي حين الملهيات التي تكاد تطعن القلوب فتدميها، وتمرض النفوس فلا تحييها، إن المرء اليوم يدرك أننا في عصر محنة تحتاج إلى زاد الإيمان، وفي عصر فتنة تحتاج إلى ثبات ورسوخ اليقين والإيمان، وفي عصر أصبح القابض فيه على دينه كالقابض على جمر، يرى في كل يوم من المحرمات، ويسمع في كل آنٍ من المحرمات ما لا يكاد يسلم معه أحد، إنها صور نحتاج فيها إلى تجديد إيماننا، وذكرى أحسب أننا نحتاج إلى وصل الحديث فيها مرة بعد مرة، وإلى تكرار الموعظة حولها كرة بعد كرة، فإن تجديد الإيمان في زمن الفتنة يحتاج أن يكون دأباً دائماً وهماً شاغلاً وعملاً متصلاً وتذكيراً غير منقطع بحال من الأحوال، إنها فتنة الأغراء بالمحرمات والمغريات والملذات: أجساد عارية، وكلمات ماجنة، ومشاهد فاتنة، ومواقف ساخنة، وشاشات داعرة، وإذاعات ساقطة، وروايات هابطة، وأسواق متبرجة، وجامعات مختلطة، وشهوات مستعرة، ونتيجتها: عيون معلقة بالمحرمات، وآذان مصغية إلى الباطل والغي من الكلمات، وقلوب مفتونة معلقة بتلك الملذات والمغريات، ونفوس قطعت وانقطعت عن التعلق بالمهمات، ألا يدعونا ذلك إلى أن نتذكر صور الإيمان أمام الإغراء؟

ألا يدعونا ذلك أن نستحضر السيرة العطرة لنبي الله يوسف عليه السلام الذي حكى الله عز وجل قصته في قوله:( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف:23] ثم ماذا؟

(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [يوسف:33]، ويوم اجتمعت الصفوة من نساء النخبة في مجلس واحد وأتمرن على حسن يوسف بالإغواء والإغراء، أليس ذلك هو زاد الإيمان العاصم من ذلك؟
أليس يُفضل السجن وحبسه ووحشته على لذة محرمة ومشاهد فاتنة ومناظر مغرية؟

ألا نذكر الحديث العظيم لرسول الهدى الكريم صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله حيث ذكر منهم: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله


الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 1031

خلاصة حكم المحدث: صحيح

فخوف الله أحرق مواضع الشهوات، وجعل صورة أخرى للمحبوبات والملذات.قال ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: قال النووي في شرح الحديث -أي: لماذا خصت ذات المنصب والجمال؟-: لكثرة الرغبة فيها وعسر حصولها، وكان الصبر عنها بخوف الله تعالى وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب والجمال من أكمل المراتب وأعظم الطاعات، فكيف ننظر إلى هذا؟
واليوم ربما تصرع الفئام من أهل الإيمان حسناء بكلمة غنج ودلال، أو بأغنية فساد وانحلال، أو برقصة عهر وابتذال، أوليس ذلك هو واقع الحال؟
فأين نحن من علم وعمل الإيمان؟

وجوب التحرز في المطعم والمشرب والملبس وجميع أنواع الكسب
وهناك مصرع آخر ومهوىً ردي آخر أمام المال؛ وما أدراك ما المال؟
فكيف هو اليوم مع فشو الربا وانتشار الرشوة وكثرة المحرمات في المفاسد والمطاعم حتى كأن البراءة من ذلك عند بعض ضعاف الإيمان اليوم هي في نطاق المستحيل الذي لا يمكن بحال من الأحوال؟!
أليس اليوم قد تدنست المشارب والمطاعم، واختلطت المآثم بالمكاسب؟

ألسنا اليوم نرى أن الناس قد استحلوا ما حرم الله من المكاسب المالية حتى كأنهم لا يجدون في أنفسهم حرجاً من ذلك، ولا تنقبض له نفوسهم، ولا تضطرب له قلوبهم، ولا يرون فيه إلا أنهم يأخذون بأسباب الحياة، وقصارى ما قد تجده عند أحدهم أن يفسر ذلك بأن الضرورات تبيح المحظورات، ويعملون القواعد في غير مكانها؟!
عجباً لنا معاشر المؤمنين!
وزادنا من القرآن، ونصيبنا من هدي المصطفى العدنان صلى الله عليه وسلم يفيض عذباً زلالاً ليس فيه شائبة ولا كدر، يدعو إلى نفوس نقية وقلوب زكية وأيدٍ طاهرة ومكاسب ليس فيها أدنى شبهة.
روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة مطعم) رواه أحمد وغيره بسند حسن.
فقوله: (وعفة مطعم) أي: أن تعف عن كل شبهة وحرمة في الكسب من طعام وشراب ولباس.
عجباً لنسائنا اليوم!
لا يتذكرن أن على المرأة المؤمنة أن تقف عند باب بيتها توصي زوجها وهو خارج لعمله وكسب قوته وتقول له: يا هذا!
اتق الله في رزقنا؛ فإننا نصبر على الجوع، ولكننا لا نصبر على النار، فما بالها اليوم تقول له: حصل وحصل، واكسب واكسب، ولا عليك من قول هذا ولا ذاك، وكأنما استطعم الناس أن يأكلوا في جوفهم النار، والعياذ بالله!

ألسنا نتذكر ما روى البخاري من قصة أبي بكر رضي الله عنه: أنه كان له غلام يخدمه، فجاءه يوماً بطعام فأكل منه، فقال الغلام: أتدري ما هذا؟ قال: ما هو؟
قال: كسب كسبته في الجاهلية من كهانة كذبت فيها عليه وخدعته، فأدخل أبو بكر أصبعه في فمه واستقاء كل ما أكل، أراد ألا يدخل جوفه شيء من حرام رغم أنه لم يكن به عالماً، ورغم أن الكسب كان في جاهلية، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (والإسلام يجب ما قبله)، لكنهم عرفوا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإنه أمر المؤمنين بما أمر به الأنبياء والمرسلين: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [المؤمنون:51])، ذلكم ما أخبرنا به رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فكسب الحرام يعمي البصيرة، ويطمس القلب، ويذهب نوره، ويوهي الدين، ويضعف أثره، ويوقع في حبائل الدنيا، ويحجب إجابة الدعاء، فإن وجدتم كثيراً من ذلك فلا تعجبوا؛ فإذا عرف السبب بطل العجب.
وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً من دلائل وعلائم نبوته صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذه منه -أي: من المال- أمن الحلال كان أم من الحرام!)

الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2059
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]


وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فاليوم نحن نرى الغصب رأي العين، والرشوة في كل مكان، والسحت والربا له قوام وكيان، ألا يصدق في ذلك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
فأين إشراق الإيمان في القلوب؟!
وأين رسوخ اليقين في النفوس؟!
وأين التعلق بما عند الله من نعيم يعظم ويفوق كل الدنيا وما فيها وما بها من نعيم أهلها؟!
ألسنا نذكر أهل الإيمان؟!
استمع لفقه الإيمان وهو يعطينا الميزان الذي ينبغي أن نلتفت إليه، هذا ميمون بن مهران يقول لنا: لا يكون المرء تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه؟
ووهيب الوردي رحمه الله يقول: لو قمت في العبادة قيام سارية -أي: واقفاً منتصباً غير متحرك قائماً لعبادة ربك- ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك. فأين الإيمان الذي يدفع إلى الورع والتحري في المكاسب والمطاعم والمشارب؟!
قال الشاعر:المال يذهب حله وحرامهيوماً وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتقٍ لإلهه حتى يطيب شرابه وطعامهويطيب ما يحوي ويكسب كفه ويكون في حسن الحديث كلامهنطق النبي به عن ربنا فعلى النبي صلاته وسلامه

كيفية مواجهة الهموم والمشكلات التي نواجهها في واقع حياتنا

هناك أمر ثالث من واقع حياتنا وهو: الهموم والمشكلات التي تضيق بها الصدور، ويعظم همها وكدرها في القلوب، ففي أي الأوبئة هي؟
وفي أي الميادين هي؟
وما الذي يشغل البال؟
وما الذي يطأطئ رءوس الناس؟
وما الذي يجعلهم يخلون بأنفسهم في الليل والخلوات ينفثون من صدورهم زفرات، ويطلقون من أصواتهم آهات؟
فأي شيء حمل الهم في قلوبهم، بل ربما أجرى الدمع من عيونهم؟
إنها أمور من الدنيا فاتتهم، ونعيم من شهواتها لم يصلهم، ومشكلات في حالهم وذاتهم لا تعدوهم إلى غيرهم! عجباً!
لمثل هذا الهم والفكر عند مؤمن بالله، ومؤمن بانتهاء الحياة، ومؤمن بالوقوف بين يدي الله، ومؤمن بأن عليه واجباً في دين الله وتجاه دعوة الله وتجاه نصرة دين الله وتجاه التصدي لأعداء الله، فأين همه في دينه؟
وأين همه لأمته؟
وأين همه لدعوته؟
وأين هو من الفاروق عمر رضي الله عنه يوم كشف باله وعظم حزنه وانشغل فكره؟
فقيل له: مالك يا أمير المؤمنين؟!
فقال مقالته الشهيرة: (لو أن بغلة عثرت في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لم لم أسو لها الطريق؟) أتعبت من بعدك يا فاروق !
ولا نقول اليوم: إلا إن بيننا وبينك ما بين الثرى والثريا، لم يعد يشغل بالنا مثل هذه الأمور الدقيقة؛ فقد صارت ليس في ذيل القائمة من الاهتمامات بل عدمت ونسخت من الذاكرة، ومحيت من القلوب والنفوس إلا ما رحم الله.
هذا أبو هريرة راوي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم صاحب الصفة يبكي في مرض موته، فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة !
وقد نلت شرف الصحبة، وحزت الرتبة العليا في رواية السنة؟
فإذا به يقول: (إنما أبكي لبعد المسافة، وقلة الزاد، وعقبة كئود، المهبط منها إما إلى جنة أو نار)، ذلكم هو الإيمان الحي في القلوب، ذلكم هو اليقين الراسخ في النفوس، تلك هي علوم الإيمان العملية القلبية النفسية، تلك هي الدنيا التي تقزمت وتقلصت وتلاشت حتى كاد ألا يكون لها موضع في القلوب ولا مكان في النفوس.
وهذا الضحاك بن مزاحم التابعي الجليل يبكي في يوم من أيامه، فقيل له: (ما بالك تبكي؟ فقال: لا أدري اليوم ما صعد من عملي!) فكل يوم جدير بنا أن نبكي فيه على أنفسنا، فهل ندري ما صعد من أعمالنا؟
ألا نعرف كم في صحائفنا من سواد، ومن كلمات لاغية، وآذان للباطل مصغية، وأقدام لغير مرضاة الله عز وجل ساعية؟
كم يطول همنا وفكرنا لو أننا تدبرنا مثل هذا، وعشنا مع مثل هذه المعاني؟
عجباً لنا!
ورسولنا صلى الله عليه وسلم قدوتنا العظمى وأسوتنا المثلى عليه الصلاة والسلام يخبرنا فيقول في دعائه: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)، يقولها عليه الصلاة والسلام وهو الذي ربط حجرين على بطنه من شدة الجوع يوم الأحزاب
يقولها ويدعو بها وهو الذي قالت عائشة عن حالته: (كان يمر الهلالان والثلاثة ما يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار).
يقولها صلى الله عليه وسلم وقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي.


بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم.


حاجتنا إلى التجديد الإيماني

ولو مضينا لوجدنا من ذلك كثيراً، ونحن اليوم في هذا الزمان نحتاج إلى مثل هذا التجديد الإيماني، ليس علماً نقوله ولا قصصاً نرويها، ولكن حياة قلب نحياها ويقظة نفس لا تغفل عن طاعة الله عز وجل، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تروي لنا عجباً من أمر حبيبها صلى الله عليه وسلم فتقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغيم عُرف في وجهه الكراهة فتعجبت منه أم المؤمنين فقالت: يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وإذا رأيته رأيت في وجهك الكراهة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عذب قوم بالريح، ولقد رأى قوم العذاب فقالوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف:24]).

أثر الإيمان في القلب

انظروا إلى النظر الإيماني كيف يجعل هم الآخرة في القلب، وخوف الله في النفس؟!
انظروا إلى مثل هذا الذي رواه أبو بكر رضي الله عنه وقد رأى الشيب في شعر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لصديقه وحبيبه ونبيه: شبت يا رسول الله!
فقال: (شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، و(( عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ))، و(( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ )))


الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الألباني- المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 955
خلاصة حكم المحدث: صحيح على شرط البخاري


قال الشراح: لما جاء في هذه السور من شديد الآيات في أهوال يوم القيامة.
نسأل الله عز وجل أن يحيي الإيمان في قلوبنا، وأن يعظم رسوخ اليقين في نفوسنا، وأن يجعل الآخرة أكبر همنا ومبلغ علمنا، وأن يصرفنا عن كل ما لا يحب ويرضى.أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

أهمية تجديد الإيمان في باب الأشواق والأمنيات، وحال السلف في ذلك
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون!
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تجديد الإيمان تجديده في باب الأشواق والأمنيات، فبأي شيء تتعلق أشواقنا؟
وإلى أي أمر تتوق نفوسنا؟
فكم هي ملذاتنا مرتبطة بشئون دنيانا، في مال وفير، وامرأة حسناء، وذرية كثيرة، وقصور ودور، ومراكب وغيرها!
تأمل صورة أخرى يقولها علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (متع الدنيا ثلاث: إكرام الضيف، والصوم في الصيف، والضرب بالسيف). ويزيدها إغراباً وإبعاداً عن أهل الدنيا وأمنياتهم سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه حين قال: (ما ليلة تهدى إلي فيها عروس أنا لها محب بأحب إلي من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية أُصبح فيها العدو).
تعلقت القلوب والأمنيات بطاعة الله ومرضاته ونصرة دينه حتى بتنا اليوم نقول: أين تلك الأشواق؟
أين أشواق عبد الله بن رواحة يوم كان في مؤتة ينادي: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لاقيتها ضرابها إنه شوق عجيب إلى الجنان، وقد ترجمه من قبله أنس بن النضر في يوم أحد يوم قال: (واهٍ لريح الجنة؛ إني لأجد ريحها دون أحد).
وقدوة الكل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي علمهم وغذاهم وعرفهم وغرس ذلك في قلوبهم ونفوسهم يوم قال: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية قط)

الراوي: أبو هريرةالمحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2972
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]


ثم قال: (ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت، ثم أحييت فقتلت، ثم أحييت).
رواه البخاري من حديث أبي هريرة .

فأي شوق هذا؟!
وأي توق هذا؟!
وأي أمنيات هذه؟!
إنها اليوم يا رسول الله أمنيات إرهابية، إنها اليوم أمنيات مجرمة، إنها اليوم مما يستتر به المسلمون ويخفونه، فلا يكاد أحدهم ينطق بكلمة جهاد ولا شوق إلى استشهاد إلا ما رحم الله.

نسأل الله جل وعلا أن يجدد الإيمان في قلوبنا، وأن يعظم اليقين في نفوسنا، وأن يحيي قلوبنا بمعرفته، وأن يشرح صدورنا باليقين به.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم املأ قلوبنا بحبك، ورطب ألسنتنا بذكرك، وثبت أقدامنا على نهجك، واجعل أيدينا منفقة في سبيلك، وأقدامنا ساعية إلى طاعتك، وجباهنا خاضعة لعظمتك، وألسنتنا لاهجة بالتضرع إليك، وقلوبنا مملوءة بالخشية منك يا أرحم الراحمين!
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين!
اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم ثبتنا بالقول الثابت يوم يقوم الأشهاد يا رب العالمين!
ويا أرحم الراحمين!
اللهم إنا نسألك أن تصرفنا عن السيئات، وأن تباعد بيننا وبين الشبهات والشهوات، اللهم إنا نسألك أن تعلق قلوبنا بطاعتك ومرضاتك، وأن تجعل ضمأ نفوسنا إلى رضوانك وجنانك برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!
اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم لا تجعلنا نضل وأنت رجاؤنا، ولا نحرم وأنت أملنا، ولا نخيب وأنت معطينا، برحمتك يا رب العالمين!
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!
اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وسلمنا وإسلامنا وسعة رزقنا ورغد عيشنا، واجعلنا لك شاكرين ذاكرين يا رب العالمين!
برحمتك يا أرحم الراحمين!
عباد الله!
صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله:( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )[الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر و عمر و عثمان و علي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.والحمد لله رب العالمين.

لطفاً الموضوع لم يكتمل بعد...

هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح
هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح
هيا بنا نؤمن .. الشيخ على بن عمر بادحدح
~ عبير الزهور ~


"هيا بنا نؤمن "

الغفلة عن الله عز وجل هي سبب البلاء؛ إذ الغافل يرتكب الذنوب والمعاصي التي بسببها يحصل فساد البلاد والعباد، وبها تتنزل العقوبات، فيجب على العبد أن يرجع إلى الله عز وجل، وأن يراقبه في السر والعلن، فلا نجاة لأحد في الدنيا والآخرة إلا بذلك.

حقيقة الإيمان وفائدته

الحمد لله، الحمد لله جلت قدرته، وتجلت حكمته، ونفذت مشيئته، وعمت رحمته، وتقدست أسماؤه، وتكاثرت آلاؤه، له الحمد سبحانه وتعالى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )[الأحزاب:70-71].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون!
هيا بنا نؤمن، نداء نعيد ذكره ورفعه، فنحن مؤمنون؛ غير أننا نريد أن نكمل النقص، وأن نقوي الضعف، وأن نعظم الأثر، وأن يكون إيماننا هو ذلك الإيمان الذي غرسه النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب أصحابه فعمرت بالتقوى، وأشاعه في نفوس أتباعه فنضحت بالخير والهدى.إن الإيمان منبع كل خير، ومصدر كل هداية، وأساس كل إصلاح، إنه نور كل قلب، وطمأنينة كل نفس، ورشد كل عقل، إنه إخلاص كل نية، وصلاح كل عمل، إنه خير الدنيا وفلاح الآخرة، إنه عند كل مؤمن محور وقطب رحى حياته؛ لأجله يعيش، ولأجل نشره والذب عنه يقضي ويضحي، ولأجل نشره والتعريف به يجهد ويبذلالإيمان في حقيقة أمرنا وحياتنا ومنهجنا الإسلامي هو قضية القضايا، فهو القضية الكبرى التي لأجلها خلق الله الخلق، وخلق السماوات والأرض، وخلق الجنة والنار، وجعل الحساب والثواب والعقاب، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، كل ذلك لأجل قضية الإيمان.
وقد وقفنا وقفات ماضية مع صور إيمانية نحن في أشد الحاجة إليها وفي أعظم الافتقار إليها في زمن الفتنة والمحنة وغلبة الأهواء واضطراب الآراء، في الزمن الذي تغيرت الأمور، وصار بعض المعروف منكراً وبعض المنكر معروفاً، في الزمن الذي توالت الدعوات في تغيير الشرائع والأحكام حتى وصلت إلى طلب تغيير الأحاديث والآيات!إن هذا أمر في غاية الأهمية، ونحن قد استعرضنا صوراً من فتنة النساء، أو فتنة المال، أو الاهتمامات التي وقعنا في كثير من جواذبها ولا عصمة لنا منها ولا قوة لنا في مواجهتها إلا بالإيمان بالله جل وعلا.

الغفلة وأثرها على الفرد والمجتمع

نمضي اليوم إلى صور أخرى نرى فيها قصوراً ونقصاً، ويظهر من خلالها حاجة ماسة إليها وفقر، إنها الغفلة عن الله، وإظهار الاستغناء عن الله، وعدم الشعور بالضعف والذل والانكسار بين يدي الله، وعدم الشعور الدائم بالحاجة الماسة إلى أن يفضي بهمه وغمه بين يدي مولاه، وعدم الرجوع عند كل خطب وأثناء كل كرب إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن المؤمن هو الذي يتوكل على الله، وينيب إليه، ويخلص له، ويستمد منه ذلكم الأمر المهم؛ لأن القلب المؤمن موصول بالله، ولأن اليقين الراسخ في النفس يجعل الثقة لا تعطى إلا لله، والقوة لا تطلب إلا من الله، والنصر لا يستنزل إلا من عند الله، ولأن المؤمن الحق يعرف أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا هدى ولا تقى إلا في منهج الله، ولا صلاح ولا راحة ولا حياة طيبة إلا باتباع شرع الله.
إن الأسئلة المهمة التي نرى ضعفها في واقع حياتنا وتجعلنا نتساءل هي: أين الالتجاء إلى الله والدعاء له؟
وأين الافتقار إلى الله والقنوت له؟
وأين الركون إلى الله والقنوت له؟
وأين نحن في واقع الحياة من هذا الأمر، ونحن نرى المؤمنين والمسلمين في كثير من أحوالهم يلتمسون القوة عند أهل الأرض في شرق أو غرب، ويلتمسون العون عند هذا المخلوق أو ذاك؟
كأنما خلت قلوبهم من صلة عظيمة بالله وافتقار شديد إليه، وكأنما لا يستحضرون المعاني الإيمانية التي ضرب الله عز وجل لنا بها المثل في أعظم الخلق وأشرفهم وهم رسله وأنبياؤه، فالرسل والأنبياء مع كل ما آتاهم الله عز وجل ضربوا لنا المثل في أنهم كانوا القدوة في افتقارهم إلى الله؛ فهم الذين صوروا لنا في واقع حياتهم لجوءهم إلى الله، وكثرة دعائهم وتضرعهم وانكسارهم وذلهم وإخباتهم لله، لقد كانت ألسنتهم رطبة بذكر الله، وأيديهم مرفوعة بالدعاء إلى الله، وأعينهم دامعة من خشية الله، وقلوبهم مملوءة بحبه وخوفه سبحانه وتعالى.
فهذا نوح عليه السلام تكالب عليه قومه، وحاصروه من كل جانب مع ثلة قليلة من أهل الإيمان كانوا معه، ولكنه كما قال الله عنه:( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) [القمر:10]، وجاء الجواب سريعاً:( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) [القمر:11-12]، فما التمس عوناً من هنا أو هناك، بل كان يعرف القوة ومصدرها والنصر ومنزله فمد يديه إلى الله سبحانه وتعالى.
وهكذا نبي الله يونس قال عنه سبحانه: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87]، وجاء الجواب:( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ )[الأنبياء:88].
وهكذا في قصة أيوب عليه السلام قال سبحانه:( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء:83].
وهكذا في قصة زكريا قال عز وجل:( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) [الأنبياء:89].
وهكذا في قصة يوسف عليه السلام نجد استنجاده واستعصامه بالله: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [يوسف:33].
ففي كل الصور: صور العداء، صور الفتنة، صور الإغراء، صور الفقر، صور الغنى، كان الاستمداد واللجوء والتضرع والابتهال والصلة الدائمة بالله دليلاً على إيمان حي في القلوب، وعلى نور مشرق في النفوس يدفع الإنسان دائماً وأبداً إلى أن يستشعر فقره وضعفه وذله وانكساره وحاجته لله سبحانه وتعالى.

أهمية الرجوع إلى الله عز وجل في جميع الأمور

فكروا أحبتي!
وليدر كل في نفسه هذا السؤال وفي خاطره تلك الصور من حياته:
كم مرة في يومه، أو في أسبوعه، أو في شهره بل ولا أبالغ إن قلت: في عامه انكسر بين يدي الله، وشعر أنه في شدة الحاجة إليه، وأن ليس عنده ما يفضي به إلى الله؟
فكم نحن في غفلة نلتمس أسباب نجاتنا وعون حياتنا وشفاء أمراضنا من الأسباب البشرية دون أن تتعلق قلوبنا برب البرية سبحانه وتعالى؟
يقول ابن القيم رحمه الله: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له أبواب التوبة والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به سبحانه وتعالى، وصدق اللجأ إليه، ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه.
إنها نعمة يسوقها الله لمن أحب؛ فيجعله لا يرى أحداً، ولا يتعلق بأحد، ولا يرجو أحداً إلا خالقه ومولاه سبحانه وتعالى؛ لأنه قد ملئ قلبه بهذا الإيمان، واستشعر دائماً من إيمانه أهمية الصلة بربه، وقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم وليلة مائة مرة.
قال الشاعر:فقيراً جئت بابك يا إلهي ولست إلى عبادك بالفقير غنياً عنهم بيقين قلبي وأطمع منك بالفضل الكبير إلهي ما سألت سواك عوناً فحسبي العون من رب قدير إلهي ما سألت سواك هدياً فحسبي الهدي من رب نصير إذا لم أستعن بك يا إلهي فمن عوني سواك ومن مجيربلسان حال المؤمن افتقار إلى الله يستحضر به قول الله جل وعلا:( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل:62]، فلمَ لا نلجأ إلى الله إلا إذا ادلهمت الخطوب، وتوالت الكروب، وعظمت الرزية، وكبرت البلية؟

ولمَ لا تكون القلوب دائماً مفضية إلى خالقها، منيبة إليه، موصولة به، راجية منه؟
ذلك هو حال المؤمن، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]، وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يشجع كل مؤمن ويحيي هذه المعاني في قلبه، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفراً، حتى يضع فيهما خيراً). رواه الترمذي .

لا يخيب من دعا الله، ولا يضل من استهداه ولا يخذل من استنصر بالله سبحانه وتعالى، دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد في غير وقت الصلاة فوجد أبا أمامة جالساً، فسأله: (ما لك يا أبا أمامة ! في المسجد في غير وقت صلاة؟
فقال: يا رسول الله! هموم لزمتني، وديون أثقلتني، فقال له رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك على ما يفرج الهم ويقضي الدين؟ قل: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)


اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ، والجبن والبخل ، والهرم ، والقسوة ، والغفلة ، والعيلة ، والذلة ، والمسكنة . وأعوذ بك من الفقر والكفر ، والفسوق والشقاق والنفاق ، والسمعة والرياء . وأعوذ بك من الصمم ، والبكم ، والجنون ، والجذام ، والبرص ، وسيئ الأسقام الراوي: أنس بن مالك المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 1285
خلاصة حكم المحدث: صحيح


وهذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي ورد ذكره واستحسن العلماء أن يذكره المسلم في أذكار صباحه ومسائه، فكم كرب يمر علينا؟
وكم من ظروف وهموم تنزل بنا؟
فهل لجأنا فيها إلى الله؟
إن دعوة ضارعة خاشعة في خلوة وظلمة تسكب في نفسك من الرضا ومن السكينة والطمأنينة ما يذهب همك، ويزيح غمك، ثم يفرج الله عز وجل، فإنه مفرج كل كرب وميسر كل عسير سبحانه وتعالى.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.
إن الله سبحانه وتعالى بيده مفاتيح كل شيء، بيده الخلق والأمر، فما بالنا نغفل عن هذا ولا نجعل إيماننا دافعاً لأن نستحضر هذا المعنى بكل ما جاءت به الآيات وما وردت به الأحاديث؟
قال عز وجل:( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26]، فمن يملك الملك حتى يعطيك؟
ومن يملك العز حتى يعزك؟
فما بالنا قد التجأنا إلى أسباب الدنيا وركنا إليها، واعتمدنا عليها كأن لا إيمان في القلوب ولا يقين؟

فكم نحن بحاجة إلى مثل هذا المعنى الذي تجلى دائماً وأبداً في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي حياة أصحابه، وأسلافنا من المؤمنين إلى يومنا هذا عندما جعلوا قلوبهم معلقة بالله سبحانه وتعالى!

علاج أحوال الأمة والأفراد في الإيمان بالله عز وجل

هناك صورة أخرى من صورنا المحزنة المؤلمة التي علاجها جزماً وقطعاً في هذا الإيمان وروائه ونوره وإشراقه وآثاره:كم نرى صوراً فيها القلوب متنافرة، والنفوس متشاحنة، والصفوف متخالفة؟
كم نرى الخلاف وهو شائع، والاعتداء وهو ذائع؟
كم نرى صوراً من القتل باسم الإسلام يحصل؟
كم نرى صوراً من التدمير بدعوى الإصلاح تقع؟
كم نحن في حاجة إلى أن نؤكد معنى الإيمان الأعظم ودلالته الكبرى في أخوة القلوب واتحاد النفوس وارتباط الصفوف وتكاتف المؤمنين؟
كم نحن في حاجة إلى أخوة الإيمان وعصمة الإسلام؟
كم نتساءل اليوم: أين القلوب المتآخية؟
وأين النفوس المتصافية؟ وأين الرحمة الغامرة؟
وأين المودة العامرة؟
وأين نحن من قول الله جل وعلا: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة:54]؟
وأين نحن من قوله جل وعلا في وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح:29].
وأين نحن من القصر الذي يتضح من قوله جل وعلا: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [الحجرات:10]؟
لا يكون إيمان كامل إلا بأخوة صادقة، ولا تقوم أخوة حقيقية إلا على إيمان صادق.
أين نحن من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)

الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 13
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
وقوله عليه الصلاة والسلام: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله


الراوي: أبو هريرةالمحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2564
خلاصة حكم المحدث: صحيح



وأين المعنى المتجلي في الصورة العظيمة الفريدة التي لم يسطر تاريخ البشرية مثلها أبداً، صورة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؟ فالمهاجرون تركوا ديارهم فنزلوا على قلوب إخوانهم قبل أن ينزلوا في دورهم، إنها صورة تجلت في آيات القرآن، كما في قوله عز وجل: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [الحشر:9]، فهل رأت الدنيا صورة من الوحدة والألفة والمحبة مثلما كان بين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟
فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرون وأنصار، وأوس وخزرج، وفرس وروم وأحباش، كلهم إخوة مؤمنون تربطهم رابطة الإيمان، ومحبة تتدفق من القلوب، ومودة تشيع في النفوس، وأكف بعضها بأيدي بعض، ليس بينهم اختلاف ولا شحناء ولا بغضاء، ذلك هو داعي الإيمان الذي يدعونا ويجعل المؤمن عندنا والمسلم أولى أحد نحبه ونواليه، ونسأل عن حاله، وننصره وندعو له، ونهتم لهمه ونغتم لغمه، وندفع عنه بقدر استطاعتنا وجهدنا وطاقتنا.

تحريم أذية المسلم والإضرار به
إن أمر المؤمن عظيم، وإن الإضرار به وإلحاق الأذى به صغيراً كان أو كبيراً أمر خطير وعظيم في الإسلام؛ ألم نسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإن ذلك يحزنه

الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2825
خلاصة حكم المحدث: صحيح



أي: أن مجرد هذا الفعل البسيط بأن تهمس لأخ لك دون الثالث الذي ليس في المجلس غيره قد يدور في ذهنه أن الكلام عليه، فيدخل حزناً في قلبه، ولذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ونبه إلى أهمية مراعاة مشاعر أخيك المؤمن وعدم فعل أي شيء يحزنه أو يغضبه، في الحق وبموافقة الشرع، فإذا زاد الأمر فإن الخطب عظيم، كما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أشار إلى مسلم بحديدته فهو يتوجأ بها في نار جهنم إلى يوم القيامة)، هذا بمجرد الإشارة، فكيف بنا ونحن تتجدد في بلادنا وفي بلاد المسلمين أفعال من القتل والتدمير والأسلحة الكثيفة الكثيرة التي أعدت لتحصد أرواح مؤمنين، وتدمر ممتلكات مسلمين، وتثير الرعب في أهل الإيمان والإسلام، وتجعل الضغينة والأحقاد هي العلائق والصلات بين المجتمع المسلم!
أين هذا من الإيمان؟!
وأين هذا من حقائق الإسلام وتشريعاته؟!
وأين هو من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فإن هم فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى)، هذه صور هي من حقيقة إيماننا، وليست قضية إرهاب ذكره لنا الساسة وشاع بين العالم، بل هذه هي حقائق أخوة الإيمان؛ فبمجرد هذه الإشارة بالحديدة أو الإخافة للمسلم يأتيك وعيد شديد وخطر عظيم، بل قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دخل إلى مسجد ومعه سهام فليأخذ بنصالها)

الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 451
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]


أي: لا يجعل السهم موجهاً للناس وإن كان سائراً لا يقصد لهم أذىً، فكيف بإهراق دم مسلم؟ نسال الله عز وجل السلامة. وقد مرت بنا أحاديث كثيرة في هذا المعنى إلا أن تجدد الأحداث يعيد إلينا حقائق الأحكام التشريعية الإسلامية وضوابطها التي تعظم حرمة المسلم والتي تعظم وحدة المسلمين وأخوتهم.
وجوب التكاتف مع إخواننا المسلمين في فلسطين
ومن جهة أخرى ننظر إلى هذا المعنى في حدث أيضاً مهم، أحسب أن كثيراً من الناس لم يلتفت إليه، ولم يسترع انتباهه، من دواعي هذه الأخوة الإيمانية ومن أثار الإيمان ودلائله: أن نهتم بأمر كل مسلم في شرق الأرض وغربها، وأن ندعو له، وأن نتذكر حاله، وأن نستشعر كربه، وأن نمده ونعينه بما نستطيع، فهل لا يوجد في أهل الإسلام من يحل به كرب أو يحيط به خطب أو يقع عليه اعتداء؟
إن ذلك يقع لا أقول: في كل يوم بل في كل لحظة وساعة، فأين نحن من حبال الود الإيمانية والرابطة الإسلامية ولو استشعاراً بالقلوب وتأثراً في النفوس؟
إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم رأى قوماً من مضر دخلوا المسجد وعليهم علائم الفقر وثيابهم مرقعة تمعر وجهه صلى الله عليه وسلم -أي: تغير حزناً على حالهم وتأثراً بمنظرهم- ثم دعا الناس لعونهم ولإغاثتهم، فتجمع كومان من ثياب وطعام، فتهلل وجهه صلى الله عليه وسلم كأنه مذهبة من شدة فرحه بهذا المنظر الذي فيه التكافل والتكامل والتعاضد الذي جسد قلوباً مؤمنة حية وأخوة صادقة عملية، فأين نحن اليوم من هذا؟
وأين نحن من أحوال إخواننا المسلمين في أرض فلسطين؟
وإن الحدث الجلل تقترب ساعته وتتوالى أحداثه، إنه حدث وخطب جلل من اعتداء قريب على المسجد الأقصى تنادى إليه من يسمونهم هم بأنفسهم المتطرفين من اليهود عليهم لعائن الله، فإنهم يتجمعون في يوم الأحد بعد غد ليقتحموا المسجد الأقصى وساحاته، ويتنادى أهل فلسطين في أرض القدس وفي الأراضي التي يستطيعون فيها الوصول إلى المسجد الأقصى لكي يكونوا فيه هناك على مدى أيام ثلاثة ليلاً ونهاراً؛ ليذودوا عنه، أفلا يستحقون أن نتذكرهم، وأن نتذكر مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نغتم لذلك ونحزن، كما أبى صلاح الدين رحمه الله أن يتبسم والمسجد الأقصى في قبضة النصارى في عهده؟
ألا يستحق ذلك منا أن نتابع وأن نهتم وأن نعرف أن القضية خطيرة؟
لأن إخواننا في أرض فلسطين ممنوعون من دخول المسجد الأقصى منذ أربع سنوات، فمنذ انطلاق انتفاضة الأقصى أهل غزة وأهل الضفة لا يستطيعون الوصول إلى المسجد والصلاة فيه، أليس هذا هو مقتضى الإيمان؟ فليس الإيمان كلمات تقال فحسب، وليس هو مجرد صلاة وصيام وأذكار وتلاوات فحسب، بل هو هذه الروح الإيمانية التي تتجاوز الحدود، وتتجاوز الأعراف والقوانين الدولية؛ لتكرس الأخوة الإيمانية.
واقع شباب الأمة المحزن في ظل هذه الأوضاع
ويحزنني -وأظنه يحزن كل مؤمن منكم- أننا في هذا الوقت بالذات ومع هذا الخطب بالذات تطالعنا صحف هذا اليوم بقضية تشير إلى أنها موضع اهتمام كبير، وأنها موضع اهتمام الشباب والشابات في المدارس والجامعات والكليات، وأنهم يوصي بعضهم بعضاً، وأنهم يتحفزون ويحتشدون ويتجمعون؛ لكي يقوموا بمهمة عظيمة، يا ترى ما هي؟! إنها مهمة التصويت لإنجاح مشارك في برنامج الغناء المعروف: استار أكاديمي!!
أين نحن من هذا الذي يجري في واقع أمتنا، وذاك الذي يريد أن يصرفها عن كل أمر مهم، وعن كل قضية عظيمة، وعن كل مسألة ينبغي أن تهتم وتغتم وتنشغل بها قلوب المؤمنين، ويتدارسونها فيما بينهم؟
عجبت لذلك ولا عجب في مثل هذا الأمر الذي يجمع النقائض ويؤكد لنا مرة ثانية وثالثة أننا بحاجة إلى هذا النداء: هيا بنا نؤمن، وأننا بحاجة إلى أن نجدد نداء بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: تعال بنا نؤمن ساعة.
نسأل الله عز وجل أن يحيي الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يوفقنا لطاعته ومرضاته، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

أهمية الخشوع الإيماني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، وإن من تقوى الله تجديد الإيمان وإحياؤه في القلوب؛ حتى تُعمر هذه القلوب بتقوى الله سبحانه وتعالى، وإن الصور التي نجد فيها المفارقات الإيمانية بين ما هو مطلوب منشود وما هو واقع محزن كثيرة.
ولعلي أختم هذا المقام بقضية مهمة خطيرة لا تقل خطراً عن كل ما ذكرناه، وهي متعلقة بالإيمان وحياته في القلب، تلكم هي الصفة المهمة: صفة الخشوع الإيماني، فالقلوب الخاشعة تتبعها العيون الدامعة والجباة الخاضعة والألسن الضارعة، إن أمراً يملأ قلب المؤمن بهذا الإيمان يجعله دائماً يستحضر عظمة ربه جل وعلا، ويستحضر خوفه، ويستحضر تعظيمه وإجلاله وتقديره سبحانه وتعالى كما ينبغي، قال عز وجل: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ )[الزمر:67].
إن هذا أمر مهم؛ لأنه يتعلق بصلواتنا اليومية وفريضتنا الثانية بعد التوحيد والشهادة، هذه الصلاة التي جوهرها الخشوع تدعونا اليوم -ونحن نعرف حالنا، ولا نحتاج أن نكشف أو نهتك سترنا- إلى أن نسأل: أين القلوب الخاشعة؟
تلك القلوب التي يصفها ابن القيم رحمه الله فيقول: الخاشع لله عبد، قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهواته، وصار مخبتاً لربه، والله جل وعلا يقول في وصف المؤمنين:( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون:1-2]، فجعل ذلك الوصف أول الأوصاف؛ لأنه يتعلق بأعظم العبادات، ويتعلق بالجوهر العظيم في هذه العبادة، وروى الطبراني في معجمه الكبير بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعاً).
إنه أمر لو تدبرناه وكنا صرحاء لقلنا عن حالنا: إننا نصلي وقلوبنا لاهية، وعقولنا منشغلة، وأجسادنا خاوية من حقيقة استحضار عظمة من نقف بين يديه، قال بعض السلف كلاماً نفيساً أحسب أننا لو تأملنا فيه فقد يزيد حزننا؛ لكننا نحتاج إلى ذلك، قال: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك، فما الظن بمن يُهدى إليه جارية شلاء، أو عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليد أو الرجل، أو مريضة، أو دميمة، أو قبيحة حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح؟
فكيف بالصلاة يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى؟

والله طيب لا يقبل إلا طيباً، وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها.

الخشوع جوهر الصلاة
إن الخشوع جوهر هذه الصلاة التي يحصل بها حقيقتها وجوهرها، كما روى أبو داود في سننه بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن في وقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه).
وفي حديث عند البخاري وغيره جدير بأن نطبقه، وأن نبحث عن الخلل الكبير الذي سنكتشفه عند تطبيقه، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه -وفي رواية: لا يحدث فيهما نفسه- غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، إنهما ركعتان جرب صلهما وحاول ألا يكون فيهما خاطر ولا فكر ولا انشغال بغير الصلاة وما فيها مع استحضار عظمة من تناجيه بها؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي ويسمع لصوته أزيز كأزيز المرجل من خشوعه وبكائه صلى الله عليه وسلم. وأبو بكر لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤم الناس قالت عائشة : (يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف إذا صلى بكى، فبكى الناس لبكائه).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما: (أن الفاروق رضي الله عنه بكى في صلاة الفجر حتى سمع بكاؤه من وراء الصفوف).
وهكذا سنجد الأمثلة كثيرة، فكم نحن في حاجة إلى إحياء الإيمان؛ لتحيا قلوبنا، ونخشع في صلاتنا؟
وكم هي الأمور كثيرة؟
وكم هي حاجتنا إلى هذا النداء عظيمة؟
فهيا بنا نؤمن، وهيا بنا نجدد إيماننا، وهيا بنا نتواصى بقول الله عز وجل: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1-3].
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين.اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.اللهم عظم إيماننا، ورسخ يقيننا، واملأ قلوبنا بحبك، وأنطق ألسنتنا بذكرك، واشغل جوارحنا بطاعتك، واستخدمنا في نصرة دينك، واجعلنا اللهم ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين. اللهم فرج عن إخواننا المسلمين في أرض العراق وفي أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين!
اللهم احفظ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين، اللهم نجه وسلمه من اليهود المجرمين المعتدين.اللهم هيئ لإخواننا في أرض الإسراء من أمرهم رشداً، اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، واجعلهم للحق ناصرين برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! وحد اللهم كلمتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه.اللهم أدم عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها، وسعة رزقها برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم رد كيد الكائدين، وادفع شرور المعتدين عن بلاد الإسلام والمسلمين.اللهم احفظ دماء المسلمين، واحفظ اللهم أعراضهم، اللهم واحقن دماءهم، واصرف عنهم الشر والبلاء والأذى وكيد الأعداء يا رب العالمين!
اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين!اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله:( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر و عمر و عثمان و علي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، اللهم صلِّ وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.

لطفاً الموضوع لم يكتمل بعد...

~ عبير الزهور ~

"هيا بنا نؤمن "

الأمانة أمرها عظيم، وشأنها كبير، ولهذا أبت السماوات والأرض والجبال أن تحملها، وحملها الإنسان لظلمه وجهله، فيجب على الإنسان أن يؤدي الأمانة، وليحذر كل الحذر من الخيانة؛ فإنها بئس الضجيع، صفة من صفات المنافقين والعياذ بالله!
الأمانة بين النظرية والتطبيق
الحمد لله، الحمد لله جل جلاله، وعز جاهه، وعم نواله، وكثر عطاؤه، وتقدست صفاته وأسماؤه، له الحمد سبحانه وتعالى جعل الأمانة قرينة الإيمان، وجعل الاستقامة شقيقة الإسلام، أحمده سبحانه وتعالى على ما أفاض من النعم وما صرف ووقى من الشرور والنقم، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا به من بعد ذلة، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )[النساء:1].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )[الأحزاب:70-71].

أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! هيا بنا نؤمن، نداء يتجدد؛ لأن فيه علاج كل مشكلات الحياة، وفيه صلاح كل أمور الأحياء، وفيه طهارة القلب وزكاة النفس ورشد العقل واستقامة الجوارح وحسن الصِلاة، وكل خير نبحث عنه فإنا واجدوه فيه، وكل شر نتأذى منه فإنا واجدون السلامة منه في هذا الإيمان وعصمته وحمايته ووقايته.زارني شاب من رجال الأعمال، في واقعة أحسب أنكم تدركون أنها تتكرر كثيراً؛ غير أن جزءاً منها هو النادر الذي يكاد أن يختفي، لقد جاء سائلاً عن شركة يملكها تقدم عرضاً في موضوع مهم يعم البلاد كلها، والفوز به يعني الفوز بالملايين من الريالات، وعنده من الإنجاز في ذلك ما هو مستحق أن يكون صاحب العقد، وعندما التقى مع من بيده ترتيب هذا الأمر كان الأمر في مبدئه تلميحاً ثم صار تصريحاً: إن فريق العمل يحتاج إلى عونك ودعمك، ثم لم يكن ذلك فحسب، بل كان الأمر في صراحة -وإن شئت قل: في بجاحة- إن المطلوب لكل فرد مبلغ محدد وهو كذا وكذا، ليس عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الريالات، وإن ذلك سيكون تمهيداً لإنهاء الأمر ورسو العقد وغير ذلك!
جاء هذا الرجل وفي قلبه إيمان، وفي نفسه زكاة، وهو يقول: في النفس من هذا شيء؛ والحرمة فيه بادية؛ لأن هناك منافسين قد سبق وأن أعطوا هذه الأموال، وهو أحق منهم بحسب ما عنده من الإنجاز، وعندما أوضحت له أن الأمر فيه وضوح في الحرمة وأدنى درجاته أن يكون عالي الرتبة في الشبهة وفي الكراهة أجاب: بأنه قد وطَّن نفسه على ترك كل شيء مما حرم الله، وعزم على ذلك أمره، وقال به، ووقف عنده.
الشق الأول أحسب أنكم ستقولون: بماذا جئت؟
فإن عندنا عشرات ومئات من القصص التي لا تجيز أمراً ولا تبرم عقداً حتى تدخل إلى بطونها سحتاً، غير أن الشق الآخر هو الأقل الأدنى الذي قل فيه من يتورع عن الحرام، ويتوقف عن مصلحة دنيوية ظاهرة رعاية وحفاظاً على مصلحة أخروية أعظم وأبقى، وذلكم ما أحسب أنه مظهر جلي ودليل واضح على وجود قوة وحيوية الإيمان، أو على ضعفه وذهاب أثره وغياب حقيقته
.وهنا نداء إيماني جاء بالنهي عن مخالفة الأمانة؛ لأن ذلك يعارض حقيقة الإيمان، قال عز وجل:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) [الأنفال:27-28]، إنه نداء لأهل الإيمان إن بقي في قلوبهم إيمان، ففي قوله سبحانه:( لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ) [الأنفال:27] اقتران خيانة الله وخيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيانة الأمانة، وفي ذلك تعظيم لشأنها ودليل على علو رتبتها وعلى قوة وشدة صلتها بالإيمان بالله جل وعلا.ونحن نعلم أنه ما من أحد إلا وفي علمه بشرع الله وفيما يجيش في نفسه أثر يدل على حرمة ما يقترف من معصية الله.

الأمانة من صفات المؤمنين والخيانة من صفات المنافقين

قال السعدي رحمة الله في تفسيره: فمن أدى الأمانة استحق من الله الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها بل خانها استحق العقاب الوبيل، وصار خائناً لله وللرسول ولأمانته ومنتقصاً لنفسه؛ لكونه اتصفت نفسه بأخس الصفات.
أي: صفة الخيانة.
ثم قال: فلما كان العبد ممتحناً بأمواله وأولاده فربما حمله محبته ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته.
أي: أن رعايته ومحبته لأهله وأولاده وماله وثرائه مما يجعله يميل بهواه فيغلب إيمانه، ويطمس بصيرة يقينه، فينطلق إلى لعاعة الدنيا، وإلى ثرائها ومظاهرها وشهواتها وفتنتها، وهو يئد الإيمان في قلبه، ويطفئ إشراقة اليقين في نفسه، وهو يضعف أثر إيمانه، كما أشار إلى ذلك أهل العلم في مثل هذا المعنى، ولو تأملنا لوجدنا اقتران الإيمان بالأمانة جلياً واضحاً فيما أورده الحق جل وعلا من صفات المؤمنين، فلم تقتصر الصفات على صلاة خاشعة ولا على زكاة مؤداة ولا على حفظ للفروج فحسب، بل جاء في الصفات قول الله جل وعلا: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون:8]، أي: يحافظون عليها، ويقومون بحقها، ويراقبون الله فيها، ويخشون الله جل وعلا من خيانتها، وهذا يدل على أنهم أهل إيمان، ولذا استحقوا صفة الإيمان، ووصفوا بصفة الإيمان؛ لأنهم: (لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، وأما الذين هم لأماناتهم وعهدهم خائنون فقد سلبت منهم هذه الصفات الرفيعة السامية، ونالهم من كدر أضدادها وصفات المنافقين من غير المؤمنين ما نالهم، كما في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، أفيرضى مثل هذا الإنسان أن يكون متصفاً بصفة نفاق، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، ومن كانت فيه تلك الخصال كان منافقاً خالصاً) .

الراوي: عبدالله بن عمرو المحدث:البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3178
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]



معنى الأمانة
قال القرطبي في معنى الأمانة: والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً. فهو أمانة في عنقك وعهد من الله بينك وبين الله لا ينبغي إخلافه ولا نقضه. وقال الشنقيطي رحمه الله في تفسيره: كل ما استودعك الله وأمرك بحفظه فيدخل في هذه الأمانة، ويدخل فيها حفظ جوارحك عن كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما اؤتمنت عليه من حقوق الناس.
حكم خائن الأمانة
وتأملوا من بعد هذا الحديث العظيم الذي فيه صراحة ووضوح في لفظه من رواية أنس عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد في مسنده و ابن حبان في صحيحه بسند صحيح. أي: لا يكمل إيمانه، ولا يصدق إيمانه، ولا تتجلى ولا تظهر آثار إيمانه، فذلك الذي خان أمانته، وذلك الذي أكل الحرام، وذلك الذي ضيع المسئولية، وذلك الذي ظلم فنحى صاحب الحق وقدم غيره لمصلحته، وذلك الذي أشاع الفساد في المجتمع بتضييعه للأمانة، وذلك الذي جعل الحقوق ضائعة وجعل الأمانة مهدرة، إن فعله ليس مقتصراً على أنه أخذ مالاً في جيبه من سحت أو حرام، بل إنه في حقيقة الأمر يفسد في الأرض فساداً عظيماً، ويورث ويوجد في النفوس وفي القلوب قبل الأحوال والأفعال والأقوال فساداً خطيراً وانحرافاً عظيماً وشراً مستطيراً وبلاءً يخشى على الناس جميعاً من آثاره وعقوبته الربانية.
فحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) قائله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فإن رأيت مضيعاً للأمانة فاعلم ما قاله أهل العلم في ذلك، وما بينوه في حقيقته فإن في ذلك أموراً كثيرة، والأمر بهذه الأمانة ظاهر جلي واضح مرتبط بالإيمان في قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ )[النساء:58].
ضياع الأمانة من علامات الساعة
فانتبه لهذه المعاني، وتأمل ذلك الحديث النبوي الذي أخرجه البخاري وغيره عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه، فجاء رجل من الأعراب والرسول ماض في حديثه، فقال: يا رسول الله!
متى الساعة؟
فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه، فقال بعض الصحابة: فكأنما كره قوله، وقال بعضهم: كره أن يقطع حديثه، فلما فرغ من حديثه قال: (أين السائل عن الساعة؟ فقال: أنا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الأعرابي: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟!
قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فتلك إضاعتها).
وفي لفظ ورواية عند البخاري : (إذا أسند الأمر إلى غير أهله).
عجباً!
أنّا لا نلتفت إلى الخطر المحدق بنا وإلى الآيات والعلامات الدالة على قرب القيامة ووجود آخر الزمان، مع أن الناس قد شغلوا بأمور أخرى من هذا في شأن بعض الصفات والأوصاف والمعارك وغيرها، ولم يلتفتوا إلى المعاني، فضياع الأمانة دلالة من دلالات آخر الزمان كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث
فعجباً لنا ونحن لا نلتفت إلى هذا!
قال ابن بطال في شرح الحديث: إن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله إياها.
وروى البخاري في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه في شأن الأمانة وضياعها وغيابها، وهو حديث طويل جاء فيه: (فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أظرفه! ما أعقله! ما أجلده! وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)، أليس مثل هذا الوصف يصدق في أحوال كثير وكثير من بلادنا ومجتمعاتنا الإسلامية؟
ألسنا اليوم نتبايع فلا يكاد أحد يأمن أحداً في وفائه وأمانته وصدقه وبره وإنصافه؟

ألسنا اليوم قد نبحث عن الأمناء فلا نكاد نحصي إلا الواحد أو الاثنين في الفئام من الناس أو في القبيلة أو في القوم؟
أليس هذا الذي يقوله النبي صلى الله عليه وسلم واقعاً في المدح والثناء على من ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وتجده قد ضيع الأمانة، وأخذ حقوق الناس، وانتهب أموالهم، واستباح ما حرم عليه من حقوقهم، وضيع أماناتهم؟
ومع ذلك هو المشار إليه بالبنان، الممدوح بعظيم الصفات على كل لسان، أليس ذلك دليلاً على خلل كبير في الإيمان لا يخص أفراداً بأعيانهم بل يعم أحوالنا ومجتمعاتنا إلا ما رحم الله ومن رحم الله؟
نسأل الله عز وجل أن يرحمنا.
قال ابن التين في هذا الحديث: الأمانة: كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله. فالآخذ للرشوة والقابل للهدية المغموسة بالحرام يحتاط لنفسه، ويجعل الأمر في أشد صور الخفاء، ولا يجعل هناك وثيقة تدينه، ويحسب لكل قضية حسابها، ويضيع حساب الأمر الأعظم، وهو أن الله مطلع عليه وعالم به وكاتب عليه كل صغيرة وكبيرة من أقواله وأعماله، ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم يقول: (من اغتصب قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من صاحبه، فأقضي له بنحو مما أسمع -أي: يقدم بينات ويقدم أقوالاً يكون الحكم فيها لصالحه وهو على غير حق- فمن اقتطعت له شيئاً فإنما أقتطع له قطعة من النار، فليأخذ أو ليدع)

الراوي: أم سلمة هند بنت أبي أميةالمحدث:البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6967
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]


فكل ريال تأخذه حراماً فهو قطعة من جنهم، وإن رشيت به فقبلت به فاستكثر؛ فإنما تستكثر -والعياذ بالله- سيئات مضاعفة، وإنما تستكثر عذاباً منتظراً، نسأل الله عز وجل السلامة.
كم في واقع حياتنا وفي واقع حياة كل فرد منا شبهات في معاملاته المالية!
فهل توقف عندها، وتحرى فيها؟
وهل راقب الله جل وعلا فترك عرض الدنيا وزينتها وزخرفها إيثاراً للآخرة الأبقى والأعظم جزاءً وثواباً أم أن الإيمان قد ضعف حتى صار أمر الآخرة ونعيمها نسياً منسياً، وأمر الدنيا وزخرفها هو الذي ملأ القلوب والعقول والأبصار فلا تسمع إلا ما يرغب فيها، ولا تقول إلا ما يؤدي إليها، ولا ترغب إلا فيما يزيد منها؟

الصلة بين الأمانة والإيمان
عجباً لنا!
وكأن ذلك في حسنا ليس له صلة بإيماننا، ولا بمراتبنا عند ربنا وقد نكون في الصفوف الأولى في المساجد، وقد ندمن شيئاً من تلاوة القرآن، وكل ذلك خير، لكن الذي يجعلنا مستقيمين في المعاملات وتمحيص التوجهات ومخالفة الآراء والأهواء والشهوات ومعارضة المغريات والملذات ذلكم هو الإيمان الحق الذي يذكر لنا ابن العربي في شأنه أمراً عجيباً فيقول: الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان حتى إذا تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب. وهذا من فقه علمائنا رحمهم الله، ولذلك قال بعض أهل العلم: الأمانة هي عين الإيمان.
فإذا ضعفت الأمانة فقد ضعف الإيمان، كما ذكر أهل العلم.

مطالبة الأمانة بحقها يوم القيامة
وهذا حديث آخر من الأحاديث العظيمة رواه مسلم في صحيحه من حديث حذيفة وهو مما أحسب أنه لا يندرج على ألسنة الناس، ولا يكاد يحفظه كثير منهم، وهو في حديث الشفاعة وفي حديث الفصل بين الناس يوم القيامة، وفي أوله طول في ذهاب الناس إلى آدم وإلى إبراهيم وإلى موسى عليهم السلام جميعاً، ثم انتهاؤهم إلى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم فيقوم إلى ربه ومولاه سبحانه وتعالى، قال حذيفة في حديثه في شأن استفتاح الجنة: (فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم فيستأذن، فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان على جنبتي الصراط) أي: على جانبيه، ثم ذكر بقية الحديث وفيه: (فمن الناس من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطير)، ثم قال في آخر الحديث: (ومنهم من لا يمضي إلا زحفاً).
والنووي رحمه الله في شأن كون الأمانة والرحم على جنبتي الصراط قال: لعظم أمرهما، وكبر هما، فيصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله. ونقل عن صاحب (التحرير) قوله: في الكلام اختصار، والسامع فهم أنهما تقومان -أي: في هذا المقام- لتطالبا كل من يريد الجواز بحقهما.
أي: أن كل من يريد أن يمضي على الصراط تأتيه الأمانة أولاً فتطالب بحقها، والرحم تطالب بحقها فإن كان مؤدياً لحقهما كان من أسباب سرعة جوازه على الصراط، فالأمانة المضيعة اليوم تلقاك يوم القيامة على الصراط، فهل أنت قادر يومها على أن تجوز الصراط وقد فرطت في الأمانة وخنتها، وضيعت إيمانك، وأضعفته، وأذهبت أثره، وجعلته وراء ظهرك؟
أليس كل هذا مما جاء في كتاب الله ومما ورد في سنة رسول الله؟
الصحابة رضي الله عنهم وأداء الأمانة
ألسنا نذكر ذلك الموقف العجيب الفريد يوم فتح الله على المؤمنين والمسلمين في معركة القادسية على يد سعد بن أبي وقاص ، ولما انتهى الفتح أخذ سعد ما في إيوان كسرى -أي: مكان قصره وملكه- من الذهب والجواهر وتاج كسرى المرصع بكل ما هو غالٍ وثمين، فجعله في أشولة، وأعطاها لأعرابي أو لرجل من عرب المسلمين لم يذكر التاريخ اسمه، ولم يعرف الناس نسبه، وأمره أن يمضي إلى المدينة من ذلك المكان البعيد؛ ليبلغ عمر بن الخطاب بخبر الفتح والنصر الإسلامي، ويعطيه ما في إيوان كسرى من الذهب والفضة والحلي والتاج، فذهب الأعرابي، ولم يقيد عليه ما استلمه، ولم يكن هناك جرد لما سلم له، ولم تكن الأختام موجودة، ولم تكن أجهزة الحاسوب راصدة، لكن رقابة الله في القلب حية، لكن أمانة الإيمان في النفس يقظة مؤثرة، فمضى الأعرابي يجر بعيره وعلى ظهره ثروة تطيش لأجلها ولأجل عشرها عقول كثير من ضعاف الإيمان، لكنه لم ينظر إليها، ولم يلتفت إليها، وربما ما علم بها، ووصل إلى المدينة، ووقف بين يدي الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إن سعداً يقرئك السلام، ويبشرك بنصر الله لأهل الإسلام، وهذا تاج كسرى وإيوانه، فطأطأ عمر رأسه متأثراً قائلاً: (إن قوماً أدوا هذا لأمناء).
فجاء التعقيب -كما ورد في بعض روايات التاريخ-: عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا.
فقد كان عمر رضي الله عنه يحاسب نفسه وأهله على أقل القليل.
ويوم تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة مضى من يومه يريد أن يعمل ويتكسب من تجارته، فقالوا: قد وليت أمرنا فافرغ لنا، فقال: (قوتي وقوت عيالي)، قالوا: نفرض لك من بيت مال المسلمين، فقدر لنفسه أقل القليل من طعام وشراب فحسب، وليس خزائن مفتوحة ليس لها حصر ولا عد، وليس مالاً سائباً لا يسأل عنه أحد، بل كان فعله وفعل غيره من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيه مراقبة لله وأداء للأمانة.
إن صوراً من تضييع الإيمان وضعفه تتجلى في حياتنا كثيراً، وتتجلى في ضعف خوف الله، وقلة مراقبة الله، وضعف الحياء من الله، وضعف الأمانة في أداء حقوق الله وحقوق عباد الله، فالله الله في إيمانكم!
فإنه ليس محصوراً في صلاتكم وزكاتكم وتلاوتكم ودعائكم، بل هو في سائر جوانب حياتكم.
نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا إيماننا، وأن يجعلنا من المراقبين له والمستحيين منه والمؤدين لأمانته.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

وجوب التحرز في الكسب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد:أيها الإخوة المؤمنون!
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى: البعد عن الحرام، وأداء الأمانة، والتنزه عن كل ما فيه خيانتها وتضييعها.وكنت قد طالعت قبل مجيء هذا الرجل بالأمس قراراً ونظاماً حول هذا الأمر أقر بعضه مجلس الشورى، ويدرس بعضه الآخر، وعزمت أن أجعله حديثاً في جمعتنا هذه، فجاءت قصة الرجل تدفعني إليه دفعاً، وتؤملني وتدخل في نفسي سروراً أنه ما زال فينا من يخاف الله، ويترك عرض الدنيا الملوث بالحرام ابتغاء مرضاة الله، ويريد ألا يدخل إلى جيبه وكسبه شيئاً من الحرام؛ لأنه إنما يأخذ في هذه الحالة ناراً، كما قال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا )[النساء:10]، وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به).
فرحت أن يكون فينا ومنا من يحيي معاني هذه الإيمانيات، ونحن بحاجة إلى ذلك، وما حديثنا هذا لكي نستمع إلى هذه الكلمات، ونظن أن المقصود بها من يتولون المناصب العليا أو الكبرى فحسب، بل الحقيقة أن كل فرد منا عنده ضروب من الأمانات قد يخونها ويضيعها، وعديد من المواقف التي لا يستحضر فيها عظمة الله ولا مراقبة الله جل وعلا.
بعض الأنظمة البشرية في مكافحة الخيانة
وهنا وقفة قصيرة لنرى كيف تكون المشكلات إذا ضعف الإيمان، وبالتالي ضاعت الأمانة، فقد وضع نظام كامل اسمه: الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد والرشوة، ثم هناك مشروع نظام يدرس اسمه: نظام مكافحة الاعتداء على المال العام وسوء استعمال السلطة، لم؟
لأن الأمر قد اتسع خرقه على الراقع، فاحتجنا إلى مثل هذا، وفي هذا النظام أن ثمة أمر ملكي سابق صادر بهذا الخصوص عما يأخذه المسئول من الأموال وضرورة محاسبته وسؤاله عنه، والعجب أن هذا الأمر صادر في عام (1382هـ)، أي: قد تجاوز ثلاثين عاماً، ولكنه غائب مغيب في حياة الناس إلا ما رحم الله.
ثم يقول في نصوص هذا النظام أو بعض فقراته: إلزام كل من يشغل وظيفة قيادية تنفيذية في الجهاز الحكومي وكذا المسئولين في الشركات المساهمة التي تساهم فيها الدولة بالتصريح عن ممتلكاتهم المنقولة والثابتة وأفراد أسرهم -أي: قبل تولي الوظيفة- حتى لا يدخل إليها وهو قليل المال ويخرج منها وهو كثير المال.
ومن الأنظمة كذلك: تقليص التعامل بالنقد في المسئوليات الحكومية والعامة، ووضع قواعد لتنظيم الهدايا والإكراميات حتى لا تعتبر صوراً من الرشوة والإغراء، وفي ذلك حديث ابن اللتبية رضي الله عنه عند البخاري وغيره في الصحيح: (أنه كان جابياً للزكاة، فجاء عن حسن نية وعدم معرفة بالحكم فقال: يا رسول الله! هذا لكم -أي: الزكاة التي جبيتها- وهذا أهدي إلي)
أراد أن يبرز ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فقام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً فقال: (ما بال أقوام يقولون: هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ أفلا قعد في بيت أبيه وبيت أمه حتى يهدى إليه؟!)، فما سبب هذه الهدية لو لم تكن في هذه الوظيفة؟
ولو كنت في بيتك هل سيأتي إليك أحد ويهديك؟
وهل يهديك لأجل سواد عينيك؟
إنه إنما يهديك لمصلحته، وذلك ظاهر، وهذه هي الضوابط المهمة في شرعنا وفي هدي رسولنا صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا النظام أيضاً وضع معايير لاختيار القيادات الإدارية حتى تختار على أساس من الكفاءة وتطبق حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك أنظمة تفصيلية كثيرة منها: إيجاد أجهزة رقابية مالية، ومنها: التعاون الدولي في هذه الشئون، وأخذ الأنظمة والاستفادة منها، وكل ذلك حسن، لكن الأحسن منه والأعظم تأثيراً هو أن نكون مؤمنين صادقين ومسلمين مخلصين، فإننا لو زرعنا الإيمان وأحييناه في القلوب لاستغنينا عن كثير من كل هذه الأنظمة ولما كنا في حاجة إليها؛ لأنه إذا وجد الإيمان في القلب ورقابة الله عز وجل فأي شيء يمكن أن يضبط الإنسان غير هذا؟
وشواهد التاريخ وأحداث الواقع دليل على ذلك.ومن هنا جاء في النظام أيضاً فقرات مهمة أحب أن أشير إليها، منها: أن الإسلام هو أساس ضبط النزاهة ومكافحة الفساد، وأن المملكة وهي تطبق الشريعة الإسلامية ترى في الإسلام الآيات والأحاديث والتشريعات الدالة على وجوب الأمانة ومنع الخيانة.
ومن الفقرات: توعية السلوك الأخلاقي وتعزيزه عن طريق تنمية الوازع الديني للحث على النزاهة ومنع الفساد، والتأكيد على دور الأسرة في تربية النشء، وحث المؤسسات التعليمية على وضع مفردات في التعليم عن الأمانة وحماية الأموال العامة ومكافحة الفساد.
إن العلاج الحق هو في هذه المعاني الإيمانية وفي التربية الأخلاقية والأسرية والمناهج التعليمية التي إذا أردنا الخير فينبغي أن نربطها بدين الله عز وجل وبهذه المعاني؛ حتى يكون لها أثر.
وجاء في النظام أيضاً: تحسين الأوضاع الأسرية والمعيشية للمواطنين عن طريق توفير فرص العمل، والعمل على وضع برامج تثقيفية في هذا الشأن.وهذا يدلنا على شدة الاحتياج إلى مراعاة الأمانة من خلال المنهج الإيماني الإسلامي التربوي السلوكي الأخلاقي الأسري الذي إذا أصبح طبيعة الإنسان وصيغة حياته وصبغتها فإنه حينئذٍ يحتاج إلى هذه الرقابة.

وصية نافعة لبعض السلف
وأختم بكلمة خماسية في وصية سلفية لأحد علماء الأمة: سئل ذو النون رحمه الله: بمَ ينال العبد الجنة؟
فقال: بخمسة أمور:
استقامة ليس فيها روغان
واجتهاد ليس معه سهو
ومراقبة لله تعالى في السر والعلن
وانتظار الموت والتأهب له
ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب.

نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، وأن يملأ قلوبنا بالإيمان، وأن يعمر نفوسنا بالتقوى، وأن يملأ قلوبنا بالخوف منه والمراقبة له والحياء منه والتوكل عليه والإنابة إليه والرغبة فيما عنده.
اللهم اجعلنا أوثق بما عندك مما في أيدينا، وأغننا اللهم بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، وأغننا اللهم بفضلك عمن أغنيته عنا، واجعلنا اللهم أغنى الأغنياء بك وأفقر الفقراء إليك، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة يا أرحم الراحمين!
اللهم اجعل غنانا في نفوسنا وقلوبنا، واجعل غنانا بإيماننا وإسلامنا، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا البركات، وامح عنا السيئات، وتقبل منا الصالحات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، واجعلنا اللهم من عبادك المخلصين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأخلص نياتنا، وهذب أخلاقنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وأحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين!
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!
اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة.اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم احفظ لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها، واجعلها اللهم بلد أمن وإيمان وسلامة وإسلام يا رب العالمين!
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين!
اللهم ارفع الأذى والبلاء عن عبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين!
عباد الله!
صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم:
أبو بكر و عمر و عثمان و علي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.

لطفاً الموضوع لم يكتمل بعد...
~ عبير الزهور ~
"هيا بنا نؤمن "

دين الله عز وجل منهج كامل شامل لكل جوانب الحياة؛ ومن أهم الأمور التي حث عليها الدين الإسلامي الإيمان بالله عز وجل ووحدة الصف، فإن فقدان الإيمان أو ضعفه يسبب الفرقة والخلاف، وإذا حصل الخلاف بين المسلمين تسلط عليهم أعداؤهم، كما هو الحال في زماننا هذا.
فيجب على كل المسلمين أن يجددوا إيمانهم بالله عز وجل، وأن يوحدوا صفهم؛ حتى تعود لهم عزتهم وكرامتهم.
أهمية الاجتماع وتحريم الفرقة والاختلاف
الحمد لله، الحمد لله العزيز القهار، القوي الجبار، الرحيم الغفار، نحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، له الحمد على ما وعد به المؤمنين من النصر والتمكين، وله الحمد على ما بسط وجعل من ولايته لعباده المؤمنين الصالحين، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، أرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وجعله خاتماً للأنبياء والمرسلين، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )[النساء:1].
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
الفرقة مخالفة للمقصد الذي جاء لأجله الأنبياء
قال عز وجل:( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) [البقرة:213] قال القاسمي : أي وجدوا أمة واحدة تتحد مقاصدها ومطالبها ووجهتها لتصلح ولا تفسد، وتحسن ولا تسيء، وتعدل ولا تظلم.
أي: ما وجدوا إلا ليكونوا كذلك، تلك هي الأمة الواحدة.
وثمة آراء واجتهادات يمكن الاختلاف فيها مما يسوغ فيه الاجتهاد، لكن عصمة الإيمان ورابطة الائتلاف على معاقد الإيمان في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عاصمة من التباس الحق واضطرابه في أذهان الناس من جهة، وعاصمة من افتراق يؤدي إلى احتراب من جهة أخرى.
قال القاسمي رحمه الله في قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) [البقرة:213]: بدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف، فقد أنزل الله الكتاب، وبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم بالكتاب والسنة، ليكونا مرجعاً حاسماً لكل خلاف وجامعاً كاملاً للآراء الاجتهادية في المقاصد الكبرى والمعالم العظمى، فجعل بعض الناس ذلك الذي جعل لنزع الخلاف مثاراً للخلاف، وما ذلك إلا من ضعف الإيمان واستبداد الأهواء في القلوب؛ لأن الله جل وعلا قد بين أن ما وقع من الاختلاف لم يكن لقصور في وضوح الآيات والبينات، بل كما قال جل وعلا: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) [البقرة:213] فأي سبب كان سبب هذا الاختلاف؟
قال:( بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) [البقرة:213]، إنه الحسد والهوى والفتنة التي أوجزتها الآيات في هذه الكلمات البليغة.
لا اجتماع للأمة إلا بالكتاب والسنة
أيها الإخوة المؤمنون!
حديثنا موصول ونداؤنا مستمر: هيا بنا نؤمن، ولعلنا في وقفتنا الأخيرة هذه نكمل معاني بدأناها، ونزيد مقارنة مهمة توقفنا على ذلك الفيض الرباني والعطاء الإلهي الذي اختص به الله جل وعلا أهل الإيمان، وميزهم به عن غيرهم من أهل الجحود والنكران، ونذكر ما جعله الله سبحانه وتعالى من إشراق النفوس وطمأنينة القلوب لأهل الذكر والطاعة، وما كتبه كذلك من طمس البصيرة وقسوة القلب على أهل الغفلة والمعصية. ونمضي مع الإيمان لنرى بجلاء ووضوح أن فيه جواباً لكل سؤال، وحلاً لكل مشكلة، وتذليلاً لكل صعب، وإنارة لكل ظلمة؛ فإن الله جل وعلا خلق الخلق ولم يتركهم هملاً، ولم يدعهم سدى، بل أتم عليهم نعمته بنور الإيمان وهدي الإسلام وتشريع الأحكام، وبيان ما بعد هذه الحياة الدنيا مما يترتب عليه الثواب والعقاب.
وهنا ومضة مهمة في أمر عظيم كبرت فيه الرزية وعظمت فيه البلية، ذلكم هو أمر خفاء الحق والتباسه بغيره من الباطل، وضلال الآراء وعدم وضوح الرؤية، وهذا أثر من آثار ضعف الإيمان وضعف الاستقاء من نبعه العذب الصافي، وضعف الاستنارة بنوره المشرق الوضاء.
إن الهداية في الأمور المختلف فيها أمرها عظيم، ومرجعها إلى الإيمان.
ونحن نعلم أن الأمر المهم لأمتنا هو الاجتماع لا الافتراق، والائتلاف لا الاختلاف، والتوحد لا التمزق، ولا يصلح شيء من ذلك إلا بعصمة الإيمان وهدى الرحمن سبحانه وتعالى، قال عز وجل: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) [البقرة:213]، هذه نعمة الله الابتدائية التي أراد الله عز وجل أن يخرج بها الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى؛ فأنزل الكتب، وأرسل الرسل، ووضح جل وعلا للخلق طريق الحق وسبل الباطل، ثم وقع اختلاف الناس من بعد، قال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) [البقرة:213]، فماذا كانت نتيجة هذا الاختلاف في واقع الحياة في أمم سابقة وإلى يوم الناس هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟
كانت النتيجة هي كما أخبر الله عز وجل بقوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )[البقرة:213].
إن الهداية لمعرفة الحق رغم وجود الشبهات وكثرة الشهوات مرجعها إلى الإيمان، والعصمة من ضلال الآراء واستبداد الأهواء إنما تكون بعصمة الإيمان. ذلكم مبدأ مهم في واقعنا اليوم، فالأمة هي الجماعة على المقصد الواحد، كما ذكر ابن عطية في تفسيره، فلن نكون أمة إلا باجتماع وائتلاف له قاعدة راسخة وأساس متين ومعالم واضحة، تلكم هي معالم الإيمان في القرآن والسنة.

كيفية العصمة من الفتن والشبهات
ونبقى هنا مع المقصود الأعظم في حديثنا: ما العصمة في هذه الفتن الملتبسة، والآراء المختلطة، والشبهات المتكاثفة؟
قال عز وجل: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ )[البقرة:213]، فليست مجرد هداية علم بأن نعرف ونعلم، بل هي هداية توفيق؛ لأن النفوس متجردة، ولأن الأرواح مخلصة، ولأن القلوب في إصابة الحق راغبة، ولأن التعصب للشخص وللحزب وللمذهب لا يكون مع الإيمان الذي يقصد الحق ويرغب في إصابته، ويراه سبيلاً إلى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ومن هنا فإننا ندرك أن هذا الأمر هو المعول عليه.
أورد ابن كثير عند هذه الآية حديثاً من رواية عبد الرزاق في مصنفه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة؛ نحن أول الناس دخولاً الجنة؛ بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق)

الراوي:أبو هريرة المحدث : مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 855
خلاصة حكم المحدث: صحيح


وذلك في شأن أمة الإسلام مقارنة بمن سبقها من أمم أهل الكتاب، وقد ذكر ابن كثير في شيء من الإيجاز أنواعاً من ذلك الاختلاف: اختلفوا في قبلتهم، واختلفوا في رسلهم، واختلفوا في آراء متفرقة، واختلفوا في كتبهم، وعصم الله أمة الإسلام في جملتها بما جاء به رسول الله الهدى صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا نستشعر عناية المصطفى صلى الله عليه وسلم بذلك في دعائه الخاشع الذي رواه البخاري و مسلم عن عائشة رضي الله عنها عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يدعو بقوله: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
فكم نحن في حاجة إلى إحياء إيماننا ليكون نوراً هادياً وبصيرة مرشدة في ظل هذا الاحتراب والاختلاف والتنازع الذي وصل في أيامنا هذه إلى أن يشكك في آيات القرآن، وإلى أن يعتدي على ثبوت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى أن تنكر أحكام أجمعت عليها الأمة عصوراً متتالية وقروناً متتابعة، وإلى أن تستحدث أحكام ما قال بها أحد من الأولين والآخرين من أهل الإيمان المسلمين!
حتى صار الناس اليوم في حيرة واضطراب.
ولا عصمة لهم إلا أن يعظموا الإيمان في القلوب؛ لأن القضية ليست قضية معرفة وقراءة وجمع أدلة، فكم نرى اليوم فيما ينشر من كتب أو صحف من تكاثر أدلة وأقوال مختلفة!
لكن يوجد في القلوب دخن؛ وفي العقول زيغ، ذلك أنها لم تخلص إلى أن يكون نبع الإيمان من مصدر الكتاب والسنة، وأن ترى أنه هو الذي يحقق لها الأمن النفسي والطمأنينة القلبية والرشد العقلي والبصيرة الربانية.

أثر الجهل في تكثير الخلاف
روى ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) عن علي رضي الله عنه قال: (العلم قطرة كثرها الجاهلون).
فكم نفرح في كل المسائل عندما نشعبها، ونذكر فيها أقوالاً عدة، ونسرد فيها أدلة مختلفة!
ويظهر لنا من بعد أن صاحب ذلك عالم نحرير، وكثيراً ما يكون وراء كل ذلك نور مشرق في آيات موجزات وفي أحاديث جامعات، لكن ذلكم يغيب عندما يغيب نور الإيمان من القلوب، ولذلك لو رجعنا إلى المتقدمين من أسلافنا ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدنا ما وصف به ابن مسعود ذلك الجيل بقوله: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أعمق هذه الأمة علماً، وأقلها تكلفاً، وأعظمها إيماناً، وأرسخها يقيناً) أي: كان عندهم مع عمق العلم قلة التكلف؛ وذلك أثر إشراق الإيمان والتعلق بالله، فلا مكان لجدال القصد منه إثبات القوة العلمية أو إصابة المصالح والمكاسب الدنيوية، وإنما تنزل عن الرأي إن كان ذلك يؤدي إلى جمع للأمة ابتعاداً عن الافتراق والاختلاف.
أما رأينا ابن مسعود رضي الله عنه وهو الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر رضي الله عنهما يصلي في الحج قصراً، فبلغه أن عثمان أتم، فاسترجع -أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون- ثم حج بإمرة عثمان رضي الله عنه، فلما صلى أتم مع عثمان ، فقيل له: بلغك القصر فاسترجعت، ثم صليت فأتممت؟
فأشرق نور الإيمان وظهرت معالم الهداية والتوفيق عندما قال ابن مسعود : (الخلاف شر) أي: أتفرق الأمة لأجل ترجيح في مسألة خلافية؟ ذلكم لا يكون إلا ببصيرة الإيمان والهداية الربانية التي يرتفع أهلها إلى مستوى تقديم المصالح العامة على المصالح الجزئية، والمقاصد الكلية على المسائل الجزئية.
إن نور الإيمان يجعل الإنسان على مثل هذا الهدي الذي كان لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وكم رأينا في سيرهم وفي سير أئمتنا من بعدهم من التابعين والعلماء والأئمة ما يكشف هذه البصيرة الهادية؛ فليس العلم كثرة مسائل ولا تشقيق فروع، وليس العلم مجادلة ولا مناظرة، بل العلم كما قال شعبة رحمه الله: (إنما العلم الخشية).
إن العلم هو خشية الله، إنه وازع الإيمان في قلب المؤمن، إنه بصيرة ونور يوصل إلى الحق من أقصر طريق بلا نزاع ولا شقاق ولا خلاف، ولذلك رأى علماؤنا وأئمتنا ذلك فظهر في أحوالهم.

ولاية الله عز وجل عصمة من الخلاف والفتن
ومن الهداية إلى الولاية تلك التي نفتقر إليها اليوم، والمسلمون يرون أحوالهم وأحوال أمتهم وهي في ضعف، والأعداء وهم في تسلط، والمعارك وهي تدار رحاها على رءوسهم وفي بلادهم، والهزائم على الأقل من الناحية المادية وهي تتوالى في بقاعهم وأصقاعهم، فما المنجى من ذلك؟
وأين هو طريق النصر؟
وأين هي الولاية العاصمة التي يجد فيها المؤمنون طمأنينة وأمناً، ويجدون فيها مستنداً وقوة واعتزازاً يجعلهم أثبت قدماً، وأقوى يقيناً، وأكثر قدرة على أن يستغلوا قليل ما في أيديهم من الإمكانات المادية؛ ليكون -بإذن الله عز وجل- عظيماً في المواجهة الإيمانية مع أعدائهم وخصومهم، وذلك ما ينبغي أن ننتبه له. قال عز وجل: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )[البقرة:257]، إن ولاية الله تعني حفظه ونصره، فإن أردنا حفظاً من الأعداء ونصراً عليهم فليس إلا أن نراجع ذلك الإيمان في قلوبنا، ونزيده في نفوسنا، ونحييه في واقعنا، ونجعله الحاكم على أحوالنا وأوضاعنا، والرابط فيما بيننا وفي علاقتنا وأواصرنا؛ فذلكم هو الذي يجعل الأمر ينتقل إلى أن نكون في هذه الولاية الربانية التي استشعرها المؤمنون في كل زمان ومكان.

قال عز وجل:( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) [الأعراف:196]، قال الحسن البصري رحمه الله: هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله من دعوته، فهذا ولي الله، وهذا حبيب الله.

وقال عز وجل: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة:257]، فانظروا إلى إفراد النور؛ إنه أمر جامع موحد ليس فيه تعدد، وليس فيه اختلاف، أي: في كلياته الجامعة ومقاصده العظيمة ومراميه وغايته الكبرى.
إنه نور واحد وظلمات متعددة: ظلمات فيها الهوى والشهوة، وظلمات فيها الاضطراب والحيرة، وظلمات فيها الكبر والاستعلاء، وظلمات فيها النفاق والرياء، فسبل الباطل متنوعة وسبيل الحق واحدة، قال عز وجل: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام:153]، والله جل وعلا وحد الإيمان والنهج الصائب والنور واليمين، وعدد ما يقابل ذلك؛ لأنه لا ينتهي إلى حد، ولأنه يتجدد في كل زمان ومكان من أنواع الضلالات وبروز المذاهب وطرق الأهواء وتعدد الآراء ما لا يكون معه عصمة إلا بكتاب الله، كما بينت آيات الله سبحانه وتعالى. قال عز وجل: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة:257]، قال السعدي : هذا يشمل ولايتهم لربهم بأن تولوه فلا يبغون عنه بديلاً، ولا يشركون به أحداً، قد اتخذوه حبيباً وولياً، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه؛ فتولاهم الله سبحانه وتعالى بلطفه، ومنَّ عليهم بإحسانه؛ فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل، إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور.
وانظروا إلى المقابلة الربانية في المواجهة المنهجية، وكيف طبقها نبي الله صلى الله عليه وسلم في الحقائق الواقعية.
هناك حقيقة لابد أن تكون مستقرة في اليقين، وهي في قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ )[محمد:11]، مولاهم: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم.
وقال عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا )[الحج:38]، وقال سبحانه: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) [غافر:51]، إنها حقيقة لا ترسخ إلا عند من عظم إيمانه، ورسخ يقينه، واستشعر كلاءة ربه وحفظ مولاه، واستشعر أنه يستمد قوته من قوة الله، وأنه يستنزل نصره من نصر الله، كما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم أحد، فبعد أن دارت الدائرة على المسلمين، ووقع ما وقع، واستشهد سبعون منهم، وشج وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وسال الدم على وجنته وكسرت رباعيته ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه عليه الصلاة والسلام، وجاء أبو سفيان يستعلي بباطله، ويستعظم بكفره، ويفتخر بما ظنه من نصره، ويخاطب المسلمين صائحاً من على مرتفع: أفيكم محمد -صلى الله عليه وسلم-؟
أفيكم ابن أبي قحافة؟
أفيكم عمر بن الخطاب؟
فيأمرهم النبي أن يسكتوا ولا يجيبوا، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم.
فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإجابة، وكان مما أجاب به النبي ولقنه للفاروق عمر : (الله مولانا ولا مولى لكم).
قالها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الظرف العصيب، وفي تلك اللحظة التي كانت ربما تشير إلى أن المسلمين لم يكونوا في المنتصر، ومع ذلك فالحقيقية واحدة، واليقين ثابت، واستشعار كلاءة الله عز وجل حي في القلوب وإن كان الوقت وقت هزيمة أو تراجع؛ لأن اليقين حاصل بأن كل أمر بقضاء الله وقدره، وأنه مرتبط بتقصير أو تفريط، كما قال عز وجل:(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) [آل عمران:165].
فكيف يكون ذلك حياً في قلوبنا ونحن اليوم نرى أمتنا والسهام تتوجه إليها من كل حدب وصوب، والدماء تسيل على أرضها في العراق وفي فلسطين وفي غيرها، وكيف نستشعر كلاءة الله ما لم نكن من أوليائه، وما لم نكن قد توليناه بنصره، ونصره: طاعته وإقامة شرعه والتعلق به، وأن يكون هو أحب شيء إلى قلوبنا، ويكون أعظم ما نتعلق به ثوابه جل وعلا ورضاه سبحانه وتعالى.
وأعظم ما نستنزل به النصر أو القوة إنما هو استمدادنا بالتضرع إليه، وأخذ الأسباب في ذلك هو من ضمن نهج الإسلام، لكنه ليس المعول عليه، ولكن ذلكم أمر مهم، فعلينا أن نجعله في ذاكرتنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في كل لحظة وسكنة إنما يظهر لنا أن أثر الإيمان في الولاية حفظاً من كل سوء ومكروه، وسلامة من كل عدوان واعتداء، ونصراً على كل قوة مهما عظمت، وذلكم من أعظم آثار الإيمان التي نحتاج إليها في وقتنا هذا. نسأل الله عز وجل أن يعظم إيماننا، وأن يرسخ يقيننا، وأن يجعلنا ممن يستشعر كلاءة الله ورحمته وولايته ونصرته، وأن نستمد كل حول وقوة من خالقنا ومولانا جل وعلا، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الإيمان هو الحل للمشكلات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وإن قضية الإيمان هي قضيتنا الأولى والأخيرة في حياتنا، وهي التي تكشف لنا كل ما يلتبس علينا، وهي التي نستمد منها قوة تعيننا على مواجهة كل ما يعترض طريقنا.
ولعل وقفتي الأخيرة تأكيد لكل المعاني التي ذكرناها من قبل؛ لتكون واضحة وقوية وحقيقية نستشعرها تماماً، ذلك أن مما يقع به الاضطراب أو اللبس عند بعض الناس المقارنات التي تفقدهم مع ضعف الإيمان واليقين الرؤية الصحيحة، إنهم يرون غير المؤمنين أقوى وأولئكم أضعف، ويرون غير المؤمنين أكثر تماسكاً أو اتحاداً، ويرون المؤمنين أكثر اختلافاً وافتراقاً، فيظنون أن في الأمر شيئاً على غير ما هو مذكور أو معروف في أصول ديننا.
وما ذلك في غالب الأحوال إلا لضعف اليقين والبصيرة من جهة، وضعف العلم والمعرفة من جهة أخرى، ولذلك كانت الآيات القرآنية تقارن وتؤكد المقارنة لصالح الإيمان وأهله باطراد لا يمكن معه أن يكون هناك أمر قابل لاختلال هذه المعادلات بأي حال من الأحوال، قال عز وجل: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28]، أي: لا يمكن ذلك بحال، حتى وإن رأيت أموراً لا تتفق مع ذلك فاتهم عقلك، وعد إلى إيمانك، وانظر إلى حقائق قرائنك، وتبصر مواقف رسولك صلى الله عليه وسلم؛ لتدرك أن وراء الأمر كثيراً من الغبش الذي كان على العيون، فلم تعد تبصر، وهذه قضية تكررت في القرآن الكريم، كما في قوله عز وجل: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية:21]، وقوله سبحانه: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ) [غافر:58].
فكل مقارنة ينبغي أن يكون يقننا فيها راسخاً، وينبغي أن تكون كفته الراجحة، وجانبها المصيب، وعاقبتها المحمودة هي للإيمان وأهله، وإن كان الواقع في ظاهره يخالفها، وهذه المقارنة هي التي تدعونا وتستحثنا، وهي التي ترغبنا وتشوقنا، فلن نجد مصلحة ولا خيراً ولا نفعاً إذا رجحنا ما قد نراه من أسباب مادية ظاهرة، وهكذا إن ركنا إلى قوة أرضية وتركنا قوة الله جل وعلا، وهكذا إن ذهبنا إلى مذاهب وضعية وتركنا منهج كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

تلكم قضية مهمة؛ فبعد أن تحدثنا كثيراً عما يعطينا إياه الله جل وعلا بهذا الإيمان من الأعطيات التي هي مفاتيح الحلول لكل مشكلاتنا والتي هي علاج كل أدوائنا، ينبغي أن ندرك هذا في ضوء المقارنة، ولو أن بصراً وبصيرة مشرقة كانت تنظر بنور الإيمان لرأت أن كل مظاهر القوة، وأن كل صور العزة، وإطار الوحدة الذي قد يكون لغير أهل الإيمان أن فيه ما فيه، وأن وراءه ما وراءه، فقد تعرت وتكشفت كثير من الصور التي كانت ملتبسة، فظهرت ما عند الأمم والدول العظمى من الشعارات البراقة، وظهرت حقيقة حقائق حقوق الإنسان، وحقائق الديمقراطية والعدالة، وحقائق المساواة والحرية؛ ظهر ذلك جلياً اليوم بحيث لم يعد يخفى إلا من طمست بصيرته إلى غير حد ينتهى إليه. أحبتنا الكرام!
كلمات أخيرة: نبع الإيمان عذب صافٍ، متدفق مستمر، ليس بيننا وبينه إلا أن نذهب إليه، ونغترف منه لنروي ظمأ القلوب، ونشفي أمراض النفوس، وننير ظلام العقول، ونقوم معوج السلوك، ونقيم العلائق والروابط على أساس هذا الإيمان، فتتجدد من جديد كل آثاره وجميع خيراته وبركاته التي جعلها الله عز وجل لكل مؤمن صادق مخلص.
أسال الله عز وجل أن يردنا إلى الإيمان به واليقين به والرجوع إليه والتضرع إليه والإنابة إليه.
اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك، وأفقر الفقراء إليك، ولا تجعل اللهم لنا إلى سواك حاجة، وأغننا اللهم بفضلك عمن أغنيته عنا، وأغننا بحلالك عن حرامك، واجعلنا اللهم أوثق بما عندك مما في أيدينا، واجعلنا اللهم منيبين إليك وقاصدين رضاك وطالبين عفوك وخائفين من عقوبتك وآملين في رحمتك.
اللهم علق قلوبنا بطاعتك ومرضاتك، واملأها بحبك وتعظيمك.
اللهم اجعل في قلوبنا حب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وحب كل ما يقربنا إلى حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم.
اللهم اجعلنا لإخواننا المؤمنين محبين ومعهم وبهم متآلفين ومتوحدين.
اللهم اجمع أمة الإسلام على كلمة الحق والهدى، واجمعها على سلوك الطاعة والتقى، اللهم ألف على الحق قلوبنا، واجمعنا اللهم على طاعتك ومرضاتك.
اللهم أزل من قلوبنا الشحناء والبغضاء، وأبعد عن صفوفنا الفرقة والاختلاف برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا الخيرات، وامح عنا السيئات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، واجعلنا اللهم من ورثة جنة النعيم، واجعلنا اللهم من عبادك الصالحين، ومن عبادك المخلصين، ومن جندك المجاهدين برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أدم عليها أمنها وإيمانها وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها.
اللهم يا أرحم الراحمين!
ويا أكرم الأكرمين!
نسألك اللهم اللطف بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين!
اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل اللهم لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء!
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين!
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!
عباد الله!
صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر و عمر و عثمان و علي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين!
اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.

|| (أفنان) l|



اللهم أجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم وتقبلها منا وأنت الغني عنا
اللهم أجعلنا ممن خشع لك قلبه وكل جوارحه
مشاركة قيمة جداً وأختيار موفق يالغلا
تقبلها الله منك واثقل بها موازينك
وأثابك أعالي الجنان
الله ينور قلبكِ بطاعته كلن محتاجين
لهذا الجو الإيمــاني ...
لاتبخلين علينـــــــا بمثل هذه المواضيع ...
ودي وتقــــــــديري وتقييمي لكِ ياقلبي

أمواج رجيم
احلى تقييم
الصفحات 1 2 

التالي

قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها

السابق

الوصفة السحرية للسعادة النفسية .. للشيخ بادحدح

كلمات ذات علاقة
الصحى , بادحدح , بنا , على , عمر , هيا , وومن