سنن الله في خلقه وإمداد المستغيث - الشيخ محمد صالح المنجد

سنن الله في خلقه وإمداد المستغيث - الشيخ محمد صالح المنجد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور...

مجتمع رجيم / المحاضرات المفرغة
~ عبير الزهور ~
اخر تحديث
سنن الله في خلقه وإمداد المستغيث - الشيخ محمد صالح المنجد

سنن الله في خلقه وإمداد المستغيث - الشيخ محمد صالح المنجد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.


عباد الله: إن لله سبحانه وتعالى في خلقه لشأنًا عجبا وله سنن لا تتبدل ولا تتغير، (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 62] (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) [فاطر: 43].


من الناس من يعرف بأمور من الصفات والخصال الحميدة، ولكن الله تعالى له الحمد كله وله صفات الكمال والجلال كلها.. فمن الناس من يعرف ربه بالجود والإفضال والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش والجبروت والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة والخبرة، ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء والاستعلاء، ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر والملك والهيمنة، ومنهم من يعرفهم بإجابة دعوته وإغاثة لهفته وقضاء حاجاته.


وأعم هؤلاء معرفة من عرف كلامه في كتابه ومعاني ما أنزله على عباده، فإنه يعرف ربًّا قد اجتمعت له صفات الكمال والجلال منزهًا عن المثال بريئًا من النقائص والعيوب، والله شديد المحال.


وسننه سبحانه وتعالى في خلقه ما زالت جارية، والبشر لهم مفاجآت تحدث على حين غرة وغفلة، ويقولون هذا خلاف المتوقع، وأما سنة الله تعالى فإنها تجري على قانون لا يعرف التبديل والتغيير، ومن عرف هذه القوانين وعمل بموجبها سعد.


لله سبحانه وتعالى سنن في النصر والتمكين، فمن أخذ بموجب هذه السُّنّة في النصر حصل له النصر إذا استوفى شرائطه وكمّل أركانه، وكذلك من استوفى شروط التمكين حصل له التمكين؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.. وسنن الله شاملة وعامة وجارية في خلقه، ونافذة وثابتة لا تتغير، نافذة متحققة تسري على الجميع رغمًا عنهم، أرادوا أم لم يريدوا، ويفاجأ الناس بأمور ولكن سنن الله عز وجل لا تتخلف ولا تتغير..


فسنته سبحانه وتعالى تحدث في الواقع كقوله (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ..) [يونس: 24].


من سننه أنه أبقى آثار العذاب على أقوام رغم تقادم العهود ليكون في ذلك موعظة للمتأخرين (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [النمل: 52].


وقال في قرية قوم لوط (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا) [الفرقان: 40].


ولما كانت على طريق السفر لأهل مكة إلى الشام قال لهم (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الصافات: 137- 138].


وأبقى جثة فرعون لمن بعده فقال: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً) [يونس: 92]، وقال: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) [هود: 100] أي منها قائم كآثار فرعون كالأهرامات وآثار نينوى بلد قوم يونس، وصنعاء بلد قوم تبع..


وهناك قرى بائدة مثل ديار عاد وقرية مدين ونحوها، ولكن الذين يجمع كل ذلك قوله: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود: 102]. وهذه سننه في الأفراد وسننه في الجماعات والأمم جارية ولابد.


ومن ذلك سنة التغيير، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 53]، فيغير سبحانه وتعالى من الشدة إلى الرخاء ومن الرخاء إلى الشدة بحسب حال العباد.


وكذلك فإنه يداول الأيام بين الناس فتكون القوة تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء ولا تبقى لأحد مستمرة، فلو بقيت للكفار سيصيب المسلمين اليأس، وإذا بقيت للمسلمين أصابهم العجب وحلت بهم الأدواء..


وكذلك فإن من سننه سبحانه سنة التدافع الذي يكون بين أهل الحق والباطل، وأهل الإسلام وأهل الكفر، وأهل الشرك وأهل التوحيد وأهل السنة وأهل البدعة، يدفع هؤلاء بهؤلاء وهؤلاء بهؤلاء كما يجري في الاحتساب على أهل المنكر، فيدفع أهل المنكر بأهل المعروف، ويدفع أهل المعصية بأهل الطاعة كما يقوم لله دعاة يقيمون الحجة وينصحون الناس ويكشفون الشبهات ويبينون زيف الباطل.


وهذه سنة الصراع بين الحق والباطل قائمة (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [البقرة: 251].


وكذلك من سننه التمكين لعباده الصالحين (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 41] فيزال التمكين بزوال هذه الأمور التي أمر بقيامها.


ومن سننه تعالى أنه لا يأخذ البلدة وأهلها مصلحون كما قال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117].


ومن سننه عز وجل أنه يأخذ الظالمين والمسلمين والمفسدين: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) [فاطر: 43] (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء: 277] وقال (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [المؤمنون: 41] (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود: 18].


فمهما استمر ظلم الظالم فإن الله يأخذه يستعجل الناس متى يكون الأخذ (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: 47] (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج: 7] فلله ميزان ولله حكمة في كل آن، فلابد للعباد أن يصطبروا ويثبتوا على مراد الله منهم حتى يأتي وعد الرحيم الرحمن..


عباد الله: وكم حفل التاريخ بنهايات لهؤلاء الظالمين..


وما من يد إلا يد الله فوقها *** ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم


ولقد حصل في القديم والحديث أهلك الله فرعون وهامان وقارون، وأهلك الذين أجرموا في أصحاب الأخدود..


وأهلك سبحانه وتعالى ثمود وعاقر الناقة (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) [الشمس: 12] مع قومه، وهكذا أهلك من جبابرة العرب من أهلك، فذهب أبو جهل وأبو لهب..


وفي الحديث أخذ الله جبابرة كثيرين، فهذا أتاتورك قد أخذه الله عز وجل بعد أن حول مساجد إلى كنائس وغيّر دين الله، وألغى الأذان والتعامل بلغة العرب، ومنع أنواع من الشريعة وعطلها وفرض السفور وحارب الحجاب (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) [القصص: 81] لما نزل به أمر الله.


وهذا شارون لا هو بين الأحياء ولا هو بين الأموات (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود: 18].. وهكذا.. وهكذا في كل وقت وحين..


وهكذا في كل وقت وحين *** غرت الدنيا غريرا فافتتن
كنز المال وأخفى وخزن *** ثم ولى لم ينل غير الكفن
أين نمرود وكنعان ومن *** ملك الأرض وولى وعزل
أين إسكندر سلطان الزمن *** قهر الدنيا وأفنى وسجن
أين قارون وأقيان اليمن *** أين عاد أين فرعون ومن
رفع الأهرام من يسمع يخل *** أين من عاثوا فسادا وعتوا
وأذلوا واستبدوا وطغوا *** أين من نالوا السبايا واقتنوا
أين من سادوا وشادوا وبنوا *** هلك الكل فلم تغنِ القلل


عباد الله: إن لله سبحانه وتعالى نقمات فهو يبتلي أهل الإيمان بأهل الطغيان، ثم يأخذ أهل الطغيان (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: 2- 3].


والصبر على هذا مع الأخذ بالأسباب الشرعية في دفع الباطل وأهله من أعظم العبادات فيها تحقيق لعبودية رب العالمين، وفي الثبات على أمره ونهيه وشرعه والصبر لحكمه وقدره، هذا فيه دليل على إيمان صاحبه؛ لأن (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: 11].


ولما سئل الإمام الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل أن يمكن العبد أو يُفتن؟ فقال: "لا يُمكَّن حتى يبتلى"، التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر وإذا صبر مُكن.


هذه سنة والقاعدة الربانية لا تمكين إلا بعد محنة ولا تمكين إلا بعد صبر على هذه المحنة:


والصبر كالصبر مُر مذاقته *** لكن عاقبته أحلى من العسل


فلابد إذًا من الصبر على مرارة الابتلاء، لابد أن تتعاظم الأمة في هذا الصبر حتى يأتي وعد الله (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة: 8] .


لكن بشر هذه الأمة بالثناء والرفعة والرفع والتمكين في الأرض فإذا قامت بأمر الله فإن الله سبحانه وتعالى يأتيهم بوعده.


نسأل الله عز وجل أن يعجل الفرج لهذه الأمة، وأن يأتي بالتمكين لعباده الصالحين وأن يخزي المجرمين ويأخذ الظالمين إنه سميع قريب مجيب..


أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..



الخطبة الثانية:

الحمد لله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، أشهد أن لا إله إلا الله لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله والرحمة المهداة البشير والنذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذريته الطيبين وخلفائه الميامين وأصحابه أولي الهدى والعرفان المستمسكين في الدين، رضي الله عنهم وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..


أشهد أن رسول الله محمدًا قد دعا إلى الله سبحانه وتعالى وبيّن لنا الصراط المستقيم وحثنا على كل خير ونهانا عن كل شر..


عباد الله: وفي غمرة صبر إخواننا من أهل الابتلاء، فإن على إخوانهم في الأرض واجبات كثيرة، فإنهم يرون الملاحم العظام والفظائع والمشاهدات الجسام تفذ الفؤاد فذا، وتقطع القلب كمدا، فهؤلاء أصحاب وصغار حملتهم شاحنة في الطريق من حمص إلى دمشق ذكورا وإناثا من محسن حملهم أكبر واحد فيهم عمره 16 سنة..


ثم روى من قصص الأهوال التي تعرضوا لها وللإصابات التي حدثت لإناثهم وليس لهم أهل يعرف مكانهم وهكذا يبقى إناث على وجوهم يهيمون فما واجب إخوانهم تجاههم..


فإلى متى يبقى فؤادك قاسيًا *** وإلى متى تبقى بغير شعور
هلا قرأت ملامح الأم التي *** ذبلت محاسن وجهها المذعور
هلا استمعت إلى بكاء صغيرها *** وإلى أنين فؤادها المفطور
هلا نظرت إلى دموع عفافها *** وإلى جناح إبائها المكسور


ولا بد للمسلمين أن يقوموا لله بواجب إخوانهم..


ألا نفوسٌ أبياتٌ لها هممٌ *** أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ


وربنا قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] «والمسلم أخو المسلم لا يسلمه»، وفي رواية للطبراني: «ولا يسلمه في مصيبة نزلت به» قال العلماء: "لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه".


ومعلوم ما في تفريج الكروبات من الأجور العظام والحسنات، وما في الخذلان من السيئات، والمسلمون للمسلمين أمداد بتقويتهم وإعانتهم، والمدد كان يطلق على العسكر الذي يلحق بالغزو في سبيل الله، فكان عمر يصف أهل اليمن بأنهم الأمداد؛ لأنه قد جاء من جنوب الجزيرة من جاء لمدد إخوانهم..


وقال الإمام البخاري رحمه الله "باب العون بالمدد"، وقد استمد النبي صلى الله عليه وسلم أناسٌ من المسلمين فأمدهم بسبعين من الأنصار والله سبحانه وتعالى يرسل مددًا من الملائكة قال في كتابه العزيز: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: 125].


والمدد منه معنوي ومنه مادي، فيكون مددا بالمال ومددا بالتفريج، ومددًا بالإنقاذ، ومددًا بالعلاج، (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: 32] وهؤلاء النازحون في الداخل واللاجئون في الخارج يحتاجون إلى من يدعوهم ويعينهم ويصبرهم ويحتاجون إلى من يعالجهم ويداويهم ويحتاجون إلى من يؤويهم ويحتاجون إلى من يطعمهم ويكسوهم..


(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة: 71] المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر..


وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز المعاونة على البر والتقوى، وذكر نبيه صلى الله عليه وسلم عون الله للعبد ما العبد في عون أخيه، وإن من أنواع المدد في زمننا هذا المدد بالإعلام، والمدد في المحافل العامة.


وكذلك فإن منها نصرة المظلوم وعدم خذلانه، وأيضًا استعمال الجاه في نصرة الإخوان في الله، وإذا نظرنا إلى تاريخا لوجدنا هذا الأمر واضحًا غاية الوضوح.. فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، وهم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، قال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مُراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان فيك برص فبرئت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن كان فيه برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» قال عمر: فاستغفر لي، فاستغفر له أويس. رواه مسلم.


وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: "خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ , فَرَافَقَنِي مَدَدِي مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ, فَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَزُورًا, فَسَأَلَهُ الْمَدَدِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ, فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ, فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرْقَةِ, وَمَضَيْنَا, فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ, قَالَ: وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذْهَبٌ وَسِلاحٌ مُذْهَبٌ, فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يُغْرِي بِالْمُسْلِمِينَ – أي يحث أصحابه الكفرة على القتال - وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ, فَضَرَبَ الرُّومِيَّ فَخَرَّ مِنْ فَرَسِهِ وَعَلاهُ, فَقَتَلَهُ, فَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلاحَهُ...." الحديث رواه أبو داود وأصله في مسلم .


وهكذا ظهرت الإعانات في حال الأزمات جلية، ففي الهجرة كانت عائشة وأسماء تمدان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في الغار، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار، وهذا نوع مهم من المدد الخبر عن العدو..


وكان عامر بن فهيرة يأتي بمنحة من غنم فيريحها عليهما يعني للشرب، فأنت ترى اتخاذ الأسباب، وأن هناك أمورًا قد حسم لها القتال وأعد الغذاء والعلم بأخبار العدو ووسيلة النقل والمكان ونحو ذلك..


عباد الله: وإن من إمداد المسلمين لإخوانهم ما يحصل بالأطعمة والأكسية، كما كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ، يَسْتَغِيثَهُمْ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَيَسْتَمِدَّهُمْ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي أَرْبَعَةِ آلافِ رَاحِلَةٍ مِنْ طَعَامٍ، فَوَلاهُ قِسْمَتَهَا فِيمَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ، أَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا أَرَدْتُ اللَّهَ وَمَا قَبْلَهُ، فَلا تُدْخِلْ عَلَيَّ الدُّنْيَا. فَقَالَ: خُذْهَا فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ، إِذْ لَمْ تَطْلُبْهُ فَأَبَى. فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنِّي قَدْ وَلِيتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ هَذَا، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قُلْتُ لَكَ، فَقُلْتُ لَهُ كَمَا قُلْتَ لِي، فَأَعْطَانِي فَقَبِلَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَانْصَرَفَ إِلَى عَمَلِهِ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ وَاسْتَغْنَى أَهْلُ الْحِجَازِ، وَأحيوا مَعَ أَوَّلِ الحيا.


وبعث عمرو بن العاص من مصر بعشرين سفينة تحمل الدقيق والسمنة، وبعث ألف بعير وخمسة آلاف كساء وبعث معاوية من الشام بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق وثلاثة آلاف عباءة، وبعث والي الكوفة بألفي بعير تحمل الدقيق..


وهكذا يكون الإمداد، إمداد بالمال وخاصة عندما يكون الناس مجهدون محصورون، وكذلك المواساة بالمركب لمن ليس له مركب، ف«من كان معه فضل ظهره فليعد به على من لا ظهر له»، وهكذا بالمسكن لمن ليس له مسكن إذا كان عند الإنسان فضل في المسكن، وأيضًا الإمداد بالدواء ومن يعالج بالدواء، وقد كان هذا من شأن المسلمين فإن حروبها في القادسية وغيرها كان يأتيهم فيها المدد من إخوانهم الأطباء.


والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا المواساة.. «إن الأشعريين -يعني من أهل اليمن المسلمين القادمين إلى المدينة- كانوا إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في الإناء».


والنبي صلى الله عليه وسلم لما حث الناس عندما رأى قومًا جاءوا حفاة عراة حثهم على الصداقة فاجتمع عنده كوم من طعام وثياب حتى تهلل وجهه..


وهكذا يكون الإمداد بالمساندة الإعلامية بالقنوات والبرامج، وما أشد فعلها في العدو كأنها من جنس ما كان يقوم به حسان بن ثابت رضي الله عنه من الرعاية الإعلامية للمسلمين في شعره والتخبيل والتثبيط للكفار والانتصار ورفع المعنويات للمسلمين، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال في قريش: «فإنه أشد عليها من رشق بالنبل».


وهكذا لما جاء الأسد الضارب بذنبه، أدلع لسانه وجعل يحركه، ويقول: "وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ بِهِ فَرْيَ الأَدِيمِ"، فيكون الإعداد لهذه المواد التي ترفع معنويات المسلمين وتخذل في الأعداء..


وأيضًا ما يكون عن طريق هذه الشبكات من أنواع الإمداد في الكلام المكتوب وغيره من المواد المنقولة في نصرة المسلمين.


وكذلك من أنواع المدد: الإمداد بالرأي والمشورة (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آل عمران: 159] (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [الشورى: 38] .


وعمر رضي الله عنه في قتال الفرس مع سعد بن أبي وقاص لم يدع ذى رأي ولا شرف ولا خطيبا ولا شاعرا ولا وجيها من وجوه الناس إلا سيّره إلى سعد في تلك المواجهة العظيمة بين المسلمين وبين المجوس..


والإمداد بالدعاء كان يفعله عليه الصلاة والسلام لأفراد ومجموعات ممن آمن به «اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين»، فيدعو لأفراد وجماعات ويقول: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف»، ويدعو للضعفاء ويهتم بأمر الضعفاء، ودعاء الضعفاء شأنه عظيم فإنما «تنصرون بضعفائكم»..


إن من أنواع الإمداد: الإمداد بالفتوى وهذا يحتاجونه كثيرًا في هذه الأيام في نوازل وقعت لهم فإذا نزحوا من حي قد أصابه القصف إلى حي آخر فيه بيوت لأناس غير مسكونة، فهل يجوز يا ترى لهم أن يدخلوها بلا إذنهم، وأن يستعملوا ما فيها..


وهكذا من أنواع النوازل التي حصلت حتى في أمور النساء وحصلت في أنواع كثيرة في مواجهة العدو.


عباد الله: عليكم بالإخلاص وتسخير المواهب والقدرات لخدمة إخواننا في العقيدة والدين.


اللهم إنا نسألك أن تكون معهم يا أرحم الراحمين.. اللهم اجمع شملهم على الحق المبين..


ام ناصر**
رفع الله قدرك فى الدارين
واجزل لك العطاء
شكرا لطرحك المميز
وانتقائك الهادف
جعله المولى فى موازين حسناتك
بوركت جهودك غاليتي
أم رائد
بارك الله لك على الطرح الطيب
وجزاك الخير كله
اثابك ورفع من قدرك
ووفقك الله لمايحبه ويرضاه
سنبلة الخير .
جزاك الله عنا خير الجزاء والمثوبه على طرحك القيم
ويعطيك ربي العآفيه على الطرح الرائع..على منقولك
جعلها ربي في مواازين حسناتك
لاحرمنا منك ..آبدآ..ولآمن ابدآعك..
بآنتظار جديدك المتميز

زهره الاسلام
بارك الله فيك اختى الغاليه


التالي

تدبُّرُ ومُدارَسَةُ القرآن - الشيخ محمد صالح المنجد

السابق

مساندة المسلمين لإخوانهم بالدعاء - الشيخ محمد صالح المنجد

كلمات ذات علاقة
محمد , المستغيث , الله , المنجد , الصحى , خلقه , شامي , شنو , وإمداد